أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي أوعسري - تأملات في المسألة الدستورية في ظل المتغيرات الإقليمية والوطنية















المزيد.....



تأملات في المسألة الدستورية في ظل المتغيرات الإقليمية والوطنية


علي أوعسري

الحوار المتمدن-العدد: 3421 - 2011 / 7 / 9 - 23:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بعد أن طويت صفحة الاستفتاء الدستوري، بمخاضاتها وبجدالاتها وبحدة نقاشاتها، أي إجمالا بما لها وما عليها، ها نحن من جديد أمام واقع لا يرتفع، أمام واقع موضوعي يبدو لنا أشد تعقيدا من ذي قبل، أي من الذي كان قبل عودة المسألة الدستورية للنقاش العمومي اثر الخطاب الملكي ل 9 مارس الذي جاء بعد تشكل حركة شبابية 20 فبراير ومطالبتها بإصلاحات دستورية وسياسية واجتماعية وعلى رأسها محاربة الفساد. وقد جاءت هذه التطورات الوطنية في ظل تغيرات إقليمية غير مسبوقة، وهي تغيرات دراماتيكية وتاريخية خاصة تلك التي عرفتها تونس.

1- في السياق التاريخي والإقليمي لعودة النقاش الدستوري
في الحالة التونسية، يمكن القول أن ما جرى هو تكثيف لحركة التاريخ بالمعنى المادي، أي أن الثورة التونسية هي تعبير مكثف عن المادية الدياليكتيكية والتاريخية لحركة التاريخ التي لها بشكل عام منحى تقدميا، برغم ما قد يتمظهر فيها، في مراحل تاريخية معينة، من انحباس أو ارتداد، وهذه بالضبط هي حتمية التاريخ التي تقتضيها وتحكمها قوانين موضوعية –فوق ذاتية- لتلك العلاقات الاجتماعية من الإنتاج.
غير أن حتمية التاريخ الموضوعية هذه ليست دائما في وارد الحسبان أو التنبؤ سلفا، بل هي حتمية فجائية ما إن تتوفر لها الشروط التاريخية والظروف الموضوعية-الاجتماعية حتى تفعل فعلها الدراماتيكي-الثوري في بنية اجتماعية محددة هي، بحكم صيرورة تناقضاتها الاجتماعية الطبقية، توجد في مرحلة أزمة موضوعية وتاريخية لا يمكن معها التطور إلا بذلك الفعل الدراماتيكي "الثورة نموذجا" الذي يفتح لها إمكانات التقدم التاريخي الذي، في هذه المرحلة التاريخية الكونية من العولمة، ليس سوى إمكانات الانتقال الديمقراطي الفعلي.
على أن هذا الانتقال الديمقراطي ليس سوى محاولات الإنسانية جمعاء تعميم القيم الكونية وخاصة الديمقراطية الليبرالية (أو قل الديمقراطية البرجوازية بالتعبير الماركسي) التي تنبني أساسا على العقلانية والحداثة وفصل الدين عن الدولة في أفق تأسيس وتعميم مفهوم الدولة المدنية في سائر الدول التي لازالت تعاني من التخلف/التأخر التاريخي الذي يجد الأسس الموضوعية لديمومته في عدم فك الارتباط التاريخي والثقافي بين الحياة السياسية المدنية –بما هي إشكالية بناء الدولة الديمقراطية وبما هي مشترك إنساني حضاري كوني- والدين باعتباره مقدسا ومسألة فردية فيها من الاختلاف والتعدد ما لا يمكن تدبيره جماعيا في إطار دولة دينية قروسطية.
حتى لا نطيل في هذا المعنى التاريخي لما حدث إقليميا، لا بد لنا من التأكيد على التميز والفرادة التاريخية والثقافية في الحالة التونسية. لذا لا غرابة في كون ما جرى في تونس فاجأ كل المهتمين وكل الدوائر الإقليمية والدولية، بل إن ما جرى في تونس داهم حتى الدوائر الرأسمالية المركزية الضيقة ذات الدراسات الاستراتيجية العميقة. هذا ما نقصده بفجائية التاريخ. تبدو هذه الفجائية واضحة من خلال رصد مواقف الدول الرأسمالية الكبرى من تطور الأحداث في تونس، خاصة الموقف الفرنسي المتذبذب طوال هذه الأحداث والذي لم يحسم إلا والرئيس التونسي المخلوع في طائرته يحاول الاتجاه نحو فرنسا، قبل أن تعلن فرنسا موقفها النهائي بعدم استضافة زين العابدين بنعلي.
أما ما جرى في مصر فعلى ما يبدو أنه كان متوقعا، بل كشفت تطورات الأحداث بعد خلع الرئيس حسني مبارك أن ما جرى تدخلت فيه قوى سياسية مصرية الى جانب حركة الشباب، بحيث أنها وضعت خطة لذلك، وهو ما يبدو من خلال صمود بعض من تلك القوى –وهي إسلامية في معظمها- في موقعة الجمال التي عجلت بالإطاحة بالرئيس المصري حسني مبارك.
كذلك، فان ما جرى في مصر لم يكن منفلتا –عكس الحالة التونسية- عن تدخلات القوى الرأسمالية، خاصة أمريكا وفرنسا، التي بعد عجزها عن الإمساك بخيوط الأحداث الفجائية في تونس، عادت وواكبت الأحداث في مصر حتى تجد لها وضعا مريحا بعد الإطاحة بحسني مبارك، بل يمكن القول أن هذه القوى ساهمت في الإطاحة بحسني مبارك ما إن ضمنت أن الثورة المصرية لن تحدث اختراقات وتغييرات في الوضع الاستراتيجي وفي المصالح الاستراتيجية لهذه القوى الدولية، وطبعا في المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية.
في هذا السياق فان المجلس العسكري الذي تولى تدبير المرحلة الانتقالية سرعان ما أكد على عدم المساس بكل الاتفاقات التي أبرمتها مصر من قبل، وهي رسائل في اتجاه إسرائيل خصوصا اتفاقية كامب دايفيد. وفي السياسة فان مثل هذه الرسائل ليست بمعزل عن تفاهمات قبلية ربما جرت بين المجلس العسكري والقوى الرأسمالية للحفاظ على وضع استراتيجي لا يمكن المساس به تحت تأثير حركات جماهيرية في هذا البلد أو ذاك.
بدون النظر في عمق الأمور، وبدون محاولات حثيثة لاستقراء الوضع الإقليمي قراءة تاريخية واجتماعية –وليس فقط سياسية- خرج علينا أصحاب نظرية الربيع العربي فاعتقدوا، في واحدة من أكثر الصور تعبيرا عن سخرية التاريخ، أن الفرصة مواتية لاستنساخ ما جرى إقليميا في كل دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، ومن ضمنها المغرب طبعا. في حينه كنا كتبنا مقالا تحليليا بعنوان " في نقد إسقاط ما يجري في تونس ومصر من أحداث على الواقع المغربي" (الأحداث المغربية في حلقتين: الحلقة الأولى، ص 18، 10 مارس 2011، العدد 4296، الحلقة الثانية، ص 17، 14 مارس 2011، العدد 4299) أكدنا فيه أن بلادنا لن تعرف بالضرورة نفس الأحداث كما هي في تونس أو مصر. كان أملنا من ذلك المقال المساهمة في إيجاد أنجع السبل الممكنة لتحقيق الديمقراطية في بلادنا ولمحاربة الفساد فيها، لكن بشكل عقلاني يأخذ بالحسبان تميز الوضع التاريخي والاجتماعي والثقافي المغربي. ذلك أن كل مقارنة تبسيطية سطحية بين الوضع ببلادنا وما يجري في دول إقليمية سينتج عنه لا محالة تبديد الجهد وفقدان الحركة الجماهيرية ببلادنا لبوصلتها، وهذا ما يحدث اليوم.
غير أنه في سياق الضغط الإقليمي ربما بدا لأصحاب نظرية الربيع العربي أن كل من يدعو، في نضاله، الى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار تميز الواقع الموضوعي والتاريخي والثقافي المغربي إنما هو يحاول عبثا درئ التأثيرات الثورية للوضع الإقليمي على بلادنا. وتبعا لذلك كان ينظر الى أصحاب التميز هذا كما لو أنهم يمينيون رجعيون يحاولون عبثا إيقاف حركية التاريخ. الأمر ليس كذلك على الإطلاق. أصحاب التميز فيهم الماديون التاريخيون الذين ينظرون الى تعقد صيرورة التاريخ بما هي علاقة دياليكتيكية بين العام والخاص، بين الكوني والمحلي، بين الكوننة والوطننة. ومن ثم فهم تقدميون لهم وعي تاريخي مطابق وليس وعي إيديولوجي لاتاريخي.
ولئن كانت حركية التاريخ في منحى التقدم الدياليكتيكي –كما وضحنا سابقا- وفي أفق كوننة كل التجارب الإنسانية المعاصرة، في تميزها، لتعميم نموذج الديمقراطية الليبرالية كأفق إنساني كوني مشترك في هذه المرحلة التاريخية الراهنة من العولمة، ولئن كان ذلك كذلك فان كل مجتمع له، في صيرورة تقدمه، تميزه الخاص، أي أن تطوره نحو الديمقراطية الليبرالية تحكمه قوانين خاصة هي بالضبط أشكال محددة من القوانين العامة التي تحكم كوننة العالم في المرحلة الراهنة. وتبعا لهذا، فان أية محاولة في البحث عن التميز –وليس الخصوصية- المغربي هي مدخل عقلاني وليس يوتوبي لكل تغيير حقيقي نحو الديمقراطية.
أما ركوب موجة الربيع العربي واعتبار اللحظة مواتية لاستنساخ ما جرى –وما يجري- من دون الأخذ بعين الاعتبار الظروف الاجتماعية والشرط التاريخي المميز لبلادنا، فكنا نعرف مسبقا أنه لن يؤتي شيئا على مستوى الديمقراطية وهذا بالضبط ما آل إليه الوضع في بلادنا اليوم بعد الاستفتاء الدستوري بحسب رأي أصحاب الربيع العربي أنفسهم.
إن الوضع الإقليمي وان كان محفزا ودافعا لإثارة إشكالية الديمقراطية بشكل عام في المغرب –وليس فقط الإشكالية الدستورية- فانه، أي الوضع الإقليمي على العكس من ذلك، حينما يستحوذ على كل تفكير وعلى كل ممارسة سياسية، يستحيل عائقا إيديولوجيا لاتاريخيا ينتصب أمام كل محاولات عقلانية للانتقال الى الديمقراطية بحسب تميز الشروط التاريخية والاجتماعية والثقافية لكل بلد على حدة. انه بالضبط ما جرى ببلادنا منذ فبراير الى اليوم. وهذا هو مأزقنا نجتره في كل مرحلة تاريخية محددة بدون أن نقوى على تجاوزه في أفق استنباط مسببات ومداخل موضوعية ووطنية للانتقال الى الديمقراطية الفعلية.
إجمالا يمكن القول أن مأزق الانتقال الى الديمقراطية في بلادنا هو هو مأزق النخبة السياسية، وخاصة الثقافية التي من سمتها الأساسية الانتظارية التاريخية، عدم القدرة على الحسم، الشعبوية، الاستنساخ، غياب الوعي المطابق، سيادة الوعي الإيديولوجي، عدم الانتصار للقيم الكونية المشتركة الراهنة. في غياب كل هذه المقومات الأساسية، فان خطاب هذه النخبة لا يلقى صدى كبيرا في الجماهير التي، عند تنظيمها، قد تصبح صانعة ومحركة التاريخ، لكن بغياب تنظيمها وفعلها السياسي لا يمكن انجاز أي شيء اللهم بعض التوافقات الفوقية بين السلطة وبعض من النخبة السياسية لتحقيق مصالح طبقية مشتركة.
بهذا المعنى الجماهيري المحرك للتاريخ يمكننا فهم لماذا نجحت الثورة في تونس وفي مصر، ولماذا استعصى استنساخ نفس التجارب الثورية في بلادنا؛ بكل بساطة هناك هوة كبيرة بين الكتلة الجماهيرية، بوعيها وبتمثلاتها، والتي لها عالمها الخاص، بما هو عالم أحلام وأماني وتطلعات مشروعة، وبين النخبة التي بوعيها الإيديولوجي، لا التاريخي المطابق، هي عاجزة كل العجز عن تحريك تلك الكتلة الجماهيرية القادرة وحدها على تحريك التاريخ.

2- في تأثير المتغيرات الإقليمية والوطنية على الوثيقة الدستورية
عود على إشكالية الوضع الإقليمي وتأثيراته السلبية على صيرورة الديمقراطية ببلادنا. لقد جاء الخطاب الملكي ل 9 مارس بسقف عال عما آلت إليه الوثيقة الدستورية. لا أناقش هنا الجزئيات الدستورية بقدر ما أناقش الآفاق التي جاء بها خطاب 9 مارس ومقارنتها، أي هذه الآفاق، بما جاءت به الوثيقة الدستورية. ورغم هذا التفاوت الذي حصل بين الخطاب الملكي ل 9 مارس وطبيعة الوثيقة الدستورية، وهو تفاوت له ما يبرره إقليميا ودوليا أكثر منه وطنيا، إلا أننا نعتبر أن الوثيقة الدستورية ليست هي الهدف في حد ذاته، انها تظل وثيقة تاريخية تعكس دياليكتيكيا هشاشة ميزان القوى وتشرذمه على المستوى الوطني في مقابل لملمة المخزن لوضعه المهتز اثر ما جرى في تونس تحديدا، عبر استناده الى قوى داخلية (حزبية ونقابية ومدنية ودينية) ودولية (فرنسا وأمريكا ومجلس التعاون الخليجي ومن ضمنه السعودية تحديدا).
إن كل هذه اللملمة المخزنية للوضع الداخلي لا يمكن عزلها عن تطورات إقليمية كانت لها خصوصيات وملابسات ورهانات جيواستراتيجية خطيرة على المنطقة، لعل أبرزها ما جرى ويجري في ليبيا تحديدا. في هذا السياق كنا كتبنا مقالا عن الوضع الليبي ومخاطره على شمال إفريقيا إبان اندلاع الأزمة في ليبيا بعنوان (في مخاطر الأزمة الليبية على منطقة شمال إفريقيا، الأحداث المغربية، ركن منتدى الأحداث ص. 10، الاثنين 28 مارس 2011، العدد 4311).
إن الأزمة (حتى لا نقول الثورة في الحالة الليبية) في ليبيا وان كانت تبدو وليدة حاجة موضوعية وتاريخية وطنية في الديمقراطية وفي حقوق الإنسان، بسبب من ضغط النموذج الكوني في الديمقراطية وفي الحداثة، إلا أنها في العمق هي نتاج مخطط إقليمي إخواني رجعي (دول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها قطر) ودولي ذي نزعة استعمارية جديدة، وعلى رأسه فرنسا تحديدا. في تونس ومصر واليمن والبحرين، وحتى سوريا بنسبة أٌقل، جرت المظاهرات في عواصم هذه الدول، وتحت رايات هذه الدول، وهذا له دلالاته الوطنية من حيث أن الحركات الجماهيرية في هذه الدول هي تعبير عن حاجات وطنية في التغيير. أما في ليبيا فالأمر مختلف تماما.
في كل هذه الدول تم قمع المتظاهرين الذين استماتوا في مسيراتهم السلمية التي هي تعبير صريح عن حاجة موضوعية ورغبة وطنية ملحة في الديمقراطية. في ليبيا ما إن تم قمع المتظاهرين لأول مرة في بنغازي حتى سارت الأمور في اتجاه الانزلاق الى حرب أهلية. لم تكد تخرج هذه الحرب الأهلية من قمقمها حتى وجدت، لديمومتها، الوقود الكافي في ذلك المخطط الجهنمي الذي قادته قوى عربية اخوانية رجعية وأخرى دولية ذات نزعة استعمارية جديدة. فضلا عن ذلك، رأينا كيف رفعت في بنغازي أعلام الحقبة الملكية الليبية وهو ما كان يؤشر منذ البداية الى أن الشعب الليبي سينقسم الى داعمين لأصحاب الرايات الخضر في طرابلس وأصحاب الرايات الملكية في بنغازي. أليس هذا الذي جرى تقسيم لليبيا!
في هذا السياق، هل يمكن لحركة جماهيرية ديمقراطية مهما بلغت ذروتها أن تستطيع السيطرة على الثكنات العسكرية ومصادرة الأسلحة وعزل بنغازي عن التراب الوطني الليبي وتحويلها الى قاعدة خلفية للمخابرات الإقليمية والدولية من دون أي تخطيط إقليمي ودولي مسبق!... كيف يمكن أن نفهم هرولة "الجامعة العربية" تحت ضغط مجلس التعاون الخليجي الرجعي الى استصدار قرار من مجلس الأمن ل"حماية المدنيين" في ليبيا وإعطاء الضوء الأخضر للناتو لتخريب البنية التحتية الليبية وقتل المزيد من المدنيين ?.... هل حظر الطيران يعني قصف المدن والبلدات ومقدرات الشعب الليبي من بنية تحتية ومنشآت مدنية ?... كيف يمكن لنا أن نفهم عزل ليبيا عن "الجامعة العربية" وبتلك السرعة غير المبررة ?...
إذا كان هذا جديدا في العلاقات الدولية والإقليمية فينبغي أن تطبقه هذه "الجامعة العربية" في حق سوريا التي يسفك فيها النظام البعثي أرواح المواطنين السوريين على مدار الساعة ومنذ شهور... أين هم دعاة القومية العربية الذين يجعلون من دمشق والنظام البعثي فيها قاعدتهم الخلفية في كل ما يطرحونه من أفكار ببلادنا ?... لماذا ظل الناتو يتفرج على سفك دماء السوريين الذين نقدر لهم حفاظهم على سلمية احتجاجاتهم وعلى وطنية واستقلالية حركتهم الجماهيرية، برغم ما حاكه النظام السوري ضدهم من تهم باستعمال السلاح والتآمر مع جهات خارجية لضرب الاستقرار وإسقاط آخر "معاقل الممانعة" على حد تعبير القوميين العرب.
إن أية مقارنة بسيطة لتعامل "الجامعة العربية" والناتو في الحالة الليبية والسورية، من شأنها إماطة اللثام عن حقيقة المخطط الذي يستهدف الشعب الليبي في استقراره وفي مستقبله. لقد تم اختطاف الحركة الجماهيرية الليبية الديمقراطية الفتية العنفوانية غير المنظمة، ووأدها في المهد، من طرف أناس ينتمون الى النظام الليبي –وهم مسؤولون عن الأزمة الليبية- ومن طرف قوى اسلاموية مقيمة بالخارج كانت تتحين الفرصة المواتية لإقامة دولة الخلافة ومن شخصيات لا دور لها في التاريخ الليبي ومن حركات سلفية راديكالية، وربما من تنظيم القاعدة؛ هؤلاء جميعا ارتموا في أحضان الرجعية العربية والدولية فاستخرجوا علم العهد الملكي ونصبوه في بنغازي والمناطق الشرقية (عمليا ليبيا مقسمة وهي في حرب أهلية).
أصحاب موجة الربيع العربي عندنا في المغرب يعيشون انفصاما غريب الأطوار، فهم مع "الثورات العربية" حتى وان كان لها الحنين الى استرجاع العهد الملكي كما هو حاصل اليوم في ليبيا. في مقابل ذلك منهم من ضد الملكية البرلمانية في بلادنا. انه الكيل بمكيالين. ينبغي على هؤلاء القيام بنقد للوضع من دون إسقاط ايديولوجياتهم إن هم أرادوا فعلا للشعب المغربي الانتقال الى الديمقراطية... ما يهمنا نحن هنا هو الوضوح، وان كان أحيانا نشازا. إن ما يجري في ليبيا هو محاولة احتلال غير مباشر وهو تدخل في الشؤون الداخلية لدولة لها سيادتها ومجالها الوطني.
فبدون الحفاظ على السيادة والمجال الوطنيين اللذين فيهما يمكن لأي صراع وطني أن يجري، بدون ذلك فإننا نجدنا أمام محاولة فرض أجندات مكشوفة على الشعب الليبي من طرف قوى إقليمية ودولية استعمارية جديدة تسعى الى السيطرة على خيرات البلاد بعد تدميرها كليا. إن لعبة المصالح في العلاقات الدولية واضحة جدا. هل يعقل أن ينخرط الناتو، وخاصة فرنسا، في حرب مكلفة ومدمرة على ليبيا دعما ل"الثوار" فقط حبا لهم في الله ?... هل فرنسا، التي تجاوزت قرار مجلس الأمن الدولي، بإنزالها السلاح في الجبل الأخضر الليبي على شاكلة المنظمات الإرهابية، هل تفعل كل هذا فقط حماية للمدنيين الليبيين أم أن لها مصالح استراتيجية سترهن مصير الشعب الليبي مستقبلا ?... الأمور واضحة وعلى كل ديمقراطي أن يدلو بدلوه في هذه الإشكالية.
في هذا السياق، ورغم دفاعنا عن الأمازيغية، في حالتنا الوطنية، باعتبارها ليست فقط مكونا تاريخيا للهوية الوطنية، بل انعكاسا لمدى استعداد الدولة والمجتمع للتقدم نحو الديمقراطية والحداثة وتأسيس الدولة المدنية، رغم هذا كله فنحن ضد أن ترتبط تاريخيا قضية الأمازيغية في ليبيا بتدخل قوى إقليمية وخليجية رجعية واستعمارية دولية. ليس هناك مجال للحديث عن الديمقراطية حينما تستباح الحدود والسيادة الوطنية، خاصة من طرف قوى رجعية واستعمارية. لذا فإن القضية الأمازيغية، باعتبارها توجد في صلب الرهانات الديمقراطية، ينبغي لها أن تحل حلا ديمقراطيا وطنيا وليس في سياق التدخلات الأجنبية كيف ما كانت ظروف الاستبداد المحلي. وبالتالي فان موقفنا واضح في هذه النقطة بالذات.... نحن ضد أن تنبثق الأمازيغية في ليبيا أو في أي بلد شمال إفريقي تحت ضربات الناتو، لأن هذا لا يليق بها كإرث إنساني مشترك وكقيمة تحررية ظلت في هذه المنطقة تدافع عن الأرض ضد كل الحملات الخارجية منذ فجر التاريخ.
ما يهمنا هنا، وفي العلاقة مع المسألة الدستورية، هو أن هذه المتغيرات الإقليمية، التي فيها ظل الوضع الليبي يراوح مكانه ولم يحسم بسرعة كما توقع الناتو و"الجامعة العربية"، كان لها وقع سلبي على صيرورة الإصلاحات الدستورية والسياسية ببلادنا. إن الأحداث خاصة في تونس، بما هي جماهيرية فجائية حافظت عن طابعها الوطني والمستقل، زعزعت كيان المخزن المغربي الذي سرعان ما خرج بجملة من الإجراءات الاجتماعية الاستعجالية (تنصيب أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي، الإعلان عن توظيف 4300 من الأطر العليا) وأيضا جملة من الإجراءات السياسية والدستورية (خطاب 9 مارس) وكذلك الحقوقية (تأسيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، الإفراج عن بعض المعتقلين السياسيين وتنصيب أحدهم للتو في المجلس الاقتصادي والاجتماعي). كل هذا كان يؤشر على إمكانات التقدم نحو الديمقراطية تحت ضغط إقليمي لا يرحم.
هذا الضغط الإقليمي سرعان ما تلاشى بعد أن أخذت الأحداث في ليبيا منحى تراجيديا مسلحا بات أقرب الى التمرد والحرب الأهلية والتدخل الخارجي منه الى تحقيق الديمقراطية، ذلك أن القضية الليبية أضحت بعد هذه التطورات قضية دولية تعدت أبعادها مسألة الديمقراطية الى تدخلات أجنبية برهانات إقليمية واستراتيجية واضحة هدفها الأساس إعادة تشكيل المنطقة بما يلاءم توافق وتقاطع المصالح الدولية، خاصة بين فرنسا وأمريكا.
هذا التمفصل التاريخي الاستراتيجي، بما هو في العمق التفاف على الحركة الجماهيرية العامة من طرف قوى إقليمية ودولية رجعية، ولد انحباسا في الحركة الجماهيرية الديمقراطية في معظم الدول التي كانت تشهد حراكا احتجاجيا وجماهيريا كان من المفترض أن يتجذر بما يمكن الحركة الجماهيرية من تحقيق أهدافها في التغيير نحو الديمقراطية. في ظل هذا التمفصل، خسرت إذن الحركة الجماهيرية الديمقراطية الليبية رهاناتها وباتت رهينة مخططات إقليمية ودولية لا علاقة لها بمسألة الديمقراطية. بل إن تطورات الأحداث تعدى هذه الحركة الجماهيرية ولم يعد لها أثر في مسرح الأحداث الليبية. لم نعد نرى تظاهرات جماهيرية سلمية بقدر ما صرنا نرى جماعات مسلحة وقناة الجزيرة القطرية معها أين حلت وارتحلت.
هذا التمفصل كان قاتلا للحركة الجماهيرية في العديد من الدول ومن ضمنها الحركة الجماهيرية المغربية الممثلة في 20 فبراير، خاصة وأن مكونات هذه الحركة ما كان لها أن تستشعر هذا التمفصل بالذات حتى تتهيأ لهذا التحول وتكيف من برنامجها النضالي ومن خطابها الذي ظل في معظمه خطابا عنفوانيا يوتوبيا راديكاليا شعبويا أبعد ما يكون من استشعار طبيعة تلك اللحظة المفصلية التي عمل المخزن على قراءتها بعقلانية وبعمق.
ما كان أمام المخزن، والحال هذه، إلا الرجوع أساليب القمع والاعتقال في حق الحركات الاحتجاجية (دكاترة التعليم المدرسي الذين خاضوا شهرين من الإضراب والأساتذة المجازون الذين كاد أن يستشهد أحدهم بفعل القمع الممنهج)، وفي حق حركة 20 فبراير ما أدى الى استشهاد أعضاء من الحركة. ونحن هنا مع ضرورة فتح تحقيق شفاف ونزيه لاستجلاء ملابسات تلك التدخلات الهمجية، ومع ضرورة محاسبة المتورطين في قمع كل الحركات الاحتجاجية والشبابية.
اظافة الى ذلك عمد المخزن الى تعبئة النقابات للالتفاف على مطالب الحركة الاحتجاجية المطلبية التي عرفت أوجها في قطاع التعليم هذا العام، وكذا الى تعبئة الأحزاب للالتفاف على مطالب الشارع وحركة 20 فبراير في التغيير. إن الطريقة التي انتهى إليها معتصم دكاترة التعليم المدرسي الذي دام شهرين (من 18 فبراير الى 20 أبريل) يعد مثالا واضحا على تعبئة المخزن للنقابات في محاولة لوأد الحركة الاحتجاجية المطلبية لمجموعة من الفئات المهمشة.
إن النقابات التعليمية الأربع (الاتحاد الوطني للشغل، الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، الفيدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين) اختارت رفع معتصم دكاترة التعليم المدرسي الذي دام شهرين بطريقة مخزية لم يكن يتوقعها أكثر المتشائمين من العمل النقابي ببلادنا ( وأنا ضمن هؤلاء المتشائمين). ذلك أن هذه النقابات عملت على صياغة بلاغ مشترك صوري يوم 15 ابريل تتدعي فيه توصلها مع وزارة التربية الوطنية الى اتفاق يقضي بحل شمولي لملف دكاترة التعليم المدرسي على ثلاث مراحل، ومن ثم عملت على ترهيب وتخويف قواعدها من الدكاترة مؤكدين لهم أن كل من لم يلتحق حالا سوف يعزل من الوظيفة العمومية.
لقد تمكنوا من خلق فوضى عارمة في معتصم الدكاترة ببلاغ صوري تأكد في حينه انه لا يعني الوزارة في شيء ولا يحمل توقيعها. إن لجوء هذه النقابات الى نسف النضال الأسطوري لدكاترة التعليم المدرسي لم يكن وليد قرار هذه النقابات، بل كان بإيعاز من الدولة التي كانت امام استحقاق اجتماعي للأسف لم تكن ترغب في انجازه. ربما كان الشيء نفسه مع فئات تعليمية ومهنية أخرى لم تجد في النقابات سوى الكولسة وبيع الأوهام والتخلي عن نضال هذه الفئات في اللحظات المصيرية.
هكذا تمكن المخزن من تعبئة النقابات، وكذلك كان الحال في المجال السياسي والدستوري مع الأحزاب. إن الأحزاب التي ارتضت لنفسها العمل السياسي في حقل منغلق قبل أحداث تونس، لن يرجى منها شيء؛ بعد أحداث تونس استفاقت هذه الأحزاب على حين غرة ولم تجد ما به تواجه واقعا تاريخيا تشكل، أو قل هو قيد التشكل، في غفلة منها سوى ترديد اسطوانة الإصلاحات الدستورية. بل إن بعضها ادعى لنفسه شرف إثارة النقاش الدستوري منذ استقلال المغرب. لقد ركبت الأحزاب موجة 20 فبراير بعد أن اتضحت لها قوتها وإصرارها على النزول الى الشارع. كان ذلك بعد أن كالت لنشطاء 20 فبراير الشتائم، بل وصفوهم بشتى أنواع الفسوق والانحلال الخلقي.
بعد أن لم ينفعها هذا السب والقذف والتجريح، دخلت الأحزاب على خط حركة 20 فبراير في محاولة لتطويعها... كانت في ذلك في وضع متذبذب وفي وضع انتظاري قاتل. لم تدل بدلوها في طبيعة اللحظة التاريخية ومستلزماتها. جاءها الخطاب الملكي ل 9 مارس، وهو خطاب ما كان ليكون في حينه في غياب حركة 20 فبراير، بردا وسلاما، ففكت عقدة لسانها، نهضت فجالت طولا وعرضا في البلاد تنادي بإصلاحات دستورية، بل انها ادعت الفضل في طرح النقاش الدستوري بدون حياء ولا ريب.
ولما دقت الساعة، ساعة حسم الوثيقة الدستورية، وتمت تسريبات هنا وهناك في شكل بالونات اختبار، في هذه اللحظة جند المخزن التقليدي المحافظ قوى سياسية محافظة (الاستقلال، العدالة والتنمية وأحزاب مجهرية أخرى) وسخر لها وسائل الإعلام العمومي لخلط الأوراق في اللحظات الأخيرة التي فيها تم التراجع عن أهم شيء تاريخي في الدستور وهو الإقرار بالدولة المدنية. لقد جاء الدستور على العكس من ذلك ينص بصراحة على الدولة الدينية الممأسسة من خلال دسترة المجلس العلمي الأعلى. لقد ضاعت الفرصة التاريخية ولم نتقدم الى الإمام قيد أنملة.



3- في مآل الوضع بعد الحسم في المسألة الدستورية
رغم كل هذا نحن لسنا عدميين، على غرار البعض، فنحن نحترم كل المواطنين المغاربة الذين صوتوا بنعم على الدستور، ولا نستطيع أن نصفهم ب"البلطجية". بل نؤكد على شيء أساسي مفاده عدم الخلط بين مشروعية الدستور، باعتباره وثيقة تاريخية خاضعة للاستفتاء من مرحلة الى أخرى، وشرعية المؤسسة الملكية التي كنا نناضل من أجل أن تتبوأ فيها الشرعية التاريخية والديمقراطية والحداثية الصدارة، فإذا بالدستور يحاول منحها الشرعية الدينية من جديد. إن في ذلك خطر استراتيجي لأن منطق التاريخ وتطور الإنسانية أضحيا على النقيض من أية شرعية مستمدة من الدين.
الملكية في المغرب تحضى بقبول أغلب مكونات الشعب المغربي، وهذا القبول تاريخي وشعبي وهو ليس مجال استفتاء. من هنا تستمد الملكية شرعيتها القوية التي كانت تؤهلها الى حسم مسألة الدولة المدنية وإبعاد الدين عن الدولة في تطابق مع مقتضيات العصر. إلا أن بعض القوى المخزنية والحزبية المحافظة، حاولت تمويه الحقائق وحاولت في خطابها أن تجعل من الاستفتاء على الدستور، الذي بطبيعته قابل للنقاش والاختلاف والاستفتاء، وكأنه استفتاء على شرعية الملكية التي قلنا أنها ليست مجال استفتاء بحكم توافق الشعب المغربي عليها والتفافه حولها.
هذا الخلط الذي مارسته قوى حزبية ومخزنية ودينية محافظة فوت الفرصة على تقدم الشعب المغربي الى الأمام، كما أنه كرس في الوعي الشعبي كون الاستفتاء على الدستور هو هو استفتاء على الملكية... وفي هذا خطر ليس يوازيه سوى خطر الشعبوية حينما تنفلت من عقالها. الشعبوية قاتلة للتاريخ وقاتلة للحركة الجماهيرية. إن من يمارسون هذه الشعبوية سواء من التيارات الاسلاموية أو من التيارات البرجوازية التقليدية، أو من التيارات الماركسية الأصولية يشكلون خطرا على مستقبل البلاد الذي فيه لن ينعم المغاربة بحقوقهم سواسية إلا بتحقيق الدولة المدنية التي تضمن حق كل الأفراد والأقليات. هذه الأقليات قد تصبح في غياب الدولة المدنية فاقدة لحقوقها ومعرضة لاستبداد وقهر الجماعة باسم الدين.
لقد حاول المحافظون الذين بعثروا الأوراق في الوقت الميت أن يوهموا الرأي العام أن شرعية المؤسسة الملكية هي هي مشروعية الدستور، حتى أن الدوائر الدينية الرسمية خصصت للاستفتاء على مشروع الدستور خطبة من خطب الجمعة، وهو شيء لا ينم على الإطلاق أننا نتجه نحو التأسيس لدولة مدنية.
ليس المهم هو شكل النظام في ذاته، أهو ملكية برلمانية أم شيء أخر، بل المهم في اعتقادي هو فصل الدين عن الدولة والتدبير الديمقراطي لمسألة التعدد اللغوي والثقافي بعد الإقرار به دستوريا، والإيمان بهذا التعدد من طرف النخبة السياسية والثقافية. للأسف هذه أشياء لازلنا نفتقر إليها ثقافة وسلوكا وممارسة... الكل ركب موجة ترسيم الأمازيغية، لكن هذا لا يعني أننا أمام حسم تاريخي لمسألة الإقرار بالتعدد ولمسألة فصل الدين عن الدولة. هذه هي رهانات المستقبل.
حينما تكون أطراف تقدمية حداثية في خوف من إمكانية سيطرة قوى أصولية على الساحة السياسية ببلادنا مستقبلا، في ظل عدم الحسم في الدولة المدنية دستوريا، فهي تصطف الى جانب المؤسسة الملكية التي قد تحفظ لها هامشا من الحرية الدينية، كذلك الأمر بالنسبة للمجموعات الثقافية واللغوية التي، في ظل عدم سيادة ثقافة التعدد والحداثة ممارسة وفكرا، تراها تلجأ الى حماية المؤسسة الملكية. وهذه أمور تحول موضوعيا دون الانتقال الى نظام الملكية البرلمانية. معنى هذا أنه ما لم تتوافق النخبة السياسية والثقافية على مشروع مجتمعي ديمقراطي مدني يضمن الحقوق الفردية والجماعية لجميع مكونات الشعب المغربي، ما لم يتحقق ذلك فانه من الصعب تصور الانتقال الى نظام الملكية البرلمانية الذي فيه يسود الملك ولا يحكم. لذا فان مسألة تحقيق الديمقراطية هي في عمقها إشكالية ثقافية بامتياز.
بهذا المعنى التاريخي الثقافي يمكن القول أن ما جاءت به الوثيقة الدستورية هو انعكاس طبيعي لوضع اجتماعي وسياسي وثقافي تاريخي سمته الأساسية التأخر عن الركب والحضارة الإنسانيتين.
في الختام لا بد لنا من التأكيد على أن الانتقال الى الديمقراطية له كلفة اجتماعية على الدولة أن تتحلى بالشجاعة الكاملة لتنفيذ ما عليها من الاستحقاقات في المستوى الاجتماعي. إن الحكومة الحالية أضحت عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية التي كانت سببا في سيل من الإضرابات التي همت كل المرافق العمومية بما يؤشر على نوع من التفكك والفوضى في المرفق العمومي.
كذلك، لازالت هناك ملفات عالقة لا ينبغي لأية حكومة مقبلة القفز عليها. ومن ضمن هذه الملفات ملف الأطر العليا المعطلة التي صدر في حقهم مرسوم بالتوظيف المباشر الى غاية نهاية سنة 2011. هذا يعني أن الدولة عليها استحقاق توظيف كل الأطر المعطلة والحاصلة على دبلوماتها قبل متم 2011. وأي تراجع عن هذا المرسوم الذي صادق عليه المجلس الحكومي يعتبر تراجعا واضحا ونية معلنة عن عدم الوفاء بالالتزامات وهو ما يجعل شعارات الدولة في المرحلة المقبلة محل شك وريب.
دائما في المستوى الاجتماعي، فإن الدولة ملزمة بحل ملف دكاترة الوظيفة العمومية، وعلى رأسها ملف دكاترة التعليم المدرسي الذي تعرض لتواطئات مكشوفة منذ عقد من الزمن؛ فبدون حل ملف الدكاترة فان البحث العلمي ومصير الجامعة المغربية سيراوحان مكانهما، ولن نتمكن في المدى المنظور من تحقيق تنمية شاملة. وربما كنا في حاجة في المستقبل الى استيراد خبراء وأساتذة جامعيين أجانب بعد أن تم إهدار كل هذه الطاقات من الدكاترة.
أما على المستوى السياسي فيبدو أن أولوية الأولويات هي محاربة الفساد، وتقديم المتورطين الى العدالة وفتح تحقيق في كل الملفات التي شابتها خروقات واختلاسات وهدر للمال العام. كذلك ينبغي إطلاق كافة المعتقلين السياسيين بما فيهم معتقلو طلبة الحركة الثقافية الأمازيغية الذين لا يدافع عنهم لا الأحزاب ولا المنضمات الحقوقية ولا الطبقة الحقوقية.
دائما على المستوى السياسي وفي ارتباط بالانتخابات التي يبدو أن الدولة عازمة على تسريع تنظيمها، نود التأكيد على مسألة أساسية وهي أن الحقل السياسي المنغلق، والذي فيه تتبارى نفس الوجوه ونفس الزعامات التي لم تكن سابقا في مستوى تطلعات الشعب المغربي ولا كانت في مستوى اللحظة التاريخية المفصلية التي مرت بها بلادنا هذه السنة، هذا الحقل السياسي بوضعه الراهن هذا لن يستطيع فرز لا برلمان قوي ولا حكومة قوية ولا رئيس حكومة قوي.
هذه هي أزمة السياسة ببلادنا، انها أزمة تاريخية وثقافية. ولما تكون الأزمة تاريخية وثقافية فمن الصعب تجاوزها في المدى المنظور برتوشات دستورية أو بخطابات إعلامية جوفاء أو بمناورات حزبية من هنا وهناك. الدولة تعيد تكرار نفس الأخطاء، فهي من جهة مولت حملة الاستفتاء الدستوري لبعض الأحزاب الحكومية، ومن جهة أخرى تحاول جادة شل حركة 20 فبراير وقمعها.
كيف يمكن إذن في ظل هذا الوضع فرز نخبة سياسية جديدة مؤهلة، بدونها لا شيء يلوح في الأفق، وسنظل ندور في الفراغ لأن الأحزاب الحالية غير قادرة على استنهاض الفعل الجماهيري المنظم الذي بدونه لن نتقدم الى الأمام. من هنا يبدو لنا أن الحكومة المقبلة لن تكون سوى نسخة طبق الأصل للحكومات السابقة؛ وبالتالي فان الرهانات والمطالب الاجتماعية والحقوقية ستظل مؤجلة الى حين... ما يحتم على القوى الحية ضرورة النضال السياسي والاجتماعي والثقافي وعدم رهن الحركة الجماهيرية فقط في المطالب الدستورية التي لن تغير الواقع بدون فعل سياسي وثقافي واجتماعي منظم.
إن رهن الحركة الجماهيرية فقط في المسألة الدستورية سيجعلها تنقسم بين مؤيدين ورافضين، وهذا التقاطب هو ما بدأنا نلحظه بعد الاستفتاء الدستوري، وهو تقاطب لن يزيد الحركة الجماهيرية سوى ضعفا وتشرذما وانزلاقا الى معارك هامشية هي في غنى عنها. ينبغي للحركة الجماهيرية أن ترقى الى اللحظة التاريخية وتدبر اختلافاتها بشكل ديمقراطي وان تعي أن التاريخ هو من صنع الجماهير لكن شرط أن تنتصر على الايديولوجيا والوهم. الايديولوجيا تقوض كل توافق سياسي على الحدود الدنيا التي بدونها لن تستطيع أية حركة جماهيرية لا تحقيق أهدافها ولا حتى الاستمرار في فعلها النضالي.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,466,879,858
- في نقد البيان الديمقراطي
- أية آفاق بعد إقصاء دكاترة التعليم المدرسي من نتائج الحوار ال ...
- في اعتصام الدكاترة العاملين بقطاع التعليم المدرسي: يوم مأساو ...
- في مخاطر الأزمة الليبية على منطقة شمال إفريقيا
- في إضراب دكاترة قطاع التعليم المدرسي تتكثف أزمة السياسة التع ...
- ملف دكاترة التعليم المدرسي بعد أسبوعين من الإضراب المفتوح
- استثناء الدكاترة من تسوية ملفات الفئات التعليمية وضرورة محاس ...
- في نقد إسقاط ما يجري في تونس ومصر من أحداث على الواقع المغرب ...
- في جديد و تعقد ما يجرى في تونس من أحداث
- في السؤال الثقافي: بخصوص تنامي وتيرة الدعوات والبيانات الثقا ...
- قراءة مركبة في أحداث العيون: رهانات وتحديات ما بعد مخيم أكدي ...
- بين تقرير اللجنة الأممية حول التمييز العنصري ومزاعم اختراق إ ...
- سؤال السياسة اليوم
- في المسألة اللغوية: أو الايدولوجيا في المسألة اللغوية
- توضيحات أخرى بخصوص ملف دكاترة قطاع التعليم المدرسي
- مخاطر الشعبوية وهي في قلب البرلمان: استقالة الرميد نموذجا
- توضيحات بخصوص تطورات ومآل ملف دكاترة قطاع التعليم المدرسي
- -فعاليات- الشعب المغربي في خيمة القذافي
- تبعثر الحقل الاجتماعي وأزمة علاقة النقابي والسياسي
- مأزق الوزارة في ملف الدكاترة العاملين بقطاع التعليم المدرسي


المزيد.....




- مقتل 11 مدنيا بينهم أم وأطفالها الستة بغارات جوية استهدفت مح ...
- RT تزور جدة عضو الكونغرس رشيدة طليب
- مظاهرات في موسكو عقب إقصاء معارضين من الانتخابات والكرملين ي ...
- مظاهرات في موسكو عقب إقصاء معارضين من الانتخابات والكرملين ي ...
- عمره 70 عاما.. ماذا تعرف عن فن البوب؟
- هل -الجزيرة- شوكة لا يبتلعها حلق دول الحصار؟
- الجزائر.. لجنة استشارية للحوار الوطني تبحث الخروج من المأزق ...
- 11 نقطة تشرح لك أبرز ما جاء في وثائق المرحلة الانتقالية بالس ...
- ما الجهات التي لم يسرّها اتفاق السودانيين؟
- هبطت اضطراريا بحقل ذرة.. تفاصيل مرعبة سبقت هبوط الطائرة الرو ...


المزيد.....

- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- اللاشعور بحث في خفايا النفس الإنسانية / جان كلود فيلو - ترجمة علي أسعد وطفة
- رأسمالية المدرسة في عالم متغير :الوظيفة الاستلابية للعنف الر ... / علي أسعد وطفة
- الجمود والتجديد في العقلية العربية : مكاشفات نقدية / د. علي أسعد وطفة
- علم الاجتماع المدرسي : بنيوية الظاهرة الاجتماعية ووظيفتها ال ... / علي أسعد وطفة
- فلسفة الحب والجنس / بيير بورني - ترجمة علي أسعد وطفة
- من صدمة المستقبل إلى الموجة الثالثة : التربية في المجتمع ما ... / علي أسعد وطفة
- : محددات السلوك النيابي الانتخابي ودينامياته في دولة الكويت ... / علي أسعد وطفة
- التعصب ماهية وانتشارا في الوطن العربي / علي أسعد وطفة وعبد الرحمن الأحمد
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي أوعسري - تأملات في المسألة الدستورية في ظل المتغيرات الإقليمية والوطنية