أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - محمد عادل زكى - الموجز فى تاريخ السودان الحديث المعاصر






















المزيد.....

الموجز فى تاريخ السودان الحديث المعاصر



محمد عادل زكى
الحوار المتمدن-العدد: 3404 - 2011 / 6 / 22 - 03:17
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


وسأعمد هنا إلى تجاوز الحديث، الموسع، عن الكُُُل الأقدم(فهو لا يعنينى مباشرة) إبتداءًً مِن حضارة "الكرمة" والتى إنتشرت أثارها مِن منطقة دنقلى شمالاًً وحتى جزيرة أرجو جنوباًً، وحضارة "كوش" التى إمتدت مِن 1580 و 750 ق.م، وحضارة "مروى" (الأصول التاريخية للرق فى السودان) وبعد مروى حقبة لا يُعرف، كما فى كل الكتب التى رجعت إليها، عن أخبارها إلا معلومات ضئيلة، حيث حَكم البلاد مجموعات سكانية لم يَتمكن علماء الآثار، كما يُُقال كذلك، مِن معرفة إنتمائها العرقى، ويسمونها المجموعة الحضارية، ويَمتد عصر هذه المجموعة مِن سقوط "مروى" فى القرن الرابع الميلادى إلى ظهور المسيحية فى السودان فى القرن السادس الميلادى وسيادة مذهب "اليعاقبة" والمذهب "الملكانى"، ثم مواجهة التوسع الإسلامى على يد صلاح الدين الأيوبى، وستكون إتفاقية البقط (التى تم توقيعها فى العام 652بين عبد الله بن أبى السرح، حاكم مصر فى زمن الخليفة عثمان بن عفان وبين قليدروث، ملك النوبة) مِن قبيل الحكايات التى تروى للبرهنة على الإجتياح الإسلامى العربى للمجتمعات المستقلة، وللتدليل على ترسيخ الإسلام، من خلال خلفائه، لثقافة الإسترقاق.
إن تجاوزنا الحديث عن تلك المراحل التاريخية، المهمة بلاشك والجوهرية، إنما يرجع إلى الرغبة فى الولوج مُباشرة فى درس الهيكل(المتعين دراسته) وليس(التاريخ) الذى بَرع فيه البعض، أو تستروا به، بدعوى الحديث فى الإقتصاد السياسى، إستكمالاًً لمسيرة الإبتذال، والهزل العِلمى. والأبحاث التافهة. إن إهتمامنا بالتاريخ، فى حقل عِلم الإقتصاد السياسى، يَتعين أن يقف عند الحدود التى تبلورت عندها الظاهرة المتعين فهمها، وهكذا أفهم معنى"ما هو تاريخى" فى عِلم الإقتصاد السياسى. ولذا يتعين البدء مِن أول عدوانية للرأسمال الأجنبى(أجنبى عن الوطن) على الإقتصاد المعاشى بكامل خصوصيته فى السودان، تلك العدوانية التى تَمثلت فى: السيادة العثمانية المصرية على السودان فى الفترة من العام(1821) وحتى الإحتلال البريطانى لمصر فى العام (1882) وهى الفترة التى كانت فيها مصر تحت السيادة العثمانية، وعملت فيها الدولة العثمانية على توسيع نفوذها بالتوسع جنوباًً، بالتعاون مع حاكم مصر محمد على، الباحث عن الذهب والرقيق(الجنود) وهو الأمر(أى تجارة الرقيق) الذى تم تجريمه، شكلياًً، مع الإستعمار الأوروبى لمصر، والذى إمتد إلى السودان، مع عدم غياب الدور المصرى؛ إذ ظل الدور المصرى قائماًً ولكنه كان محدوداًً وشكلياًً.
القرن التاسع عشر
ولكن قبل أن ننتقل إلى تكوين الوعى التاريخى فثمة ملحوظة أخرى مهمة من المتعين إبرازها، وهى تلك المتعلقة بالمنظور الحدودى للسودان، فقد جرت العادة، دون أدنى مراجعة، حتى بات من الأمور المستقرة تناول السودان ككل، على أساس الحدود الإستعمارية التى تم ترسيمها بعد الإجتياح الإستعمارى للسودان، بدء من الهجمة الإستعمارية التركية المصرية، وإنتهاءًً بالهجمة المصرية البريطانية، ومن ثم سيُُصبح صحيحاًً لدى البعض، وهو خطأ، النظر إلى الأجزاء المختلفة وبصفة خاصة فى الجنوب كأجزاء متمردة وخارجة عن سلطان الدولة المركزية، على الرغم من انها لم تكن لتخضع لتلك السلطة فى يوم من الأيام قبل تلك الهجمات الإستعمارية وترسيم الحدود وفقاًً لمصالح رأس المال الغربى فى تحركاته المقسِِمَة للقارة الإفريقية.
أود أن أقول ان الحكى التاريخى يتعين أن يكون على هدى من فهم مدى الإستقلالية التاريخية لتلك الأجزاء المكونة للسودان قبل الإستعمار، ومن ثم فهم مدى الإدماج القسرى لتلك الأجزاء فى كيان واحد غير متجانس على الإطلاق وإنما متناحر ومتصارع، ودوماًً من ثم إستغلال هذا التناحر وذلك الصراع من أجل حفاظ الحكومة المركزية على وجودها من خلال الإستفادة بتلك الصراعات بل ومحاولات تأجيجها. فحينما يمر علينا أن الحكومة أخضعت دارفور مثلاًً، يجب الوعى بأنها أخضعتها إبتداءًً من عملية توسع إمبريالى، وليس كأحد الأجزاء السودانية الخارجة على الحاكم، أو متمردة على السلطة كما يُُقال. فأنا لا أفهم معنى كلمة "تمرد" التى كانت تستخدم فى زمن الإستعمار، وبصراحة لم أستطع إجبار نفسى على فهم نفس الكلمة بعد الإستقلال. وبصفة خاصة الآن.
إبتداءًً من هذه الملاحظة يمكن أن نتقدم لبحث الوضع فى السودان مع أول عدوانية لرأس المال على الإقتصاد المعاشى فى السودان بكل خصوصيته الإجتماعية، والتى تمثلت مع أول حملات محمد على، إلى الجنوب وفتح السودان ضمن مشروع توسعى إمبريالى، إذ يُمكن القول بأن السودان تم غزوه بثلاثة جيوش على فترات متقاربة(فى الفترة من 1820 وحتى 1823) فهناك حملة "إسماعيل"، ثم حملة "إبراهيم" التى بلغت حدود قبائل "الدنكا" فى الجنوب، ثم حملة صهر "محمد على" باشا، "محمد بك الدفتر دار"، وتظل الحملة التى قادها "إسماعيل" باشا، الأبن الأصغر لمحمد على باشا، هى الأهم والأشهر تاريخياًً، إذ فى منتصف عام 1821 تمكن "إسماعيل" باشا، قائد الحملة، من فرض سيطرته العسكرية على أجزاء واسعة من الأراضى السودانية(بربر، وشندى، وسنار) وذلك بمساعدة من "الشايقية" وهى واحدة من أهم القبائل المكونة "للجعليين" الذين أحكموا سيطرتهم على مجمل المساحات المتأخمة لنهر النيل، من شماله حيث "الدناقلة" إلى جنوبه حيث البقارة- رعاة البقر"، ومن المعروف تاريخياًً أن "الشايقية" قد إرتبطوا برجال الإدارة المصرية منذ عام 1821، وذلك عقب هزيمتهم بصعوبة بالغة على يد حملة إسماعيل باشا، فلم يستسلم الشايقية إلا بعد حرب ضروس. وكان لوقوع "صفية" إبنة "صبير" أحد ملوكهم فى أسر إسماعيل، وإكرامها وإرجاعها إلى أبيها الملك"صبير" الأثر الواضح فى إنشاء العلاقة بين الشايقية وبين الإدارة المصرية، فقد كان لتلك الواقعة الدور الرئيسى فى دخول "صبير" تحت لواء الإدارة المصرية وتبعه فى ذلك باقى الشايقية، والذين أصبحوا منذ ذلك الوقت منضوين تحت لواء الجيش المصرى وإشتركوا فى غزو "سلطنة الفونج" وفتح "الجزيرة"، كما منحتهم الإدارة المصرية مساحات من الإراضى قرب مصب النيل الأزرق، وقد ظل "الشايقية" على ولائهم لنظام "محمد على" بعد أن ضمن لهم هذا الولاء الهيمنة على الأرض وبسط النفوذ الحربى، حتى وبعد أن إشتد إعصار المهدية الجامح، كما سنرى، وسقوط الخرطوم فى يناير 1885.
لم تكن فترة "إسماعيل" باشا، قائد الحملة، من الفترات الطيبة بالنسبة للسودان وبصفة خاصة بالنسبة "للفونج"، فقد مارست الإدارة المصرية سياساتها الضريبة على نحو قاسى أدى إلى إنهاك الناس وهجرتهم وتركهم لأراضيهم وبيوتهم، الأمر الذى أفضى فى المنتهى إلى ثورة عارمة أودت بحياة "إسماعيل" باشا، ولم تكن أحداث تلك الثورة لتمر بتهدئة الثوار والسماع إليهم وإصلاح النظام الضريبى، وإنما أصدر"محمد على"قراره بقمع الثورة وأمر بتحرك الجيش(ومن ضمنه الشايقيون) بقيادة الدفتردار؛ لتدمير تلك الأجزاء التى ثارت وقتلت إبنه إسماعيل، وبمرور الوقت، وبعد قمع الثوار، أدرك "محمد على" ان السودان لا يمكن حكمها من المركز فى القاهرة، وإنما يجب تعيين حاكم عام، قوى، لها يتولى أمرها، إذ كانت السنوات من 1821 وحتى 1826 سنوات مرتبكة فى حكم السودان، تخللها إنشاء الخرطوم سنة 1825.
الحاكم العام
وبالفعل قرر"محمد على" تولية "خورشيد باشا" الذى إستأنف سياسة سلفه "عثمان بك" الإصلاحية والتى تهدف إلى ضمان إنسياب "القيمة الزائدة المنتجة محلياًً" إلى القاهرة، إذ عمل"خورشيد باشا" منذ توليه منصبه كحاكم عام للسودان على إعادة الهدوء إلى "الأرض" وتشجيع مَن هجرها على العودة إليها فقد قام "خورشيد باشا" بوضع نظاماًً ضريباًً يُشجع على الرجوع إلى الأرض، وهو الأمر الذى يعنى من الوجهة الثانية تنشيط حركة الإتجار فى العبيد لأن السادة لا يعملون بالفلاحة والنشاط الزراعى بوجه عام، بل العبيد هم فقط الذين يقومون بتلك الأعمال، فمعنى الرجوع إلى الأرض أن يتم تنشيط تلقائى لتجارة العبيد؛ لأن ركود تلك التجارة إنما يعنى ضعف الإنتاج الزراعى وربما توقفه، وتوقف الإنتاج الذى يتم ضخه إلى الخارج عن طريق الإدارة المركزية فى القاهرة إنما يعنى زعزعة المركز الذى تسعى الإدارة إلى إحتلاله فى تقسيم العمل على الصعيد الدولى. ومن ثم فقد قام "خورشيد باشا" نفسه بقيادة مجموعة من حملات القنص فى أعالى النيل وعلى طول حدود أثيوبيا فى الفترة من 1827 وحتى 1833.
تعاقب على منصب الحكم العام بعد "خورشيد" مجموعة من الحكام العامين ولكن الضعف كان هو السمة السائدة فيهم جميعاًً، فبعد "خورشيد باشا" تولى المنصب" أحمد باشا أبو ودان" الذى كان بمثابة صورة مهزوزة ليس إلا لمؤسسة الحكم المصرى فى السودان، فلم يكن فى مخيلته إتمام المشروع التوسعى، وكان معظم همه محاولات يائسة وبائسة فى السيطرة على حركات (التمرد!!)
وبعد وفاة "أبو ودان"فى 1843، شهد السودان حالة من الفوضى، بعبارة أدق المزيد من الفوضى، فبالإضافة لحالة الفوضى التى كانت تشهدها السودان فقد مات محمد على، وخلفه إبن أخيه "عباس الأول" ومع تولى "عباس" الحكم فى القاهرة تردت الأوضاع وساءت إلى أقصى الحدود وأصبح السودان مكان المغضوب عليهم من رجال الإدارة فى القاهرة، ولم يكن فى ذهن "عباس" على الإطلاق المحافظة على فتوحات جده محمد على، ومن ثم لم يكن لديه أى تصور عن أى شكل من أشكال التوسع.
المديريات الخمس
وبعد وفاة "عباس الأول" فى عام 1854، تولى الحُُكم فى القاهرة الخديوى "سعيد باشا" وقد قرر إصلاح ما أفسده سلفه "عباس الأول"، وبالنسبة للسودان فقد ذهب إليها فى يناير عام 1857، وإنزعج من الوضع البائس التى تعيشه السودان، فقرر إعادة تنظيمها بتقريره تقسيمها إلى خمس مديريات: سنار، وكردفان، والتاكه، وبربر، ودنقله. ثم أصدر منشوره الإصلاحى القاضى بنزاهة القضاء، وتخفيف عبء الضريبة، ومحاولة القضاء على السخرة. وفى آواخر حكمه عين "موسى" باشا حكمداراًً عاماًً للسودان، والذى على يديه، كحاكم غير مطعون فيه تاريخياًً، نشطت الفتوحات جنوباًً حتى إمتدت إلى منابع نهر النيل فى "ألبرت" و"فيكتوريا"، بيد أن تلك الفترة كذلك شهدت تطوراًً ملحوظاًً فى تجارة العبيد وتكون مؤسسات تمتلك السند الشرعى لتلك التجارة وترى أن محاولة التحريم مناقض للشريعة، وأن أية محاولة للتجريم إنما هى تدخل غير مشروع من قبل السلطة فى تجارة مشروعة، ولا يمكن القول بأن "سعيد" قد تمكن ولو جزئياًً من القضاء على تلك التجارة، إذ يتعين إنتظار مجىء "إسماعيل باشا" كخديوى لمصر، فى سنة 1863، كى نبدأ فى الحديث عن حرب شعواء ضد المؤسسة التى كونها أمراء الرق، والتى صارت طبقة مهيمنة وذات تنظيمات وتركيبات معقدة، إستطاعت أن تفرض نفوذها فى شرق بحر الجبل وبحر الغزال وبصفة خاصة غرب بحر الغزال، حيث كون "الزبير بن رحمة"كما سنرى حالاًً، إمبراطورية لتلك التجارة، للدرجة التى تنازلت معها الإدارة المصرية عن سلطانها فى إقليم بحر الغزال، وإعتبارته حاكماًً له، إعترافاًً منها رسمياًً بمقدار السلطة والهيمنة التى بلغتها أحد وأهم الشخصيات التى تُُلهم سيرتها تتبع التاريخ الموازى للسودان الحديث.إنه "الزبير رحمة "ولسوف نتحدث عنه فى موضعه،بعد قليل.
عصر إسماعيل
بعد وفاة"سعيد" تولى"إسماعيل"الحُُُكم فى القاهرة، ويمكننا القول بأنه من الحكام الذين يثيرون الجدل؛ ولما لا. ففى عصره شهدت مصر نقلة نوعية كبيرة وتطور إجتماعى بارز ، تمثل فى إتمام حفر قناة السويس، وإجراء إصلاحات شاملة على الصعيد الإدارى والقضائى، كما تغيرت معالم القاهرة والإسكندرية فصارتا أشبه بالمدن والعواصم فى أوروبا وبصفة خاصة فرنسا، أيضاًً قام إسماعيل بمد وتوسيع شبكة المواصلات والبريد، كما تم إنشاء العديد من معامل السكر، ومصانع النسيج، ووسع نطاق المطبعة الاميرية، كما جدد إرسال البعثات العلمية، وأنشأ الجمعية الجغرافية المصرية، ودار الكتب المصرية، كما شهد عصره ظهور الصحافة الحرة حيث أصدر يعقوب صنوع، وهو يهودى مصرى، بالإتفاق مع جمال الدين الأفغانى، ومحمد عبده جريدة (ابو نظارة) فى سنة 1877 لإنتقاد أعمال إسماعيل نفسه وكانت تُُكتب باللغة العامية، كما أسس "تقلا" وأخوه "بشارة" تقلا جريدة الأهرام فى سنة 1876، وأصدر إبراهيم اللقانى (مرآة الشرق) فى أوائل 1879، وأنشا "ميخائيل عبد السيد" جريدة الوطن فى اواخر 1877، إلى غير ذلك من مظاهر النهضة، ولا نغفل بالطبع تسببه، بالإستدانة، فى وضع الإستعمار البريطانى فى حالة تأهب كى تنقض على البلاد!!
أعاد إسماعيل تسليح الجيش مكوناًً جيشاًً قوياًً إستعان به فى إعادة الروح إلى المشروع التوسعى الإستعمارى الذى بدأه محمد على، فقد إستعان بالجيش والأسطول التجارى فى خطة توسع شاملة فى الجنوب فأرسل فى 1868 حكمدار السودان "إسماعيل باشا أيوب" قائداًً لجيش قام بإحتلال أعالى النيل ودارفور، وكلف فى 1869 "صمويل بيكر" بتوسيع الامبراطورية فى الجنوب والقضاء على تجارة الرقيق، وتولى المهمة، تحديدا حكم المديرية الاستوائية بعد ذلك انجليزى اخر هو تشارلز جوردون، والذى تمكن من إخماد التمرد فى دارفور، وإعادة الهدوء الى الحدود الاثيوبية بعد أن فشل غزوها، كما إستطاع الى حد ما من تقليص حجم تجارة العبيد فى الجنوب.
ولم تكن إصلاحات إسماعيل وعمله المتواصل على تطوير المجتمع، دون إهتمام بالدائنين الأوربيين، إنجلترا وفرنسا، لم تكن إلا خطوة على طريق الإقصاء، إذ أصدر السلطان فى إسطنبول قراره بخلعه فى 1879، ولما علم "جوردون" أن إسماعيل تم عزله قام على الفور بتقديم إستقالته، الأمر الذى بدا كأعلان لتراجع الدور المصرى فى السودان، وربما إنتهائه؛ إذ نهضت المهدية معلنة عن نفسها كحركة دينية ثورية هدفها إعادة صياغة الوعى الدينى وتصحيح الأوضاع بالتصدى للفساد الفقهى الذى جاء به الغزو العثمانى، ومن ثم التصدى، كذلك، للوجود الأجنبى وبصفة خاصة فى الشمال.
محمد المهدى
فبعد ستين عاما مِن الحكم التركى للبلاد قام "محمد المهدى" لمحاربة الأتراك مدعياًً بأنه المهدى المنتََظر، ووقعت أولى معاركه مع الجيش التركى بقرية الجزيرة "أبا" عام 1881 واستطاع بعد معارك عديدة أن يُسيطر على الخرطوم عاصمة البلاد فى يناير 1885 (وقتل جوردون، الحاكم العام) وبعد شهور قليلة مات"المهدى"ودُفن بمدينة أم درمان، كى يَتولى الحكم بعده خليفته "عبد الله التعايشى"، وسط معارضة واسعة مِن أنصار المهدى وأهله الذين رأوا فى الخليفة شخصاًً غير مناسب طبقياًً، لكن "التعايشى" تمكن بمزيد مِن العنف مِن إحكام قبضته على البلاد، وإتسمت فترة حكمِه بالإضطراب والعنف والقلاقل.
ولم يكن مَقتل "جوردون"، ليمر دون إن يشتعل الموقف فى بريطانيا العظمى والمطالبة بالإنتقام؛ وبالفعل تم إرسال حملة قوامها 10 ألف جندى مصرى، وبقيادة الضابط الإنجليزى "كتشنر" وبمباركة اللورد "كرومر" المعتمد السامى البريطانى بالقاهرة تحرك الجيش نحو السودان ولم يلق أى معارضة تُذكََر، وكانت أولى معاركه الحقيقية مع جيش المهدى هى معركة (كرارى) التى إنتصر فيها الجيش المصرى، عام 1889، ولكن بعد أمجاد وأساطير، يحكيها البعض، عن الصمود والشجاعة والتفانى فى الدفاع عن الوطن!!
وفى عام1899 تم توقيع إتفاقية الحكم الثنائى بين بريطانيا ومصر، وتم بموجبها إعلان إلغاء سيادة الدولة العثمانية فى السودان.
وفى عام 1924 تم اغتيال "السير لى ستاك" حاكم عام السودان فى شارع أبى الفداء بالقاهرة، إثر ذلك بدأت الأزمة بين الحكومة المصرية والبريطانية، إذ قررت الأخيرة مسئولية الأولى فى الحادث وترتب عليها إخراج الجيش المصرى مِن السودان. ومما زاد تعقد الوضع هو تضامن عدد مِن الضباط السودانيين مع المصريين وإندلعت فى البلاد ما سُمى بثورة 24 بقيادة "على عبد اللطيف" وآخرون. تم إخماد الثورة وقتل قادتها وأسر "على عبد اللطيف"، ثم نفيه لاحقاًً إلى مصر.
الحركة المهدية
فى مارس 1881، وعلى أرض جزيرة "أبا" (150 ميلاًً جنوب الخرطوم) جاءت "محمد أحمد بن عبد الله" الرؤيا لمرات عديدة والتى إختاره فيها النبى(ص) ليكون المهدى المنتظر. وفى أول الأمر أسرّ بأمر هذه الرؤية لصفيه"عبد الله بن محمد طرشان"، ثم لحلقة صغيرة من تلاميذه، قبل أن ينطلق إلى "الأبيّض" العاصمة التركية- المصرية لكردفان، وهناك أعلن على الملأ أنه المهدى المنتظر، ودعا الأعيان والناس فى عاطفة جياشة إلى نبذ هذا العالم من أجل عهد جديد سيأتى للتقوى والعدل. وقد اجتذبت دعوته هذه وشخصيته الكاريزمية أنصاراًً كثيرين أدوا له يمين البيعة سراًً. وبعد عودته إلى "أبا" بعث برسائل إلى الزعماء السودانيين فى الشمال يزف فيها إليهم نبأ أنه حقاًً المهدى المنتظر.
وبتأمل أحوال المجتمع السودانى خلال تلك الفترة، والتى ظهرت فيها الحركة المهدية، فمن الممكن أن ندرك الأسباب الحقيقية وراء إنتشار الدعوى وما إتصل بها من الطرق الصوفية، فقد عُُرف المجتمع السودانى بالتدين الشديد منذ العهود السابقة، كما شهد السودان كثيراًً من الحروب والصراعات الدامية والتى تركت آثاراًً عميقة فى نفوس الناس، وهو الأمر الذى دفعهم للبحث عن الخلاص، لينقذهم من حالات الضعف واليأس، فكان الأمل فى المهدى الذى بشر أتباعه بثواب الآخرة للمحرومين وسوء العاقبة للباحثين عن متاع الدنيا الزائلة.
كان"محمد أحمد عبد الله" من دنقله وحين جاهر بكونه المهدى المنتظر؛ كان فى الأربعين من عمره، وقد إشتهر بين الناس بالفقه والورع، وذلك منذ إنخراطه فى الطريقة الصوفية السمانيّة التى رأى أنها قد أصبحت دنيوية للغاية، فتركها إلى جزيرة "أبا" حيث عاش حياة الزهد والتعبد، ولذا تم إعتباره من الإصلاحيين(المجددين) وقد منح نفسه ثلاثة ألقاب"إسلامية" فهو الإمام، وخليفة رسول الله، والمهدى المنتظر. وبفضل الإنتصارات الساحقة المتتالية التى أحرزها المهدى وأتباعه على قوات الترك "الجهادية" المكروهة؛ والمزودين بالبنادق والمدافع؛ ترسخت الدعوى المهدية (الأنصار) وتمكنت من الإنتشار وضم العديد من الرجال المتدينين وتجار الرقيق والعرب(البقارة).
وبالنسبة لرجال الدين والفقهاء الذين حازوا على نفوذ كبير فى الريف السودانى، فقد كانوا منذ زمن طويل يستهجنون الحالة التى بلغها الإسلام، وخصوا بذلك الإسلام التقليدى الذى جاء به الأتراك وإعتبروه نوعاًً من الزندقة. وقد وجد هؤلاء الآن الفرصة مواتية لتنقية الإسلام فى السودان؛ بإعتبار أن المهدى حينما تكلم عن الفساد والحكم الفاسد فقد كان يعنى الفساد الفقهى لا السياسى.
وهناك جماعة ثانية أيدت المهدى وهى الجماعة التى ضمت المنخرطين بشكل أو بآخر فى تجارة الرقيق. وكان معظمهم من الجعليين، أو مثل المهدى نفسه من الدناقلة الذين فقدوا أرباحهم، بعد أن أعلن رسمياًً إلغاء الرق، والأن أصبح من الممكن لهم إخفاء بواعثهم الإقتصادية والسياسية وراء إصلاح إسلامى يتغاضى، عن الرق. كما تمثلت جماعة ثالثة فى البدو "البقارة" بكردفان ودارفور، وقد كانوا أقوى الجماعات التى عُُدت من أنصار المهدى.
وإذ تُُصبح الحركة المهدية أمراًً واقعاًً وإذ يُُصبح التمرد حالة سائدة؛ تُقرر بريطانيا بعد تردد الموافقة على فكرة أن يقوم الخديو بتعبئة حملة مصرية من عشرة آلاف جندى تحت قيادة ضابط بريطانى فى الجيش الهندى هو الكولونيل "وليم هيكس"، بيد أن الخلاف قد دب بينه وبين معاونيه من المصريين، وتمكن الأنصار من إبادة الحملة تقريباًً عند"سواكن" جنوب الأبيض.
وإذ تمر الأيام وتترسخ الدعوى المهدية كما تبرز أوجه المصلحة والتناقض بين التشكيلات البشرية المنخرطة بداخلها، حتى يظهر "جوردون" تارة أخرى على الساحة حاكما عاماًً، كى يُُقتل وتتحول مدينة الخرطوم فى الساعات الأولى من صباح 26 يناير 1885 إلى أنقاض بعد أن أبيدت الحامية المصرية، وأعلن الأنصار عن أنفسهم بمنتهى القوة.
ولم تمض أيام كثيرة عقب الإستيلاء على الخرطوم حتى مات المهدى؛ ليخلفه عبد الله التعايشى، الذى كان عليه أن يواجه صعوبات عديدة، منها إحتواء الأعداء الداخليين، ومنها مشكلات الحدود الشرقية مع إثيوبيا. ولم تمض كذلك سنون كثيرة على وفاة المهدى حتى تفسخ الأنصار ودب فى صفوفهم الإختلاف والعداء، الأمر الذى ساعد على إنتهاء الدولة المهدية، ففى الأول من سبتمبر 1898 أقام "كتشنر" معسكره على الضفة الغربية من النيل أسفل سهل "كرارى". وفى فجر اليوم التالى إقتحم حوالى ستين ألفاًً من الأنصار الأسلاك الشائكة (فى بسالة نادرة، كما يقول روبرت كولينز) فى مواجهة قصفات مدافع "مكسيم" الفتاكة، فضلاًً عن وابل الطلقات من الزوارق المسلحة.
وحينما بدأ الضعف على الأنصار أصدر "كتشنر" أوامره بالتحرك، فتقدمت الفرق البريطانية- المصرية دون توقف، ومع الصباح المتأخر كانت المعركة قد إكتملت، حيث قُُتِل من الأنصار ما يزيد على أحد عشر ألف مقاتل، بالإضافة إلى ستة عشر ألفاًً آخرين لحقت بهم إصابات خطيرة، فى حين بلغت خسائر الفرق البريطانية والمصرية والسودانية مجتمعة أقل من 50 قتيلاًً، وعندما أدرك الخليفة أن هذا ليس يومه توارى عن الأنظار فى غرب السودان الشاسع. وعبر "كتشنر" وحملته النيل باتجاه القصر المدمر فى الخرطوم لإقامة قداس تذكارى للقائد "تشارلز جورج جوردون". وهكذا إنتهت الدولة المهدية فى السودان. ولكنها تركت خلفها تاريخاًً لا يمحى بسهولة.
يبقى أن نشير إلى أن المهدية فى سبيل إقامة دولتها أباحت سبى المسلمين المتنكرين لدعوتها بعد أن قررت أن إنكار المهدية والكفر سواء، ويُسترق بحد السيف كُُل مَن لم يهده الله إلى الاسلام مِن غير المسلمين أو يُنكر الإعتراف بالمهدى المنتظر، مسلماًً كان أم غير مسلم.
وبهذا إتجهت المهدية بالجهاد وسبى الحرب إتجاهاًً غاية فى التطرف المبكر، أضف إلى ذلك الأحكام التى أصدرها المهدى والتى لا تنبىء إلا عن ثيوقراطية وإمعان فى فرض السطوة المتسربلة سربال الدين، ومن ضمن تلك الأحكام: الحبس والزجر بعد الضرب 80 جلدة لمن سب والده واستهزأ به ولم ينته. و80 جلدة لأى شخص حر يسب شخص آخر، وقد جعلها الإمام المهدى، كما تقول الدكتورة هدى مكاوى، فى بادىء الأمر 100 جلدة، ثم نزل بها إلى 80 جلدة بعد أن استقرت المهدية فى السودان. أضف إلى ذلك: الضرب 27 سوطاًً لمن تكشف وجهها من النساء الأنصاريات. والضرب 27 سوطاًً لمن ترفع صوتها، والضرب 80 سوطاًً، وحبس 7 أيام لمن يشرب الدخان والتنباك. إلى آخر الأحكام التى شرعها المهدى.
ومع تمكن المهدية من فرض هيمنتها الكاملة على الشمال، لم تنجح فى تحقيق سيطرة تامة على الجنوب، إذ توقفت سيطرتها جنوباًًً عند مناطق فى بحر الغزال وأعالى النيل، وبوجه عام فإن أكثر ما يتذكره الجنوبيون مِن المهدية هو سعيها لفرض وإطلاق العنان مِن جديد لتجارة الرقيق. تلك النظرة السلبية للمهدية لدى أهل الجنوب سبقها فترة تَوَسم الجنوبيون فيها الخير، وحسبوا أن المهدية جاءت كى تُنقذهم مِن عسف الأتراك!!

الزبير بن رحمة
فى هذه المرحلة التاريخية، تحديداًً الفترة من 1856 وحتى 1913، ظهرت، بتصورى، أهم شخصية سودانية فى القرن التاسع عشر، إنه "الزبير بن رحمة"، وسبب إختيارى العام 1856 يرجع إلى أنه تاريخ أول ظهور "للزبير بن رحمة" على الساحة السودانية، تحديداًً ساحة الجنوب، وبحر الغزال على وجه الدقة، ففى هذا التاريخ، 14/9/1856 إلتحق الزبير بالعمل عند على بن عمورى، أحد أشهر التجار آنذاك، فى رحلاته التجارية ما بين الخرطوم وبين بحر الغزال، ولم يكن هذا الإلتحاق إلا رغبة من الزبير، كما يروى المؤرخون، فى مرافقة إبن عمه محمد بن عبد القادر، الذى ألحق من قبل نفسه بخدمة القوافل المتجهة جنوباًً، ولم يجل بذهن الزبير أن تلك الرحلة، ستمثل له مرحلة جديدة من حياته إذ سيتخطى دور التاجر، إلى تقلد دور الزعيم(الشعبى، والرسمى كذلك) بعد أن مثلت الرحلة الأولى تلك بداية سلسلة طويلة ومتصلة من رحلات الجنوب، تلك الرحلات التى تعكس بوضوح طبيعة الصراعات القبلية الجدلية بين القبائل، إذ كانت الصراعات والغزوات والحروب هى مميزات نمط الحياة، وبصفة خاصة فى الجنوب، فقد كانت القوافل دائماًً محل نهب من القبائل المختلفة، الأمر الذى يعنى، فى المقابل، تأهب القوافل وضرورة إستعدادها الجيد لأعمال السطو تلك التى قد تمارسها معهم أحد قبائل الجنوب، وبالفعل، بزغ نجم الزبير بن رحمة كشخصية كاريزمية قادرة على خوض المعارك والإنتصار فيها، من خلال قيادة مقتدرة على إتخاذ القرار الصائب الحكيم، فتمكن من أن يجمع حوله العديد من الأتباع والمريدين، حتى بلغ جيشه أعداد تمكنه من أن يحل دور الدولة المصرية فيما بعد فى إخضاع الجنوب، وبصفة خاصة قبائل الفور، وقد كانت نواة هذا الجيش (500) فرداًً من المحكوم عليهم بالإعدام، وكذلك من العبيد الفارين من أسيادهم. وحينما إشتدت الحركة المهدية وفرضت هيمنها كان إسم الزبير (والذى جعلته رهن الإعتقال فى القاهرة) من أهم الأسماء التى طرحت آنذاك للتعامل، بأى طريقة، مع المهدى وحركته، إلا أن السلطة المركزية فى القاهرة خشيت إرساله إلى السودان كيلا يتحالف مع المهدية بدلاًً من القضاء عليها.
وعادة ما يُقدم الزبير ولد رحمة، تاريخياًً، إما كأشهر نخاس فى القارة الأفريقية آنذاك، أو محارب شجاع يمقت تلك التجارة، ولكل إتجاه براهينه التى لا تعنينا، إذ كُل ما يعنينا، مع وجود براهين النفى والإثبات، أن الجنوب السودانى كان معقل القنص البشرى وتصديره إلى مصر أو أوروبا.
وقد كان الرق موجوداًً فى السودان قبل دخول محمد على، وكان السودان يصدر الرقيق إلى مصر وبلاد العرب قبل أن تدخل الجيوش المصرية، كما مثلت تلك التجارة إقتصاداًً كامل المعالم، وشكلت نظاماًً إجتماعياًً، كما سنرى، فقد كان العمل فى الحقول ورعاية الماشية من إختصاص العبيد وليس السادة(العرب)
القوات البريطانية فى السودان
وحينما أخذت دولة محمد على فى الضعف والتفكك وتحول الوجود المصرى إلى شكل خارجى ليس إلا، فقد كانت الأتاوات الجائرة والضرائب الباهظة سبباًًً مباشراًً لقيام الثورات ضد الحكم المصرى العثمانى فى السودان، ففى عام 1881نَجح المهدى فى ثورته، وطرد الجيش المصرى العثمانى، وأقام حكومة سودانية وطنية، وإستمرت الدولة المهدية مِن1889 حتى 1898 وحققت وحدة نسبية للسودان، بما فى ذلك منطقة الجنوب. وبدخول القوات البريطانية إلى السودان بأوامر مِن اللورد كرومر المعتَمد البريطانى فى مصر إنهارت الدولة المهدية، بمعاونة الجيش المصرى فى ظل حكومة الخديوى، حيث كان الوجود المصرى إسمياًًً وشكلياًًً، والوجود الإنجليزى، كثانى عدوانية مباشرة لرأس المال الإجنبى بعد عدوانية دولة محمد على، كان هو الحاكم الفعلى فهو الذى يَحكم البلاد ويَنهب ثرواتها ومقدراتها.
وفى عام 1899 وقعت مصر وبريطانيا، كما ذكرنا، إتفاقية ثنائية بينهما لحكم السودان، وفى ظل الإستعمار الإنجليزى للسودان المصحوب بإدارات مصرية، تَمكنت، مرة ثانية، الحركة المهدية مِن تحريك مشاعر المواطنين وإثارة نقمتهم ضد الإنجليز، وحثهم على الثورة، ومِن أهم تلك الثورات ثورة عام 1924 التى إشتهرت بثورة عام 1924 وشملت أغلب البلاد، وفى عام 1936 وقِعَت إتفاقية بين مصر وبريطانيا تُكرس إتفاقية عام 1899 التى حكمت بريطانيا مِن خلالها السودان بإدارة مصرية، وإستمر الشعب السودانى(فى المركز) فى حراكه الإجتماعى الرافض للإستعمار، والذى تلاقى مع تحول ذهنية الإستعمار نفسه مِن إستعمار عسكرى دموى، إلى إستعمار منهجى ثقافى، أقوى فى إمتصاص الموارد، وأجدى لإطباق التبعية؛ بعد أن نجحت فى تشكيل طبقة موالية من أبناء السودان نفسه، ففى 19/12/1955،أعلن إسماعيل الأزهرى(1901-1969)زعيم الحزب الإتحادى مِن داخل البرلمان السودانى، إستقلال السودان.
الحركات الوطنية فى السودان
ويُمكن القول بأن الحركات الوطنية التى نمت كانت تحمل سمات ملفتة للنظر، فلقد إنقسم السوانيون إلى (إستقلاليين) يُريدون الإستقلال عن مصر والإنضمام إلى دول التاج البريطانى، وإلى (إتحاديين) يريدون وحدة وادى النيل ودولة واحدة تحت التاج المصرى. وبما أن السودان قد شكلته الطائفية على نحو أو آخر، فإنها سارعت، أى تلك الطائفية، كى تُشارك فى الوضع الجديد؛ فقامت طائفة الأنصار برئاسة عبد الرحمن المهدى بإحتضان الأحزاب الإستقلاية وعلى رأسها حزب الأمة(رئيسه الحالى: الصادق المهدى) وقامت طائفة الختمية بزعامة على الميرغنى، بإحتضان الأحزاب الإتحادية وعلى رأسها حِزب الأشقاء (فيما بعد: الوطنى الإتحادى، ثم الإتحادى الديمقراطى، وكان الأزهرى أول من تولى رئاسته).
مؤتمر الخريجيين
ويمكن القول، كذلك، بأن الحركة الوطنية السودانية ومنذ نوادى الخريجين، ومروراًً بـ مؤتمر الخريجين(كان ميلاد مؤتمر الخريجين من أبرز الأحداث الإجتماعية والسياسية التى شهدها السودان فى الأعوام الممتدة ما بين 1936 - 1948.
فقد تزعم هذا المؤتمر الحركة الوطنية الجديدة وبث بذور الوعى الاجتماعى والسياسى وإتخذ مِن قضية نشر التعليم قناعاًًً باشر من خلاله عملية التوعية السياسية من أجل الاستقلال. وكان للأساتذة الدور البارز فى توجيه الفكر السودانى لا مِن حيث التعليم فحسب بل مِن حيث خلق النشاط الأدبى والذى تمثل فى ظهور الصحافة الأدبية فى السودان والتى مِن خلالها نادت هذه الطبقة الجديدة بتحرير الفكر السودانى مِن قيود العادات المتأخرة والتقليدية الفاسدة وأوهام الخرافات التى ليست من الدين فى شىء ودعت إلى إقامة وحدة وطنية على أساس مِن التفكير الإجتماعى الحديث البعيد عن الولاء للتقليديين الغارقين فى خصوماتهم المحلية الموروثة، وفى سبيل تحقيق هذه الأهداف عمدت إلى أساليب النضال السرية والعلنية، وكانت نوادى الخريجين متعددة النشاطات، وكان نادى أم درمان رأسها المتوج بحكم وجوده فى العاصمة وبحكم الصلات الواسعة التى أقامها مع مفكرى البلدان العربية والاجنبية فكان مركزاًًً لمحاضرات المستشرقين الأجانب، والسياسيين والنقاد العرب، وملتقى رجال الفكر والأدب مِن السودانيين والمصريين ومنبراًًً للنثر والشعر فى مختلف المناسبات، ومنه ظهر قادة الرأى السودانى فى الصحافة والأدب والسياسة أمثال محمد أحمد محجوب، وعبد الحليم محمد، ومحمد يوسف مصطفى، ومعاوية محمد، وعلى نور، وغيرهم ممن كان لهم طابع واضح فى التفكير السودانى منذ بداية الثلاثينات حتى عهد الإستقلال)
نقول: منذ نوادى الخريجين، ومروراًً بـ مؤتمر الخريجين كانت الحركة السياسية السودانية منقسمة إلى ثلاثة أقسام: القسمان الكبيران إتجه كل منهما إلى طائفة مِن الطوائف الكبيرة (الختمية، الأنصار) وكان لكُُل منهما إتجاه سياسى إما (الوحدة مع مصر) وبدرجات متفاوتة بين الوحدة والإتحاد، والإتحاد الإسمى، وإما الإستقلال، وبدرجات متفاوتة كذلك (إستقلال تحت التاج البريطانى) أو ضمن (التعاون البريطانى) أما القسم الثالث، فكان يرى الإستقلال التام عن مصر، وكذلك عن التاج البريطانى، وبعد أن بدأ النشاط السياسى لمؤتمر الخريجين، ظهرت الإنقسامات بصورة كبيرة وتدريجياًًً بدأت الحركات السياسية والأحزاب تنشأ بعيداًً عن المؤتمر حتى أفرغت المؤتمر مِن عضويته ومِن ثم مضمونه، إلى أن إغلق أبوابه نهائياًً فى 1953.
وفى 4 نوفمبر 1945 أُُعلن عن قيام حزب إستقلالى آخر وهو الحزب الجمهورى، وبميلاد هذا الحزب نشأت علاقة جديدة بين الأحزاب والمستعمِر؛ لأن الحزب قرر الإتجاه إتجاها لا يعرف الدبلوماسية ولا يعرف إلا أن تحرير الوطن لا يكون سوى بالإتجاه إلى الجهاد، ومن ثم توجه الحزب إتجاهاًً "جهاديا"، الأمر الذى إستلزم المواجهات الدامية بين الأحزاب الوطنية والإستعمار البريطانى، وظهر(محمود محمد طه) كمناضل ثورى، وأول معتَقََل سياسى، بعدها بدأ الناس يألفون التوجهات"الجهادية" ضد الإستعمار، وبدأت حملات الإعتقالات التى طالت رجال المؤتمر والأحزاب فيما بعد.
ولخشية إنجلترا مِن إنفراد مصر بالسودان، بعد أن وعدت بمنح المستعمرات إستقلالها عقب إنتهاء الحرب العالمية الثانية، فقد لعبت دوراًً مهماًً فى سبيل ترسيخ مفهوم وأهمية الإستقلال، ونجحت، طبقاًً للروايات السائدة، فى إستقطاب الرئيس الراحل (إسماعيل الأزهرى) وفى عام 1952 حدث الإنقلاب العسكرى على الملكية فى مصر، إيذاناًً بإعادة رسم الخريطة السياسية فى كُُل المنطقة.
وفى أول يناير عام 1956 قرر جمال عبد الناصر، إستقلال السودان. وعلى الفور أََعلن إسماعيل الأزهرى، بيان الإستقلال السياسى الرسمى. كى تَسقط السودان فى بئر، أعمق، مِن التدهور على يد الحكام المتتابعين وفى مقدمتهم الرئيس السابق جعفر نميرى(1930- 2009)والرئيس الحالى(عمر البشير) إبتداءًً مِن قيام الجنرال إبراهيم عبود، بالإنقلاب العسكرى ضد الحكومة المدنية المنتَخبة فى مطلع عام 1958، ثم إندلاع ثورة أكتوبر عام 1964، التي أطاحت به، وتشكيل حكومة وطنية برئاسة الصادق المهدى. بعد ذلك بخمس سنوات تم الإنقلاب العسكرى الذى قاده جعفر النميرى فيما عُرف بثورة مايو 1969، حيث حَكم السودان منذ عام 1969 حتى عام 1985 بالحديد والنار فى ظل قانون الطوارئ والأحكام العرفية التى طبقها طوال هذه الفترة، الأمر الذى معه قام "عبد الرحمن سوار الذهب"، بإنقلاب عسكرى عليه، أنهى حكمه العسكرى العرفى للبلاد.
وبعد فترة وجيزة لا تتعدى العام، تنازل الفريق "عبد الرحمن سوار الذهب"، فى واقعة غير مسبوقة على مستوى العالم العربى، مِن محيطه إلى خليجه، عن السلطة لحكومة مدنية ترأسها زعيم الحركة المهدية فى السودان الصادق المهدى، إستمرت فى مهامها كحكومة مدنية إلى حين قيام عمر حسن أحمد البشير، بالإنقلاب العسكرى فى عام 1989، وإعلان قيام حكومة إنقاذ وطنى، والتى عَجزت عن إيقاف الحرب الأهلية طوال عقد التسعينات مِن القرن العشرين(14)وفى ظل هذه الحكومة أيضاًً (حكومة البشير) إندلعت أسوأ الحروب، فقد إشتعل الصراع، وتفاقمت الأزمة فى إقليم دارفور(المضمة إلى السودان عام 1917، بعد أن كانت سلطنة مستقلة، وتلك ملحوظة غاية فى الأهمية فى مجرى التحليل) وأدت إلى حدوث إنشقاقات جديد ونشوء حركات عسكرية مُسلحة ضد الحكومة السودانية (القاطنة الشمال) مع مطلع عام 2004، والتى كان أخرها الإضطرابات التي عمت بعض المدن السودانية، وبالذات فى الجنوب والعاصمة الخرطوم، بعد مقتل جون قرنق، زعيم الجنوب. وبعد جهد كبير، وتدخل رأس المال الدولى، تم توقيع إتفاق سلام مع الحركة الإنفصالية الجنوبية فى ديسمبر 2004، يَقضى بإعطاء مهلة مُدتها 6 سنوات تبدأ منذ توقيع الاتفاق، يشترك الجنوبيون خلالها فى السلطة، ثم يجرى إستفتاء شعبى فى المناطق الجنوبية فى نهاية مدة السنوات الست المقررة فى الإتفاق، يُقرَر خلاله مستقبل الجنوب بالإنفصال عن الدولة الأم، أم بإبقائه مع الدولة الاتحادية بحكم ذاتى موسع. ولقد كان الإنفصال هو القرار الذى إتخذه الجنوب.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,684,677,178
- مقرح أستاذنا الدكتور محمد دويدار بشأن الأبعاد الإقتصادية فى ...
- المخدرات كسلعة
- العلاقة ما بين التخلف الإقتصادى والإجتماعى وبين القيمة الزائ ...
- القيمة الهاربة، والقيمة المتسربة، والقيمة المضخة
- كيف يرى محمد دويدار عملية قتل إبن لادن؟ الجزء الرابع
- الحدث والضربة، ورشادة رأس المال الأمريكى
- الرأسمالية وحروب الإبادة (الإنكا، والإزتك)
- كيف يرى محمد دويدار عملية قتل إبن لادن؟ 3
- كيف يرى دويدار عملية قتل إبن لادن؟ الجزء الثانى
- كيف يرى محمد دويدار عملية قتل إبن لادن؟
- الموجز فى التكوينات القبلية فى السودان
- هوجو تشافيز والنفط وأوبك
- فنزويلا: التاريخ والجغرافيا والإقتصاد
- الصراع العالمى على الزيت
- الموجز فى تاريخ السودان الحديث
- التسرب فى دول النفط
- نقد موضوع الإقتصاد السياسى عند محمد دويدار
- إعادة طرح موضوع الإقتصاد السياسى كعلم إجتماعى
- أزمة دارفور. كيف يراها رجال مؤسسة الحكم فى الخرطوم؟
- كارل ماركس (العظيم الآخير)


المزيد.....




- أوباما يعيد المروحية الرئاسية ليأخذ هاتفه
- حملة قايد السبسي تعلن تصدره انتخابات تونس
- الناشطة الحقوقية أمنتو حيدار تختتم زيارتها إلى جزر كناريا
- بعد نفي الفشل الاستخباراتي وسرعة الرد بتقرير هجوم بنغازي.. س ...
- البرلمان الليبي يعيد اللواء حفتر إلى المؤسسة العسكرية
- قتلى وجرحى من الحوثيين في رداع
- العسكريون البريطانيون في بولندا ممنوعون من استخدام هواتفهم و ...
- المصممة المعمارية زها حديد تقدم مفهوماً جديداً للنصب التذكار ...
- العامري : تحرير ناحيتي السعدية وجلولاء من داعش بالكامل
- -داعش- يعدم عشرات المدنيين شرقي الرمادي.. ويفخخ الطرق والمنا ...


المزيد.....

- نظام الرأسمالية الطفيلية الاسلاموية: المزيد من القمع والحروب ... / تاج السر عثمان
- الرأسمالية الوطنية : المفهوم والمصطلح. / تاج السر عثمان
- كيف نواجه الفقر والبطالة ؟!بين المواجهة التقليدية للنظام الح ... / إلهامي الميرغني
- من المقاطعة إلى المشاركة / خليل كلفت
- عندما ينجح السيسي / أحمد سعده
- الموازنة العامة للدولة / إلهامي الميرغني
- النقابات المهنية في مصر / إلهامي الميرغني
- وحدة القوي الاشتراكية المصرية الأمل والتحديات / إلهامي الميرغني
- أسطورة الجيش والشعب أيد واحدة / أحمد سعده
- الانقلاب العسكرى المكمِّل / خليل كلفت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - محمد عادل زكى - الموجز فى تاريخ السودان الحديث المعاصر