أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - داود تلحمي - اليسار والتيارات الوطنية الإستقلالية أمام تحدي محاولات احتواء الثورات الشعبية العربية















المزيد.....


اليسار والتيارات الوطنية الإستقلالية أمام تحدي محاولات احتواء الثورات الشعبية العربية


داود تلحمي

الحوار المتمدن-العدد: 3375 - 2011 / 5 / 24 - 07:58
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما يوم 19/5/2011 والذي ركّز فيه، بشكل أساسي، على الموقف الأميركي من الثورات والإنتفاضات الشعبية في المنطقة العربية الجارية منذ أواخر العام الماضي، وعرّج فيه بشكل مقتضب على موضوع الصراع الفلسطيني والعربي- الإسرائيلي، كان موجهاً بدرجة رئيسية، من جهة، الى الرأي العام الداخلي الأميركي وأصحاب المصالح الإقتصادية الكبرى في البلد، ومن جهة أخرى، الى الأنظمة، الجديدة والقديمة، في المنطقة العربية والشرق أوسطية، والرأي العام فيها، وأخيراً الى رأي عام عالمي أوسع، يتعاطف الى حد كبير مع هذه الإنتفاضات العربية.
فمن الجهة الأولى، بات الرئيس الأميركي في الآونة الأخيرة يتصرف، بشكل رئيسي، كمرشح لانتخابات تجديد ولايته الرئاسية، وهو الإستحقاق المفترض حلوله في الشهر ما قبل الأخير من العام القادم. وبالتالي، فكل ما يقوله أوباما تقريباً، وببلاغته الخطابية المشهود له بها، وبمعزل عن هوية وكفاءة الشخص الذي يحرّر خطاباته، وعن المناسبات والمنابر التي يتحدث فيها، كل ما يقوله الرئيس الأميركي محكومٌ، الى حد كبير، بهذا الإعتبار، أي بتعزيز فرص إعادة انتخابه رئيساً في أواخر العام 2012.

أوباما حريص على أصوات أنصار إسرائيل وأموالهم في انتخابات 2012 الرئاسية

وهذا ينطبق، بالدرجة الأولى، عما قاله في خطابه هذا عن الصراع الفلسطيني والعربي- الإسرائيلي. حيث لم يرد على لسانه، في المحصلة، أي شيء يمكن أن يزعج أي مسؤول إسرائيلي صهيوني لديه عقل عادي، وبالتالي أي شيء يمكن أن يقلق مجمل اللوبي الموالي لإسرائيل في الولايات المتحدة، والذي تُعتبر استمالته ضرورة ذات أولوية بالنسبة له لضمان إعادة انتخابه، نظراً لنفوذ هذا اللوبي المعروف، من جهة، ولكون معظم الأميركيين اليهود يصوتون عادة لصالح الحزب الديمقراطي، الذي ينتمي إليه أوباما، مرشح الحزب (شبه) المؤكد لهذه الإنتخابات.
ومن المعروف أن حوالي 80 بالمئة من أصوات هؤلاء الأميركيين اليهود ذهبت في انتخابات العام 2008 لصالح أوباما، بالرغم من كل ما أشيع عنه أثناء الحملة الإنتخابية من صداقات سابقة مع بعض الأوساط الفلسطينية والعربية في الولايات المتحدة، وما هو معروف من كون والده من أصل إفريقي مسلم. وكسياسي يتقن المهنة ودهاليزها، قام أوباما، عشية الإنتخابات الرئاسية السابقة، بكل ما يجب من إعلانات تأييد وانحياز لإسرائيل ولمطالب حكوماتها لكي يضمن عدم نزوح أصوات أنصار إسرائيل، من اليهود أو غير اليهود، الى خصمه الجمهوري، المعروف بشدة مناصرته لإسرائيل وعدائه للعرب وقضاياهم.
وأوباما يكرّر الآن المسلك ذاته. حيث بات من الواضح أنه لن يقوم بأي عمل، من الآن وحتى انتخابات أول يوم ثلاثاء في الشهر الحادي عشر من العام القادم، يمكن أن يعتبر مزعجاً لأنصار إسرائيل، أو حتى يبدو فيه أي ابتعاد، ولو كان محدوداً، عن مواقف التأييد المطلق لإسرائيل المتبعة من قبل كافة الإدارات الأميركية السابقة منذ العام 1948. وهو ما يمكن أن يفسّر استخدامه لإجراء النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي لتعطيل أي قرار يدين أو ينتقد إسرائيل، حتى ولو صوّت كافة الأعضاء الآخرين الـ14 في المجلس لصالح القرار، كما جرى مؤخراً، وفي العديد من المرات السابقة. كما يفسّر دعوته في خطابه إياه للمسؤولين الفلسطينيين بعدم الإقدام على طرح فكرة دخول فلسطين عضواً كاملاً في الجمعية العامة للأمم المتحدة في الخريف القادم. هذا، في الوقت الذي لم يطالب فيه إسرائيل في خطابه بأي شيء عملي ملموس، بما في ذلك بوقف أو التخفيف من أشكال القمع والقتل والتنكيل والحصارات والمصادرات والتوسعات الإستيطانية التي تمارسها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مكتفياً بإشارات عامة لحقوق فلسطينية نظرية في دولة مستقبلية في الأراضي المحتلة عام 1967، دون الحديث عن أية آليات لإنجاز هذه الحقوق والتقدم نحوها، وخاصة، وفي المقام الأول، وقف الدعم الأميركي للسياسات والممارسات الإسرائيلية التي تحول دون قيام هذه الدولة، لا بل تعمل على تقويض أي أسس لإمكانية قيامها في أي مستقبل قريب.
وليزيد الأمر وضوحاً، قام أوباما في خطابه اللاحق أمام مؤتمر اللوبي الأميركي الرئيسي الموالي لإسرائيل والمعروف بالأحرف الأولى لاسمه "إيباك"، يوم 22/5/2011، بإعادة التذكير بكل مواقفه وخطواته الأخيرة المناصرة والمؤيدة للسياسات الإسرائيلية، ونفى بأن يكون قد طالب في خطاب 19/5 بعودة إسرائيل الى حدود 4/6/1967، وهو ما كان قد أثار بعض الإنزعاج لدى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نيتينياهو وأوساط إسرائيلية أخرى. حيث حرص أوباما في خطابه الجديد أن يذكّر بإشارته في الخطاب السابق الى كون الحدود المفترضة بين دولة إسرائيل والدولة الفلسطينية الموعودة تتضمن إمكانية "تبادل الأراضي" بصيغة متفق عليها بين طرفي النزاع في إطار الحل، ومفسراً ذلك بأنه يتيح لإسرائيل إجراء تعديلات مهمة على الحدود تخدم مصالحها الأمنية وإبقاء المستوطنات الرئيسية تحت سيطرتها.
ولو كان هناك ميزان لقياس عدد مرات التصفيق ومدى حرارته طوال إلقاء أوباما لخطابه في مؤتمر "إيباك"، لبدا الرئيس الأميركي الحالي من أكثر ضيوف "إيباك" شعبيةً في تاريخ هذا التجمع الأميركي الأهم من بين مؤسسات التأييد لإسرائيل والأقرب الى مواقف يمينها المتشدد.

مصالح أرباب المال والأعمال الأميركيين في المنطقة العربية في حسابات أوباما

ولكن الموضوع الفلسطيني- الإسرائيلي لم يكن، كما أشرنا، الموضوع الرئيسي في خطاب يوم 19/5 المشار إليه أعلاه. بل ركّز الخطاب الذي ألقاه أوباما في وزارة الخارجية الأميركية، باختيار مقصود للمكان، على توضيح الموقف الأميركي من العواصف الشعبية الهائلة التي اجتاحت المنطقة العربية منذ أواخر العام المنصرم.
فقد تحدث أوباما عن تعاطفه وتعاطف إدارته مع هذه التحركات الشعبية، وإدانته للقمع الممارس بحقها في عدد من الدول العربية، ذكر بعضها بالإسم، مثل ليبيا وسوريا واليمن، وحتى البحرين الخليجية، التي تستضيف الأسطول الأميركي الخامس. كما شمل إيران بالحديث عن البلدان التي يجري فيها قمع التحركات الشعبية. لكن دولاً عربية أخرى يُمارس فيها القمع وتغيب فيها الحريات والحقوق الديمقراطية وحقوق الإنسان لم يرد ذكرها على لسانه، ومن بينها المملكة السعودية على سبيل المثال لا الحصر. ناهيك عن إهماله الإشارة الى تجاوزات إسرائيل الفظة والدموية لحقوق الإنسان وللقانون والقرارات الدولية، كما سبق وذكرنا، بما في ذلك إطلاق النار وقتل مواطنين مسالمين كانوا يتظاهرون على حدود فلسطين الإنتدابية والجولان وداخل فلسطين المحتلة يوم 15/5، أي قبل إلقائه لخطابه، بمناسبة ذكرى نكبة الشعب الفلسطيني في العام 1948.
وهنا يتصرف أوباما أيضاً كسياسي في موقع المسؤولية الأولى في الولايات المتحدة وكمرشح للإنتخابات، يحتاج، بالإضافة الى دعم أنصار إسرائيل الكثر في الولايات المتحدة، من يهود ومسيحيين صهاينة، أو جمهور واسع متأثر بوسائل الإعلام الكبرى المناصرة تقليدياً لإسرائيل، الى دعم أرباب المال والشركات الكبرى في البلد، وهي التي تلعب دوراً كبيراً في العمليات الإنتخابية هناك، سواء من خلال المال الذي تقدمه، أو تحجبه، عن المرشحين للإنتخابات، أو من خلال سيطرتها على وسائل الإعلام والدعاية الرئيسية المؤثرة في البلد.
والى جانب كل هؤلاء، كان لا بد من بعض الإرضاء (ولو لفظياً) للجمهور الأميركي العادي، الذي يطيب له سماع الكلام عن "القيم الأميركية"، والمقصود عادةً قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي هي في قاموس المسؤولين الأميركيين، في واقع الحال، مجرد كلمات للإستهلاك وللتغطية على حقيقة آليات عمل النظام السياسي الأميركي، النظام القائم أساساً على خدمة مصالح كبار الأثرياء وأصحاب النفوذ والمال والشركات الكبرى. فهم الناخبون الكبار الفعليون في البلد، وهم أولياء النعمة بالنسبة لكل المرشحين، أو لغالبيتهم الساحقة، لمواقع المسؤولية السياسية والتشريعية، في ظل نظام التمويل الإنتخابي المتبع في الولايات المتحدة.
وهنا ينبغي ألا ننسى أن معظم الأنظمة الإستبدادية والفاسدة في منطقتنا العربية، وفي مناطق أخرى من العالم، بقيت لفترة طويلة تلقى دعماً واسعاً وتغطية غير محدودة من الإدارات الأميركية المتعاقبة، الديمقراطية والجمهورية على حد سواء، وكذلك دعم حلفائها الأوروبيين، طالما تصرفت هذه الأنظمة بما يخدم ويتوافق مع المصالح الإستراتيجية والإقتصادية للولايات المتحدة، والدول الرأسمالية الغربية عموماً، خاصة في ما يتعلق بالنفط، وكذلك بالموقف من إسرائيل كحليف وركيزة محلية أولى وكـ"ذخر ثمين" لحماية هذه المصالح في المنطقة.

احتواء الثورات العربية، والحؤول دون تجذرها: الديمقراطية الحقيقية ممنوعة

ولذلك بدت الإدارة الأميركية الحالية مرتبكة ومترددة حيال تطورات الثورتين التونسية والمصرية في بداياتهما، وكذلك الأمر بالنسبة للدول الأوروبية الغربية الرئيسية. الى حد أن وزيرة خارجية فرنسا آنذاك، ميشيل أليو- ماري، عرضت على نظام بن علي في تونس، في الأيام الأولى للثورة الشعبية في البلد، دعماً مباشراً بأدوات وخبرات القمع الفرنسية، وهو عرضٌ اضطرها لاحقاً، بعد سقوط نظام بن علي، الى الإستقالة من منصبها، لتكون بذلك كبش فداء نيابة عن مجمل الحكم الفرنسي، الذي كانت تعبّر في ذلك الوقت عن سياساته.
وهكذا فإن اتساع نطاق التحركين الشعبيين في تونس ثم مصر بتسارع مدهش، وترنح النظامين فيهما نتيجة هذا الإتساع، دفعا الإدارة الأميركية وحكومات أوروبا الغربية الحليفة الى تغيير رهاناتها على الأنظمة السابقة لتفادي خسارة المستقبل، وفق التعبير الذي جاء بشكل واضح في مقال نشره رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، الديمقراطي المقرّب من الرئيس أوباما، والمرشح السابق للرئاسة في العام 2004، جون كيري، نُشر في صحيفة "نيويورك تايمز" النافذة في عدد يوم 31/1/2011 تحت عنوان بليغ: "علينا أن نتحالف مع مصر القادمة". وشيء شبيه فعله لاحقاً رئيس فرنسا نيكولا ساركوزي، عندما سارع الى التعويض عن كارثة "هفوة" وزيرة خارجيته السابقة مع تونس، من خلال إبداء الدعم الفرنسي المبكر للمعارضة الليبية، واستعراض حماسه المفرط للتدخل العسكري الى جانبها ضد نظام العقيد القذافي. حيث سعى ويسعى ساركوزي، كما وزملاؤه الآخرون بعده في الإتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، الى حماية مصالح بلادهم واحتكاراتها وشركاتها الكبرى في "ليبيا القادمة"، وفق التعبير الذي استعمله جون كيري بشأن مصر.
***
ويمكن تلخيص خطاب أوباما يوم الخميس 19/5 على هذا الصعيد، وبمعزل عن قناعاته الشخصية السابقة على توليه مسؤولية الرئاسة، بأنه في الواقع محاولة لاحتواء الثورات والإنتفاضات العربية بحيث لا تذهب بعيداً عن خيمة المصالح الأميركية، والرأسمالية الغربية عموماً. وكانت هناك إشارات واضحة في خطاب أوباما هذا الى أهمية استمرار اندماج مصر وتونس في عملية "العولمة" الرأسمالية، التي هي في واقع الحال، والى حد كبير، أحد أسباب تأزم الأوضاع الداخلية في البلدين، وخاصة في مصر، وأحد مصادر الإفقار المتزايد لقطاعات واسعة من شعبي البلدين، بعد فسح المجال لبيع القطاع العام ومقدرات وإمكانيات البلدين لأصحاب الثروات ورؤوس الأموال الخارجية، ولامتداداتهم المحلية، بما في ذلك المجموعات الفاسدة المتحالفة أو المندمجة مع قمة السلطة في البلدين، كما بات الآن معروفاً ومطروحاً للتحقيق وأمام المحاكم.
وكما قال المفكر التقدمي الأميركي (اليهودي المنشأ) ناوم تشومسكي، في مقابلة مع محطة "الديمقراطية الآن" التلفزيونية والإذاعية الأميركية المستنيرة، فإن "الولايات المتحدة وحلفاءها سيفعلون أي شيء من أجل منع الديمقراطية في العالم العربي"، وفق العنوان الذي اشتقه موقع المحطة على شبكة الإنترنت من المقابلة، المنشور نصها بتاريخ 11/5/2011. ذلك لأنه، وفق كلام تشومسكي، "في مجمل المنطقة، تنظر أغلبية ساحقة من السكان الى الولايات المتحدة كمصدر التهديد الرئيسي لمصالحها"... ولأنه، "ببساطة، لا تريد الولايات المتحدة وحلفاؤها حكومات (عربية) تستجيب لإرادة الشعوب. لأنه في حال حدث ذلك، لن تفقد الولايات المتحدة سيطرتها على المنطقة فحسب، بل سيتم طردها منها، وهو ما لا يمكن أن تقبل به طبعاً"!!
فأوباما الطامح لإعادة تجديد ولايته حريص على تأكيد دوره، في قمة السلطة السياسية الأميركية، في خدمة الحكام الفعليين للبلد، أرباب المال وأصحاب الإحتكارات والشركات الأميركية الكبرى، التي يهمها تماماً ألا تخرج المنطقة العربية، منطقة النفط الرئيسية في العالم وإحدى مناطق الغاز الطبيعي الهامة، من نطاق نفوذ هذه الإحتكارات والشركات، وسيطرة الدولة أو الدول التي تعبر عن مصالحها.
وهو ما كان تشومسكي قد سبق واشار إليه في مقال نُشر في صحيفة "ذي غارديان" البريطانية، يوم 4/2/2011، تحت عنوان "ما يُقلق الولايات المتحدة ليس الإسلام الراديكالي، وإنما الإستقلال"، ويقصد إستقلال الدول العربية عن الولايات المتحدة وحلفائها ومؤسساتها المالية والإقتصادية. أي ان الولايات المتحدة لا تخشى ما تسميه "الإسلاميين المتطرفين" ودورهم في بلدان المنطقة، كما يبدو من خلال تصريحات بعض المتحدثين باسمها أو المناصرين لها، بقدر ما تخشى إستقلال هذه المنطقة عن النفوذ الأميركي، وانتزاع شعوبها لهذا الإستقلال الفعلي. وهو استقلال لم يتحقق خلال القرن المنصرم إلا بصورة شكلية. وفي معظم الحالات، حلّ النفوذ الأميركي محل النفوذ البريطاني والفرنسي الإستعماري القديم، بما في ذلك في منطقة الخليج الإستراتيجية.

دور اليسار والتيارات الوطنية الإستقلالية في حماية الثورات ومنع احتوائها

ومن هذه الزاوية، ومع الأهمية الكبرى لتثبيت مكاسب الشعبين التونسي والمصري في بناء نظامي حكم قائمين على دستور مستنير وقوانين متطورة ومتقدمة، وعلى احترام الحريات والحقوق الديمقراطية وكرامة المواطنين وبناء مؤسسات تتمتع بالحد الأقصى المتاح من النزاهة، أي بناء دولة ديمقراطية مدنية عصرية في البلدين، هناك أهمية كبرى بالنسبة للجمهور الواسع الذي شارك في الثورتين، وكان وقودها الأساسي، بألا يتم احتواء الثورتين وتحويلهما لصالح إعادة ربط البلدين بالمركز الرأسمالي العالمي بصيغة جديدة، تبقي البلدين في نطاق التبعية وخدمة مصالح الشركات الرأسمالية الأميركية والأوروبية الكبرى، وأنصارها المحليين. مما قد يجعل الثورتين، في حالة الإحتواء هذه، تشهدان مصيراً شبيهاً بذلك الذي وصلت إليه معظم بلدان أوروبا الشرقية وجمهوريات الإتحاد السوفييتي والإتحاد اليوغسلافي السابقين قبل زهاء العقدين من الزمن: وهي بلدان باتت تسودها، في معظم الحالات، إما أنظمة رأسمالية متوحشة ذات طابع مافيوي، تغطي نفسها بمظاهر إنتخابية وحريات شكلية، وإما أنظمة تحولت الى ملاحق تابعة للقوى الرأسمالية المركزية الكبرى، سواء الولايات المتحدة أو بلدان أوروبا الغربية الكبرى، وفي المقدمة ألمانيا، وإما الأمران معاً.
وهنا تقع المسؤولية بالدرجة الأولى على القوى والتيارات اليسارية والوطنية الإستقلالية في تونس ومصر، وأية بلدان عربية أخرى قد تشهد تحولات شبيهة لاحقة: والمقصود بهذه القوى والتيارات هي تلك الرافضة للتبعية للخارج، والحريصة على صيانة مكاسب الثورتين والدفاع عن مصالح القطاعات الشعبية الواسعة، قطاعات الشغيلة في المدن والأرياف، والتي هي السياج والضمان الفعلي لمستقبل البلدين وثورتيهما.
ويمكن هنا تسجيل مواقف ومبادرات إيجابية لدى قوى يسارية ووطنية استقلالية في هذين البلدين في الآونة الأخيرة على هذا الصعيد، سواء في مجال اللقاءات والحوارات الوطنية الموسعة للدفاع عن المستقبل الديمقراطي التعددي والحرّ للبلدين، أو في إطار التحالفات الجارية بين القوى اليسارية والتقدمية نفسها، خاصة في سياق الإعداد اللاحق لخوض الإنتخابات المتوقعة، سواء للجمعية التأسيسية، التي ستضع الدستور الجديد للبلدين، أو للهيئات التشريعية والتنفيذية. بحيث لا تقود أية عملية انتخابية "مسلوقة"، ومختزلة وفق قوانين انتخابية هزيلة وغير منصفة، لتهميش القوى الشعبية الرئيسية التي حملت الثورتين على أكتافها وقدمت التضحيات الكبرى في سياقها، قوى الشغيلة والكادحين والمتضررين من سياسات التبعية والإستبداد والفساد السائدة في السابق.
ومن الحيوي في هذا السياق أن يتحقق حضور مهم للقوى والتيارات والشخصيات المعبّرة عن هذه القطاعات الشعبية في الجمعية التأسيسية وفي الهيئات التشريعية والتنفيذية القادمة، بحيث لا تعود زمام الأمور الى تلك القوى والتيارات المستعدة للعودة للإلتقاء مع مشاريع التبعية وخدمة مصالح الخارج، أو تلك المستعدة للمساومة معها، أو تلك المدافعة عن مصالح شرائح محدودة داخل المجتمعين، هي على الأغلب امتداد للشرائح التي كانت مقرّبة من النظامين المنهارين، على حساب الأغلبية الكبرى من شعبي البلدين.
ونحن لا نتحدث هنا عن تحولات نحو الإشتراكية. فذلك ليس هدفاً مطروحاً في المرحلة الراهنة، وعلى الأغلب ليس في مستقبل قريب. بل نشير الى تحقيق مكاسب ملموسة لشغيلة المدن والأرياف وللعاطلين عن العمل، والعاطلون كثر في بلداننا، تضمن لهم حياة كريمة، كإجراءات من نمط إقرار حد أدنى للأجور مرتبط بجدول أسعار المواد الحياتية الضرورية، وتوفير الضمانات الإجتماعية بحدها الأدنى، وتطوير نطاقها بشكل متدرج، وتقديم الدعم السريع للشرائح الأفقر، وتوفير فرص العمل اللائقة لكل المواطنين، وخاصة الشبان منهم، الذين يعانون من نسب عالية من البطالة، وغير ذلك من المطالب الشعبية الملحة، التي تضعها قوى يسارية ووطنية استقلالية مصرية وتونسية عدة في برامجها وضمن أهدافها المباشرة.
وليس لدينا وهم بأن تلبية هذه المهمات ستكون سهلة، وأن الطريق لبناء أنظمة ديمقراطية منصفة ومتقدمة في البلدين ستكون مفروشة بالورود. فهناك الكثير من التعقيدات ومن المصاعب. وهناك، كما أشرنا، قوى داخلية مناهضة لهذه التغييرات، بدءً بالقوى والشرائح المتضررة من الإطاحة بالنظامين السابقين، وهي قوى ليست محصورة برموز سياسية قليلة العدد، بل هي قوى اجتماعية ذات نفوذ وتأثير، وتحتاج مواجهة أشكال مقاومتها المتوقعة للتغيير ومحاصرة محاولاتها لمنع قطف ثمار التضحيات الشعبية خلال الثورتين الى جملة من صيغ التحالفات الشعبية الوطنية في إطار كل بلد، والى الكثير من الحكمة وإجادة التصرف من قبل القوى والتيارات صاحبة المصلحة في تحقيق الأهداف الأهم لثورتي 14/1 في تونس و25/1 في مصر.

بعض الأنظمة العربية لم تستوعب بعد أن مرحلة تاريخية جديدة قد بدأت

يبقى أن نشير الى أن عدداً من أنظمة المنطقة العربية الأخرى غير النظامين المنهارين في مصر وتونس سعت، بعد هذين التطورين، الى استباق تطورات شبيهة في بلدانها، سواء من خلال تشديد حملات القمع والبطش والترويع ضد التحركات الشعبية، أو من خلال المناورة والمماطلة والرهان على رشوة قطاعات من المواطنين وشق صفوف الحركة الشعبية المنتفضة أو إنهاكها، وهو ما يجري في اليمن وسوريا وغيرهما. كما قامت بلدان أخرى بالإستعانة بتدخلات خارجية، وهو ما حصل في البحرين التي استعان نظامها بقوات من بلدان خليجية أخرى، وخاصة من السعودية والإمارات المتحدة، لمساعدته على قمع التحرك الشعبي الذي بدأ في البلد. في حين قادت الحرب الحقيقية التي شنها النظام الليبي على القطاعات المنتفضة من شعبه الى تدخل سافر لقوات حلف شمال الأطلسي، يهدد بعودة قوية لاحقة لنفوذ بلدان هذا الحلف وشركاتها النفطية وغير النفطية، وهو احتمال يهدد بإجهاض تطلع شعب ليبيا العميق الى الحرية والسيادة الحقيقية على أرضه وثرواته وتقرير مصيره ومستقبل بلده.
ومن الواضح أن بعض الأنظمة العربية، أو جلها، لم تستوعب بعد أن ثورتي تونس ومصر وانتفاضات الشعوب العربية الأخرى قد أنهت مرحلة تاريخية معينة في منطقتنا وأدخلت شعوبها في مرحلة جديدة تماماً، لا يمكن أن يبقى فيها مقبولاً بقاء النماذج الماضية من أنظمة الإستبداد والفساد واستئثار قلة محدودة بالقرار السياسي وبثروات البلد. ويمكن أن تقاوم بعض هذه الأنظمة هذا التطور التاريخي الهام بأساليب شتى لبعض الوقت، لكن، في نهاية المطاف، هي تؤخّر التطور قليلاً، ولكنها لا يمكن أن تعيد عجلة التاريخ الى الوراء.
***
يبقى أن نستخلص أن لجوء الخطاب الرسمي الأميركي والأوروبي في الآونة الأخيرة لإبداء التعاطف مع التحركات الشعبية العربية لا يخفي نفاق الأنظمة الحاكمة في هذه البلدان، والتي طالما ما حمت أنظمة الطغيان والإستبداد والفساد في منطقتنا وفي مناطق أخرى من العالم، ويجب ألا يخفي أن هذه الحكومات والأنظمة لا تهمها مصالح شعوب منطقتنا ولا هي تدافع عنها، بل هي تحاول أن تتأقلم مع التطورات والمستجدات للحفاظ على مصالحها، وحيث أمكن أيضاً تعزيز هذه المصالح، مصالح أرباب المال والإحتكارات والشركات الكبرى.
وما يبعث القلق لدى أصحاب القرار والنفوذ في الولايات المتحدة وأوروبا والمراكز الرأسمالية الكبرى الأخرى هو أن نجاح التجارب الثورية العربية في تغيير ملامح منطقتنا، ملتقياً مع التغييرات التي أحدثتها شعوب أميركا اللاتينية خلال العقد المنصرم، وما زالت مستمرة في تطويرها، يمكن أن يزيد من تضييق الخناق على أرباب نظام الإستغلال والنهب المنظم السائد في العالم، في مرحلة من التأزم التي دخل فيها هذا النظام قبل زهاء الأربعة أعوام ولم يتمكن بعد من الخروج منها.
فنجاح النماذج الثورية الشعبية العربية يمكن أن يجعل بعض شعوب المراكز الرأسمالية المتطورة تتخذها قدوة لها، مهما كانت ظروف كل بلد وكل منطقة مختلفة عن الأخرى. وهو ما رأيناه في الأيام الأخيرة في بلد أوروبي متطور مثل إسبانيا، حيث قام الشبان والشابات بالإعتصام في الساحات الرئيسية للتعبير عن سخطهم على النظام الإقتصادي والسياسي السائد في بلدهم وعلى أحكام وقيود المنظمات المالية الأوروبية والدولية التي فرضت عليهم إجراءات تقشف تتحمل أعباءها بالأساس القطاعات الشعبية الأفقر، الشغيلة والموظفون وأصحاب المشاريع الصغيرة.
وتطور مثل هذا السيناريو في إسبانيا، أو في أي بلد آخر في أوروبا أو غيرها من المناطق، يمكن أن يشكل كابوساً مقلقاً لأرباب النظام الرأسمالي العالمي الذين يسعون جهدهم لمحاصرة نيران الثورات العربية واحتوائها، منعاً لتأثير هذه النيران على مصالحهم، والأدهى امتدادها الى عقر ديارهم، بما يفتح آفاقاً جديدة أمام شعوب العالم، في حال حدوثه، للخروج من أزمة إقتصادية عالمية طاحنة تسبب بها أرباب النظام أنفسهم، ويسعون اليوم لجعل القطاعات الأفقر في العالم، وحتى في بلدانهم، تدفع ثمن محاولات الخروج منها.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,478,793,825
- مصر ما بعد 25 يناير: دور إقليمي أقوى، وحراك سياسي داخلي غني ...
- الثورات الشعبية العربية تتواصل: من أجل الحريات والحقوق الديم ...
- مؤسسات تصنيف عالمية مصابة بعمى الألوان: هل من مجال لمؤسسات ب ...
- ثورتا تونس ومصر الشعبيتان: آفاق واسعة لمرحلة تاريخية جديدة ف ...
- كيف حلّلت التقارير الأميركية السرّية قادة كوبا وفنزويلا
- داود تلحمي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: الإستعصاء ...
- أبراهام سرفاتي: قامة عالية، وطنية وأممية، في تاريخ منطقتنا
- -عولمة- كارل ماركس... وعولمة رونالد ريغن
- عندما وقف اليهودي الوحيد في الحكومة البريطانية ضد -وعد بلفور ...
- ثورة أكتوبر 1917 والتجربة السوفييتية في مسار التاريخ البشري
- امتحانان إنتخابيان مهمان لتيّارَي اليسار في أميركا اللاتينية
- إشتراكية القرن الحادي والعشرين: إستخلاص الدروس... وإحلال ديم ...
- عندما اضطر كارل ماركس أن يقول... بأنه ليس ماركسياً!!
- أزمات البلدان الأوروبية ومأزق أحزاب -يسار الوسط-
- بعد 35 عاماً على النصر التاريخي... فييتنام تحث خطى التنمية و ...
- وحدة اليسار مهمة... لكن تمايز مشروعه هو الأهم
- خيارات الشعب الفلسطيني في ظل انسداد آفاق -الحلول القريبة-
- العقد الثاني من القرن: الأزمة الإقتصادية الرأسمالية مستمرة.. ...
- يسار أميركا اللاتينية في عقده الثاني...التيار الجذري هو الذي ...
- اليسار الياباني مرشّح لتأثير أكبر على سياسات البلد


المزيد.....




- عشرات الآلاف يتظاهرون في شرقي ألمانيا ضد اليمين المتطرف
- اشتباكات عنيفة بين الشرطة ومحتجين على قمة G7 في بياريتس الفر ...
- موظفو سعودي اوجيه طالبوا الحريري يالاسراع للحصول على مستحقات ...
- احتجاجات هونغ كونغ: اشتباكات بين الأمن والمتظاهرين
- الدفاع التركية تعلن تحييد 15 من عناصر حزب العمال الكردستاني ...
- هونغ كونغ: الشرطة تستخدم خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين
- حسام حامد.. شهيد جديد داخل زنازين التأديب
- مقتل وإصابة عشرة عسكريين أتراك في اشتباكات مع مسلحي «حزب الع ...
- فعاليات : اجتماع موسع يضم الحزب الجبهوي والحزب الشيوعي الكرد ...
- -الشيوعي- من لبايا: ... سنحمل بنادقنا ومبادئنا، ضد الاحتلال ...


المزيد.....

- الأسس الفكرية للانتهازية الثورية والإصلاحية الوسطية / هيفاء أحمد الجندي
- ليون تروتسكي: سيرة للأمل / أشرف عمر
- التوسع الراسمالي وبناء الدولة الوطنية / لطفي حاتم
- الحلقة الأخيرة: -الصراعات الطبقية بالمغرب و حركة 20 فبراير : ... / موقع 30 عشت
- الأسس الأيديولوجية والسياسية لبناء الحزب البروليتاري الثوري / امال الحسين
- اليسار الاشتراكي والتحالفات الوطنية / لطفي حاتم
- إرنست ماندل؛ حياة من أجل الثورة / مايكل لوي
- ماركس والشرق الأوسط ٢/٢ / جلبير الأشقر
- عرض موجز لتاريخ الرابطة الأمميّة للعمال _ الأمميّة الرابعة / الرابطة الأممية للعمال
- مقدمة “النبي المسلح” لاسحق دويتشر:سوف ينصفنا التاريخ(*) / كميل داغر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - داود تلحمي - اليسار والتيارات الوطنية الإستقلالية أمام تحدي محاولات احتواء الثورات الشعبية العربية