أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - بهاء الدين محمد - دروس مستفادة من السياسة الخارجية التركية الجديدة(2)















المزيد.....



دروس مستفادة من السياسة الخارجية التركية الجديدة(2)


بهاء الدين محمد

الحوار المتمدن-العدد: 3428 - 2011 / 7 / 16 - 21:52
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    



دروس مستفادة من
السياسة الخارجية التركية الجديدة(2)


إهداء
إلي صديقي وزميلي الباحث "عمرو الليثي" المهتم بالسياسة الخارجية التركية.

ملخص:

بعد عرض خلفية عامة عن السياسة الخارجية التركية، وتحليل أسس ومبادئ السياسة الخارجية التركية مدعمة بالأدلة الإمبريقية والمنطقية، يستنتج الباحث بعض الدروس المستفادة من التجربة التركية في السياسة الخارجية، ومنها:
1- تغيير الصورة والتصور للدور التركي إقليميا وعالمياً.
2- شجاعة السياسة الخارجية التركية وإستيعابها حتي للأطراف "المغضوب عليها دوليا/ غربياً" والمنبوذة من قبل الغرب.
3- التوفيق بين التحالفات الإستراتيجية والمصالح الوطنية أو المواقف السياسية المستقلة.
4- الفصل/ التفرقة بين التوجهات الأيديولوجية وجوهر المصالح الوطنية.
5- إستقلالية السياسة الخارجية.
6- الإستفادة من دوائر الإنتماء المختلفة لتبوأ دور دولي مؤثر ومتعدد الأبعاد.
7- المزج بين أشكال التغير في السياسة الخارجية مع إستمرار جوهرها.
8- حسن إختيار الظروف والوقت للعب دور مؤثر.
9- تكوين اللوبي التركي في الولايات المتحدة.





مقدمة وخلفية عامة عن السياسة الخارجية التركية:

تعد السياسة الخارجية التركية مدرسة متميزة في السياسة الخارجية وهي تقوم حالياً بدور يشبه دور الإطفائي، حيث تسارع إلي الإنخراط في مشكلات دول الجوار بهدف تحقيق الإستقرار في دول الجوار بما يحقق الأمن القومي التركي والمصلحة الوطنية التركية. وبخاصة لتحقيق الإستقرار في دول الجوار التي تشترك مع تركيا في وجود عرق أو طائفة معينة في كلتيهما، مثل العلويين (12 مليون علوي في تركيا) والأكراد في سوريا والعراق علي الترتيب.

ويذكر أنه بعد الحرب العالمية الثانية لعبت محاولات الإتحاد السوفيتي عام 1947 للسيطرة علي تركيا وخصوصا الملاحة في مضيقي البسفور والدردنيل، لعبت دوراً رئيسا في الصراع بين القوي العظمي في ذلك الوقت وكانت شرارة الحرب الباردة عندما أعلنت بريطانيا أنها غير قادرة علي حماية مناطق نفوذها بتركيا واليونان ضد هيمنة الإتحاد السوفيتي ومحاولات سيطرته ودعمه لعناصر إنفصالية بتلك البلدان، حيث أعلن ترومان مبدأه الشهير بالدفاع عن الحكومات الحرة ضد محاولات الهيمنة عليها ودعم عناصر إنقسامية بها من جانب أطراف دولية –الإتحاد السوفيتي- تحاول فرض نظم سلطوية عليها. ومنذ ذلك الحين كانت تركيا ذراعاً للغرب في محاربة الدب الروسي والإتحاد السوفيتي لاحقاً ومرتكز إستراتيجي لفرض سياسة الإحتواء Policy of Containment- الأمريكية علي الإتحاد السوفيتي، مما أثر بالسلب ليس فقط علي علاقاتها نحو الإتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية، بل أثر أيضا تأثيراً سلبياً علي علاقاتها بالدول العربية التي كانت لها توجهات إشتراكية وتعتمد علي دعم الإتحاد السوفيتي عسكرياً وأيديولوجياً أو تلك المناوئة للمشروع الغربي في المنطقة. فضلاً عن إنعدام الثقة بين العرب والأتراك نتيجة سيادة صورة نمطية لدي الطرفين تتمثل الصورة النمطية لدي الأتراك في أن العرب ثاروا علي الدولة العثمانية أو خانوها وتحالفوا ضدها، وتتمثل الصورة النمطية لدي العرب نحو الأتراك في أنهم أحتلوا بلدان العرب لمدة أربعة قرون، ويعتبرها –من يطلق عليهم- الإسلاميون أنها دولة قامت علي جريمة تاريخية هي إنهاء الخلافة الإسلامية.
وسوف يحلل المقال ملامح التغير في هذه السياسة التركية وعلاقاتها بالعرب.

ويعتبر أحمد داود أوغلو (1959 -) هو مهندس السياسة الخارجية التركية ، وهو وزير خارجية تركيا. هو أستاذ للعلوم السياسية (العلاقات الدولية). وفي 1 مايو 2009 عين وزيرًا للخارجية في تركيا، وكان قبل ذلك المستشار الرئيسي لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان.

أسس ومبادئ السياسة الخارجية التركية الجديدة:

وللتعرف علي أسس السياسة الخارجية التركية الجديدة وفقا لمهندسها وخبيرها أحمد داوود أوغلو، لا يمكن تجاهل مقالته المنشورة بجريدة النهار اللبنانية بعنوان " سياسة تركيا في الشرق الاوسط والعلاقات التركية - المصرية "(1)، والتي يحدد فيها 6 أسس للسياسة الخارجية التركية الجديدة كما يراها وهي :

1- التوازن السليم بين الحرية والامن، وهدفه تحقيق الأمن القومي ومواجهة مخاطر الإرهاب مع عدم تقليص الحريات.
2- تصفير المشكلات مع دول الجوار، ويقصد به تحسين العلاقات مع سوريا وبلغاريا والعراق وإيران وروسيا، وتشكيل آليات للحوار الإستراتيجي مع تلك الدول علي أعلي مستوي
3- التأثير في الاقاليم الداخلية والخارجية لدول الجوار، ويقصد به تأثير تركيا في البلقان والشرق الاوسط والقوقاز وآسيا الوسطى. وتظهر في هذا السياق لعب تركيا دور في ازمتي البوسنة والهرسك وكوسوفو، ومشكلة حزب العمال الكردستاني والازمة السورية – التركية خلال عقد التسعينات. ويؤكد وزير الخارجية أن صورة سلبية وإدراك خاطئ وأزمة ثقة بين العرب وتركيا "تأطرت هذه الصورة السلبية في زعم الاتراك ان العرب قد خانوا الدولة العثمانية وطعنوها في ظهرها، وزعم العرب ان الاتراك قد احتلوا العرب لأربعة قرون.". ولكن تركيا من خلال سياستها الخارجية البرجماتية أستطاعت أن تبني جسور للتواصل الفعال مع العرب.
4- السياسة الخارجية المتعددة البعد، ويعني الإتساق في السياسة الخارجية وعدم تعارض توجهاتها تجاه الدول والمنظمات الدولية. فتركيا تعمل علي تدعيم علاقاتها الإستراتيجية بالولايات المتحدة في إطار حلف الناتو وفي إطار علاقاتهم الثنائية، وكذلك تدعم علاقاتها مع روسيا والإتحاد الأوروبي، وفي الوقت الذي نجدها تدافع عن بعض قضايا العرب وفي مقدمتها حقوق الشعب الفلسطيني وتنتقد ممارسات إسرائيل الإجرامية، نجدها أيضا تقيم علاقات إستراتيجية في مجالات عسكرية وإقتصادية مع إسرائيل، دون أن يحدث ذلك تعارض أو عدم إتساق في سياستها الخارجية.
5- الديبلوماسية المتناغمة، ويعتمد هذا المبدأ علي تبلور حالة من التوافق والانسجام بين الاستراتيجية الكبرى للدولة والاستراتيجيات الصغيرة للشركات والافراد والمؤسسات ومؤسسات المجتمع المدني. بحيث يتوافق سلوك اللاعبين الدوليين من غير الدول -سواء شركات تركية أو جمعيات رجال أعمل- مع سلوك الدولة التركية وسياستها الخارجية. تركيا المنفتحة علي أفريقيا والعرب من خلال حصولها علي عضوية مراقب بالإتحاد الإفريقي والجامعة العربية وتشكيل المنتدى التركي – العربي.، وعضويتها الكاملة في العديد من المنظمات الدولية، استضافتها للمؤتمرات والقمم الدولية مثل قمة الناتو ومنظمة المؤتمر الإسلامي، يصاحب هذا الإنفتاح تفاعل موازي لمؤسسات المجتمع المدني التركية وإتحادات المستثمرين وجمعيات رجال الأعمال التركية مع الدول العربية والإفريقية والإسلامية بشكل متناغم مع توجهات الدولة وسياستها الخارجية.
6- اسلوب ديبلوماسي جديد، أي رسم خريطة جديدة لتركيا تجعلها مرشحة لأداء دور مركزي: وأن تكون دولة قادرة على انتاج الافكار والحلول في محافل الشرق ومنتدياته، رافعة هويتها الشرقية دون امتعاض، ودولة قادرة على مناقشة مستقبل اوروبا داخل محافل اوروبا ومنتدياتها من خلال نظرتها الاوروبية. وهذه الرؤية ليست موجهة للديبلوماسيين والسياسيين وحدهم بل للمثقفين ايضا، اذ ان الوصول الى نتائج ايجابية في هذه الرؤية يعد امرا مستحيلا دون اعادة تهيئة المثقف وتطويره في نموذج جديد.

وبالإضافة إلي هذه المبادئ والأسس المعلنة يري الباحث أن "إستخدام القوة الناعمة والإرث الإستراتيجي للإمبراطورية العثمانية في الشرق الأوسط"(2) يعتبر من أهم المبادئ التي بني عليها أوغلو سياسة بلاده الخارجية. فهو يعتبر أبرز الباحثين في وعن البعد الثقافي في العلاقات الدولية يحاول الإستفادة من الثقافة المشتركة بين العرب والمسلمين وبين تركيا في توسيع دائرة نفوذ تركيا وتأثيرها في محيطها الإقليمي. وهذا لا يتعارض البتة مع حفاظ تركيا علي علاقاتها وتحالفاتها الإستراتيجية بالولايات المتحدة ودول حلف الناتو وإصرارها علي الإنضام إلي الإتحاد الأوروبي.


وعن سياسة تركيا في الشرق الأوسط ، يحدد وزير الخارجية ثلاث مبادئ هي:

المبدأ الاول هو احلال الامن وكفالته لكل شخص دون تمييز بين مجموعة واخرى، ودولة واخرى. والمبدأ الثاني هو الارتقاء بمستوى الحوار السياسي الى اعلى درجة، ويعد المبدأ الثالث المتمثل في الترابط الاقتصادي المتبادل الذي من شأنه ان يحقق التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة ركيزة وشرطا اساسيا لاحلال السلام بالمنطقة.

ويخصص الكاتب بقية مقاله للحديث عن العلاقات المصرية- التركية، حيث يؤكد أن مصر قلب العالم العربي، وأن مصر وتركيا "تمثلان مركزاً لشخصية المنطقة وهويتها، حيث تقع تركيا في قارتي آسيا واوروبا، وتعد جارة لقارة افريقيا، وعلى الشاكلة ذاتها تقع مصر في قارتي افريقيا وآسيا وتعد جارة لقارة أوروبا. ومن ثم فان الاوضاع الجغرافية لكلتا الدولتين تتمم بعضها بعضاً، وتجعل من تركيا ومصر دولتين مركزيتين في المنطقة الأفرو-أوراسية التي تحيط بالشرق الاوسط، وآسيا، وأوراسيا وأوروبا، كما تجعل منهما دولتين جارتين لبعضهما البعض من خلال شرق البحر المتوسط الذي يربط بين شاطئيها. اضافة الى ان مصالح تركيا ومصر تلتقي في محور الاستقرار والامن والسلام في هذه المناطق."(3).


ويحدد الدكتور حسن نافعة أربعة إشكاليات قام حزب العدالة والتنمية بإيجاد حلول لها وهي:

" 1- إشكالية المشاركة السياسية: وذلك بطرح صيغة توفّق بين الإسلام والديمقراطية وتحجّم من قدرة الجيش على التدخل فى الحياة السياسية.

2- إشكالية الهوية: وذلك بطرح صيغة تحقق الانسجام بين معطيات تركيا التاريخية والثقافية والجغرافية وبين واقع سياسى وثقافى وقانونى فُرض على الشعب التركى وأدى إلى اغترابه وعزله عن التفاعل الطبيعى مع محيطه الإسلامى.

3- إشكالية التنمية والتحديث: وذلك بطرح صيغة مكّنت تركيا ليس فقط من تحقيق معدلات تنمية سنوية تعد من أكبر معدلات التنمية فى العالم المعاصر وإنما من ربطها أيضا بمفاهيم تحقق عدالة فى التوزيع وانفتاحا أكبر على العالم الخارجى شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.
4-إشكالية التبعية: وذلك بطرح صيغة فى السياسة الخارجية مكّنت تركيا من الانتقال من دور التابع إلى دور الفاعل المستقل، ومن لعب دور نشط وفاعل على الصعيدين الإقليمى والدولى دون الإخلال، فى الوقت نفسه، بعلاقة ومصالح تركيا الاستراتيجية مع الغرب وحتى مع إسرائيل." (4)

وسوف تقوم الدراسة بتحليل هذه الإشكالية الرابعة بشئ من التفصيل.

تركيا من الناحية الجيوإستراتيجية والجيوسياسية نجدها تقع -وبحق- في قلب العالم (أورآسيا)، فهي تتوسط ثلاث قارات وتحدها ثماني دول وتسيطر علي ممرين مائيين هامين، وهذا الموقع الجغرافي الإستراتيجي مكن الدول الغربية من الإستفادة منه –بتبعية تركيا له- في محاربة الكتلة الشرقية كما سبقت الإشارة في مقدمة البحث، وكذلك مكن حزب العدالة والتنمية من الإستفادة منه ليس فقط في تبني سياسة خارجية رائدة ومستقلة وفاعلة، بل وفي السعي لجعل من تركيا قوة مركزية ومحورية إقليمياً في الشرق الأوسط وأورآسيا وفي العالم أجمع.


الدروس المستفادة

وتعد أهم الإنجازات -في نظر الباحث- لهذه السياسة الخارجية الذكية، هي:

1- تغيير الصورة والتصور للدور التركي إقليميا وعالمياً وفي العالمين العربي والإسلامي والعالم الغربي / الأوروبي. وقدرتها علي التوفيق بين المتناقضات مثل قدرتها علي السعي بجدية للإندماج في الإتحاد الأوروبي والتوجه غرباً، ونشاط سياستها الخارجية الزائد Hyperactivity Foreign Policy في العالم العربي والشرق أوسطي، ومحاولتها الحثيثة لفرض القبول بالدور التركي من خلال نجاحها في إدارة بعض الأزمات والمفاوضات بين أطراف عربية – عربية أو عربية- إسرائيلية.

2- ومن الملفت للنظر أيضا شجاعة السياسة الخارجية التركية وإستيعابها حتي للأطراف "المغضوب عليها دوليا/ غربياً" والمنبوذة من قبل الغرب مثل السودان وحركة حماس. حيث أستقبلت أسطنبول الرئيس السوداني البشير في إطار القمة الأفريقية التركية. وكانت تلك " أول زيارة له منذ طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو استصدار مذكرة توقيف دولية بحق البشير على خلفية اتهامه بجرائم إبادة في إقليم دارفور، غربي السودان"(5). وكذلك اضحي مسئولون حماس محل ترحيب من أنقرة. وأيضا شهدت العلاقات التركية-الإيرانية –رغم تنافسهما- تقارب وتعاون تمثل في تعاون إقتصادي في مجال الطاقة والتجارة وفي مجال الأمن أيضا، وحفز هذا التقارب سقوط صدام. وقد كان هناك تأييد من أردوغان لإعادة إنتخاب الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، وكذلك دعم لحق إيران في الحصول علي طاقة نووية لأغراض سلمية.

3- التوفيق بين التحالفات الإستراتيجية والمصالح الوطنية أو المواقف السياسية المستقلة، هناك علاقات إستراتيجية متينة بين تريكا وإسرائيل يشهد عليها واقع علاقاتهما و سلسلة من إتفاقيات تعاون إستراتيجي، ولكن تدهورت شعبية إسرائيل في تركيا مع حرب لبنان 2006 وحرب/ مذبحة غزة آواخر 2008 إنتهاء بمذبحة "أسطول الحرية" الذي أستشهد فيه مواطنين، وعلي الرغم من وجود تحالف وتعاون إستراتيجي بين البلدين لم يمنع ذلك القيادة السياسية التركية من أخذ مواقف واضحة وحاسمة تجاه العدوان الإسرائيلي ورافضة تماماً له. بل ومطالبة أردوغان بضرورة إعتزار إسرائيل عن عدوانها ودفع تعويضات لعلائات الشهداء الأتراك كشرط لعودة العلاقات لطبيعتها مع إسرائيل. وقد ألغت تركيا عام 2009 مشاركة سلاح الجو الإسرائيلي في التدريبات السنوية التي تقيمها أنقرة.

4- الفصل/ التفرقة بين التوجهات الأيديولوجية وجوهر المصالح الوطنية، فلا شك أن العامل الثقافي يؤثر علي العلاقات العربية-التركية، ولكن الأتراك ينظرون إلي المسألة من منطلق وعي عميق بالمصلحة الوطنية التركية السياسية والإستراتيجية والإقتصادية وليس فقط إنطلاقاً من القيم الحضارية والدينية المشتركة. حيث تستفيد تركيا من قوتها الإقتصادية وتأثيرها السياسي في خدمة مصالحها الإقتصادية عن طريق التعاون الإقتصادي التركي- العربي، فقد "أكد وزير الخارجية التركي أحمد داود اوجلو أمام المنتدى الاقتصادي العربي التركي في اسطنبول أن بلاده تستهدف إرساء منطقة تجارة حرة بدون قيود التأشيرات مع سوريا ولبنان والأردن" (6). وذلك سعياً للتكامل الإقتصادي علي المستوي الإقليمي أكثر منه دعماً للروابط الثقافية بين العرب والأتراك. وكذلك يعمل حزب العدالة والتنمية علي تنبي سياسة خارجية ترتكز بالأساس علي المصلحة الوطنية وليس مبادئ الحزب ومرجعيته الأيديولوجية فقط.

5- إستقلالية السياسة الخارجية، تمارس تركيا سياسة خارجية مستقلة تخلصت من التبعية، بل وأخذت مواقف مستقلة عن حلفاءها الإستراتيجيين أو مناوئة لهم. والمثال البارز علي ذلك رفض تركيا (البرلمان التركي) عام 2003 السماح للقوات الأمريكية الغازية للعراق بالوصول عبر الأراضي التركية. علاوة علي ذلك يمثل التقارب التركي- الإيراني، وسعي الكونجرس الأمريكي لإصدار قرار بالإعتراف بمجازر إبادة الأرمن " على أيدى الأتراك العثمانيين فى الفترة من عام 1915 وحتى عام 1923، والتى راح ضحيتها حوالى 15 مليون أرمينى "(7) عقبات في طريق الإنضمام للإتحاد الأوروبي والإحتفاظ بعلاقات قوية مع واشنطن. ولعل إصرار تركيا علي الإنضمام للإتحاد الأوروبي وإدراك أهمية الإنضام بالرغم من إتخاذ تركيا سياسات قد يتخذها الغرب مبرراً للتشدد في موضوع عضوية تركيا بالإتحاد الأوروبي، يؤكد علي إستقلالية السياسة الخارجية التركية ورفضها التبعية مقابل الحصول علي مكاسب الإنضمام للإتحاد الأوروبي.

6- الإستفادة من دوائر الإنتماء المختلفة لتبوأ دور دولي مؤثر ومتعدد الأبعاد، تعمل تركيا علي الإستفادة من إنتماءاتها المتعدة جغرافياً وحضارياً وإقتصادياً وعسكرياً وسياسياً من أجل دعم دورها الدولي المؤثر في كل دائرة إنمتاء لها، فجغرافياً بالربط بين قارات العالم (آسيا وأوروبا وإفريقيا) وحضارياً بالإنتماء إلي الحضارة الإسلامية والأوروبية أيضا وإقتصادياً وعسكرياً بإنتماءها للدول الصاعدة إقتصادياً وعسكرياً، وسياسياً بإنتماءها للدول الديمقراطية العلمانية.

كل ذلك يعطي لتركيا أدوار متعددة وبرامج متكاملة لسياستها الخارجية، وهي تتبني سياسة خارجية متعددة الأبعاد تهدف للتأثير في دوائر إنتماءها المختلفة، فنجد تركيا تتحاور مع العالم العربي وتعمق روابطها به وتعمل علي تصفير مشكلاتها مع دول الجوار، وتحتفظ بمفاوضات مع أوروبا من أجل الإندماج فيها والتكامل معها في إطار الإتحاد الأوروبي، وتظهر مدافعة عن القضية الفلسطينية دون أن تخسر علاقاتها الإستراتيجية مع تل أبيب وواشنطن. بل وتستخدم نموذج نظامها السياسي وتجربتها الديمقراطية والعلمانية كبديل مقبول يتمني الغرب تعميمه علي دول الشرق الأوسط بما فيها الدول العربية، وتسعي الدول العربية نفسها للإستفادة من النموذج التركي، بما فيها الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية والقوي والتيارات الليبرالية علي حد سواء.

وحتي إن ظهر تناقض بين بعض الدوائر تحرص أنقرة علي تحقيق الإنسجام والإتساق بين برامج سياستها الخارجية وأدوارها الدولية بما يخدم مصالحها الوطنية الآنية والمستقبلية.

7-المزج بين أشكال التغير في السياسة الخارجية مع إستمرار جوهرها، تتمثل أشكال التغيير في السياسة الخارجية في التغير التكيفي: اي في مستوي الإهتمام الموجه إلي قضية معينة، والتغير البرنامجي: اي في أدوات السياسة الخارجية، والتغير في الأهداف، والتغير في توجهات السياسة الخارجية أي "تغير التوجه العام للسياسة الخارجية بما في ذلك الأدوات والإستراتيجيات والأهداف"(8). وتتميز السياسة الخارجية بالجمع بين هذه الأشكال حيث تتغير الأدوات / البرنامجي من الحوار والتفاوض إلي إستخدام القوة المسلحة ضد المتمردين الأكراد شمال العراق أو الإعتماد علي القوي الناعمة والضغط المرن ويعتبر النظام السياسي التركي الديمقراطي الذي يشهد تداول سلمي للسلطة أحد أبرز عناصر قواها الناعمة في وسط محيط إقليمي يشهد صراعات وديكتاتوريات والأصولية، بالإضافة إلي الثقافة والبرامج والأفلام (مثل فيلم وادي الذئاب) والمسلسلات التركية كلها عناصر قوي ناعمة مؤثرة. وتغير تكيفي يتمثل في تغير مستوي الإهتمام ببعض القضايا من وقت لآخر مثل القضية الفلسطينية وقضية الإنضمام للإتحاد الأوروبي وهكذا. ورغم ذلك يظل جوهر السياسة الخارجية هو المصلحة الوطنية وتدعيم الدور التركي المؤثر إقليمياً وعالمياً.

8- حسن إختيار الظروف والوقت للعب دور مؤثر، فقد عادت تركيا إلي التأثير في الساحة العربية مستغلة مذبحة غزة 2009 ونجح رجب طيب أردوغان في إكتساب شعبية كبيرة له ولبلاده حيث تزامنت "العودة التركية الحالية إلي المنطقة مع ترحيب جماهيري عربي كبير ينظر إلي تركيا بإعتبارها لاعبا إقليميا يعود بعد غياب ليتواجه إعلامياً ودبلوماسياً مع دولة الإحتلال الصهيوني، التي تعربد في المنطقة عسكرياً بغطاء أمريكي وعجز شامل من النظام العربي الرسمي"(9).
ولم يتوقف هذا الترحيب بالدور التركي علي المواطن العادي فقط، بل أمتد للمثقفين والنخبة والأكاديميين في الوطن العربي فنجد العديد من برامج التحليل والنقاش بالقنوات الإخبارية تناولت شخصية أردوغان كبطل وليس فقط رئيس وزراء له مواقف إيجابية، ونجد مثلا دكتور معتز بالله عبد الفتاح وهو أكاديمي مرموق وأستاذ للعلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة وبجامعة ميتشجن، يصف أردوغان بأنه قيادة تحويلية- transformational leadership وبأنه براجماتي في إطار مجموعة مبادئ- principled pragmatism ثم يدعوا الله بأن يرزقنا أردوغاناً عربياً.

" إن طيب أردوغان وأمثاله نادرون حقا فى تاريخ الأمم والشعوب ولهم وصف فى الدراسات الأكاديمية بعنوان: «القيادات التحويلية» (transformational leadership). ورغما عن رداءة الترجمة، لكنها تحمل أهم خصائص هذه النوعية من القيادات وهى أنها قيادة مُلهِمة (بكسر الهاء) وليست بالضرورة مُلهَمة (بفتح الهاء) بخصائص ربانية تجعل الآخرين ينظرون إليهم باعتبار أصحابها فوق بقية البشر..... اللهم ارزقنا أردوغان عربيا، ينبه الناس ويرفع الالتباس، ويفكر بحزم ويعمل بعزم ."(10).

9-تكوين اللوبي التركي في الولايات المتحدة، الذي يعمل علي الدفاع عن المصالح التركية ويقوم بحملات ضد القضايا التي من شأنها تشويه صورة تركيا أو تهديد مصالحها. ومن بينهم أعضاء بالكونجرس مثل عضو الكونغرس الأميركي السابق في لويزيانا بوب ليفينغستون والمعروف عنه أنه من أقوى نشطاء اللوبي التركي.



الخلاصة، أن الدور التركي لابد من الإستفادة منه عربياً عن طريق التعاون الدولي مع تركيا والتنسيق معها علي أعلي مستوي في مجال السياسة الخارجية و أيضا بدراسة وفهم وتطبيق الدروس المستفادة -عربياً- من سياستها الخارجية وعدم الإكتفاء بالترحيب بالدور التركي شعبياً أو قبوله رسمياً كدور موازي للنفوذ الإيراني المتصاعد، إذ يؤكد دكتور مصطفي اللباد أن :
"الدور التركي ثقلاً موازياً في مواجهة إيران وليس بالضرورة للرغبة في التعاون مع تركيا بحد ذاته، جرياً علي المثل العربي الشائع: قبول تركيا "ليس حباً في علي ولكن كرهاً في معاوية!" "(11).


فلابد من تدعيم الحوار الإستراتيجي العربي-التركي، وخلق وتدعيم المصالح الإقتصادية المشتركة بل والتكامل الإقتصادي الإقليمي بين تركيا والعالم العربي أيضا وبخاصة في ظل الصعوبات التي تواجهها تركيا في طريقها للتكامل مع أوروبا في إطار الإتحاد الأوروبي. ولعل السؤال الأولي بالدراسة الأن هو ما هو أثر ثورات الربيع العربي علي مستقبل العلاقات العربية-التركية.





هوامش:

(1) أحمد داوود أوغلو، " سياسة تركيا في الشرق الاوسط والعلاقات التركية – المصرية"،(جريدة النهار اللبنانية: 25.26/6/2010).

(2) Ziya Meral and Jonathan Paris, " Decoding Turkish Foreign Policy Hyperactivity ", (THE WASHINGTON QUARTERLY: OCTOBER 2010). P 80.
أو (ترجمة المقال)
زيا ميرال، جوناثان س. باريس، "تحليل النشاط الزائد للسياسة الخارجية التركية"، (سلسلة ترجمات الزيتونة: العدد 60، أكتوبر 2010 – مركز الزيتونة للدراسات والإستشارات-بيروت) ص 7.

(3) أحمد داوود أوغلو، مرجع السابق.

(4) حسن نافعة، " العرب والنموذج التركى فى السياسة الخارجية"، (المصري اليوم: 3/07/2011 ). متاح علي الرابط أدناه:
http://www.almasryalyoum.com/node/473746 تاريخ الدخول : [7/13/2011 1:32 AM].

(5) ، " قمة أفريقية تركية في إسطنبول بحضور البشير "، (موقع الجزيرة.نت:19/8/2008). متاح علي الرابط أدناه:
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/286D06E1-2BD6-4AF1-9097-F4BBABA2BE20.htm , تاريخ الدخول: [7/13/2011 2:55 AM].

(6) محمود مختار، " هل تعصف مذبحة "أسطول الحرية " بالعلاقات التجارية التركية الإسرائيلية ؟ "، (المحيط شبكة الإعلام العربية: 13 – 6 – 2010). متاح علي الرابط أدناه:
http://www.moheet.com/show_files.aspx?fid=384256 , [7/13/2011 3:32 AM]. تاريخ الدخول

(7) بشير عبد الفتاح، "الأرمن وأزمة السياسة الخارجية التركية"، (السياسة الدولية: العدد 143، يناير 2001).

(8) محمد السيد سليم، "تحليل السياسة الخارجية"، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1998). ص 100.

(9) مصطفي اللباد، "تركيا والعرب.. شروط التعاون المثمر" في محمد عبد العاطي (محرر)، "تركيا بين تحديات الداخل رهانات الخارج"، (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2009) ص 212.

ومتاح علي موقع مركز الجزيرة للدراسات علي الرابط أدناه:
http://www.aljazeera.net/mritems/streams/2009/11/24/1_954353_1_51.pdf

(10) معتز بالله عبد الفتاح، " تركيا والعرب: بين أردوغان والامتهان"، (الشروق: 5 يونيو 2010).

(11) مصطفي اللباد، مرجع سابق، ص 218.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,558,022,173
- دروس مستفادة من السياسة الخارجية التركية الجديدة
- دور المجتمع المدني في التحول الديمقراطي
- لماذا لا نتقدم؟؟! (1) : -فكرة المسار الحرج-
- مقترحات من أجل مبادرة -القضاء على إعلام الفتنة الطائفية-
- النظام العام أولاً
- عرض نقدي لمقالة: -الجوهر الديمقراطي للإسلام- Islams Democrat ...
- مقترح بحثي : اثر العولمة علي حقوق الانسان
- مجتمع الاستيعاب
- -نظريتي X & Y لمكاجريجور-
- الإستقطاب والإختيار والتعيين في الحكومة الأمريكية: مع التطبي ...
- تحليل سياسي لفيلم: -فيلم المحاورون/المناقشون العظماء -The Gr ...
- الثورة والفن: (دراسة في المفاهيم والمقولات النظرية والأدبيات ...
- حجج في الرد علي المرجعية الدينية
- عرض نقدي لمقالة: -اليابان: نحو دور أكبر في النظام الدولي-
- القوات المسلحة الصينية
- وثيقة الدستور
- العزلة السي أتش-سلفية
- الديمقراطية والإيمان
- الثورة والديمقراطية


المزيد.....




- محامي ترامب الشخصي يقول إنه لن يتعاون مع تحقيق الكونغرس لعزل ...
- ناسا تقدم موعد أول رحلة سير فضائية بطاقم نسائي
- فيديو: صدامات في برشلونة بين الشرطة ومحتجين يؤيدون استقلال إ ...
- محامي ترامب الشخصي يقول إنه لن يتعاون مع تحقيق الكونغرس لعزل ...
- لماذا تعارض الأنظمة العربية وإسرائيل -نبع السلام- التركية؟
- اتحاد الكرة المصري يعلن الموقف النهائي لمباراة القمة بين الأ ...
- بالفيديو... أهداف مباراة الجزائر وكولومبيا (3-0) الودية
- وزارة الصحة السودانية تعلن ولاية كسلا منطقة موبوءة بالضنك وا ...
- الجيش المصري يستعد لمعركة حقيقية بالذخيرة الحية
- الصين تدعو تركيا إلى وقف القتال في سوريا والعودة إلى المسار ...


المزيد.....

- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب
- اطروحة التقاطع والالتقاء بين الواقعية البنيوية والهجومية الد ... / علاء هادي الحطاب
- الاستراتيجيه الاسرائيله تجاه الامن الإقليمي (دراسة نظرية تحل ... / بشير النجاب
- ترامب ... الهيمنة و الحرب الاميركية المنسية / فارس آل سلمان
- مهددات الأمن المائي في دول حوض النيل قراءة في طبيعة الميزان ... / عمر يحي احمد
- دراسات (Derasat) .. أربع مقالات للدكتور خالد الرويحي / موسى راكان موسى
- مفهوم ( التكييف الهيكلي ) الامبريالي واضراره على الشعوب النا ... / مؤيد عليوي
- الحياة الفكرية في الولايات المتحدة / تاليف لويس بيري ترجمة الفرد عصفور
- الحرب السريه ضد روسيا السوفياتيه / ميشيل سايرس و البير كاهين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - بهاء الدين محمد - دروس مستفادة من السياسة الخارجية التركية الجديدة(2)