أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - شادي الشماوي - غيفارا ، دوبريه و التحريفية المسلّحة_ ليني وولف















المزيد.....



غيفارا ، دوبريه و التحريفية المسلّحة_ ليني وولف


شادي الشماوي

الحوار المتمدن-العدد: 3351 - 2011 / 4 / 30 - 13:38
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


غيفارا ، دوبريه و التحريفية المسلّحة
====================
ليني وولف

كلمة للمترجم :
=========
بمناسبة عيد العمّال العالمي ، غرّة ماي ، نضع بين أيديكم هذه الترجمة للمساهمة فى مزيد ترسيخ الوضوح الإيديولوجي و السياسي لدى الشيوعيين الماويين عربيّا و لنشر حقيقة غيفارا و الغيفارية و التحريفية المسلّحة . فصحّة او عدم صحّة الخطّ الإيديولوجي و السياسي هي المحدّدة فى كلّ شيئ كما قال ماو تسى تونغ .

لقد لاحظنا منذ سنوات إنتشارا و أي إنتشار لصور غيفارا فى صفوف مناضلين و مناضلات يصرّحون بتبنيهم للشيوعية و حتى فى صفوف مناهضين للإمبريالية و صار شائعا أيضا إرتداء لباس يحمل صورة لغيفارا و تعليق ملصقات له على السيارات و الدرّاجات النارية لدى الشباب على وجه الخصوص و نادرة هي المسيرات التي لا نرى فيها رايات و أعلام رسمت عليها هذه أو تلك من صور غيفارا الشهيرة، هذا فضلا عن إكتساح هذه الصور الأنترنت على نحو لافت.

و مثّلت هذه الملاحظة و خاصّة تأكّد أنّ حتى بعض تعليقات و مقالات ماويين من الأقطار العربية لا تنمّ عن فهم عميق و صحيح لغيفارا و الغيفارية ، مثّلت حافزا لنا على الإنكباب على ترجمة مقال عثرنا عليه على الأنترنت ،و إن كان قد كتب فى أواسط ثمانينات القرن الماضي فهو ،فى تقديرنا ، يستحقّ الإطلاع عليه و دراسته إذ هو يتطرّق لغيفارا و الغيفارية بعمق و شمولية ، من منظور بروليتاري ثوري ، ليرسم خطوط التمايز بين الماركسية-اللينينية-الماوية بما هي علم الثورة البروليتارية العالمية من جهة و "الفوكية" كتحريفية مسلّحة من جهة ثانية و يجلى حقيقة و تاريخ أفكار غيفارا و ممارساته التي ما إنفكّت إلى اليوم تلهم عددا من الحركات " اليسارية" ، لا سيما فى أمريكا اللاتينية.

و " على الشيوعيين أن يكونوا مستعدّين فى كلّ وقت للتمسّك بالحقيقة ، فالحقيقية ، أية حقيقة، تتفق مع مصلحة الشعب و على الشيوعيين أن يكونوا فى كلّ وقت على أهبة لإصلاح أخطائهم، فالأخطاء كلّها ضد مصلحة الشعب."( ماو تسى تونغ، " الحكومة الإئتلافية " ( 24 أبريل-نيسان 1945) ، المؤلفات المختارة ، المجلدّ الثالث).
-------------------------

[ نشر هذا المقال فى مجلّة "الثورة" عدد 53، شتاء/ ربيع 1985 ،وهي مجلّة كان يصدرها الحزب الشيوعي الثوري ، ]www. bannedthought.net : الولايات المتحدة الأمريكية. و لمقال متوفّر بالأنجليزية على موقع الفكر الممنوع

" و قد تجلى هذا الإنحراف التحريفي فى الماضي فى شكل "يساري " أو فى شكل يميني مفضوح . و لطالما نادى التحريفيون الجدد ب " الإنتقال السلمي للإشتراكية " (و خصوصا إلى حدود الماضى القريب ) و سعوا إلى دعم القيادة البرجوازية فى نضالات التحرر الوطني و لكن هذه التحريفية اليمينية التى لا تخفى سياستها الإستسلامية ، كانت دائما ما تجد صداها فى شكل آخر للتحريفية تتقاطع معها اليوم أكثر فأكثر : نوع من التحريفية المسلحة " اليسارية " تدعو لها فيمن يدعو لها ، من حين لآخر القيادة الكوبية و تؤدى إلى سحب الجماهير بعيدا عن النضال المسلح و التى تدافع عن فكرة دمج كل مراحل الثورة و عدم القيام إلا بثورة واحدة، ثورة إشتراكية مزعومة. و تؤدى هذه السياسة عمليا إلى محاولة دفع البروليتاريا إلى أفق محدود جدا و إلى إنكار واقع أن على الطبقة العاملة أن تقود الفلاحين و قوى أخرى وأن تسعى بذلك إلى تصفية كاملة للإمبريالية و للعلاقات الإقتصادية و الإجتماعية المتخلفة و المشوّهة التى يتمّعش منها رأس المال الأجنبي و التى يجتهد فى تدعيمها . و يمثل هذا الشكل من التحريفية اليوم واحدة من الوسائل الرئيسية التى يستعملها الإمبرياليون الإشتراكيون للإندساس فى نضالات التحرر الوطني و مراقبتها ." ( " بيان الحركة الأممية الثورية "لسنة 1984، ضمن فقرة " المهام فى المستعمرات و أشباه المستعمرات (أو المستعمرات الجديدة ) ").

لا تزال صورة تشى غيفارا و لأكثر من 15 سنة بعد إغتياله على أيدى جنود دربتهم وكالة المخابرات المركزية الأمريكية - السي أي أي- ، تتمتّع بنوع من الجاذبية فى صفوف الثوريين ،و لا يزال غيفارا يبدو بالنسبة للكثيرين رجل عمل قطع مع الأخطاء اللامتناهية لأحزاب أمريكا اللاتينية التحريفية ذات الخطّ القديم .و عديدون هم الذين يعتقدون أنّ هناك إختلافات هامّة بين غيفارا و كاسترو الذي سار بكوبا أكثر فأكثر إلى عناق مفتوح و متحمّس مع الإتحاد السوفياتي فى فترة ما بعد موت غيفارا. و قد وصل آخرون إلى حدّ عقد مقارنة بين غيفارا و ماو تسى تونغ (1) فيها تفضيل لغيفارا. ومع تأثير "الفوكية"، نسبة إلى الفوكو – الغوارية، لازال تأثيرالمذهب السياسي و العسكري الذى طوّره و حاول زرعه غيفارا و الذى صيغ فى كتاب "ثورة داخل الثورة" الذى ألّفه معاون غيفارا سابقا، ريجيس دبوريه ، تأثيرا كبيرا.
و مع ذلك فإنّ مظاهر و باطن النظرية التي تقود غيفارا يقفان على طرفي نقيض . فبرغم أنّ غيفارا كان دائما على إستعداد لنقد و فضح التحريفية فى المحافل العمومية ،فإنّه شيّد مشروعه كلّه على مساندة الأحزاب التحريفية و الإتحاد السوفياتي؛ مثيرا الإنتباه بإستمرار إلى ضعف الولايات المتحدة الأمريكية أمام المبادرات الثورية، لم يشأ أبدا الإلتحاق بأكثر القوى الثورية صلابة و شعبية ،التى كانت تتعزّز فى أمريكا اللاتينية و بذلك وضع تشى غيفارا نفسه فى النهاية فى تعارض مع الثورة عالميا.

و لأنّ إسمه قد إرتبط بالنهوض الثوري فى الستينات و لأنّه قد سقط برصاص أعوان الإمبريالية الأمريكية ، فإنّ هذا التأكيد لا يمكن إلاّ أن يحرّك المشاعر غير أنّه يجب أن تترك الأحاسيس و المشاعر جانبا. لا تزال الظاهرة الغيفارية تتمتّع بتأثير كخطّ سياسي وبينما يتجه السوفيات (و الكوبيون ) على نطاق عالمي إلى التعويل على عناصر داخل الجيش و القوات المسلّحة لتحقيق إستراتيجيتهم التحريفية المسلّحة فإنهم مقابل ذلك يعيرون عناية ليست بالقليلة لتوجهات و نشاط المجموعات الغيفارية الجديدة .و خاصة فى أوضاع أزمة سياسية حادة، يقومون بأقصى الجهود لرعاية هذه القوى الغيفارية الجديدة و دفعها بأكثر دهاء إلى المشروع التحريفي الشامل. لهذا كلّه فإنّ الغيفارية ( و غيفارا ذاته) تتطلّب تقييمات علمية فيما يتعلّق بدورها الإجتماعي. و هذا المقال سيتفحّص موضوعيا الخطّ العسكري و السياسي للغيفارية ؛ و فهمها للثورة و جذورها الإجتماعية و المادية. و جوهريا سيكشف تناقض غيفارا الذى يبدو خصما للتحريفية ، حاقدا عليها جدّيا فى حين نجده يعوّل عليها فى النهاية.
-----------------------------------------------------
1
-------------------------------------------------

إستقدم كلّ من فيدال كاسترو و تشى غيفارا ريجيس دوبريه (2) سنة 1965 إلى كوبا و ذلك بهدف إجراء نقاشات معه حول حرب الأنصار و طلب الكوبيون منه أن يكتب نصّا نظريا جداليا يلخّص تجارب الثورة الكوبية و يجعل منها عقيدة عسكرية و خطّا سياسيا يتماشيان بصفة خاصة مع أوضاع أمريكا اللاتينية. و كانت حصيلة النقاشات كتاب دوبريه "ثورة داخل الثورة" الذى يعتبر إلى حدّ الآن العرض الوحيد الأكثر تركيزا للغيفارية و يمكن تلخيص الأطروحات الجوهرية للغيفارية كالتالى:
1- لقد تأجّلت الثورة فى أمريكا اللاتينية لأنّ الثوريين بقوا مرتبطين بهذا الخطّ أو ذاك من الخطوط و التيارات الخاطئة أو "المفاهيم الخاطئة المستوردة" .
2- لا يمكن للخطّ الماوي لحرب الشعب أن ينطبق على أمريكا اللاتينية لأنّ هذا الخطّ يعتبر أن ّ النضال المسلّح يخاض بالتعويل على جماهير الفلاحين و إعتماد قواعد الإرتكاز و يعدّ ذلك عنصرا جوهريا فى حرب الشعب فى عديد مساحات "العالم الثالث" و لا يصلح هذا النمط - حسب دوبريه- لأمريكا اللاتينية نظرا للأوضاع الموضوعية المختلفة و خاصّة الوضع الأكثر تطوّرا للريف و سمة التناثر و التفرّق و ما هو عليه من سلبية لامبالاة بالنضال تطبع الفلاحين.
3- إنّ موقف الأحزاب الشيوعية (الواقعة تحت تأثير موسكو كان يوظّف النضال المسلّح فقط كمساعد للمناورات القانونية البرلمانية ) لا يختلف فى شيء عن موقف التروتسكيين (الذين إتّبعوا خطّا فوضويّا نقابويا للدفاع الذاتي للعمّال) و رغم تكريس هذه الخطوط لعقود لم تحصل الثورة.

4- يتمثّل إذن المفتاح الحقيقي للثورة فى أمريكا اللاتينية فى دراسة المثال الكوبي كأنموذج حيث بنت مجموعة صغيرة من المقاتلين وحدة مسلّحة فى الريف فى إستقلال عن الفلاحين و نمت عبر خوض المعارك ضد جيش النظام الحاكم.
و يمكن و يجب أن يعاد إنتاج هذه الفوكية /الغوارية العسكرية عبر أمريكا اللاتينية ،و حسب هذا ، حدّد دوبريه أن هذا الخطّ قدّم "جوابا ملموسا لإشكالية كيف تتمّ الإطاحة بسلطة الدولة الرأسمالية؟...توفّر الثورة الكوبية جوابا لبلدان أمريكا اللاتينية الأخرى التى يجب دراسة حيثياتها التاريخية: بوسائل البناء البطيء كثيرا او قليلا ،و عبر حرب أنصار مخاضة حسب مناطق ريفية يقع إختيارها من قبل قوّة إستراتيجية متحرّكة تعتبر بمثابة نواة للجيش الشعبي و "الدولة الإشتراكية المستقبلية "..."( ريجيس دوبريه، "ثورة داخل الثورة " 1967، صفحة 24). "
لقد ركّز كتاب "ثورة داخل الثورة" هجومه الرئيسي على الخطّ العسكري لفهم ماو تسى تونغ لحرب الشعب و خاصّة لتأكيده على تعبئة الفلاحين و بناء قواعد إرتكاز منها تخاض الحرب (ووراء ذلك يكمن إختلاف جوهري حول دور الجماهير فى الحرب الثورية عموما).
لنبدأ بتفحّص الحجج الأساسية فى هذا الشأن.

دور الفلاحين :

ينطوى خطّ الفوكية ، مثلما أُشير إلى ذلك، على رفض جوهري لأيّ توجّه نحو الفلاحين كقوّة ثورية جوهرية ذلك أنّ دوبريه قد شدّد على ذلك أيما تشديد و كذلك نبذ الثورة الصينية و الفتنامية حيث كتب :" إنّ الكثافة السكّانية العالية للفلاّحين و الكثافة السكّانية العالية جدّا للقرى و المدن و الهيمنة البادية للفلاحين على سكّان المدن تسمح للدعاة الثوريين بأن يختلطوا بسهولة بالشعب مثل السمك فى الماء" أمّا فى امريكا اللاتينية على العكس فإنّ "فوكو الأنصاريين الذين شرعوا فى البداية فى نشاطاتهم تركّزوا فى مناطق سكّانها متفرّقون جدّا و متباعدون نسبياّ فلا أحد و لا قادم جديد يمرّ دون ملاحظته فى قرية الهنود الحمر مثلا، بل و أكثر من ذلك كلّ غريب عرضة لعدم الثقة ، فالكتشوا أو الكاكشكال (المايا) الفلاحون لهم أسبابهم فى عدم الثقة ب"الدخلاء"،"الرجال البيض"، فهم يعرفون أنّ الكلمات الحلوة لا يمكن أن تُأكل و لا تحميهم من القنابل ، والفلاح يعتقد قبل كلّ شيئ فى السلطة بداية من سلطة فعل ما يقوله ، فنظام الإضطهاد دقيق و قد وجد منذ زمن سحيق وهو قارّ ومتخندق و قويّ.وللجيش و الحرس الريفي و الشرطة الخاصة لٌلإقطاعيين و أصحاب "القبّعات الخضر" و الحرس ، لكلّ هؤلاء صيت و سمعة كبيرة جدّا ؛ و نظرا لدونية وعي الفلاح فإنّ هذا الصيت يمثّل الشكل الرئيسي للإضطهاد ،فهو يجمّد المحتجين و يدفعهم للصمت و يجرّهم لإبتلاع الإهانات بمجرّد رؤية بدلة عسكرية" ( دوبيه ، صفحة 50-51 )
وما يستخلص من هذا الإستشهاد شيئ لا يكاد يصدّق بالمرّة بالنسبة للفلاحين و للتاريخ. فمن قراءة ذلك لا يمكن التعرّف إلى أنّه كانت لهؤلاء الفلاحين فى أمريكا اللاتينية تقاليد ثورية غنية، فجهة ميلاد كاسترو ذاته –الأورينتى- كانت مركز ثقل فى إنتفاضة للفلاحين بين 1900 و 1959 ،و فى بوليفيا حيث كان تشى غيفارا يمارس أفكاره مثّلت إنتفاضة الفلاّحين القوّة القتالية الأساسية فى ثورة 1952/1953 ، امّا بالعودة إلى الوراء فإنّنا نجد طبعا إنتفاضة هامة قادها ساندينو فى نيكارغوا فى الثلاثينات ، كما نجد أيضا إنتفاضات الفلاحين فى السلفادور فى نفس الفترة، إذ خلالها و على إثرها قتل 30 ألف فلاّح جراء القمع الذى تلا هذه الإنتفاضة و جراء الثورات المتتالية ،و أغلب الثورات فى المكسيك فى أوائل القرن العشرين كانت من صنع الفلاحين.(3)

إنّ عدم تماشى الفلاحين مع النضال الثوري بحسب النظرية الغيفارية ، ليس مسألة يسيرة فذلك يعود إلى قلب الخطّ السياسي لهذا التيّار ، و قد تعرّض لذلك دوبريه مرارا و تكرارا مستشهدا ب" القواعد الذهبية الثلاث لغيفارا" : الإنتباه المستمرّ و عدم الثقة المستمرّة و الحركة المستمرّة. و يواصل الكاتب ليقول إنّ :" عدّة إعتبارات معقولة تستدعى الحذر تجاه المدنيين و الإبقاء على نوع من البعد نظرا لوضعهم ذاته فالمدنيون معرّضون للقمع و الحضور و الضغط المستمرّ للعدو الذى سيحاول أن يشتريهم و أن يرشيهم و ان يستخرج منهم و بالقوّة ما لا يمكن شراؤه. و نظرا لعدم مرورهم بسيرورة من الإنتخاب و التدريب التقني عكس ما عليه المقاتلون الأنصاريون، يكون سكّان منطقة عمليات معينة أكثر عرضة للإختراق أو للإرتشاء الأخلاقي من قبل العدوّ "( دوبريه، صفحة 43).
هل كان دوبريه و غيفارا يهدفان و ببساطة إلى تشويه الفلاحين دون أي أساس لهذا الموقف؟ من الصعوبة تصديق ذلك ، فبرغم إستمرار الأفكار المتخلفة إجتماعيا و كذلك القمع الموجّه ضد الذين يقاومون و إرث تواصل العلاقات الإقطاعية وهي كلّها مسائل واقعية ، سواء كان ذلك عبر نزعة أو بسبب مشاكل ميكانيكية و التفكير المناهض للجدلية، فإنّ غيفارا و دوبريه أمسكا مظهراواحدا للحقيقة ليخفيا جوهر المسألة وهو القدرة الثورية الكامنة لدى الفلاحين، وهي مسألة كان الإعتراف بها تاريخيا نقطة تمايز بين اللينينية و الإشتراكية الديمقراطية و التروتسكية و التحريفية . و لقد إستعمل ماو تسى تونغ على وجه الخصوص الجدلية للتمييز بين شرائح مختلفة فى الريف و لفهم تناقض حركتها و قدراتها. وقد طوّر مقاربة التعويل على الفلاحين الفقراء فى الوقت الذى يجب النضال فيه من أجل كسب العناصر الأكثر وسطية و محايدة، بل و فى أوضاع متنوّعة يجب النضال من أجل تحييد الفلاحين الأغنياء (و كلّ من يعتقد أنّ ماو تسى تونغ كان مثاليّا و مفرطا فى التفاؤل و لا يملك أي فهم لصعوبات إستنهاض الفلاحين و رفع مستوى فهمهم ووعيهم السياسي ، يحتاج فقط إلى قراءة كتاباته بهذا الصدد).

لقد كانت هذه المسألة و لا تزال أساسية للغاية لبقاء العلاقات الإقطاعية و شبه الإقطاعية و آثارها فى أمريكا اللاتينية و النتيجة الهامّة للثورة الزراعية بالنسبة إلى الثورة ككلّ فى بلدان تلك المنطقة. وهو أمر صائب برغم التحوّلات الهامة التى طرأت على الفلاحة الإقطاعية فى أمريكا اللاتينية منذ الحرب العالمية الثانية (4).
و النقطة الأساسية هنا هي أنّ المجتمعات المعنيّة يجب أن تعتبر ضمن الأمم المضطهَدَة التى صارت مندمجة فى إطار علاقات تبعيّة للبلدان الإمبريالية فالفلاحة فى كلّ من شكليها الإقطاعي/ شبه الإقطاعي و "الرأسمالي" فى الأمم المضطهَدَة (شأنها شأن قطاع الصناعة) مندمجة فى شبكة المراكمة العالمية التى هي أساسا تحت سيطرة الرأسمال المالي ذى الجذور العميقة فى الدول الإمبريالية. و يفرز هذا الإندماج تشويها أخرق و عدم تكامل القطاعات و النشاطات الفلاحية لهذه الأمم المضطهَدَة حيث طوّر الرأسمال المالي بعض المناطق( سواء عبر الإستثمار المباشر أو فى غالبية الأحيان عن طريق القروض و إعانة الدولة و غير ذلك من أشكال التدخّل ممرّرة عبر الرأسماليين االكمبرادوريين البيروقراطيين المحليين فى قطاع الدولة و/أو الإقطاعيين الكبار) و حيث بالمقابل أبقى قطاعات أخرى راكدة و متعفّنة . و حتى فى هذه المناطق التى إندمجت ضمن سيرورة مراكمة رأس المال المالي عادة ما يُبقى رأس المال المالي على العلاقات الإقطاعية و يقع تعزيزها فى حين يشتدّ إستغلال الفلاحين لتلبية طلبات السوق العالمية.

هكذا تبدو أرياف أمريكا اللاتينية كمراكز لأنواع عدّة من علاقات الإنتاج ،فهناك مزارع إقطاعية ( كبرى و صغرى) من النوع القديم و أخرى على شاكلة الكولاك ومزارع الشركات الإتكارية و مزارع تنتج للسوق العالمية و لكنها تظلّ مع ذلك بين أيدي الملاّكين الإقطاعيين القدماء. ورغم ذلك يظلّ الفلاحون مستغلّين بأشكال تختلف قليلا عن ما قبل . و كالعادة تُحكم طبقات الملاّكين العقاريين الإقطاعيين قبضتها القمعية على أغلب الريف باثّة الرعب فى الفلاحين بالحرس الريفي و الشرطة المحلّية و الأمر كذلك حتى فى القطاعات التى تغيّرت فيها العلاقات إلى علاقات رأسمالية فجوهر العلاقات ظلّ ذاته بل وقع تعزيزه بهدف كبح جماح عدم الإستقرار الناجم عن هذا التحوّل الذى حصل . و يعبّر القمع الشديد و المتواصل للمرأة فى الريف و قمع شعوب الهنود عن بقاء هذه العلاقات الإقطاعية و شبه الإقطاعية فى النشاطات الزراعية و أساسا فى كلّ من البنيتين الفوقية و التحتية، مثلما ينعكس ذلك فى إستمرار سلطة الطبقات الإقطاعية على المؤسسات المفاتيح فى حياة الدولة و الحياة السياسية بما فى ذلك الجيش.

و بالتوازي مع ذلك ، يظهر فلاحون لا يملكون أرضا و بروليتاريا ريفية إلى جانب ما بقي من المزارعين الملاّكين و المزارعين أنصاف المستقلين و الذين بالكاد يحققون إكتفاءهم الذاتي . و من الناحية السياسية فإنّ الفلاحين و حتى فى بداية سيرورة البلترة يظلّون مادة حريق ثوري مشتعل و خاصة أولئك الذين أُفتكّت منهم أرضهم مثلما تبيّن فى حركة إحتلال الأراضي فى مقاطعات إنتاج سكّر مثلما حدث فى الأورينتى بكوبا فى السنوات الخمسين.
و يبرز كلّ هذا الأهمّية المستمرّة للثورة الزراعية فى تقريبا كلّ بلدان أمريكا اللاتينية كما يبرز الأساس الموضوعي الذى يجب أن يُركّز عليه لإستنهاض الجماهير الريفية كحليف إستراتيجي و اساسي ( و يعتبر فى عديد الأحيان أهمّ قوّة قتالية) للثورة. و يشير كذلك إلى العلاقة العضوية بين النضال الثوري ضد العلاقات الإقطاعية و شبه الإقطاعية و بقاياها و النضال من أجل التحرّر الوطني :إنهما ضربان من النضال متلازمان.

و برغم أهمّية نظرية دوبيه بخصوص إنخفاض الكثافة السكّانية فى عديد مناطق ريف أمريكا اللاتينية و النسبة العالية أحيانا لسكّان المدن، فإنّ هذا لا يلغى ضرورة تعبئة جماهير الفلاحين و القيام بالثورة . و يشير بيان الحركة الأممية الثورية لسنة 1984 إلى ذلك " و يطرح نمو مستوى التطور الرأسمالي فى بعض البلدان المضطهَدة مشكلا هاما جدا فى خصوص الأهمية النسبية للمدن بالنسبة للريف على المستويين السياسي و العسكري . وفى بعض هذه البلدان من الصائب أن يفجر الكفاح المسلح بدءا بالإنتفاضات فى المدن و عدم إتباع الرسم القائل بمحاصرة الريف للمدن . بالإضافة إلى ذلك و حتى فى البلدان التى يتبع فيها طريق الثورة محاصرة الريف للمدن يمكن أن تظهر وضعيات تندلع فيها تمردات جماهيرية تؤدى إلى إنتفاضات فى المدن و على الحزب أن يكون مستعدا للإستفادة من هذه الوضعيات فى نطاق إستراتيجيته الشاملة . و فى كلتا الحالتين يرتبط نجاح الثورة إلى حدّ بعيد بقدرة الحزب على تعبئة الفلاحين و دفعهم إلى المساهمة فى هذه الثورة تحت قيادة البروليتاريا . " ( بيان الحركة الأممية الثورية "لسنة 1984، ضمن فقرة " المهام فى المستعمرات و أشباه المستعمرات (أو المستعمرات الجديدة ) .)

لكن غيفارا ودوبريه أهملا و/أو أنكرا هذه الحقيقة الجوهرية حول أهمّية الفلاحين . ويظهر موقفهما الخاطئ تجاه الفلاحين و معاديا للثورة فى موقفهما بشأن المسألة الوطنية للهنود فى مجتمع أمريكا اللاتينية .إذ لا يعالج دوبريه هذه المسألة إلاّ بصورة عرضية (و يمكن إستنتاج ذلك من موقفه بخصوص تأخّر الفلاحين و تخلّفهم ) وما يدعو للأسف هو أن يرى دوبريه وجود سكّان هنود مسحوقين بصورة كبيرة متجذّرة فى أرياف (خاصة) غواتيمالا و الأمم الهندية كعراقيل للثورة ( و قد عكست ممارسة غيفارا التى سنعالجها لاحقا ، فى بوليفيا هذه الرؤية ذاتها). و يبدو هذا الموقف تمثّلا لنظرة القوى البرجوازية المقموعة فى أمريكا اللاتينية أو فى أحسن الحالات تماثُلا معها ، هذه القوى التى تقاوم فى بعض الأحيان الإضطهاد الوطني الذى تعانى منه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية (و بعض الإمبرياليين الآخرين) و لكنّها تحاول فى ذات الوقت منع الجماهير المضطهَدَة من "الخروج عن السيطرة " و من الفعل و تبقيها خاضعة ، محافظة على إمتيازاتها القومية [هذه القوى البرجوازية الوطنية] على حساب الجماهير.(و بالفعل ستستغل مثل هذا الإضطهاد القومي إذا ما نجحت فى أن تحلّ محلّ الكمبرادوريين الذين تقاتلهم و تناضل ضدّهمّ). و دون تصوير الهنود كقوى ثورية مثالية، يجب أن يسجّل أنّ غالبية بلدان أمريكا اللاتينية التى شهدت إنتفاضات أنصارية هامة خلال الستينات بما فى ذلك البيرو و غواتيمالا و كولمبيا ، كانت المسألة الهندية فيها هامة للغاية و قد مثّل الهنود خلال ذلك قاعدة إجتماعية هامّة و نسبة كبيرة من القوى المقاتلة . لذلك لا يمكن لأية ثورة حقيقية ضد العلاقات الإجتماعية السائدة أن تنكر أو تتنكّر لهذه المسألة الهامّة او أن تسمح لنفسها أن تقف بعيدا عن هذا القطاع الهام من الجماهير و نضالاتها. بيد أن نظرة دوبريه تجاه الهنود ليست سوى إفرازا و إنعكاسا للخطّ العام الغيفاري الذى يقف دون الفلاحين و يعارض الإطاحة بالعلاقات الإقطاعية المتخلفة بصفة جوهرية( بما فى ذلك الإضطهاد القومي فى أمريكا اللاتينية).

لتلخيص هذا : ترتبط هيمنة الإمبريالية بالطابع المشوّه للفلاحة فى الأمم المضطهَدَة بما فى ذلك بقايا أشكال متنوّعة من العلاقات الإقطاعية و آثارها ذلك أنّ التشويه المتواصل و بقايا الإقطاعية يسمحان بإعادة إنتاج و تعزيز علاقات الهيمنة هذه مقابل ذلك . هذا من جهة و من جهة أخرى ،عن مثل هذا الإضطهاد الحاد و الهيمنة تترتّب حتميّا مقاومة ينهض بها الفلاحون و البروليتاريا الفلاحية و شبه البروليتاريا فى الريف،مقاومة ينبغى توجهها و تقودها البروليتاريا نحو الثورة.
و تعنى محاولة القفز على الحاجة لإستنهاض الفلاحين و قيادتهم للقيام بثورة زراعية ، فى نهاية الأمر ، الإبقاء على تلك الهيمنة على حالها. و حتى و إن حلّ نظام جديد فإنّ الشكل يمكن أن يتغيّر ( بيروقراطيو الدولة ، أنصاريون سابقا ، يعوّضون أولئك الذين كانوا قبلهم يديرون المزارع الأكثر ربحا) بيد أنّ هيمنة الإمبريالية ستتواصل. و ستستمرّ فى حالة ركود قطاعات الفلاحة الأقلّ ربحا و ستبقى مخطّطات و هيكلة الإنتاج و التجارة كما هي فى حين يستمرّ سجن الجماهير و إستغلالها و تبقى دار لقمان على حالها رغم ما يبدو عليها من مظاهر الإختلاف ،وهو بالضبط ما حصل فى كوبا و فى أثيوبيا و أنغولا( مزيدا من هذا لاحقا).وعندما يريد الذين يقفون دون إستنهاض الجماهير و خاصة الفلاحين من أجل الثورة و حرب الشعب، الحديث عن الثورة فإنّهم لا يعنون فى الحقيقة فى حديثهم إلاّ صعودهم هم لا غير للسلطة ؛ و حتى إن حصل ذلك بإسم الإسراع فى القيام بالإنتفاضة مثلما أراد دوبريه و غيفارا إنجاز ذلك فإنّ التحويل الحقيقي للعلاقات الإجتماعية – تفجير المجتمع وفق مصطلح ماركس- لا يمكن أن يعتبر ضمن حسباتهما و تقديراتهما.
وثمّة تبعات أخرى أخطر لهذا الخطّ حول الفلاحين وهي : إذا ركّز المرء قوّة مسلّحة فى الريف دون مساندة نشيطة من قبل الفلاحين- مع محاججته بشدّة ضدالإستنهاض السياسي لجماهير الفلاحين- فعلى من يجب إذن التعويل؟ بينما لم يوضّح دوبريه و غيفارا مخطّطاتهما فى هذا الصدد فإنهما كانا يرتئيان مراكز الفوكية على أنّها تسير على رأس تحالف الأحزاب التحريفية و البرجوازيين الراديكاليين و البرجوازيين الصغار الديمقراطيين ، هذه القوى مثلما إرتأى غيفارا ، يمكن أن تُجمع معا للإطاحة بالأنظمة القديمة و إفتكاك السلطة و إنجاز إصلاحات بإسم الجماهير و بالتالى السير نحو تعزيز هذا التحالف سياسيا.

قواعد الإرتكاز :

يفرد دوبريه فى كتابه "ثورة داخل الثورة" جزء هاما للجدال ضد الهدف الإستراتيجي ، بناء قواعد إرتكاز للقوى الثورية فى الريف على الأقلّ إلى أن تصبح قوى الثورة قريبة من إفتكاك السلطة السياسية على المستوى الوطني. وقد عزى دوبريه فشل عديد محاولات حرب الأنصار بالريف فى أمريكا اللاتينية فى بداية الستينات إلى البناء المبكّر لقواعد الإرتكاز.
بادئ ذى بدء ، من الأكيد أن تكون القوى التى أشار إليها دوبريه و لم يحدّدها تحديدا واضحا قد حاولت فعلا إستنهاض الجماهير ، كما يمكن أن تكون هذه القوى قد تأثّرت بماو تسى تونغ إلاّ أنه من غير السليم أن تقع معاملتها كما لو أنّها كانت قوى ماوية سعت إلى وضع مفاهيم ماو حول قواعد الإرتكاز فى حرب الشعب موضع الممارسة و التنفيذ.(و حتى و لو كانت هذه القوى كذلك ،فإنّ هذا الأمر وحده لا يمكن أن يحدّد و يؤكّد عدم صحّة الخطّ المعتمد كما كتب ماو ذاته: " فى خضمّ الصراع الطبقي ، يمكن للقوى الممثّلة للطبقة المتقدّمة أن تمنى بالفشل أحيانا لا للأن أفكارها غير صحيحة و إنما لأنها فى ميزان القوى المتصارعة لا تملك قوّة مثل قوّة الرجعية و بالتالى فإنها فشلها مؤقت و لكنّها ستنتصر عاجلا أم آجلا"( ماو تسى تونغ، 1971) .

كانت الغاية من قواعد الإرتكاز مثلما إرتآها ووضعها موضع الممارسة الحزب الشيوعي الصيني بقيادته أن تكون " حصونا عسكرية و سياسية و إقتصادية منها يتمّ قتال الأعداء الوحشيين الذين يستعملون المدن لمهاجمة المقاطعات الريفية " ( ماو ،المجلد2 من "مؤلفات ماو تسى تونغ المختارة " ). و مع ذلك فإنّ ظروف و سمات قواعد الإرتكاز هذه تنوّعت كثيرا عبر التاريخ ( بما فى ذلك فى إطار الثوة الصينية ذاتها ) إلاّ أن حجر الزاوية فيها يظلّ تركيز السلطة السياسية للجماهير عبر الكفاح المسلّح . و على هذا الأساس تستعمل القوى الثورية قواعد الإرتكاز هذه كنقاط إنطلاق لمزيد القضاء على فيالق العدوّ و توسيع المناطق المحرّرة و الإعداد لإفتكاك السلطة السياسية على المستوى الوطني /القومي. إنّ تركيز السلطة السياسية للجماهير و تلازمها مع بداية الثورة الزراعية فى كلّ من البنيتين التحتية و الفوقية يجعل قواعد الإرتكاز هذه تختلف كمفهوم إستراتيجي عن الأشكال الرخوة من المساندة أو حتى مجرّد توزيع الأرض على الجماهير الريفية مثلما عرف هذا السلوك الرخو فى الثورة المكسيكية و نضال سندينو فى العشرينات و الثلاثينات من القرن العشرين أو ماحدث فعلا فى هذا السياق فى الثورة الكوبية ذاتها .إنّها تجسّد التحوّل من نطاق العفوية إلى الوعي.
ما من شكّ فى أنّ هذا المفهوم العميق لماو تسى تونغ حول قواعد الإرتكاز يجب أن يُكيّف مع الظروف و المهام الخاصة لأمريكا اللاتينية مثلما وقعت الإشارة إلى ذلك، فحتّى فى الصين ذاتها كانت الظروف المختلفة للثورة خلال 22 سنة قد أفرزت تعبيرات متعدّدة و قد دفع ماو ذاته ثورييى أمريكا اللاتينية فى الستينات إلى الإبتعاد عن محاولات التطبيق الميكانيكي و نقل ما كان يبدو "فعّالا" فى مكان آخر و تطبيقه آليّا على ظروفهم الخاصّة. كيف يكون التعامل مع البنية التحتية التى هي أكثر تطوّرا عموما فى بلدان أمريكا اللاتينية ،ما هي طبيعة أجهزة السلطة المناسبة للمناطق المحرّرة ، كيف يقع التعامل ، فى ظروف يومنا هذا ، مع التهديد المتواصل للحرب بين القوى الإمبريالية فيما بينها و الذى يجب أخذه فى الحسبان: كافة هذه الأسئلة أثارت وما تزال تثير تحدّيات عاجلة نظريا و عمليا أمام القوى الثورية فى القارّة.
و كي نتحلّى بالوضوح ، ينبغى أن نأخذ فى الإعتبار أن تركيز قواعد إرتكاز لا يجب أن يُنظر إليه كخطوة أولى مطلقة الضرورة فى حرب الشعب،و كذلك القدرة على المحافظة عليها منذ البدايات الأولى لا يجب النظر إليها كركيزة قارة سيؤدّى غيابها إلى عرقلة خوض مثل هذه الحرب. وفي عدّة أوضاع يمكن أن تدخل القوى الثورية فى حرب مع فيالق العدوّ العسكرية عبر حرب الأنصار حتى قبل أن تركّز قواعد إرتكاز .و لقد أعار ماو تسى تونغ أهمّية كبرى ل "مناطق حرب العصابات" وهي مناطق لم تتمكّن فيها القوى الثورية بعدُ من إقامة سلطة سياسية و لكنّها تمتلك فيها درجة مساندة من الجماهير تمكّنها من العمل ضد العدوّ على شكل أنصار. إلاّ أن ماو رأى أنّه من الضروري العمل على تحويل هذه المناطق إلى قواعد إرتكاز و ذلك فى أقرب الفرص التى تسمح بها الظروف، فقواعد الإرتكاز هذه هي هدف إستراتيجي للنضال المسلّح .

و فى الواقع، سوف يبدو للبعض أن هناك إختلافا هاما فى ما يتعلّق بالمفهوم المقصود بقواعد الإرتكازبصورة مضبوطة، وبعض هذا الخلط يبدو جليّا لدى دوبريه حين يعطى مثلا أهمية لقواعد الإرتكاز فى الوقت الذى تصل فيه قوى الثورة إلى نقطة معيّنة. وهو يستخلص درسا حذرا من التجربة الكوبية لمّا واصف محاولة تشى غيفارا فى أواخر 1957 تركيز قاعدة إرتكاز فى السيرا مايسترا . " لقد ركّز قاعدة قارة : بنى فرنا للخبز و حانوت لتصليح الأحذية و مستشفى و كانت لديه آلة طباعة نشر بفضلها الأعداد الأولى من " الكوبي الحرّ"، و حسب كلماته ذاتها، بدأ يخطّط لمولّد كهربائي صغير على جانب الجبل". غير أنّ مخطّطات غيفارا ذهبت أدراج الرياح بمجرّد أن هاجمته القوات الحكومية. و بعد ذلك بالضبط،كتب دوبريه أنّه أمكن للأنصاريين تركيز قاعدة قادرين على حمايتها و قاموا بذلك سنة 1958 فى شهر أفريل:" الرقعة الصغيرة للقاعدة كانت حينها مساحة أسس عليها مستشفى الميدان و صناعات تقليدية صغيرة و حوانيت إصلاح عسكرية و محطّة إذاعية و مركزا لتدريب المنتدبين و مركز للقيادة ،و سمحت هذه القاعدة الصغيرة للأنصاريين بمقاومة الهجوم العام لصائفة 1958 من مواقع متخندقة" ( دوبريه ، ص63-64).

ما يطفو من نقاش دوبريه لهذه المسألة هو تركيزه على المهام العسكرية البحتة لقواعد الإرتكاز (و حتى فى هذا المجال تظلّ نظرته ضيقة!) فأين هو إستنهاض الجماهيرهنا ؟ و أين أجهزة السلطة السياسية ؟ و ما هي التجربة السياسية المراكمة فى هذا الصدد؟ واضعين جنبا تفسير دوبيه لسبب التمكّن من تأسيس قواعد الإرتكاز حينها( سنعود إلى المسألة لاحقا) لا نعثر فى هذه التجربة التى تحدث عنها دوبريه منطلقا من تجربة تشى غيفارا على أيّة علاقة ضمنها بين قواعد الإرتكاز و السلطة السياسية الحمراء التى يجب أن تركّزها القوى الثورية تجسيدا للثورة التى يجب أن تقوم فى الريف. يبدو أن ريجيس دوبريه وقع فى الخلط بين مفهوم قواعد الإرتكاز و مفهوم قاعدة معسكر قار!
إجمالا، رام دوبريه من خلال تعرّضه لمسألة قواعد الإرتكاز ليس عرض المشاكل و التحدّيات الحقيقية بل الخروج بإستنتاج إستحالة خلق قواعد إرتكاز و إستمرارها إنطلاقا من الأمثلة المتناثرة فى أمريكا اللاتينية، و جعل هذه "الإستحالة" ذريعة و تعلّة ضد حرب الجماهير.

فى ضوء حجج دوبريه عن عدم إمكانية تطبيق نظرية ما وفى أمريكا اللاتينية ،تقوم تجربة الحزب الشيوعي البيروفي اليوم مهمّة للغاية. فنجاحات هذا الحزب الأولى فى تطبيق الخطّ الماوي و التوجّه الماوي فى هذه المسألة لها دلالة كبيرة. فقد خاض هذا الحزب – إلى حدّ كتابة هذه الأسطر- حرب الأنصار ضد الحكومة طيلة سنوات أربع بنسق تصاعدي ممّا إضطرّ ملاحظى البرجوازية اليوم إلى الإعتراف بانّ للثوريين سندا هامّا فى صفوف الجماهير و أنّ أزمة النظام تستفحل.
و الأسس الموضوعية و الذاتية لهذا الصراع التى يجب تسجيلها و التأكيد عليها هي : بداية، صاغ الحزب الشيوعي البيروفي و توحّد بقوّة حول خطّ سياسي صحيح. ثمّ، ركّز هذا الحزب قوّة قادرة على قيادة الجيش الثوري و قام ببحث عميق و عمل سياسي بالمناطق التى شرع بالنضال المسلّح فيها. و يضاف إلى ذلك أنّ الطبقات الحاكمة فى البيرو تعرف عديد الإنقسامات خاصة الآن و ذلك بين العناصر الموالية للولايات المتحدة داخل الطبقة الحاكمة تقليديا و القوى الموالية للسوفيات فى الجيش . و قد تعمّق هذا الإنشقاق بفعل الإنتفاضة .و فى النهاية باتت البيرو تتخبّط فى أزمة إقتصادية عميقة تتمثّل فى الديون المتزايدة لفائدة البلدان الإمبريالية بما يفرز من تعاسة حادة للجماهير وعدم إستقرار سياسي. و مثل هذا الوضع متوفّر فى امريكا اللاتينية كلّها تقريبا و يصعب على حكّام البيرو تجاوزه. إنّه تعبير عن نوع الفرص المتوفّرة فى المرحلة الحالية.
على عكس تشى غيفارا ، ركّز الحزب الشيوعي البيروفي ذاته على اساس تعبئة الجماهير و إستنهاضها من أجل حرب الشعب. و فى تناقض عميق و حادّ مع توجهه مثلما سنرى ، لا تحاول الثورة فى البيرو ربط علاقات مع السوفيات و الأحزاب التحريفية المحلّية أو الإنزلاق نحو مسانتهم لها ، بل مستغلين التناقض بين الإمبرياليات ، يتقدّم الثوريون فى البيرو بالنضال المستقلّ للبروليتاريا لقيادة الفلاحين.
------------------------------------------------------------------------------------------
-2 -
============================================================
ليس الأمر كما لو أنّ بعض النقاط السابقة لم تواجه خطّ غيفارا/ دبوريه بشكل أو آخر. لكن دوبريه شعر بأنّ بإمكانه مغالطة أي من هذه الإعتراضات باللجوء إلى ما يعتبره افضل الحجج : "لقد نجحت فى كوبا ". يستهلّ دوبريه كتابه كلّه بالمحاججة ضد جملة " "الثورة الكوبية لا يمكن أن تُعاد فى أمريكا اللاتينية " وهو فى مسائل حيوية يؤكّد نظريته إعتمادا على أمثلة من هذه الثورة. و إن كان بالتأكيد غير خاطئ أن ندرس الممارسة الثورية الجديدة لنستنتج نظرية جديدة منها ، فإنه من الأكيد أيضا( و الجيّد أيضا) أن تقود السيرورة دوما إلى إعادة النظر - إن لم يقع عبر القطع مع السائد- فى بعض ما يمكن أن يصير" فكرا متعارفا عليه" لدى الحركة الماركسية .المسألة هنا ببساطة هي: ما الذى تؤكّده ممارسة الثورة الكوبية واقعيا و هل أنّ دوبريه و غيفارا خرجا بالإستنتاجات الصحيحة الصائبة.

لقد إعتقد دوبريه و غيفارا أنّ الجيش الثوري لا يحتاج إلى - بل لا يجب عليه فعليا- أن يقوم بعمل سياسي فى صفوف الجماهير. محاججا ضد "الدعاية السياسية المسلّحة" ( أي تقسيم القوى المسلّحة إلى وحدات صغيرة لتسيطر مؤقتا على قرى و تحاكم الطغاة المحلّيين و تقوم بإجتماعات سياسية لمدّة قصيرة ) ، لاحظ دوبريه منذ البداية التأثير السياسي الأكبر للمعارك العسكرية الحيوية ضد القوات المسلّحة للعدوّ: " تحطيم عربة نقل فيلق أو محاكمة شرطي جلاّد على الملأ هي أهمّ دعاية فعلية بالنسبة للمتساكنين المحلّيين من مئة خطاب" و يقدّم دوبريه مقابل ذلك حجّته الأكبر وفق رأيه وهي :" جزئية هامة : خلال سنتين من الحرب ، لم يقم فيدال كسترو بأي إجتماع سياسي فى منطقة عمليّاته" ( دوبريه ، صفحة 53-54) .

إنّ أوّل ما يفكّر فيه المرء عند قراءة مثل هذه الأمور و المواقف هو لماذا يُقيم دوبريه ثنائية بين العسكري و السياسي بهذا الشكل المكثّف. لقد مارس الذين إتبعوا خطّا ماويا النشاط السياسي و العمل العسكري فى إرتباط وثيق. وصحيح بالطبع أنّه حين تصل القوى الثورية إلى نقطة يمكن لها فيها أن تصارع من اجل إفتكاك السلطة السياسية أو حتى أن تُنزل بجيش البرجوازية بعض الهزائم العسكرية ، فإنّ عديد الجماهير التى كانت إلى حدّ ذلك الوقت متذبذبة أو رافضة للتفكير فى الثورة تستيقظ سياسيا بسرعة ، لكنّه يبدو أن الظرف الذى يتحدّث عنه دوبريه و الذى يتخيله فى ذهنه ظرف مفارق للواقع و شيئ من طبيعة الأعمال الخارقة بدلا من السيرورة الطويلة من سحق قوات العدوّو بناء مناطق سلطة سياسية. و زيادة على ذلك ، إذا لم يوظّف أي نجاح عسكري و يقاد خدمة للخطّ و البرنامج الثوريين الصحيحين و إذا لم يوجد حزب يرفع أنظار الجماهير و يستنهضها نحو الحركة فليس من اليسير حدوث السيرورة المتواصلة للقضاء على فيالق العدوّ و بناء سلطة سياسية فإنّ قناعة دوبريه و توجهه سيتوحوّلان بالضرورة وعن قصد أو دونه إلى منطق تطويرفرق قتال لحساب شريحة برجوازية أو أخرى أو لحساب الإمبريالية الحامية ( بما فى ذلك الإمبريالية الإشتراكية) . وهذا ما حصل فعلا مرارا و تكرارا.

أمّا فى ما يخصّ المسألة المتعلّقة بتقسيم القوى فإنّ على الجيش الشعبي أن يجمّع رئيسيا قواه من أجل معارك القضاء على العدوّ ،و مع ذلك فقد أشار ماو تسى تونغ إلى دور (ثانوي و لكنه هام) تقسيم الجيش إلى مجموعات صغيرة أحيانا لإستنهاض الجماهير . و هذه المسألة ليست فى شموليتها مسألة إقتراح إختياري كما يريد دوبريه أن يجعلها لكنها تظلّ مسألة فهم جدلي للعلاقة بين مظهري العلاقة المتناقضة ، الرئيسي منها و الثانوي ( بين العمل العسكري و العمل السياسي ، بين تجميع القوى و تقسيمها إلخ ).
و مع ذلك يواصل دوبريه محاولة تحليل جذور "هذا الفهم الذى يحوّل الأنصاري ببساطة إلى داعية مسلّح". ما الذى يفسّر ذلك؟ "قراءة مغلوطة للثورة الكوبية - وهي ثورة معروفة جدّا فى جانبها الخارجي جزئيّا و لكنّ محتواها الداخلي لم يُدرس بعد بما فيه الكفاية -هي التى لعبت دورا هاما فى ذلك... مئة رجل يلهبون حماس سكّان الجبال بخُطب ، يتداعى النظام الذى يتملّكه الرعب تحت ضربات المُلتحين الذين يحتفى بهم الشعب.

على هذا النحو يخطئ المرء فى التمييز بين فهم فوكو عسكري- كقوّة محرّكة لحرب شاملة - و فوكو الدعاية السياسية، و يبدو أنه قد نُسي أنّ كوبييى حركة "26 جويلية" قد قاموا أوّلا بحرب دون أية هدنة من جانب واحد و ذلك خلال بضعة أشهر فقط من سنة 1958 وأنّ الجيش الثوري خاض أكثر معارك من الجبهات الأمريكية اللاتينية الأخرى خلال سنة أو سنتين و أنّ الثوّار أفشلوا فى شهرين الهجوم الأخير الذى شنّه جيش باتستا؛ و أنّ 300 أنصاري ردّوا و أفشلواهجوما مضادا ل10 آلاف رجل ثمّ قاموا بهجوم مضاد شامل " (دوبريه ،صفحة 57).
هنا يقترف دوبريه ذاته "قراءة خاطئة" و تبسيطا مبالغ فيه خدمة لأغراضه، ففيالق كاسترو مثّلت طبعا القوّة العسكرية الحيوية فى الإطاحة بباتستا لكنّ الأزمة التى كانت تواجه باتستا تعّقت مع التحدّي الذى مثّله الفوكو له بنشاطاته بزعامة كاسترو. لقد أمسك باتستا بالسلطة سنة 1952 عبر إنقلاب و لم يتعرّض لأية مقاومة فعلية من الأحزاب الكوبية الأساسية -الأرتودكسية أو الأصليين- و بعد الإنقلاب تراجعت فرص إستثمار البرجوازية الكوبية بشكل مهول فى حين إرتفعت الإستثمارات الأمريكية الجديدة فى الجزيرة بسرعة. و تجمعت شرائح من البرجوازية الكوبية الناشئة و إتجهت إلى الخارج و قد كانت المسألة أحدّ خاصة بالنسبة للبرجوازية الصغيرة العريضة نسبيا و يتطرّق كتيّب "كوبا : اسطورة تبخّرت" الموقف و المأزق السياسيين لهتين الطبقتين :

" لقد مثلت البرجوازية الصغيرة فى الخمسينات أكثر الطبقات الكوبية حركية . فقد كانت المجموعات السياسية التى ظهرت من صلبها الأكثر تنظيما للقتال من أجل مصالحها .و حركة كاسترو "26 جويلية" مرجعها البرجوازية الصغيرة المدينية ب25% من سكّان كوبا، وعشرات الآلاف من رجال الأعمال دون أعمال و تجار دون تجارة و أساتذة دون عمل ،محامون و أطباء و مهندسون لم يحصلوا إلاّ على القليل من العمل". و فى "البيان البرنامج" سنة 1956، حدّدت الحركة ذاتها ك "حركة مقادة بافكار الديمقراطية القومية و العدالة الإجتماعية ... لديمقراطية جيفرسون". و صرّحت أيضا :" لا يمكن للديمقراطية أن تكون حكم عنصر أو طبقة أو دين بل يجب أن تكون حكم الشعب بأسره".
و كان برنامج الحركة العملي يهدف إلى محاصرة الولايات المتحدة الأمريكية و الملاكين العقاريين و القضاء على نظام المحاصصة الذى تسيطر بمقتضاه الولايات المتحدة الأمريكية على إنتاج قصب السكّري الكوبي و كذلك للقضاء على هيمنة الملاكين العقاريين الكبار على المزارعين المتوسطين و ذلك بتوزيع أراضي المزارع غير المستغلّة أو المسروقة على الفلاحين الصغار و نظام تقسيم الأرباح على العمّال فى المدن بهدف توسيع سوق الصناعات المحلّية و الإستثمار الجديد" ( " كوبا: أسطورة تبخّرت "، الحزب الشيوعي الثوري ،الولايات المتحدة الأمريكية ، صفحة 9 ،سنة 1983).
لقد محا نظام باتستا أية فرصة أمام هذه القوى كي تتحرّك سياسيا لتحصل على تنازلات. وإزداد الضغط .

شرع كاسترو بالعمل ضد باتستا بالهجوم على مخيمات الجيش فى مونكادا فى جويلية 1953 و إستغلّ فرصة محاكمته ليلقى بخطابه الشهير" سينصفنى التاريخ" و فعلا يشبه الخطاب وثيقة ديمقراطية مسيحية و ينطوى على إشارة طفيفة إلى دور الولايات المتحدة الأمريكية فى الوضع الكوبي وفيه وقع التركيز على فساد باتستا و عدم شرعية النظام و تجاوزات القانون و الدستور إلخ...إلاّ أن حادث مونكادا و خطابه جعلا من كاسترو وجها وطنيا و بعد بضعة أشهر وقع إطلاق سراحه من السجن و نُفي إلى المكسيك.
و كذلك رغم النهاية العسكرية المأساوية فإنّ نيّة كاسترو المعلنة فى المكسيك و التي كانت تتجه نحو القيام بثورة فى 1956 جعلت منه أكثر من مركز إستقطاب بالنسبة إلى المعارضة المتصاعدة المعادية لباتستا .و بدأت هذه المعارضة تتطوّر لا محالة حتى بإستقلال عن كاسترو. فالنضالات الواسعة النطاق للطلبة زعزعت هافانا سنتي 1955 و 1956 . و قد هاجم تنظيم عسكري معروف بإسم "المجلس الثوري" عسكريا القصر الرئاسي فى مارس 1957 و فتحت مجموعات مختلفة جبهات أخرى فى جبال إسكمبراي و بينار دلديلو فى حين لم ينجح لإضراب العام الذى سعى لتنظيمه تحالف من القوى من ضمنها حركة كاسترو مع غياب الحزب الشيوعي الكوبي. إذن لم يكن بكلمة واضحة ، سقوط باتستا ونظامه من صنع 300 أنصاري فقط مقابل 10 آلاف من فيالق النظام.

هام هو فهم هذا الأمر حتى نعرف لماذا تمكّن كاسترو من أن يرسي قاعدة إرتكازه-أو بالأحرى بصفة أدقّ- مخيمه القار إثر بضعة أشهر من فشل غيفارا فى ذلك.و بينما لا يفسّر دوبريه ذلك فإنّه يلمح إلى أنّ القوّة القتالية المراكمة هو السبب الرئيسي لذلك. وهو يتناسى الأزمة الشاملة التى كانت حينها تعصف بالمجتمع الكوبي بصفة تصاعدية ومنعت باتستا من حرّية تجميع فيالقه فى الريف ( فتشتعل هافانا ) أوحتى حرّية التعويل عليها لقتال القوات المتمرّدة أصلا.
وهناك أيضا طبيعة الأورينتى حيث تمركزت قوات كاسترو الأساسية . و لاحقا فى الكتاب ، حين يريد دبوريه إقناع القارئ بأنّه بقدر ما يتقدّم النضال العسكري بقدر ما تذهب الجماهير بدرجة أو بأخرى بإتجاه الثورة ، يستشهد برسالة فيدال كسترو سنة 1956 التى كتب فيها :" الآن أعرف من هو الشعب، أراه فى تلك القوّة التى لا تقهر و التى تحيط بنا حيثما كُنّا، أراه فى مجموعات من 30 أو 40 رجل منيرين طريقهم بالفوانيس ينزلون إنحدارات وحلية فى الثانية أو الثالثة ليلا و على ظهورهم 30 كلغ بهدف أن يزوّدونا بالغذاء، من نظّمهم على هذا النحو الرائع؟ من أين تحصّلوا على هذه القدرة و الإرادة و الشجاعة و التضحية بالنفس؟ لا أحد يعلم ، إنّه تقريبا سرّ غامض" ( دوبريه ، صفحة 113).

فى الواقع لم يكن الأمرعلى مثل هذا الغموض و هذه السرّية ، ففلاحو الأورينتي كانوا أكبر فلاّحى العالم تجربة سياسية. لقد قاتلوا من أجل السوفياتات الريفية فى الثلاثينات و دافعوا عنها وعندما توجّه كاسترو و رجاله فى أواخر الخمسينات إلى الأورينتى كان الفلاحون يخوضون نضالا متفجّرا لإحتلال الأرض.
و من المفيد تكوين فكرة عن الوضع فى الأورينتى: مكان خيضت فيه عديد النضالات و اكبر مكان مساندة للثورة . إنّه يحتوى على أوسع مزارع قصب السكّر فى كوبا يعمل فيها جمهور البروليتاريا الريفية و نصف الريفية كما كان الفلاحون الصغار يمتلكون بعض المزارع إلاّ أنهم لم يكونوا فى مأمن من إنتزاع أرضهم منهم مثلما جرت العادة. و لقد حصلت تاريخيا حوالي 20 إنتفاضة فلاحية بين 1902 و1951 فى هذه المنطقة. و يشير مؤرّخ إلى الوضع بقوله :" كان فلاّحو السيرا مايسترا لفترة طويلة منتظمين فى مجموعات ليحموا أنفسهم ضد الملاّكين العقاريين الذين حاولوا طردهم ،و المجموعات خليط من صعاليك و محتجين ،و كان الشكل الذى إتخذه هذا التنظيم الإجتماعي و السياسي لصالح الفلاحين و حين ظهرت جماعة كاسترو فى تلك المنطقة إلتحقت بها مجموعات الفلاحين هذه التى رات دون شكّ فى الأنصاريين حلفاء لها". ( دومنغاز 1970 ، صفحة 436-437).

وقد كتب ملاحظان آخران ناقدين دوبريه سنة 1967 ،مشيرين إلى أنّ "كاسترو حين إلتحق بالأورينتى كانت لا تزال هناك مواجهة مسلّحة مباشرة بين الفلاحين و الجيش الذى كان يسند الملاكين العقاريين ( بالسيف و الطرد والعنف ضد جماهير الفلاحين ...و إتخذت المواجهات السياسية طابع الصراعات المباشرة بين الجيش و الفلاحين" ( هوبرمان و سويزى ،صفحة 56، سنة 1967). للثورة الكوبية درسها الخاص المتمثّل فى الإمكانيات السياسية المتوفّرة و الإنفجار المسلّح لفلاّحي الشعوب المضطهَدَة ، فى كوبا سنة 1956 أين وجدت رسملة واسعة النطاق و تمدّن نصف السكّان وهو عكس ما ذهب إليه دوبريه و الغيفاريين الجدد حاليّا.

و إذا كانت الثورة الكوبية قد أكّدت شيئا فهو ليس بالتأكيد أنموذج دوبريه عن الفوكو الغريب عن الفلاحين و الذى أدّى بمفرده و لوحده إلى أزمة عميقة و أطاح بحكومة باتستا بضربة واحدة عنيفة. كذلك ما تشير إليه هذه التجربة هو الدور القوي الذى يمكن أن تلعبه قوّة ثورية مسلّحة فى ظرف أزمة سياسية و بوجود فلاحين( بروليتاريا فلاحية و شبه بروليتاريا) مستعدّين لرفع البنادق ضد مضطهديهم . و تشير هذه التجربة بصورة أفضل إلى التفاعل الجدلي بين ما هو ذاتي (القوة المسلحة فى هذا المثال) و ما هو موضوعي ( أزمة النظام و أحاسيس الجماهير و نضالها).
و لا يعنى هذا المثال أنّ القوّة المسلّحة لا تلعب أيّ دور فى دفع الإنتفاضة و تعميق الأزمة السياسية و لا يعنى أيضا أنه ليس بإمكان أو من واجب المرء خوض النضال المسلّح فى الأمم المضطهَدَة إلاعندما تكون مثل هذه الظروف متوفّرة ( رغم أنّ توفّرها ضروري جدّا من أجل نهاية مظفّرة). غير أنّ الغيفارية تحاول الإنكار التام لأهمّية الوضع الموضوعي فى طافة مراحل الكفاح المسلّح و تفضّل العمل كما لو أنّ الوضع"معطى"و أنّ كلّ ما ينقص ليس سوى الشجاعة و تكتيكات الثوريين المناسبة.

و يتناول "بيان الحركة الأممية الثورية" لسنة 1984 هذه المسألة بالكيفية التالية:
" و كقاعدة عامة، تجد بلدان أفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية المضطهَدة نفسها بإستمرار فى حالة وضع ثوري ولكن من الهام فهم معنى ذلك فهما جيدا : لا يتبع الوضع الثوري مسارا مستقيما بل يشمل حركات مدّ وجزر و على الأحزاب الشيوعية أن لا يغيب عن أنظارها هذا الجانب من المسألة . عليها ألا تنظر إلى المسائل بصفة إحادية الجانب و تؤكد أن تفجير الحرب الشعبية و الإنتصار النهائي فى هذه الحرب لا يرتبطان إلا بالعمل الذاتي ( أي عمل الشيوعيين ) فى هذه الحرب و هي طريقة فى النظر إلى الأشياء تنسب عادة إلى" اللينبياوية ". ورغم أن شكلا معينا للنضال المسلح يكون عموما مجديا و ضروريا لتحقيق مهام الصراع الطبقي فى كل الأوقات فى مثل هذه البلدان ، فإنه يمكن أن يكون الكفاح المسلح شكل النضال الرئيسي فى بعض الأحيان و أحيانا أخرى تكون الحالة غير تلك.( فقرة "المهام فى المستعمرات...").

إنّ ما يجعل هذه المسألة بالذات على غاية من الخداع - ما يضاف إلى نداء غيفارى إلى أولئك الذين يتحرّقون فعلا للقيام بالثورة- هو أنّ عديد أحاسيس الثوريين و مبادراتهم قد تراجعت بسبب التحريفية التقليدية وتعلّتها "الظروف الموضوعية". و لن تفيد معارضة ذلك عن طريق نكران الأهمية الحيوية للوضع الموضوعي و خصوصا رمي المادية من الشبّاك، لذلك على الثوريين عوضا عن ذلك أن يعارضوا بالمادية الجدلية المادية الميكانيكية المستعملة من قبل التحريفيين . لقد حدّد لينين فى كتاب له حول ماركس الإختلاف بصفة جيّدة :
"إنّ حسبان الحساب بشكل موضوعي لمجموع العلاقات بين جميع الطبقات، فى مجتمع معين ،دون إستثناء ،و بالتالى، حسبان الحساب للدرجة الموضوعية لتطور هذا المجتمع و للعلاقات بينه و بين سائر المجتمعات، يمكنله وحده أن يكون أساسا لتكتيك صحيحللطبقة المتقدّمة .و عليه، يُنظر إلى جميع الطبقات و جميع البلدان، لا من حيث مظهرها الثابت ، بل من حيث مظهرها المتحرك، أي لا فى حالة الجمود ، بل فى حالة الحركة ( الحركة التى تنبثق قوانينها من الشروط الإقتصادية لمعيشة كلّ طبقة) و الحركة بدورها يُنظر إليها لا من وجهة نظر الماضى و حسب، بل من وجهة نظر المستقبل أيضا،و فضلا عن ذلك ، يُنظر إليها لا وفقا للمفهوم المبتذل "للتطوّريين"الذين لا يلاحظون سوى التحولات البطيئة ، بل وفقا للديالكتيك.فقد كتب ماركس إلى إنجلز يقول:" فى التطورات التاريخية الكبرى ، ليست عشرون سنة أكثر من يوم واحد،مع أنه قد تأتى ،فيما بعد،أيّام تضمّ فى أحشائها عشرين سنة".( لينين : " كارل ماركس"، الطبعة العربية)

بناء على هذا الفهم ، شدّد بوب آفاكيان لعديد السنوات الماضية على ضرورة حزب طليعي يعوّل عليه لتطوير العناصر الثورية فى أي ظرف معطى ، و الجدلية المعنية بالقول هنا هي فعل أقصى ما يمكن للإعداد للإنتفاضة الثورية ( أمّا فى خصوص الأمم المضطهَدَة حيث النضال المسلّح يمكن أن يكون قد شرع فيه،الإعداد لإستراتيجيا هجومية شاملة و حيوية ) أو كما قال بتأكيد على ذلك ماو تسى تونغ "ندفع النضالات و نترقّب التغيّرات فى الوضع الأممي و التداعي الداخلي للعدوّ" ( ماو ، المجلد2).
تنتهى الإرادية التى تقف وراء طريقة غيفارا و دوبريه لأنّها تحاول دحض المادية بالمادية الميكانيكية و المثالية الموضوعية (5) إلى السقوط فى بعض أخطاء الإنتظارية ذاتها المميّزة للمادية الميكانيكية. و يظهر ذلك فى محاولة دوبريه معالجة الطرق التى جعلت الثورة الكوبية خارقة للعادة أو "لايمكن أبدا أن تعاد" فهو يشير مثلا إلى شكّ الولايات المتحدة الأمريكية و إلى تراخيها تجاه نوايا الثوريين غير قابل بالمرّة لأن يعاد فى أي مكان آخربأمريكا اللاتينية. لكن فى حين جعلت الثورة الكوبية الولايات المتحدة الأمريكية أكثر يقظة لا يتعلّق الأربأن تستطيع الولايات المتحدة دائما أن تفعل كلّ ما تريد فعله لتحطيم الثورات حتى حين تكون نوايا الثوريين واضحة وضوح الشمس مثلما حصل فى الصين و الفتنام! تتجاوز الظروف حتى قوّة الجماهير و لها فعلها و تـاثيرها و ذلك حتى فى أمريكا الوسطى الحصن الحليف و الخلفي للولايات المتحدة الأمريكية. فمثلا، قد صرّح آلكسندر هيغ فى مذكّراته الأخيرة بأنّ وينبورغر و آخرون فى إدارة ريغن رفضوا مقترحه سنة 1981 الداعى إلى التدخّل المباشر فى السلفادور و نيكاراغوا و ذلك خوفا من أن يتضارب ذلك مع ما يعتبرونه اولوية مطلقة تتمثّل فى إعداد القوات المسلحة الأمريكية( و الرأي العام الأمريكي) لحرب كونية ضد الإتحاد السوفياتي. و مع ذلك فإنّ إرادية دوبريه لا تقوده فقط إلى نكران أهمّية الظروف الموضوعية للثوريين بل كذلك إلى التغاضي عن الحاجيات الواقعية التى تدفع كذلك الإمبرياليين و تتحكّم بمواقفهم. و مثل هذه النظرة ستنتهى إلى غضّ النظر و تجاهل مكامن ضعف هامة فى معسكر العدوّ.

هذا من جهة و من جهة أخرى ،لا يأخذ دوبريه بعين الإعتبار عدّة عوامل أخرى منها مثلا إضطرار باتستا إلى العمل على تخفيض إمكانيات الإنفجار فى هافانا والإنقسامات داخل البرجوازية الكوبية حول "إستراتيجيا الحصن" أي تركيز فيالقه فى أماكن آمنة عوض إرسالها فى مهام بحث و سحق. و مكّن ذلك الثوريين من تدريب قواتهم و إعدادها. إلاّ أنه سيكون من الغباء بالنسبة إلى الثوريين التعويل على تطوّر وضع مماثل. قد يحصل ولكنه بعيد عن أن يكون أوتوماتيكيا، وعلى المرء أن يستعدّ لقتال شديد و متواصل كقانون للصراع . ويضاف إلى ذلك فى المثال الكوبي عدم وضوح أهداف الثورة الكوبية لدى الولايات المتحدة الأمريكية لأنّ المجموعة القائدة لم تكن بالفعل مندفعة فى ثورة إلى النهاية و لم تكن تهدف إلى القطع مع الولايات المتحدة الأمريكية ،لذلك لم يحصل دمار كبير و لم تقع حرب أهلية خلال الثورة الكوبية. وهذا يجعلها مغايرة لما وقع فى روسيا و الصين و فتنام و يجب إعتبارها مثالا جاذّا لا يحتذى به ( لا سيما بالنسبة للثورات التي ترمى إلى القطع فعلا مع الإمبريالية و تغيير العلاقات الإجتماعية). و هكذا لا بدّ من الإنتباه إلى الدروس الهامة التي يمكن إستنتاجها( دور الفلاحين و البروليتاريا الفلاحية و الحركية السياسية للبرجوازية الصغيرة المدينية و غير ذلك) و دلالتها العالمية الممكنة.

لا يستنتج دوبريه إلاّ تلك الدروس التى تتماشى والنمط الفوكي الذى يدافع عنه آنذاك ثمّ يجعلها مطلقة الصلوحية. و مجدّدا ما هو هذا النمط؟ إنّه مجرّد مجموعة صغيرة تعوّل على تكتيكات عسكرية ذكيّة للإطاحة بجيش مسنود من قبل الإمبريالية مع تعبئة سياسية للجماهير من المفروض أن تتبع عندما تسجّل إنتصارات عسكرية حيوية. أمّا الإجراءات المرتبطة بحرب الشعب- بما فى ذلك تعبئة الفلاحين و إستنهاضهم و التعويل عليهم و تركيز قواعد إرتكاز كهدف هام للنضال العسكري و الشروع فى الثورة الزراعية- فقد تجاهلها دوبريه و عارضها بفجاجة على أنّها غير قابلة للتطبيق فى امريكا اللاتينية. إنّه يعدّ الفلاحين ليس كإحتياطي للثورة بل كجماهير مُخبرين ممكنين، و ينظر إلى قواعد الإرتكاز كمخيّم عسكري قار ، و لذا يقع إبعادهالأنها عنصر إلهاء فى نظر دوبريه . و الثورة الزراعية تمّ تجاهلها و عدم الإعتراف بها.
من أجل تعميق النقاش ،لنقبل جدلا من الغيفارية تعليلها الجوهري ألا وهو أنّ مجموعة من النصاريين تظلّ بعيدة إلى النهاية عن الفلاحين يمكن أن تدفع إلى الإطاحة الثورية بالنظام القديم. حتى عند السّماح بمثل هذه المبالغة الموجودة فى " ثورة داخل الثورة" ألا تنطوى على بعض الحقائق ؟ ألم يقد كاسترو مجموعة رجاله إلى القيام بالثورة فى كوبا؟ ألم تنجح الغيفارية فى كوبا؟

يعتمد كلّ هذا على ما نعنيه "بالنجاح".صحيح أنّ كاسترو قد حقّق فعلا إفتكاك السلطة و أن نظام باتستا قد أطيح به و أنّ تغييرات كثيرة حصلت فى المجتمع الكوبي. إلاّ أنّه فى ما يتعلّق بالمشاكل الأساسية للمجتمع الكوبي- و نعنى بذلك موقع هذا المجتمع فى العلاقات العالمية كأمّة مضطهَدَة و تابعة بكلّ ما يعنيه ذلك من تفرّعات - فقد كان التغيير فى الشكل أكثر منه فى المضمون. وفى ما يخصّ مسألة الأرض يمكن قول إنّ نظام كاسترو أتمّ بالأساس السيرورة التى شرع فيها نظام باتستا: فالإثنان حوّلا فلاحة كوبا إلى عملية جماهيرية مبلترة متجهة نحو إنتاج السكّر .و نعم وضعت المزارع القديمة التي كانت مملوكة مباشرة سواء للشركات الأمريكية أو الكمبرادورية الكوبية بأيدى الدولة. بيد أنّ الجماهير فى قطاع الفلاحة ظلّت مجرّد بروليتاريا لا تتحكّم أو تشرف البتّة على عملها و هيكلة الفلاحة الكوبية ذات التوجّه الواحد ( التوجّه إلى انتاج سلعة مهيأة للتصدير هي السكّر) و دخول إنتاج السكّر الكوبي ضمن متطلبات و انساق الرأسمال الإمبريالي (حتى و إن كانت الإمبريالية السوفياتية ) ظلّت كلّها على حالها. و لا يتمثّل الإختلاف إلاّ فى التحديات و الأتعاب التى ستتكبّدها فى البداية المجموعة الجديدة من الإداريين و التى تتمثّل فى اللغة التى سيستعملها السادة الإمبرياليون الجدد لإملاء أوامرهم.
إنّ تجربة كوبا ( وهنا ندعو القرّاء مرّة أخرى إلى العودة إلى "كوبا : أسطورة تبخّرت " لأجل تحليل أعمق و معطيات أشمل) تُشير مرّة أخرى إلى أنّ الإمبريالية فى غالبية الأمم المضطهَدَة لا يمكن أن يقضى عليها نهائيّا دون إستنهاض الفلاّحين و البروليتاريا الفلاحية و اشباه البروليتاريا و ذلك لإجتثاث جذور الإرث الإقطاعي الإضطهادي فى الريف و إعادة هيكلة الفلاحة شيئا فشيئا من الأسفل إلى الأعلى و من تحت إلى فوق بهدف كسر سلاسل التبعية و خدمة للثورة العالمية. و مسألة الأرض فى هذه البلدان مسألة جدّ جوهرية و جدّ مرتبطة بالهيكلة العامة للهيمنة الإمبريالية حتى تحُدّ نوعا ما أو تعالج أساسا عبر تأميم المزارع الكبرى.

و حتى و إن قبِل المرء بجميع تعليلات الغيفارية ( المشكوك فيها) و حتى إن تجاهل الدور الإنفجاري لدى الفلاحين( للإتحاد مع ما سيكونون الأعراف الجدد) ،و حتى إن تخلّينا عن جوانب من ما حدث فى كوبا من 1953 إلى 1959، فإنّ الأمر هو أنّ هذا الطريق لا يمكن أن يقود إلى تحرير حقيقي. هنا يقدّم طريق مختصر.نحتاج فقط إلى إستجماع الشجاعة و إعادة النظر بشأن التكتيكات العسكرية و مواجهة العدوّ. و تمتدّ كذلك هذه العقلية المبنية على "إختصار الطريق" إلى مكوّنات أخرى من الغيفارية أي نظرتها لدور الحزب فى الحرب الثورية و للعلاقة بين الحزب و الجيش .و تبعا لذلك يظهر أمر آخر هو ما يعكسه السؤال التالى و إجابة كلّ من كاسترو و غيفارا و دوبريه عليه وهو : إذا لم يكن الفلاّحون تحت قيادة العمّال فتحت قيادة من سيكونون؟

------------------------------------------------------------------------------------------------------------
3
==============================================

تطفو مسائل كثيرة على السطح عند دراسة الخطّ الغيفاري حول مسألة علاقة الحزب بالجيش فى الآن نفسه الذى تبدأ فيه أسس إيجابات على مسائل أخرى بالظهور. لقد دافع غيفارا و دوبريه عن أنّ فوكو الأنصاريين يجب أن يكون مستقلاّ تماما عن مراقبة الحزب و قد علّلا ذلك بأن النضال المسلّح يقع فى الريف و عليه فإنّ القيادة ينبغى أن تكون مركّزة فى الريف و ذلك لغاية مزدوجة هي التوجيه الجيّد للنضال و تجنّب وقوعها فى يد البوليس؛ و إلى جانب هذا التعليل شدّدا على أنّ النضال و التكوين الإيديولوجي و النضال السياسي فى صفوف جيش الثورة ليس فى أحسن الأحوال سوى لهو غير مجد و أمّا فى أسوئها فهو لهو قاتل. و بالنسبة لدوبريه ،الوحدة السياسية الضرورية ستبنى فى خضمّ المعركة و سوف تصاغ الإستراتيجيا و التكتيكات الضرورية للإنتصار من الدروس التى توفّرها كلّ معركة مع العدوّ .
هل تحاجج الغيفارية هنا من أجل الخطّ العفوي الكلاسيكي- مستهزئة بالدور المفتاح القيادي للحزب؟ فى حين يبدو أنّ ذلك هو شكل المسألة فإنّ هناك بعض الإختلاف الذى يجسّده المقترح العملي للتعايش مع بعض الأحزاب التحريفية الموجودة؛ و لفهم الشكل و الجوهر و علاقة هذا بذاك يصبح من الضروري الشروع فى فحص أهمّ نقاط دوبريه بصدد علاقة الحزب و الجيش كما يطرحها .

يسعى دوبريه لإستخلاص الدرس من تجربة الإنتفاضات الأنصارية التى فشلت فى بداية الستينات و يستعرض العديد من مشاكل الفشل لينتهى إلى السماح بإستقلالية الفوكو. فمثلا واحد من المشاكل الحادّة فى هذه الإنتفاضات كان القبض على القادة و قتلهم. و يشير دوبريه إلى التنقلات الخطيرة التى قام بها هؤلاء القادة إلى المدن بهدف التربية السياسية و توفير المساندة .و مقابل ذلك يرى أنّ الأنصاريين طالما ظلّوا بالجبال فإنّ القبض عليهم أمر غير ممكن تماما و كلّ ما يستطيع أن يفعله البوليس و المستشارين الأمريكان هو الإنتظار فى مجالهم حتّى يأتى قادة الأنصاريين إلى المدن"( دوبريه ، صفحة 69).
و فوق ذلك، يجادل دوبريه أنّ" غياب السلطة السياسية (محيلا فى هذا السياق على سلطة الفوكو فى تحديد خطّه السياسي و العسكري الخاص) يقود إلى إرتباط لوجستيكي و عسكري لقوى الجبل بالمدن.و عادة ما يفضى هذا الإرتباط إلى تخلى المدن و قياداتها عن القوات الأنصارية " (صفحة 69) و يعيد دوبريه رواية تجربة إحدى الحركات غير المسماة فى أمريكا اللاتينية و التى كان قائدها العسكري يتحصّل على مئتي دولار سنويا فقط من قبل القيادة المركزية بالمدينة و ذلك لكي يشتري بها السلاح و المؤن إلخ .وهذا نقد غير مباشر للحزب الشيوعي الفنزويلي الذى تخلّى سنة 1965 عن حركة الأنصاريين التى كان طرفا فيها .و نقد دوبريه أيضا تلك الأحزاب التى وظّفت أجنحتها المسلّحة فى شتى المناورات البرلمانية . و من جديد يفهم المرء النقد الضمني الموجّه للأحزاب الشيوعية فى أمريكا اللاتينية التي لا تزال تشارك فى بعض النضال المسلّح فى تلك الفترة.

تعبّر الكثير من محاججات دوبريه دفاعا عن سلطة الفوكو/ الجبل و إستقلاليته عن إشمئزاز عديد الثوريين الشرفاء من الأحزاب التحريفية السخيفة و مساهماتها فى النضال المسلّح (إن فعلت ذلك) و هي عادة ما تتراجع عنه. و سرعان ما إنتهى هذا الإشمئزاز من التحريفية فى شكلها الكلاسيكي- ممثلة فى اللعبة البرلمانية - إلى معارضة دوبريه لأية تربية سياسية مهما كانت ، فهو يعارض بقوة وجود مفوّضين سياسيين فى وحدات الجيش و المدارس العسكرية لتدريب الكوادر . و يستشهد هنا بكاسترو: " على أولئك الذين يبيّنون قدرة عسكرية أن يتحمّلوا المسؤولية السياسية" ( دوبريه ،صفحة 90)
هنا تجمعت الكثير من التناقضات المتنوّعة بما فى ذلك التناقض بين المدينة و الريف خلال فترة الحرب و التناقض بين الحزب و الجيش و التناقض بين اشكال النضال البرلماني و المسلّح فلنحاول و لو بإيجاز فرز الأمور:
أوّلا: أين يجب أن يكون مركز الحزب خلال فترة حرب الأنصار؟ إذا ما تركّز فى الريف كما يجب و كما كان ذلك بالفعل خلال الحرب الثورية فى الصين، فبالتالى ألا تكون معارضات غيفارا حول الحصول على السلاح العسكري فى إرتباط بالسياسي -و على الأقلّ حول تلك المعارضات المتعلّقة بسلامة القادة العسكريين و عدم قدرة كوادر المدينة على فهم " أدنى أهمّية لشحم بندقية أو لقطعة قماش"- قد بدأت تتضح بل تؤكّد على ضرورة توفير القيادة السياسية للنضال العسكري حيث هو ؛ يقول دوبريه فى البداية إنّ الحزب (و يفهم من الحزب وجوده فى المدينة) و الفوكو يجب أن يكونا قادرين على القيام كلّ بعمله.لماذا يعارض بشدّة خوض نضال إيديولوجي و سياسي حول مسائل ،كما يجب أن يكون أي تركيز حقيقي لعمل الحزب، خوض الحرب الثورية أو الإعداد لخوضها ؟

أمّا فى ما يتصل بالعلاقة بين الحزب و الجيش فإنّ دوبريه يشير إلى أنه يناهض "التصنيف العالمي الشامل للتجربة" بما فى ذلك الثورة الروسية و الحروب الشعبية التى خيضت فى الصين و فيتنام و معارضته أيضا لقيادة الحزب للعسكري وهو يرفض التطرّق لأسباب توصّل الماركسية العالمية لذلك الإستنتاج.

لكلّ ذلك علاقة وطيدة بكيفية رؤية المرء لدور الحزب و مهام البروليتاريا فى الثورة . فعلى الحزب أن يعمل كطليعة ثورية للبروليتاريا فى كلّ المجالات. و هذا يتطلّب القيام بتحليل أساسي للوضع الأممي ووضع الطبقات داخل البلد المعيّن و يتطلّب تطوير برنامج و إستراتيجيا ثورة على ذلك الأساس ة تربية الجماهير على هدف النضال و طريق الإنتصار و تطوير خطّ عسكري صحيح و بناء جهاز عسكري للقيادة الفعلية للنضال المسلّح. والمهمّة الأخيرة حيوية للغاية و لذلك لا يمكن أن تقاد هذه العملية على أساس صحيح دون القيام بالتحليل الأساسي للوضع الطبقي و العالمي و دون تطوير إستراتيجيا و برنامج للثورة. و إذا لم تستنهض الجماهير خلال الحرب و لم يرتفع أيضا وعيها حول ضرورة خوض الحرب و كيف يمكن أن يقع إعدادها ( الجماهير) لإفتكاك السلطة السياسية ،بالتالى ما هو هدف خوض الحرب حالئذ؟ كيف ستفتكّ الجماهير السلطة السياسية؟ لقد لخّص بيان الحركة الأممية الثورية بدقّة كاملة التجربة التاريخية لهذه النقاط كما هي مطبّقة عمليا فى الأمم المضطهَدة:

" و من أجل تتويج ثورة الديمقراطية الجديدة، يترتب على البروليتاريا أن تحافظ على دورها المستقل و أن تكون قادرة على فرض دورها القائد فى النضال الثوري وهو ما تقوم به عن طريق حزبها الماركسي -اللينيني-الماوي . و قد بينت التجربة التاريخية مرارا و تكرارا أنه حتى إذا ما إشتركت فئة من البرجوازية الوطنية فى الحركة الثورية فإنها لا تريد (ولا تستطيع ) قيادة ثورة الديمقراطية الجديدة و من البداهة إذا ألآ توصلها إلى نهايتها. كما بينت التجربة التاريخية أن "جبهة معادية للإمبريالية " (أو "جبهة ثورية " أخرى من هذا القبيل ) لا يقودها حزب ماركسي-لينيني – ماوي لا تؤدى إلى نتيجة حتى إذا ما كانت هذه الجبهة (أو بعض القوى المكوّنة لها ) تتبنى خطا "ماركسيا" معينا أو بالأحرى ماركسيا كاذبا . و بالرغم من أن هذه التشكيلات الثورية قد قادت أحيانا معاركا بطولية بل و سدّدت ضربات قوية للإمبريالية ، فإنها أظهرت أنها عاجزة على المستوى الإيديولوجي و التنظيمي ،عن الصمود أمام التأثيرات الإمبريالية و البرجوازية. و حتى فى الأماكن التى تمكّنت فيها هذه العناصر من إفتكاك السلطة، فإنها بقيت عاجزة عن تحقيق تغيير ثوري كامل للمجتمع فإنتهت جميعا ، إن عاجلا أم آجلا ، بأن قلبتها الإمبريالية أو أن تحولت هي نفسها إلى نظام رجعي جديد يعمل اليد فى اليد مع الإمبرياليين.. .

ويتعين على الحزب الماركسي -اللينيني- الماوي لا فقط أن يسلّح البروليتاريا و الجماهير الثورية بوسائل فهم طبيعة المهمّة الموكولة للإنجاز مباشرة (إنجاح الثورة الديمقراطية الجديدة ) و الدور و المصالح المتناقضة لممثلى مختلف الطبقات (الصديقة أو العدوّة ) و لكن أيضا أن يفهمهم ضرورة تحضير الإنتقال إلى الثورة الإشتراكية وواقع أن الهدف النهائي يجب أن يكون الوصول إلى الشيوعية على مستوى العالم . "( "بيان الحركة الأممية الثورية "، فقرة "المهام فى المستعمرات..." ).

و لا يعنى هذا فى شيئ الإنتقاص من ضرورة أن يشدّد الحزب على المسائل العسكرية .فالمرء يحتاج فقط إلى الإطلاع على الكتابات العسكرية المطوّلة لماو تسى تونغ (الذى طوّر بالفعل الفهم الفعلي و الحقيقى الشامل للنظرية العسكرية الماركسية) فالصراع حول الخطّ العسكري الذى كسبه فى الأخير ماو فى كنفيرنس تسونين 1935 قد ركّز كلّ الصراعات بين الخطين داخل الحزب الشيوعي الصيني على هذه المسألة و لم يكن الأمر حدثا عابرا فقد كانت البندقية الشكل الرئيسي للنضال و فى ذلك الوضع بات الخطّ العسكري هو التعبير المكثّف للخطّ السياسي.

و مع ذلك فإنّ دوبريه يصوّر الصراع حول الخطّ السياسي كلهو و ليس أكثر من تعلّة لتجنّب المسألة المركزية ألا وهي خوض الإنتفاضة. و لا شكّ فى أنّ قلّة من التحريفيين قد مثّلوا أساس مثل هذه الصورة الكاريكاتورية غير أنّ دوبريه حاول أن يغطّي ما كان ماو تسى تونغ يشدّد عليه دائما : إذا لم تكن القيادة لخطّ فإن خطّا آخر سيتولى حتما القيادة. و الخطّ البروليتاري لم يتولى أبدا القيادة دون صراع . و قد شدّد لينين أيضا على ذلك فى مؤلفه "ما العمل؟" وهو الكتاب الذى يعرض فيه العلاقة بين الحزب و الحركة الثورية و الإعداد للإنتفاضة المسلّحة حيث كتب :" ولمّا كان من غير الممكن أن تكون موضع بحث "إيديولوجية مستقلّة يضعها العمّال أنفسهم فى مجرى حركتهم،" فليس يمكن أن تطرح المسألة إلاّ بالشكل التالى : إمّا إيديولوجية برجوازية و إمّا إيديولوجية إشتراكية . و ليس وسط بينهما ( لأنّ البشرية لم تصنع إيديولوجية "ثالثة" ،وفى مجتمع تمزذقه التناقضات الطبقية ، لا يمكن أن توجد أية إيديولوجية خارج الطبقات أو فوق الطبقات). و لذلك فإن كل إنتقاص من الإيديولوجية الإشتراكية و كلّ إبتعاد عنها هو فى حدّ ذاته بمثابة تمكين للإيديولوجية البرجوازية و توطيد لها...
و قد يتساءل القارئ لماذا إذن كانت الحركة العفوية ، حركة الإتجاه نحو أهون السبل ، تؤدى على وجه الدقّة إلى سيطرة الإيديولوجيا البرجوازية؟ ذلك لمجرد كون الإيديولوجياة البرجوازية من حيث منشؤها ، أقدم من الإيديولوجية الإشتراكية بكثير و لأنها مبحوثة بصورة أكمل من جميعالوجوه،و لأنها تتصرف بوسائل للنشر أكثر بما لا يقاس". ( لينين:"ما العمل؟"، فقرة "تقديس العفوية "رابوتشايا ميسل")

و فى ذات السياق، يجب أن نتحدّث عن تخلى دوبريه عن التربية السياسية للجنود . أليس هذا فعلا مخطّطا لإستعمال الجماهير كبش فداء؟ المفهوم الخاطئ القائل بأنّ "الجماهير ستعرف ما الذى تناضل من أجله" يجهل التاريخ المرير للقوى البرجوازية الجديدة العاملة من أجل مصالحها الخاصة الضيقة و يجهل توق الجماهير إلى رفع السلاح ضد مستغلّيها. وحتى دوبريه عند كتابته كان سيعترف بصحّة ذلك بالنظرلما حدث فى الجزائر مثلا فى حين يوفّر التاريخ أمثلة أخرى كإيران و نيكاراغوا. أن نبقي عمدا على أهداف الثورة ضبابية وننكر تسليح الجماهير بالوسائل النظرية الضرورية لتحرّرها و نحبط بالتالى مبادراتها مع تشجيع مبادرات أولئك الذين يهدفون إلى أن يكونوا مخلصين هو فى نهاية المطاف توفير فرص لحكّام جدد( "مستنيرين") .

فكيف يرتبط تأكيد لينين و ماو على حزب ممركز مع حاجة القادة المحلّينين للتمتّع بقدر من الإستقلالية؟ لم يخطئ غيفارا و دوبريه عند تأكيدهما على ذلك المظهر من الإستقلالية و لكن الأمر ليس بالضرورة متعارضا جوهريا مع الحاجة لحزب قويّ ، فماو تسى تونغ نفسه أولى أهمّية كبرى لذلك ذلك أنّ المبادرة هي المفتاح فى الحرب و القادة المحلّيين يستطيعون و بصعوبة المسك بها إذا ما تعيّن النظر و إعادة النظر فى كلّ مخطّط . و تظلّ مسألة أيّ أساس لتلك الإستقلالية مطروحة. إذا كانت هذه الإستقلالية ستغذّى النضال المسلّح ككلّ فعلى القادة أن يكونوا متّحدين جيدا حول الخطّ العسكري الأساسي للحزب و مبادئ العمليّات المرسومة لكافة الحزب و المفاهيم الإستراتيجية العامة و الخاصّة بمختلف الميادين إلخ. و فى الأخير يجب أن يستند كلّ هذا على الخطّ السياسي و أهداف الحزب و إلاّ فإنّ عمليات الأنصاريين ستصبح بغير هدف و جداولا لا تقود إلى أي نهر و من الممكن أن تنضب.
بيد أنّ غيفارا و دوبريه لمّا تناولا التأكيد المشدّد على تطلّب النضال المسلّح للإستقلالية ، نفيا مرّة واحدة أهمّية القيادة و الوعي السياسي معا. لماذا لم يتحدّثا بدلا من ذلك عن مسألة أي نوع من الأحزاب يتعيّن بناؤه ليقود فعلا النضال المسلّح؟

وفى الأخير نعرّج على المسألة السياسية للعلاقة بين النضال البرلماني و النضال المسلّح. فعادة ما كانت الأحزاب الشيوعية التحريفية - فى تلك الفترة - ترى ، و إن كان بعضها يخوض الكفاح المسلّح، أنّ هذا النشاط ليس سوى سند لمختلف المناورات البرلمانية (6).و قد عارض دوبريه و غيفارا هذا التوجّه. لكنّ حلمهما كان إستقلالية الفوكو وهو مرّة أخرى سقوط فى الخطإ و يمكن أن نسألهما : لماذا لا يخاض نضال فى صفوف الثوريين حول الطريق الصائب إلى الأمام؟ لماذا يقع الإصرارببساطة على هذا النوع من التوجّه :"تفعلون ما تشاؤون و نفعل ما نشاء"؟

بعد كلّ شيئ ،إن لم تعد الأحزاب التحريفية فى أمريكا اللاتينية مع الثورة و تآكلت و على النطاق العالمي ما زالت أحزاب شبيهة لها لم يصبها التآكل و التحوّل إلى عداد المعادين للثورة فلم لا يقام نضال صريح و لا يقع القطع مع هذه و تلك فى كلّ المجالات إيديولوجيا و سياسيا و عسكريا و تنظيميا وعلى هذا الأساس يشكّل حزب طليعي جديد؟ و مثل هذا الصراع كان فى تلك الفترة يخاض بالملموس و عالميا و داخل القارة الأمريكية اللاتينية من قبل القوى الماركسية-اللينينية التى ساندت ماو تسى تونغ فى نضاله ضد التحريفية العالمية غير أن غيفارا و دوبريه عارضاه بعنف فلماذا؟

أوّلا، و مثلما أشير إلى ذلك سابقا، لم يكن فى ذهنيهما نوع من الثورة التى يحتاج إنجازها إلى طليعة لينينية حقّة ، فقد كانا يرميان إلى مجرّد تحريك للوضع و إلى أن "يحرّك محرّك صغير محرّك كبير" وبالتالى التوجه للشروع من هناك كما أكّد ذلك دوبريه. فالتوجه هو إحداث ازمة داخل النظام الحاكم و محاولة عقد إتفاق مع القوى البرجوازية الأخرى و شنّ إنتفاضات شعبية - إلى حدود - ثمّ ركوبها إلى السلطة أو إلى دور فى تحالف حكومي .و لقد كان هذا "المثال الكوبي" الحقيقي هوالمتحكّم بأذهان هذه القوى. لذلك إن لم تكونوا تحاولون إستنهاض الجماهير للإجتثاث الحقيقي للعلاقات الإجتماعية القديمة و التغيير الإجتماعي الواعي ، و إن لم تكونوا تنتظرون إنجاح حرب الشعب وفق هذا الهدف ، فلماذا تحتاجون حقيقة إلى حزب لينيني؟
ثانيا، و فى إرتباط بديهي بهذا فإنّ البرنامج و الإستراتيجيا الخاصين الذين كان غيفارا و دوبريه يدفعان بإتجاههما و الطريقة التى كانا ينظران بها إلى القوى المتشكّلة فى أمريكا اللاتينية و على نطاق أممي قد حكما موقفهما من أية محاولة لبناء حزب جديد فى تناقض مع الأحزاب الشيوعية التحريفية .إنّهما سيناضلان من أجل الإستقلالية و سيطرحان أحيانا مسألة الهيمنة لكنّهما كانا يقظين للغاية لعدم المخاطرة بخلط أوراق لعبة التحريفية عامّة.
وسيبرز ذلك بصفة أجلى عند تناول الوضع العالمي آنذاك و كيف أنّ غيفارا و دوبريه (و كاسترو أساسا) قد صاغا مواقفهما فى هذا المضمار.



----------------------------------------------------------------------------------------
4
=======================================================

ظهرت الغيفارية فى وضع أممي متميّز و إرتبط محتواها بديناميكية ذلك الوضع .فخلال الستينات من القرن العشرين كان توجّه الإمبريالية و على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية نحو مزيد الإستغلال للأمم المضطهَدة و ضدّ مقاومة جماهير تلك البلدان. وهو ما مثّل التناقض الرئيسي فى العالم حينها وهو الذى حدّد سياسات ذلك العقد وتجسّد فى مقاومة الأشاوس الفتناميين لعدوان الولايات المتحدة الأمريكية بما جعل هذا التناقض يزداد إتساعا و حدّة خلال تلك الفترة التى كانت متميّزة كليا عن سابقتها.

و مع ذلك ،لم يكن هذا التناقض الوحيد فى العالم و الوحيد العاصف بأحداثه ،فقد كان هناك طابع خاص لنزاع السوفيات مع الولايات المتحدة الأمريكية خلال تلك الفترة، إذ أن السوفيات إتبعوا أساسا سياسة وفاق مع الولايات المتحدة من أجل مصالحهم الإمبريالية . فرضت عليهم الضرورة و بصفة تكتيكية محاولة تأمين جيوب من التأثير هامة –وحتى السيطرة -أحيانا و بالخصوص على حكومات العالم الثالث بينما يتمّ تجنّب الصدام المباشر مع أمريكا التى كان تفوّقها العسكري آنذاك لا يقبل الشكّ فيه. و كان ذلك إعدادا لهجوم أشدّ على الولايات المتحدة الأمريكية عندما تسمح الظروف المتغيّرة بذلك فقوى الثورة و المعارضة حينذاك لم تكن على حال اليوم شديدة الإرتباط بالتحريفية السوفياتية بل كانت تنزع إلى الصين الإشتراكية أو إلى شعارات التحريفية السوفياتية الخاصة (أو إلى الإثنين معا ) من أجل إيجاد السبيل الذى بواسطته تنهض بالسلاح ضد الإمبريالية الأمريكية التى تعانى منها الأمم المضطهَدة.

و بدوره يشير هذا إلى التناقض الهام القائم بين الصين الإشتراكية حينئذ و كلّ من الكتلتين الإمبرياليتين معا . فقد واصلت الولايات المتحدة الأمريكية عدوانها ضد الصين منذ الخمسينات و بداية الستينات ،و قد ألهم رفض الصين الإستسلام ملايين لا تحصى من الجماهير فى العالم بأٍسره.و حاول التحريفيون السوفيات طوال أواخر الخمسينات و بداية الستينات السيطرة على الصين و إتخذت هذه المحاولة شكل التخريب الإقتصادي و تشجيع القوى المعادية للماوية داخل القيادة الصينية ،فى محاولة منهم لعزل الصين مدّعين أنّ موقفها المتصلّب ضد الإمبريالية الأمريكية قد نمّى أخطار حرب عالمية ( و قد قام السوفيات فعلا فى أواخر الستينات بهجمات عسكرية على الحدود الصينية و أجروا مناورات بحرية لهجوم نووي على مدن الصين)، وأدّى كلّ هذا إلى حدوث "تنافس" بين الصين و السوفيات حول مساندة نضالات التحرّر الوطني خاصة ضد الولايات المتحدة الأمريكية .و سعت الصين إلى التأثير فى هذه الحركات فى إتجاه ماركسي- لينيني حقيقي. ومن هذه التناقضات العالمية المتداخلة برز مرّة أخرى التناقض بين الأمم المضطهَدة و الإمبريالية معبّرا عن ذاته بموجة قويّة من نضالات التحرّر الوطني التى مثّلت العامل الرئيسي وأرضية ظهورت الغيفارية كإجابة سياسية (و إيديولوجية) خاصة بطبقة معيّنة.

عندما نحلّل أمريكا اللاتينية التى ظهرت فيها بالذات الغيفارية و كان لها تأثير كبير فى أوساط الجماهير و الطبقة البرجوازية الوطنية و البرجوازية الصغيرة، نفهم أهمّية الثورة الكوبية فى تبلور الغيفارية داخل هذه القارة أساسا. لقد ردّت الولايات المتحدة الأمريكية ،عدوّة الأمم المضطهَدَة، على الثورة الكوبية بالغزو و الإستخبارات و المحاولات الدبلوماسية لعزل نظام فيدال كاسترو إعدادا لعملية عسكرية ووصل الضغط على كافة حكومات أمريكا اللاتينية إلى حدّ طرد كوبا من منظمة الدول الأمريكيةفكان ذلك أكثر الأحداث درامية (الإنفجارات السياسية) بهذا الصدد. و ولّد كلّ هذا تعاطفا واسع النطاق فى صفوف الجماهير مع كوبا و كذلك ضمن شريحة هامة من البرجوازيين الديمقراطيين الثوريين داخل القارة . كانت الأنظمة الكمبرادورية فى أمريكا اللاتينية تطالب وفق تبعيتها للإمبريالية الأمريكية بمعاقبة حكومة البلد الوحيد فى القارة الذى كان يقف ضد امريكا. و عزّزت هذه الوضعية القوى المعتبرة ثورية أو راديكالية ديمقراطية برجوازية(7) و جعلتها تتقزّز من سلوك حكوماتها و من مواقفها الخاضعة للإمبريالية الأمريكية.

و نظرا إلى الإستقطاب الذى حصل ، دُفعت هذه القوى إلى خوض حروب ثورية فى عدد هام من بلدان أمريكا اللاتينية ، حيث شهدت فينيزويلا مثلا سنة 1962 ولادة حركة أنصارية بقيادة حركة اليسار الثوري التى إنشقّت بإمتعاض عن الحزب الحاكم سنة 1960 و تعزّزت صفوفها فيما بعد برجال عسكريين إنتفضوا عام 1963 .و قد كانت غواتيمالا أيضا مجالا لحركة أنصارية إنطلقت سنة 1962 و لهذه الأخيرة جذور ذات دلالة كبيرة فى البرجوازية العسكرية فقد كان عنصران من عناصر قيادتها ، يون سوسا و لويس تورثيوس ،قد شاركا فى إنتفاضة نوفمبر 1960 ضمن الجيش ضد وجود قاعدة تدريب للإستخبارات الأمريكية تعدّ الكوبيين المنفيين لغزو باي أندريس . و فى البيرو ،ظهرت أيضا مجموعات أنصارية بعد بضعة سنوات و جميع قادتها يعودون إلى منظّمة مسمّاة أيضا حركة اليسار الثوري وهي إنشقاق عن حزب أبرا الحاكم أمّا فى كولمبيا فقد إستمدّ جيش التحرير الشعبي قوته السياسية من عناصر منشقّة عن الحزب الليبرالي البرجوازي.

و فى نفس الوقت ، كانت الأحزاب التحريفية لأمريكا اللاتينية تشهد مخاضا كبيرا، إذ أصبحت بعض هذه الأحزاب غير قانونية أو عرضة لقمع غير عادي مع نهوض الثورة الكوبية بما فى ذلك أحزاب فينيزويلا و كلومبيا .هذا من جهة و من جهة أخرى ،أثار إنتصار الثورة الكوبية مقابل فشل هذه الأحزاب طيلة 40 سنة مسائلا كثيرة فى صفوف الجماهير و مارس ذلك ضغطا كبيرا على التحريفيين حيث كان الشباب يطالبون بالتحرّك .

وفى النهاية، تأثّرت قطاعات هامة من هذه الأحزاب بالإنقاشات و الجدال الصيني ضد تشديد السوفيات على مبادئ "الطرق السلمية الثلاثة" ( التعايش السلمي و التحوّل السلمي إلى الإشتراكية فى البلدان الرأسمالية و التنافس السلمي لإنتصار الإشتراكية على الرأسمالية على النطاق العالمي ) . و قد حصل هذا الضغط الحاد الداخلي فى وضع إتّسم و لعدّة سنوات من بدايات إلى أواسط الستينات بالمراحل الأولى للإنتفاضات فى كلّ من فنزويلا و غواتيمالا، هذا ما جعل التحريفيين السوفيات يعتقدون فى ان الأنموذج الكوبي للثورات يمكن أن يحدث فى بلدان أخرى من امريكا اللاتينية،و قد أصبح هذا الخطّ أكثر وضوحا و صراحة بعد فترة سقوط خروتشاف و لذلك وُجد دفع قوي لهذه الأحزاب التحريفية فى القارة لخوض النضالات المسلّحة التى كانت تبزغ فى أمريكا اللاتينية.

منذ 1965 ، طفقت الأمور تأخذ منعرجا آخر إنعكس على هذه القارة حيث قامت الإمبريالية المريكية بمبادرة كبرى شاملة محتوية "التحالف من اجل التقدّم" من جهة و على التدريب الواسع للضباط العسكريين و على التوسع المهول لنشاطات السي آي آي و على القيادة الممكنة للحركة الديمقراطية المسيحية . و سنة 1964 ، حدث إنقلاب فى البرازيل ضد غولارت( و ذلك بالأحرى بتنسيق مفتوح مع وكالة الإستخبارات الأمريكية السي آي آي) و كذلك غزت الإمبريالية الأمريكية الجمهورية الدومينيكية و منذ 1965 صار الأمر أوضح إذ أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية مستعدّة لإستعمال كلّ ما بوسعها ضد أية مبادرة حتى و إن كانت نصف وطنية (فما بالك إن كان الأمر تحدّيا ثوريا عاصفا).

وفى نفس الوقت وفى علاقة بهذا الوضع ، أخذت حركات الأنصاريين تدخل فى إضطراب فلم تعد الإنتفاضات فى غواتيمالا و كلومبيا تتقدّم ،و تلقى ثوريّو البيرو ضربة عنيفة أمّا فى فنيزويلا فقد رفعت الحركة رأسها قليلا فقُتل كلّ من فبريسيو أوخيدا و كامليو تورس و ألقي القبض على لويس دولابوانت و حكم عليه ب20 سنة سجنا و إستسلم بعض القادة الديمقراطيين الثوريين (مثل دومنغو إنغال وهو أهمّ قائد لحركة اليسار الثوري) الذى تخلّى عن النضال المسلّح .

و قد قيّم الإمبرياليون السوفيات الفترة على أنّها لا تعدُو بشيئ كثير فأقاموا وفق ذلك تحويرا فى سياساتهم و قرّروا ربط علاقات دبلوماسية و إقتصادية مع الأنظمة القائمة مستعملينها كشكل للتدخّل نتائجه أزيد من مساندة الثورات التى لم تعد تبدو قادرة على الإنتصار و التى حتى و إن إنتصرت فإنّه (من وجهة نظر السياسة الواقعية للسوفيات)من الصعب الدفاع عنها ضد الإمبريالية الأمريكية العاملة بسرعة متجدّدة .كما أنّ النزاع الصيني /السوفياتي أضحى آنذاك واقعا لا مفرّ من مواجهته و قد حدثت إنشقاقات تبعا لذلك داخل عديد الأحزاب الشيوعية فى القارة لذلك تراجع السوفيات عن المساندة الجريئة لهذه النضالات الثورية خشية تغلغل النفوذ الصيني من جهة و حفاظا على هذه الأحزاب التحريفية خاصة و أنّ الإنشقاقات قد تمّت فى صفوفها.

وأدّت كافة هذه العوامل- إضافة إلى عروض عفو جديد عن الأحزاب الشيوعية التحريفية - إلى جعل تقريبا كلّ هذه الأحزاب تتخلّى عن النضال المسلّح سنة 1965 و قد حدث هذا بالأساس فى فنيزويلا حيث كان النضال أكثر تقدّما .كان للحزب الشيوعي الفنيزويلي أكبر دور فى هذا النضال و قد جرى التراجع فى أفريل 1965 عن الجبهة الأنصارية و التخلّى عن النضال المسلّح من قبل القيادة و قد ادّى هذا إلى إنقسام هام فى صفوف الحزب على إثر خروج قائد الحزب دوغلاس برافو عن صفوفه.
فى هذه الفترة - 65/69 - لعبت كوبا دورا نسبيا فى محاولة قيادة هذه النضالات فقد وفّرت المساندة و المنفى و منحت النصيحة و بعض التدريب، إلاّ انّها مع ذلك لم تقم باية محاولة واقعية لتكوين مركز للثورة فى القارة. و لم يتوجّه تشى غيفارا الذى غادر كوبا سنة 1964 إلى بلدان أمريكا اللاتينية ، بل عوض ذلك ، قصد الكونغو أين حاول أن يربط علاقات مع حركة الأنصاريين التى كانت قائمة هناك.

ولكن الوضع تغيّر فى 1965/1966 بعد إستدعاء غيفار اللعودة إلى كوبا وعاد وكان الهدف إشعال فتيل الثورة فى أمريكا اللاتينية. و إحتضنت كوبا سنة 1966 أوّل ندوة لمنظّمة تضامن أمريكا اللاتينية.و عندما تمّ إستدعاء الأحزاب التحريفية لأمريكا اللاتينية لهذه الندوة، كانت كوبا قد خطّطت على قاعدة أنّ هذه الأحزاب مركز للقوى الراديكالية الديمقراطية غير الموالية و ليست مركزا للأحزاب الشيوعية المهتمّة بخوض النضال المسلّح ( لذلك طُردت كوبا تقريبا كلّ الأحزاب المناصرة للصين من الندوة وهو طرد ستفهم اسبابه لاحقا). و فى الوقت نفسه ، وقع جلب دوبريه إلى كوبا لكتابة مؤلّفه و قام غيفارا بتحضيرات البعثة إلى بوليفيا سنة 1966/1967.

لماذا حصل هذا التحوّل؟ لقد علّق كاسترو أهمّية كبرى على أحداث 1965 و ذلك من منطلق مصلحته ووفق زاوية نظره الخاصة. لم تكن كوبا لتخاف فقط من الإعتداء الأمريكي المتصاعد فى العالم (لا سيما فى أمريكا اللاتينية) بل كانت مستاءة أيضا من تراخى السوفيات إزاء الولايات المتحدة الأمريكية عندما بدأت بقذف فيتنام الشمالى بالقنابل فى فيفري 1965. و قد كانت لكاسترو نظرة متأنّية و جادة تجاه وعود السوفيات بمعاملة كوبا ك " جزء من الكتلة الإشتراكية لا يقبل الإعتداء عليه حتى و إن قامت الولايات المتحدة بإنزال فى هافانا..." فشمال فتنام لم يكن لا يقبل الإعتداء عليه فحسب بل كان أكثر قربا من منطقة نفوذ السوفيات. وقد علّق خوان بوش وهو ضحية سياسية لغزو الولايات المتحدة الأمريكية للدومينيك و عند قراءته لكتاب دوبريه أن أمريكا كانت سياسيا مصيبة و أكّد على أنّ على المرء أن يفهم أن " ينتظر فيدال كاسترو هجوما من الولايات المتحدة ، إنه ينتظر ذلك يوما بعد يوم و يخشى أن لا تقف روسيا إلى جانبه عسكريا حين يحصل ذلك ، و لا يأمل كاسترو أن يجعل " من شيوعييى العالم وطنيين كوبيين متحمّسين و ربما لم يكن يصدّق كليّا وطنية الشيوعيين الكوبيين،و يبدو فيدال كاسترو حسبما يمكن إستنتاجه مما يقول و يفعل معوّلا أكثر على وطنية شباب أمريكا اللاتينية أكثر مما يعوّل على الأحزاب الشيوعية فى القارة التى يراها تتراجع فى مساندتها لتنظيم الأنصاريين فى كلّ القارة كما أنّه يخشى أن تتبع هذه الأحزاب المتكوّنة خلال الفترة الستالينية الخطّ الروسي للتعايش السلمي مع الولايات المتحدة الأمريكية و التى لن تقوم بأي مجهود جدّي للحيلولة دون هزيمة كوبا لو حصل هجوم أمريكا الشمالية"( هوبرمان و سويزي ، 1967، صفحة 104).

وتجد هذه الرؤية الإستراتيجية تعبيرا عنها فى فهم غيفارا للوضع العالمي و ذلك بصفة جدّ ساخرة فى رسالته المضمّنة لندائه الشهير " فيتنامان ، ثلاثة فيتنامات ، عديد الفيتنامات" و قد شخّص غيفارا بصفة صحيحة التناقض الرئيسي بين الإمبريالية الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية و بين الأمم المضطهَدة و أكّد على أن حرب الفتنام تدخل ضمن هذا التناقض غير أنّه قام بتحليل ذلك وفق طريقته الخاصة:
" هذه هي الحقيقة المُرّة : فيتنام أمّة تمثّل طموحات و آمال كلّ شعوب العالم المنسيّة ، فيتنام يوجد ماساويا وحده،على هذه الأمّة أن تتحمّل الهجمات المسعورة لتكنولوجيا الولايات المتحدة ، لا إمكانية للردّ فى الجنوب و بعض الدفاع فى الشمال، لكنه يظلّ دائما وحده، و اليوم تشبه مساندة كلّ القوى التقدّمية فى العالم لشعب فيتنام الموت المرّ للمواطنين العاديين الرومانسيين المشجعين للعبيد فى قتالهم حتى الموت فى ساحات روما ،و ليست المسألة مجرّد تمنّى النصر لضحية العدوان بل تقاسم المصير و على المرء أن يذهب معه إلى موته أو إلى الإنتصار.
إنّنا حين نحلّل وضعية فيتنام الذى يجابه شعبه العدوان وحده يتملكنا الحزن جرّاء هذا الذهول غير المنطقي الذى تعيشه الإنسانية اليوم"( بوناتشيا و فالديس 1969، صفحة 172).

فى حين كان النضال فى الفتنام ضد الإمبريالية يتشعّب و يصبح أصعب و فى حين كان الإتحاد السوفياتي يشيح بوجهه عن الإشتراكية و تبعات ذلك من بيع لنضالات التحرّر الوطني ، رأى غيفارا أن ّ ذلك يجعل من فيتنام "مأساويا وحيد" وهو تفسير خاطئ و خاطئ للغاية ينمّ عن حالة من الإحباط الذى قد تنجم عنه المغامراتية. و حسب خطإ هذا التفسير يكمن أوّلا فى أنّ الفيتنام كان فى نضاله مسنودا مباشرة من قبل الصين التى ضمنت له الساحة الخلفية .و ثانيا ، أنّه ثمّة عدد لم يسبق له مثيل من نضالات التحرّر الوطني المخاضة فى العالم حينها (إضافة إلى الإستفاقة الثورية التى كانت فى بدايتها فى الحصون الإمبريالية ذاتها مثل إستفاقة شعب السود فى الولايات المتحدة الأمريكية و تعدّد إنتفاضاتهم ) و إن لم يصل أي نضال من النضالات بعدُ إلى قمّة ما وصلت إليه الفيتنام، فإنّ ذلك لا يمكن أن ينتقص من أهمّية الرياح الحقيقية التى كانت تعصف بالإمبريالية و إحتمالات العواصف القادمة التى قد تكون أكثر جدّية لو كانت الحركة الثورية فى موقع اقوى وهو أمر يتحمّل فيه كلّ من غيفارا و كاسترو درجة هامة من المسؤولية . أمّا غيفارا فإنه حين تحدث عن النضالات الأخرى فإنّه إعتمدها لتأكيد خطّة "مأساويا وحيد" فى التفكير ف "النضال ضد البرتغال يجب أن يحقّق النصر" مثلما قال، لينتهى إلى أن "البرتغال لا تعنى شيئا على مستوى الإمبريالية" ( بوناتشياو فالديس 1969 ، صفحة 176) .

يندّد موقف غيفارا بنفس الدرجة بالإتحاد السوفياتي و بالصين لتخليهما عن دورهما الأممي ، السوفيات لعدم تجرّئهم على مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلّق بقنبلة فيتنام الشمالي ،و الصين لإستمرارها فى جدالها ضد السوفيات ( وبالتالى شقّها المفترض لصفوف "الكتلة الإشتراكية") . و بخصوص نقده للسوفيات فإنّ غيفارا كان يعكس الإهتمام الكوبي بالتعويل على الضمانات السوفياتية لإستقلال كوبا التى يقول عنها السوفيات إنهم إفتكوها من كينيدي مقابل إستسلامهم خلال أزمة الصواريخ سنة 1962.وهو يقصد أن يتحرّك السوفيات بعدوانية أكبر فى تحقيق مصالحهم الإمبريالية .و هذا يفسّر ترحيب فيدال كاسترو عام 1968 بغزو السوفيات لتشيكوسلوفاكيا . و لنعالج بإقتضاب سبب هجمات غيفارا علي الصين.
لقد كانت المسألة بالنسبة إلى القيادة الكوبية مسألة ملحّة و إستعجالية إذ كانت ترى أن بقاءها فى السلطة و على قيد الحياة مرتهن بإعادة إحياء حركة الأنصاريين ، ومن المهمّ إدراك أنّ هذا الفهم الوطني الضيّق هو الذى قاد الكوبيين إلى تشجيع مبادرة غيفارا (8) ذلك أنّه إذا توصّلت أيّ من حركات الأنصاريين إلى السلطة فإنّه سوف يكون لكوبا حليف على القارة و ذلك حتى لو لم تنتصر هذه الحركات فى أقرب وقت فإنّه يوجد على الأقلّ تهديد حقيقي لأمريكا التى ستكون فى ذات الوقت قواتها مشتّتة فى تصدّيها لنضالات الأنصاريين و بالتالى سيخفّ ضغطها على النظام فى كوبا و كذلك ستوجد إمكانية التنازلات عن طريق التفاوض مقابل تنازلات أمنية نتيجة ترجيح حركات الأنصاريين كفّة كوبا. ( مع أنّ هذه الإمكانية تحمل الكثير من اللاأخلاقية من جهة الحركة الكوبية التى ما فتئت تعلن عن مثلها العليا فى حين أنّ فيدال كاسترو لم ينبس ببنت شفة بشأن إغتيال الحكومة المكسيكية لمئات الطلبة خلال إنتفاضة 1968،لأن حكومة المكسيك آنذاك كانت الحكومة الوحيدة فى القارة التى تربطها علاقات بكوبا).

لقد إرتأى غيفارا بناء هذه الحركات من القوى البرجوازية الراديكالية و من مساندي الأحزاب التحريفية فتلك هي القوى التى بإمكانها أن تتحرّك فى ظرف وجيز لتحقّق هذا المشروع المخطّط له و الموجّه لكلّ القارة، أمّا الظرف الزمني الوجيز فقد كان مفتاح الأفق الكوبي لأن الكوبيين شعروا فعلا بأنّ التهديد الأمريكي لهم تهديد حقيقي و حالي.
فكيف كان لهذا التحالف أن يبنى إذن؟ أوّلا ، أتت دعوة البرجوازية الديمقراطية الراديكالية إلى ذلك بحكم قوّة الحاجة الملحّة و لذلك يجب الربط مع الفترة السابقة من حركات الأنصاريين و نضالاتهم وهذا جزء من المهمة الموكلة لكتاب دوبريه "ثورة داخل الثورة"(9)، و ثانيا ، كان الراديكاليون على علم بخيانة الأحزاب التحريفية و متأكّدين من أنه من الضروري إدراك أنّ هذه الأحزاب ستظلّ مرتبطة بموسكو و تظلّ لها هيكلتها و تنظيمها رغم إنهيارها الإيديولوجي و ردّتها ،إنهيار لم يكن تاما. لذا كانت القوى الراديكالية ترى ضرورة أن تحافظ على المساعدة السوفياتية التى تعتبرها لازمة لأية محاولة للقطع مع الولايات المتحدة الأمريكية أو كسب أي موقع تفاوضى أفضل تجاه الإمبريالية الأمريكية.وقد كانت القوى البرجوازية الراديكالية تدرك أنّه إن أمكن جرّ الأحزاب الشيوعية لأمريكا اللاتينية إلى تحالف فإن مساندة الإتحاد السوفياتي تغدو واردة و ممكنة أكثر. هذا فضلا عن ضمانة الكوبيين المجربين لقيادة المعركة العسكرية ( بما فى ذلك قيادة غيفارا شخصيا). و كلّ هذه المعطيات كانت فاعلة فى المحصلة النهائية لتقديرات هذه القوى البرجوازية الديمقراطية الراديكالية.

أمّا فى ما يتصل بالأحزاب التحريفية ، فقد أمل الكوبيون فى خلق ضغط كاف من أجل تحييدها إن لم يقع جرّها إذا أمكن الأمر لتقديم الإعانة اللوجستية بإتفاق مع الأنصاريين. و من هنا جاءت هجمات كاسترو اللاذعة على الحزب الشيوعي الفنيزويلي و مواقفه فى ندوة أولاس شاجبة الخطّ القديم للأحزاب التحريفية و خالقة أبهة لكتاب دوبريه ذاته وكلّ ذلك بهدف شقّ صفوف هذه الأحزاب . هذا من جهة و من جهة أخرى، أمل كاسترو أن تساعد الإعانات المقدمة إلى بعض الأحزاب على تحقيق إنتصار سريع يساهم فى إيجاد لحمة لهذا التحالف ( أعطى مباشرة 25 ألف دولار إلى قيادة الحزب الشيوعي الفينيزويلي مثلا) .

هذه الأوضاع جميعها تفسّر لماذا لم يدفع كلّ من غيفارا و دوبريه بالصراع الإيديولوجي ضد الأحزاب التحريفية إلى أقصاه و تفسّر لماذا عوضا عن ذلك خيّرا الإنطلاق من بديل و تحالف معها ؛ فالنضال الإيديولوجي يمكن أن ينتهى إلى القطع مع هذه الأحزاب وهو ما سيجعل الأمر غير ممكن فى ما يتصل بما يحتاجه الغيفاريون بصفة ملحّة و عاجلة من الخطّ القديم للتحريفيين؛ فلم يكونوا يأملون تحطيم هذه القوى و لا جعلها تغيّر توجّهها و أقصى ما كان يريده غيفارا منها هو شبكة عمل فى المدن يمكن أن يعوّل عليها الأنصاريون و بعض القدرة على إرسال فئات من مجموعاتها الشبابية إلى فرق الأنصاريين (تحت قيادته طبعا).(و يمكن أن يكون غيفارار قد أمل أيضا أن يتمكّن من إستغلال علاقات الأحزاب الشيوعية بالحكومات التحريفية و الحكومات البرجوازية أساسا فى دفع إنقلاب لصالح المصالح الكوبية .فعلى سبيل المثال كان لأحد قادة الحزب الشيوعي البوليفي أخ ذو مكانة هامة و مرموقة فى القوات الجوية و كان يستعمل من قبل الحكومة البوليفية كرجل ربط فى علاقة بواشنطن /موسكو/ لاباز. و هذا التعويل يبرز ذا دلالة منذ تلك السنوات خاصة بعد الإنقلاب الذى حدث فى البيرو سنة 1969 و الذى سمح بتأثير أكبر لكلّ من موسكو و كوبا فى العلاقات مع البيرو.)

و هناك سبب آخر أكثر وجاهة فيما يخصّ العلاقات المتبادلة بين كوبا و الإتحاد السوفياتي. و قد كان تشهير كاسترو بالإتحاد السوفياتي طوال فترة 65/67 يعكس بعض التناقضات الكامنة بينهما. فقد كانت كوبا مثلما وقعت الإشارة إلى ذلك تخشى عدم إلتزام السوفيات بالدفاع عنها فى حالة هجوم عليها و كانت تسعى إلى إحراج السوفيات أمام الملأ حتى تجرّهم إلى تأكيد ذلك الإلتزام و ممارسته، حيث رفض كاسترو مثلا التوقيع على إتفاق مشترك مع كوسيغين حين حطّ فى كوبا بعد أن زار رئيس الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك جونسون فى غلاسبور بنيويورك سنة 1967. لم يعجب الكوبيين أيضا تحوّل موسكو نحو البحث عن العلاقات الدبلوماسية و الإقتصادية و العسكرية مع الأنظمة المركّزة فى القارة و المعادية لكوبا طبعا و نصيحة أحزاب هذه البلدان بالتراجع عن الكفاح المسلّح و مواصلة عاداتها البرلمانية . و بكلّ هذه المبادرات فى ىفترة ما بين 65/67 ،لم تكن كوبا ترمى إلى القطع من الأساس مع الإرتباط بالسوفيات الذى نتج عن سياساتها السابقة ، بل كانت ترمى بهذه المبادرات إلى تحسين ظروف التفاوض.

و تبعا لذلك سيتحمّل الإتحاد السوفياتي الكثير من نظام كاسترو لأسباب متعدّدة :
أوّلا، لم يكن بوسع السوفيات فعل الكثير ثمّ إنّ ما يمكن أن يقوم به السوفيات فى إجاباتهم على الهجمات الكوبية قد يعرقل جهودهم للمّ صفوف ما تبقى من حركتهم الأممية غداة الجدال الكبير مع الصين و قد يؤثّر أيضا على دفع كوبا بعيدا عن الموقف السوفياتي مع إمكانية المخاطرة بعلاقاتهم و بأشكال قد لا تعرف نهايتها. و أيضا كان الضغط الإقتصادي الذى سيصل قمته (10) فيما بعد يُرى حينها سابقا لأوانه،و لذلك من المفروض الإنتظار حتى تتحسّس كوبا نتائج المخططات الطائشة لكاسترو و تمرّغ الوعود بالتراب،و بإختصار فقد أراد السوفيات فى هذا الشأن مزيدا من فعل الرافعة و إحتاجوا إليه.

ثانيا، طالما بقي تيّار "النهوض الثوري " المنتشر فى هافانا محدودا فإنّه خدم السوفيات أكثر ممّا أضرّ بهم،فالمسألة الرئيسية بالنسبة إلى السوفيات كانت تتعلّق بالحركة الأممية و تتركّز على الصين و التفكير فى عزلها و هذه المشاغل الإستراتيجية فرضت على السوفيات ألاّ يتحدّوا الإمبريالية الأمريكية عبر مساندة الحركات الثورية فى أماكن هيمنة الولايات المتحدة إلاّ أنّ هذا قد أعطى حينها إمكانيات واسعة لتأثيرالصين فى أماكن مفاتيح مثل فلسطين و الخليج الفارسي و اجزاء أخرى من افريقيا و آسيا كلّها تقريبا ،و لم يوقف تقديم كوبا ذاتها كمركز ثوري آخر واضعة نفسها بديلا يساريا مهاجما بشراسة الصين تأثير الخطّ الماوي بل مكّن السوفيات من مسالك هامة لهذه الحركات و الفئات عبر العالم باسره. و لقد كان جزء من التفاوض مع السوفيات أن يضع الكوبيون أنفسهم فى ركاب السوفيات عبر توجيه نارهم الأساسية ضد الماويين و كذلك أن يحاول مشروع غيفار عزلهم عزلا كلّيا و لذلك وقع طرد الأحزاب الماوية من ندوة أولاس بينما سمح ببقاء الأحزاب الموالية لموسكو. و تندرج فى هذا الإطار دعوة غيفارا إلى عدم العمل مع الماويين فى بوليفيا و هجومه على النقاشات فى موقفه الموجّه إلى التريكنتيننتال . و يتجسّد هذا فى كتاب دوبريه حين يعتبر الإتجاه الماوي فى أمريكا اللاتينية إتجاه أنشأه "مجانين و خونة". المسألة واضحة ألا وهي إنّ للتحريفيين مشاكلهم و لكن هؤلاء الثوريين يجب أن يظلّوا خارج ذلك.

لا نقول إنّ هذه الصبغة العدائية تجاه الماويين كانت شيئا مفروضا من السوفيات على الكوبيين بل إنّ هناك نظرتين متعارضتين للثورة كانتا فى تضارب من أجل الهيمنة و كانتا بالتالى تتصارعان ، فبالنسبة إلى غيفارا كان من الضروري لكي يمارس مفهومه الخاص للثورة أن يصارع ضد الخطّ البرولبيتاري الثوري الذى يتبنّاه الماويون ،وهذا المفهوم لا يمكن فى ذات الوقت عزله عن الدور الذى إرتآه للإتحاد السوفياتي و الأعمال التى طلبها منه و الإتفاقيات التى كان يسعى لعقدها معه.
لقد كسب السوفيات وقتهم بدل الهجوم المفتوح على غيفارا أو الردّ على شتائم كاسترو، فقد فتحوا جرائدهم للأحزاب التحريفية الأكثر أورتودكسية فى أمريكا اللاتينية التى كانت تسعى للردّ على هجمات كاسترو عليها و تمثّل الأمر فى النقد اللاذع للقيادة الكوبية .

أمّا بالنسبة لغيفارا ، فإنّ دفعه نحوالإنفصال المفتوح عن هذه الأحزاب لم يكن مقبولا لأسباب عدّة ذلك أن إيديولوجيا السوفيات و كاسترو لم تكن فى المقام الأوّل مختلفة حول صيغتها للثورة الإشتراكية. و بشأن الموقف من الجماهير، كان موقفهما متماثلا فالجماهير فى نهاية تحليلهما ليست سوى أدوات تسعمل على حدّ سواء من قبل مجموعة متمرّسة أو من قبل ديماغوجيين حسب الوضع. و لهذه المسألة صداها فى إستراتيجيا غيفارا / دبوريه للثورة التى يتمحور فيها كلّ شيئ حول جرأة حفنة من الأبطال و خبرتهم .و إضافة إلى هذا السبب الجوهري كانت هناك مسألة أخرى وهي : إن مثل هذه القطيعة ستسقط كلّيا مخطّط غيفارا إذ ما زال للتحريفيين دور واسع يجب أن يلعبوه حسب تقديره ،لأن مثل هذه المبادرة ستصبح القطرة التى تدفع السوفيات إلى أن يضعوا أرجلهم فى العربة التى يقودها غيفارا مسنودا بالسلطة الكوبية ، أمّا السوفيات فقد سمحوا للكوبيين بأن يحطّموا هذه الأحزاب التى خدمت القيادة الكوبية نفسها و خدمت أنموذج هذه الثورة الخيالية حسب نظرتهم و لكنهم أجّلوا هذا التحطيم حتى لا يضرّوا بالقوى التى يعوّلون عليها داخل الحركة الأممية و فى مجمل المهام لتحقيق إستراتيجيا المناورات السياسية التكتيكية فى عديد البلدان.

فى نهاية التحليل كانت الدعوة إلى الصراع الإيديولوجي ستدفع إلى تعزيز التيّار الماوي و هذا ما يجب تجنّبه قدر الإمكان وفق إستراتيجيا السوفيات لأنّه حين يُشرع فى مثل هذه الصراعات فإنّ النهايات مضمونة ذلك أنّ بعض القوى المنجذبة إلى قطب غيفارا قد تدفع إلى الماركسية-اللينينية -فكر ماو تسى تونغ الحقيقية فى صورة توفّر مناخ من الصراع الإيديولوجي المفتوح.

و كذلك ستجعل الدعوة إلى تكوين حزب جديد على أساس وحدة إيديولوجية الوحدة مع الديمقراطيين الراديكاليين على الطريقة التى يتطلّع لها غيفارا غير ممكنة. فهذه القوى لا ترغب فى هيمنة الحزب الشيوعي على حركات التحرّر، بل هي قوى لم تكن صراحة فى أغلب الأحيان ماركسية وبالتالى لم تكن لها فائدة فى صراع يضعها وجها لوجه مع الأحزاب الشيوعية حول المضمون الحقيقي للماركسية. و لذلك فعديد الذين يمكن توحيدهم على المدى القصير حول حمل البندقية قد يبتعدون بمثل هذا الصراع ، وبالفعل فإنّ جانبا من جذب هذه القوى يتمثّل فى إمكانية نجاح ميزان القوى مع القدرة على إستعمال الأحزاب التحريفية بطريقة تقليدية و ذلك دون إبتلاعها بفضل الهيمنة المرتآة للغيفاريين. و رّبما كانت هجمات دوبريه على الأحزاب التحريفية بصراحة و بكلمات معادية للشيوعية -من قبيل "مفاهيم مستوردة" و "عدم معرفة ظروف أمريكا اللاتينية" و غيرها - تهدف على الأقلّ و لو جزئيا إلى التأكيد بإخلاص و بعنف كبير وطنية غيفارا و من معه و ذلك لكسب ثقة الديمقراطيين الراديكاليين كلّما كان التحالف يبدو ممكن الخطورة و مشكوكا فيه.

(ومن المهمّ هنا أن نسجّل أنّه رغم كلّ الإعتراضات فإنه إذا ما إندلعت الإنتفاضة الغيفارية فإنّ السوفيات لن يكونوا بالضرورة غير قادرين على إيجاد طريقة لإستعمال مثل هذه الحركة إلاّ أن ما سيؤول إليه الأمر و المصير الأخير للغيفاريين يبقى سؤالا مفتوحا ،فإثر موت غيفارا ببضعة سنوات نظّم كاييتانو كربيو من الحزب الشيوعي السلفادوري إنتفاضة جبلية . و عقب سنوات من النضال و تغيرات هامة فى الوضع العالمي و فى أمريكا الوسطى ، ظهر وضع أصبح فيه هذا التحالف حقيقة قائمة. و هذه المرّة صار التحالف بين التحريفيين و الإصلاحيين تحت راية إشتراكية ديمقراطية وطنية مع قوى كربيو الغيفارية ،و كانت لكربيو اليد العليا فى هذا التحالف و له القيادة فى البداية . و مع ذلك فإنّ مقاومة كربيو للمفاوضات خدمة لإستراتيجيا الإلتزام التاريخي للسوفيات فى السلفادور قادت إلى سعي مشترك إلى الإطاحة به و بقيادته. وحسب التاريخ الرسمي الوارد من نيكارغوا فإنّ كربيو إغتاله كادر موال للسوفيات فى منظّمته ثمّ حسب ما زعم و ما راج لاحقا كربيو إنتحر. إذا كانت أهدافك ترتكز على إيجاد شيئ بجلب سيّد قويّ فلا تتعجّب حين يقرّر سيّدك أن مشروعك سيكون أحسن فى غيابك! ).

كانت مقاربة دوبريه المعادية للنظرية مفتاحا لتوحيد عناصر هذا التحالف المرجوّ من الأحزاب الشيوعية التحريفية مع البرجوازيين الديمقراطيين الوطنيين الأكثر تقليدية ،و قد خدم رفض دوبريه النقاش من أجل قيادة أحزاب ماركسية-لينينية حقيقية هذا التحالف لكن هل كان البحث عن التوحّد مع هؤلاء البرجوازيين الديمقراطيين خطأ؟ إن الإجابة على هذا السؤال تقتضى أن يرسم خطوط التمايز بين التوحّد معها من ناحية و التعويل عليها من ناحية أخرى .

لمثل هذه القوى الطبقية فعلا تناقض مع الإمبريالية ويمكن حسب الظروف أن تتمّ معها وحدة من أجل طرد الإمبريالية، غير أنّه إذا ما وقع التعويل عليها أساسا كما فعل غيفارا فإنّ الثورة ستعكس حتما مصالح هذه القوى الطبقية و التى تظلّ أحلاما برجوازية مقموعة يدفعها الشوق الوطني لتطوير البلاد تطويرا رأسماليا مستقلاّ كليا. و حتى حين يستطيع الحزب جذب البروليتاريا و إقامة تحالف عمّالي فلاحي كركيزة و قاعدة للحركة الثورية فإنّ المشاكل التى تطرحها قطاعات من البرجوازية الوطنية - كيفية إقامة الوحدة إلى الدرجة الممكنة دون التضحية مطلقا بإستقلالية برنامج الحزب الشيوعي و كذلك كيفية إرساء قاعدة التقدّم التالي نحو الإشتراكية داخل مرحلة الثورة الديمقراطية الجديدة -و ما هي الوسيلة الكفيلة بالمحافظة على القوّة المستقلّة المطلوبة (سياسيا و عسكريا) ل"جرّ" هذه القطاعات "اتقبل" بقيادة البروليتاريا فهي مسائل فى منتهى التعقيد.و يجب ان تعالج دون التذيّل للبرجوازية الوطنية.و غالبا ما عولجت بالتذيّل للبرجوازية الوطنية ( مع أنّ دوبريه و غيفارا أكثرا من ترديد جمل "يسارية" فقد تواصل التذيّل للبرجوازية الوطنية لديهما، مثلما مرّ بنا) . وكلّ هذا يؤكّد بصفة شاملة ضرورة حزب راسخ إيديولوجيا.

لقد حاول غيفارا الإلتفاف على هذه المسائل بطريقة إثنين فى واحد مدمجا معا مرحلتي الثورة الديمقراطية الجديدة و الإشتراكية و كذلك بهجوم يساري ظاهري على البرجوازية الوطنية فالثورة يجب أن تكون من أجل الإشتراكية . و قد صرّح دوبريه منذ البداية أن على الثورة أن تقطع مع مفهوم أنّ للبرجوازية الوطنية أي دور تلعبه ضد الإمبريالية.
لكن ما هي النظرة التى تقدّم هنا للإشتراكية ؟ إنّها بالأساس إشتراكية الغولاش المنشورة من قبل خروتشاف و تتمثّل فى دعوة العمّال لمساندة نظام سيوفّر لهم أو على الأقلّ يعدهم بتوفير بعض المكاسب الإقتصادية و إصلاحات إجتماعية مقابل السلبية السياسية التى يجب أن يظهروها و كانت كوبا المثال فى ذروة "الحوافز المادية و المعنوية" و كان غيفارا يعد بمستوى عيش يشبه مستوى السويد فى الستينات إن أنفقد الجماهير جهدها فى العمل التطوّعي كما يجب.

و الأهمّ من ذلك أنّ هذه النظرة للإشتراكية كانت ترمي إلى جذب قطاع من البرجوازية الوطنية و البرجوازية الصغيرة ، سيكون حسب هذه النظرة مراقبا لقطاعات كبيرة تابعة للدولة ؛ و قد حدث هذا فى كوبا ( خاصة فى فترة إقتسام قدماء حركة" 26 جويلية " للسلطة مع جهاز الحزب الشيوعي و لكنه إثر ماساة العشرة ملايين طن أصبح الحزب الشيوعي مهيمنا بصفة كلّية. وفى التجارب العديدة فى كوبا لم تستثن البرجوازية الصغيرة من الزعامة) .( وإعتبرها دوبريه قد إنتهت كطبقة لأنه حاول تحديد هذه القوى بعيدا عن البرجوازية و البرجوازية الصغيرة مدّعيا أن المشاركة فى حرب الأنصار قد تكفّلت بمحو الإختلافات الطبقية إلخ ).

و تظهر هذه الصيغة يمينية فى مسعى لتجاوز المرحلة الديمقراطية الجديدة للثورة بمضمونها المعادي للإقطاعية ، ففى كوبا إفتكّ قطاع الدولة وسائل الإنتاج و ادار مباشرة الأغلبية الساحقة من المزارع الكبرى وواصل مصادرة المزارع المتوسّطة و بعد ذلك إعتبر دوبريه و غيفارا أن ذلك هو أكثر البرامج التاريخية راديكالية من حيث الإصلاح الزراعي.وفى الحقيقة كان التغيير فى مستوى الفلاحة الكوبية لا يتجاوز أن يكون شكليا فقد صار العمال فى المزارع تحت إشراف رؤساء مختلفين يقولون لهم متى و كيف يزرعون السكّر و حصيلة هذه الزراعة ترسل مباشرة كلّها إلى الإتحاد السوفياتي بدلا من الولايات المتحدة الأمريكية . لكن نموذج الزراعة المختصّة التابعة و سيرورة إنتاج السكّر ظلّت على حالها و لم يتمّ إستنهاض البروليتاريا الزراعية و الفلاحين ليتجاوزوا خطوة خطوة العلاقات القديمة و ليغيروها إذ قيل لهم ثمّ أُجبروا فقط على العمل بمزيد من الجهد.

لا يمكن تحديد بقايا الإمبريالية فى الأمم المضطهَدَة بشيئ بسيط ( متجذّر فى التوزيع) كالتبادل غير المتكافئ ، بل إنّها تمتدّ إلى الهيكلة الفلاحية ذاتها بما فى ذلك ما ينتج ،و الطرق التى وقع بها تغيير الإقطاعية (خدمة للرأسمال المالي) . فى البلدان المضطهَدَة ، جرى الإحتفاظ بالعلاقات الإقطاعية (و خدمة للرأسمال المالي مرّة أخرى) يجرى الإنتقال من مزارع دولة كبيرة إلى مزارع تعاونية ثمّ إلى مزارع أقلّ حجما فى البداية تحت بين أيدى الفلاحين و عمّال المزارع المبلترين أخيرا و ذلك كجزء من المخطّط العام فى حين ينبغى ان يقع تغيير علاقات الإنتاج و ان تقطع الفلاحة مع مخطّطات و هيكلة الهيمنة الإمبريالية وأن يتمّ حثّ الفلاحين عبر مراحل التعاون فالتعاضد وصولا إلى ملكية الدولة على أساس مختلف نوعيّا. بيد أنّه لا يمكن القيام بهذا العمل الثوري إلاّ بفلاحين وقع إستنهاضهم سياسيا بقيادة بروليتاريا قوية وواعية لها طليعة قوية و هذه هي إعادة الهيكلة الشاملة للفلاحة بعيدا عن الهيمنة الإمبريالية و القيام بالتوعية السياسية للفلاحين و تعزيز قيادة البروليتاريا و حزبها و هذه أمور ممنوعة أصلا لدى الغيفاريين.

وبصدد مسألة الوحدة مع البرجوازية الوطنية ، فإنّه عندما يكون هناك أساس يعود إلى التناحر بين شرائحها و الإمبريالية ، فإنّ الوحدة الجبهوية يمكن فعلا تحقيقها بنجاح و ذلك لمّا يكون واضحا للبروليتاريا أنّ مثل هذه الوحدة تحمل معها صراعا حول مسائل عديدة هامة بخصوص الأهداف و القيادة و إسترتيجيا الثورة فى كلّ مرحلة من مراحلها.
أمّا التحريفيين و السعي إلى الوحدة معهم فهذه مسألة غاية فى التعقيد غير أنّ هناك مبادئ ثورية واضحة يتجاوزها الغيفاريون بهدف التوحّد مع هؤلاء. تمثّل الأحزاب التحريفية مباشرة مصالح الإمبريالية ( خاصة الإمبريالية الإشتراكية) فى صفوف الحركة الثورية ،و هذا ما يجعلها خلافا للبرجوازية الوطنية قوى لا يمكن التحالف معها فى مرحلة الثورة الديمقراطية الجديدة بقيادة البروليتاريا بل هي جزء من أعداء المرحلة. و هكذا لا يمكن إعتبارهم وبأي شكل من الأشكال حلفاء إستراتيجيين و بالتالى فإنّ الوحدة معهم مثلما أراد دوبريه خاطئة أصلا. و مع ذلك و فى غالب الأحيان فى وضع البلدان المستعمرة أو التابعة على النضال الثوري أن يندلع ضد القوى الإمبريالية و كتلة عملائها و لكن يمكن أحيانا وجود شكل معيّن من التحالف مع الأحزاب التحريفية إن لزم الأمر. و قد وقع التطرّق إلى هذه المسألة فى وثيقة " المبادئ الساسية للوحدة الماركسية –اللينينية و لخطّ الحركة الأممية الشيوعية" على النحو التالي:
" فى ظروف معيّنة ، لاسيما حين تقوم قوّة أو (كتلة) إمبريالية بغزو أو تحاول أن تحتلّ بلدا مستعمرا أو بلدا تابعا معيّنا يمكن أن يمسي من الضروري و الصحيح لا فقط توجيه رأس حربة النضال ضد تلك القوّة ( أو الكتلة) الإمبريالية عينها و لكن أيضا التحالف مع – أو على الأقلّ تحييد- بعض القوى الرجعية المحلّية المرتبطة بإمبرياليين آخرين و تخدم مصالحهم ( خاصة الكتلة الإمبريالية المناهضة).

فى مثل هذه الأحوال، يصبح من الهام للغاية فضح الطابع الطبقي و المصالح الطبقية لهذه القوى و روابطها بالإمبريالية و النضال المستميت ضدّها و الإطاحة بخيانتها فى الصراع ، لا سيما محاولاتها قمع الجماهير مع التشديد و التركيز على الدور القيادي البروليتاري و إستقلالية و مبادرة حزبها عبلا الصراع و كذلك مواصلة رفض سياسة افلتحاق بأية قوّة أو كتلة إمبريالية أو مساندتها و يجب التذكير الواضح بقيادة البروليتاريا و الجماهير الشعبية نحو هدف الإنتصار لا فقط فى المرحلة الراهنة ( أو المرحلة الأولى) لكن أيضا فى الثورة الديمقراطية المعادية للإمبريالية ككلّ و عبر ذلك نحو الثورة الإشتراكية فى وحدة مع البروليتاريا الأممية و النضال العالمي" ( " المبادئ..."الحزب الشيوعي الثوري الشيلي و الحزب الشيوعي الثوري ،الولايات المتحدة الأمريكية ،صفحة 43 ، سنة 1981).

تتطلّب هذه المسائل الأهمّ - طبيعة الوضع العالمي ، و الطبيعة الطبقية للإتحاد السوفياتي و مهام الثورة فى علاقة بالإمبريالية و التحليل الطبقي للأمة و فهم العلاقة بين مرحلتي الثورة - حزبا شيوعيا يكون له أساس إيديولوجي راسخ وواضح حتى يتمكّن من معالجة هذه القضايا . و قد مثّل الخطّ الغيفاري بصدد الحزب ،و خاصة المعارضة الشديدة للصراع على قاعدة المبادئ التى تميّز بين الماركسية الثورية و التحريفية ،مثّل محاولة لإجهاض السيرورة اللازمة لصياغة أجوبة لهذه المسائل .و لهذا الخطّ طبعا أجوبته حول التحالف مع الأحزاب التحريفية و بعض قطاعات البرجوازية الوطنية لدفع البلاد عبر النضال المسلّح إلى كتلة الإتحاد السوفياتي لكنّ أصحاب هذا الخطّ لم يتجرّؤوا على توضيح أهدافه ما جرّهم إلى عدم خوض النضال الإيديولوجي الذى أرادوا تجنبه وهو ما جرّ بعض القوى الديمقراطية الأكثر بلاهة أو الأكثر طيبة إلى خارج كتلتهم.
فى نهاية التحليل ، الغيفارية لم تكن و ليست طريقة مغايرة لخوض الحرب .بل هي إستراتيجيا مناقضة لحرب الشعب و أكثر من ذلك متعارضة مع نوع الثورة الضرورية فى الأمم المضطهدَة .

لخّص" بيان الحركة الأممية الثورية " كلاّ من مضمون هذه الثورة و علاقتها بإسترتيجيا حرب الشعب فى المستعمرات و أشباه المتعمرات:
" فى هذه البلدان تمثل الإمبريالية الأجنبية و كذلك البرجوازية البيروقراطية "والكمبرادورية " و الإقطاعيون- بإعتبار الطبقتين الأخيرتين طبقات تابعة و مرتبطة بقوة بالإمبريالية- مرمى الثورة (هدفها ). و تعبر الثورة فى هذه البلدان مرحلتين : ثورة أولى هي الثورة الديمقراطية الجديدة التى تؤدي مباشرة فيما بعد إلى ثورة ثانية هي الثورة الإشتراكية . و طبيعة و هدف و مهام المرحلة الأولى من الثورةتخوّل للبروليتاريا وتقتضى منها إقامة جبهة واسعة متحدة تجمع كل الطبقات و الشرائح الإجتماعية التي يمكن كسبها لمساندة برنامج الديمقراطية الجديدة .و مع ذلك ، فإن البروليتاريا تسعى إلى بناء هذه الجبهة المتحدة بما يتفق مع مبدأ تطوير و دعم قواها الذاتية المستقلة وهو ما يستتبع مثلا أنه على البروليتاريا أن تكون لها قواتها المسلحة الخاصة متى حتمت الظروف ذلك و أنه عليها أن تفرض دورها القيادي تجاه قطاعات الجماهير الثورية خاصة تجاه الفلاحين الفقراء. و يتخذ هذا التحالف كمحور أساسي له تحالف العمال مع الفلاحين كما يجب أن تحتل الثورة الزراعية (أي النضال ضد الإستغلال شبه الإقطاعي فى الريف و /أو شعار " الأرض لمن يفلحها") مكانة مركزية فى برنامج الديمقراطية الجديدة .

فى هذه البلدان ، تتعرض البروليتاريا و الجماهير إلى إستغلال قاس وتمارس ضدها بإستمرار الإهانات الراجعة إلى الهيمنة الإمبريالية وتكرّس الطبقات المسيطرة دكتاتوريتها عامة بصورة مباشرة و عنيفة و تكون هذه الدكتاتورية مقنعة بالكاد حتى حينما تستعمل هذه الطبقات شكل النظام الديمقراطي البرجوازي أو البرلماني . و كثيرا ما تدفع هذه الوضعية البروليتاريا و الفلاحين و قطاعات جماهيرية أخرى إلى خوض نضالات ثورية و تتخذ هذه النضالات فى عديد الأحيان شكل النضالات المسلحة . ولكل هذه الأسباب ( بما فى ذلك واقع أن التطور المشوّه و غير المتوازن أبدا يخلق صعوبات جمّة للطبقات الرجعية التى تجد صعوبة فى الحفاظ على إستقرار أنظمتها و فى توطيد سلطتها فى كل أنحاء البلاد و أرجاءها ) كثيرا ما تتخذ الثورة شكل الحرب الثورية الطويلة الأمد تتمكن من خلالها القوى الثورية من النجاح فى إقامة شكل من أشكال قواعد الإرتكاز فى الريف و فى تطبيق الإستراتيجية الأساسية المتمثلة فى محاصرة المدن إنطلاقا من الريف . " ( "بيان الحركة الأممية الثورية " لسنة 1984، فقرة "المهام فى المستعمرات...")

و مع ذلك فإنّ الغيفارية تجعل من الإبتعاد عن إستنهاض الفلاحين مبدأ و تنظر بإستهزاء إلى القدرة القتالية للبروليتاريا و ما التحالف الطبقي الذى تبحث عن عقده و الذى تعوّل عليه إلاّ ذلك الذى يتمثّل فى الذين يتحرّكون تحت راية التحريفية و البرجوازيين الديمقراطيين الراديكاليين. لم يقم الغيفاريون بالثورة الزراعية فى الريف و لم يدفعوا بالبروليتاريا إلى الصراع حول المسائل الحيوية الملحّة من أجل تطويرها إلى طبقة قيادية، بل خطّطوا عوضا عن ذلك للصعود السريع إلى السلطة و إفتكاك مقاليد قطاع الدولة (الرأسمالي) بإسم الشعب و بسرعة .

أممية الغيفاريين تتمثّل فى نداء الطموحات الثورية للجماهير لإستعمالها فقط كقاذفة مدفعية إلى جانب السوفيات فى إطار الصراع بين الكتلتين ( فى حال غيفارا ذاته ، كان الهدف هو بناء حركة ثورية إنطلاقا من وجهة النظر الضيقة للمصالح الكوبية). إنّ الثورة التى يعد بها خطّ غيفارا /دوبريه ليست ثورة بتاتا ،وهي ليست كذلك على الأقلّ بمعنى التغيير الجوهري للعلاقات الإجتماعية و إنّما هي على الأرجح إقرار بعض الإصلاحات فى ظلّ الرعاية السوفياتية ،و فى سياق كلّ هذا تُنكر مهام الطليعة ذاتها فى قيادة الجماهير لإعادة تشكيل كلّي للمجتمع لا للإطاحة بالرأسماليين فحسب بل كذلك للتقدّم نحو مواصلة الثورة فى ظلّ دكتاتورية البروليتاريا و الإنتقال إلى الشيوعية ؛ تُنكر هذه المهام لتعوّض بإرادة مجموعة صغيرة مستندة إلى قوّة إمبريالية عظمى.

نهاية المغامرة البوليفية :

لقد وجدت نظرية غيفارا - دوبريه-كاسترو تعبيراتها فى بوليفيا بعد مدّة قصيرة من نشر كتاب "ثورة داخل الثورة " فقد شرع سنة 1966 جمع من المتعاطفين البوليفيين مع الخطّ الغيفاري فى تركيز قاعدة أنصارية فى المنطقة الجبلية من البلاد، وفى نهاية تلك السنة وصل غيفارا مع عدد من أعضاء الحزب الشيوعي الكوبي إلى بوليفيا. و قد كان المخطّط العاجل ضمّ البوليفيين إلى القوة و تدريب أرجنتينيين و بيروفيين عبر ممارسة المعركة لتشكيل مجموعات فوكو/بؤر غوارية فى بلدانهم. و كانوا يأملون تطوير إنتفاضة فى بوليفيا و إلى درجة معيّنة التحوّل من هناك فيما بعد إلى البلدان المجاورة.
كما هو معلوم، كان المشروع تقريبا كارثة بأتمّ معنى الكلمة فقد هزمت بؤرة الأنصاريين بعد ستّة أشهر فى الميدان و تمّ إقتفاء أثرها و سحقها الجنود البوليفيون المدرّبون و الذين تمتّعوا بقيادة السي ىي آي و ذلك بعد خوض معركة واحدة. كان الفوكو مشغولا بصراع حادّ من أجل الغذاء و الملجإ .و فى شهر فيفري كان غيفارا يلاحظ بمرارة و كآبة فى مذكّراته الصراعات من أجل الغذاء فى القاعدة كما تراجعت همّة بعض الرجال المعروفين من الحزب الشيوعي الكوبي ،و لا تذكر مذكرات غيفارا تقريبا أي نقاش أو تربية سياسية داخل الفوكو و كذلك لا ذكر لأدنى فكر سياسي خلال الحملة.

وفى شهر أفريل ، رأى دوبريه الذى كان مع الفوكو أنّه من الأفضل التخلّى عن الفيالق و الذهاب إلى أوروبا لتنظيم المساندة ، فأوقف تقريبا فى الحال. و على ما يبدو قدّم ،هو الذى كان ينعت بمرح الثوريين ب"الخونة"، معلومات مفيدة للسلط حول طبيعة الفوكو ( لقد كان الفرنسي يتحدّث أكثر ممّا يجب ،هذا ما أشار إليه غيفارا فى مذكّراته).
فى جوان ، كانت بوليفيا تشهد أزمة سياسية إذ أضرب عمّال المناجم القاطنين مدن الصفيح و فى 24 جوان تدخّل الجيش وإحتلّ المناجم و خلّف الصراع المنجرّ عن ذلك ما يناهز المئة قتيل فى صفوف المنجميين و دخلت بوليفيا فى إضطراب خاصة فى المدن و المركبات الجامعية. و فى بيان موجّه للمنجميين إعتبر غيفارا عمل الجيش "إنتصارا تاما" و دعا إلى الإلتحاق بالفوكو ،و لعلّه لم يكن خطأ إصدار هذا البيان بإعتبار أن جيش الأنصاريين لحظتها كان تحت قيادة توجّه و خطّ صحيحين بالأساس فى صراعاته. لكن ما كان يفتقر إليه هو فهم كيفية إستغلال الأزمة السياسية العاصفة بالحكومة البوليفية و كيفيّة التقدّم و تغيير ما أفرزته حركة الجماهير إلى حركة ثورية. فرغم التعاطف الواسع مع الفوكو بقيت الإنتفاضة و بقي الفوكو ذاته على ضفتين مختلفتين فلم يلتحق به أي بوليفي .

خلال الصائفة ، تشتّت الفوكو جراء المرض و الفرار و الموت و الحوادث أو جراء نار العدوّ و فى أكتوبر وقع إيقاف غيفارا ثمّ قتله فى كستودى بإشراف واضح لرجل من السي آي آي .
لا تؤّكد هذه الهزيمة فعليا أن خطّ غيفارا كان خاطئا فى الأساس إذ لا يمكن الحكم على أيّة نظرية سياسية بالإزدهار أو الإنهيار إنطلاقا من تجربة عملية واحدة . و إضافة إلى ذلك من السهل القول إنّ بوليفيا لا تمثّل أحسن مثال للغيفارية و على المرء أن ينظر إلى كوبا عوض بوليفيا . و إذا كان ذلك صحيحا فإنّ التجربة البوليفية تنطوي على بعض الدروس الهامة و اولها يبيّن أنّ نظرة غيفارا للحرب الإنتفاضية تقوم على العلاقات المخادعة التى كان يحاول إقامتها مع الحزب الشيوعي التحريفي و فى النهاية مع الإتحاد السوفياتي.

لم يعلم الكوبيون الحزب الشيوعي البوليفي بأنّ غيفارا ذاته سينزل ببوليفيا ليقود حركة تحرّر وطني و تحدّث كاسترو فى بداية 1966 عندما إلتقى مع قائد الحزب ماريو مونخى عن آفاق نضال تحرّر وطني و اعطاه 25 ألف دولار مقابل وعد عام بإقامة التحضيرات لذلك. و كانت نيّة الكوبيين ( كاسترو) شراء موافقة مونخى لتقديم نوع من شبكة المساندة و السماح للكوادر بالإلتحاق بالأنصاريين. و حين أعلم قائد الحزب مونخى رسميا بحضور غيفارا خلال لقاء السنة الجديدة فى معسكر الأنصار سنة 1967 ، رفض التعاون مشترطا على غيفارا أن تكون القيادة للحزب الشيوعي البوليفي و لعدم حصوله على هذا السند ما عاد لغيفارا أي مكان البتّة إليه يتوجّه.( 11).

أمّا النقطة الثانية و المرتبطة بالأولى فتتعلّق بالنظرة الغيفارية للجماهير. فقد دخل غيفارا بوليفيا فى نوفمبر 1966 للشروع فى التحضيرات المباشرة لحرب الأنصار إلاّ أنّه إرتأى فى هذا التحضير التعرّف على جغرافيا المكان و حفر الخنادق و إعداد المخابئ و السير لمسافات طويلة إلخ. و لم تقع أية دراسة حقيقية لبوليفيا كما لم يجر تحليل طبقي ولو أوّلي. كانت الجماهير غائبة تماما من حساباته إلى درجة أنّ الدروس الأوّلية نفسها المعطاة للأنصاريين بلغة الكتشوا كانت غير نافعة بل ربّما كان هنود المنطقة يتكلّمون لغة مختلفة كلّيا عن الكتشوا . و إن لم تكن الأرضية دون أهمّية فالرئيسي ( كما اشار ماو تسى تونغ فى عديد المناسبات و كما تشهد عليه التجربة الكوبية ذاتها ) هو الطابع السياسي للمكان و درجة وعي الجماهير و تجربتها فى النضال و الإستقرار السياسي للحكّام المحلّيين و عدّة عوامل مماثلة أخرى، و مثلما حدث فإنّ المكان تكشّف غير مناسب عسكريا للأنصاريين و هذا فى حدّ ذاته شاهد مرير على مشاكل نظرة عسكرية بحتة للثورة و شاهد مرير حتى على المسائل العسكرية ذاتها.

فى ضوء ما تقدّم، إنّ الذين يتتبّعون الآثار الملموسة تقريبا للإكتئاب فى مذكرات غيفارا لإخفاقه فى جذب الجماهير إنما هم بصدد قراءة تأويلاتهم الخاصة للأشياء . و تبعا للمذكرات كانت العناية مركّزة أكثر على تراجع همّة الفيالق، فالجماهير بالكاد ذكرت و مع إتضاح نجاح مونخى فى قطع السند ، بات النقص الشامل فى القيادة و الإندفاع يتأكّد فى كتابات غيفارا.

تشير هذه النقاط إلى إختلاف جوهري بين فشل غيفارا فى بوليفيا و المحاولات الحقيقية لتطوير حرب الشعب فى تلك الفترة و التى ستمنى العديد منها بالفشل أيضا. و على خلاف غيفارا، كانت القوى الأخرى تتّجه رأسا ضد التحريفية -إيديولوجيا و سياسيا وتنظيميا و (عادة عسكريا) و تحاول قيادة الجماهير نحو القيام بثورة تناهض كلا الكتلتين الإمبرياليتين فى حين علّق غيفارا مثلما وقعت الإشارة إلى ذلك ، أهمّية على إستعمال الحركات الثورية لدفع السوفيات نحو إتخاذ موقف أكثر ثورية أو عداوة إزاء الإمبريالية الأمريكية ، و كانت خلافاته مع السوفيات تكتيكية . و فى غالب الأحيان كانت القوى الماركسية-اللينينية الحقيقية على عكس ذلك تماما، فقد رفعت السلاح لتطيح بكلّ الإمبريالية مهما كان غطاؤها السياسي.

و علاوة على هذا ، - فى تضارب واضح مع غيفارا- إستنهضت هذه المحاولات الأصيلة الشعب رافعة من وعيه السياسي وموجّهة إياه صوب الشروع فى إجتثاث جذور العلاقات الرجعية المتغلغلة و الناجمة عن الهيمنة الإمبريالية، فالجماهير توحّدت و تنظّمت لتعي المرحلة السياسية و ضرورة أن تكون البنادق مرفوعة . و لكلّ هذه الأسباب و مهما كانت نتائجها تصنّف المحاولات الماوية لخوض حرب الشعب فى تلك الفترة مغايرة نوعيا لمغامرة تشى غيفارا حتى فى بوليفيا . و يشير "بيان الحركة الأممية الثورية" إلى أنّ :
" و تمكنت القوى الماركسية -اللينينية - الماوية ، فى عديد البلدان ، من تجميع جزء معتبر من السكان تحت راية الثورة و من تأمين إنقاذ الحزب الماركسي -اللينيني- الماوي و القوات المسلحة الشعبية رغم قمع رجعي دموي . وطبعت هذه المحاولات الأولى لبناء أحزاب ماركسية-لينينية- ماوية جديدة و شنّ الكفاح المسلح بالضرورة بصبغة بدائية معيّنة مبرزة لبعض النواقص الإيديولوجية و السياسية و من البديهي أن لا غرابة فى أن الإمبرياليين و التحريفيين قد قفزوا على هذه الأخطاء و النواقص من أجل إدانة الثوريين ناعتينهم ب"اليساريين" أو أنكى . و مع ذلك تستحق هذه المبادرات عامة الدفاع عنها بإعتبارها عناصر هامة من إرث الحركة الماركسية -اللينينية- الماوية ساعدت على وضع أسس تقدم لاحق."
( "بيان الحركة الأممية الثورية " لسنة1984 ، فقرة "المهام فى المستعمرات...") .

و راقب السوفيات فشل غيفارا دون تعليق فى الوقت الذى دفعوا فيه أحزابا تحت هيمنتهم إلى الصراخ و العويل ( فالمجريون مثلا نعتوا ما وقع ب"الحزين") . ذلك أنّ موت غيفارا جلب إليهم عدّة منافع و عزّز الأحزاب ذات الخطّ التحريفي القديم من جهة و من جهة أخرى ،و إثر ما حدث ببوليفيا يجب الإشارة إلى أنّ إستراتيجيا السوفيات فى "الإلتزام التاريخي" صارت فى الواجهة فى أمريكا اللاتينية ، فقد كان السوفيات يسعون لكسب أماكن فى دول مجال تأثير الولايات المتحدة عبر الدخولفى تحالفات مع الحكومات القائمة و إعانتها . و قد كسب السوفيات من إنقلاب 1969 بالبيرو عبر ربط علاقات هامّة بالجيش و من إنتخاب سلفادور آلندي فى الشيلي سنة 1970 الذى إمتاز بمشاركة و مناورات الحزب الشيوعي الشيلي فى الحكومة الجديدة؛ التى لقيت تشجيعا على أنّها نماذج جديدة لأمريكا اللاتيتنية و لكن نماذج لمن؟ و الجواب لمن هم دون مشروع كاسترو ذاته.

أمّا بالنسبة لكاسترو فإنّ رؤيته حقيقة ما آل إليه غيفارا مسألة تظلّ مطروحة .و يرى البعض أنّه ساعد غيفارا وتوقّع فشله منذ إعلان وجود غيفارا فى بوليفيا رغم أنّ هذا الأخير على ما يبدو كان يعتقد ( فى مذكّراته) أنّ ما قام به يدخل ضمن مخطّطات سابقة. و من الممكن أيضا أن يكون كاسترو شعر مبكّرا بانّ مخطّط غيفارا سينتهى إلى فشل و لم ير سببا لتعريض كوبا لخطر ردّ فعل عسكري أمريكي أو ردّ فعل منظّمة الأولاس . و مهما يكن من أمر فإنّ الفشل فى بوليفيا قد مثّل نهاية الإنتفاضة الوجيزة لكاسترو ضد السوفيات فمع 1968 كان القائد الكوبي يرحّب بغزو السوفيات لتشيكوزلوفاكيا و فى 1969 كانت كوبا تشارك فى الندوات الهامة المعادية للصين،و فى 1971- عقب الفشل الذريع لمشروع العشر ملايين طن- ، صارالسوفيات يتحكّمون فى الهيكلة الإقتصادية و السياسية الكوبية.

و يمكن للجماهير الثورية أن تستخلص إستنتاجا واحدا ووحيدا هو أنّه لا مجال للتخلّى عن النضال المسلّح لأنّ فرص مثل هذا النضال تفتح أبوابها عريضة و ستغدو أكبر على نطاق لم يسبق له مثيل فى قادم السنوات،و لا بدّ أيضا من القطع مع الطرق السريعة الوهمية المرتبطة بالتحريفية لأنّ مثل هذه الطرق السريعة لا تؤدّى إلاّ إلى هيمنة إمبريالية متجدّدة و متشكّلة من جديد و لكنّها تظلّ جوهريا متشابهة ، هذا هو الدرس العميق المستخلص من الغيفارية. /.
===============================================
الهوامش :

1- تشخيص متداول لدي مثقفين برجوازيين فى فترة 66/70 فى كوبا (فترة ماو- غيفارا) أو الكتابات الثورية لجورج جاكسن الذى يشير إلى أنّ الذين قرؤوا ماو ، تشى و فانون" كعتاصر ثورية ضمن المسجونين.
2- لم يعد دوبريه طبعا يدافع عن المواقف التى صاغها فى كتابه ،و مع ذلك فبما أنّه العرض أل:ثر تركيزا و الأكثر تأثيرا للغايفارية ، فإنّ جزءا كبيرا من النقاش سيأخذ بالضرورة عديد المواقف فى كتبه "ثورة داخل الثورة" بصورة خاصة. و نشير إشارة عابرة إلى أنّ السيد دوبريه يُستعمل الآن عادة كوجه هام فى نظام ميتران. فقد سافر أخيرا إلى نيكارغوا ليشير بإسم ميتران إلى "تجاوزات الحكومة الساندينية للسيرورة الديمقراطية" والكتاب الأخير لدوبريه هو إحتفال بالدور التقدّمي للقومية الفرنسية فى العالم.
3- فى مكان آخر يشير دوبريه عرضا إلى حركة الفلاحين الكلومبيين خلال القمع الدموي للحرب الأهلية فى أواخر الأربعينات و بداية الخمسينات و يلمح فى نقطة اخرى إلى إنتفاضة الهنود الأصليين ضد الإسبانيين فى البيرو بقيادة توباك آمارو لكن حتّى هذه الأمثلة ذاتها كانت قدّمت بصفة إحادية الجانب لبيان عدم توافقها مع حرب الفلاحين للتحرير فى أمريكا بما أنّها لم تتوصّل هي ذاتها بديهيا للتحرير.

4- أدّت هذه التغييرات بالبعض - بمن فيهم الغيفاريين الجدد اليوم - إلى إدّعاء أنّ الفلاحة الآن تقريبا كلّيا رأسمالية فى أمريكا اللاتينية. و يوظّفون هذا كحجّة أخرى ضد الحرب الثورية المعتمدة على الفلاحين. لم يلتجأ لا غيفارا و لا دبوريه إلى هذه الحجّة الخاصة رغم أنّه يمكن العثورة على بصمات لها فى كتاب دبوريه. و يبرز الطابع اليمني لهذا الخطّ عند ربطه إنكار العلاقات الإقطاعية / شبه الإقطاعية بالمعارضة التامة للحرب الثورية للجماهير فى بلاد حيث تخوضها؛ أنظروا مثلا "الديمقراطية الرأسمالية فى البيرو" لتبراس ، و مورولي و هانتس فى "مجلّة اليسار الجديد" عدد 142، فيه يهاجم الكتّاب النضال المسلّح بقيادة الحزب الشيوعي البيروفي على أنّه "يقطع الفرص على اليسار و ربّما يفضى إلى هجوم عسكري بغض النظر عن الإحتقار الشعبي للقوات المسلّحة".

5- المثالية الموضوعية تدافع عن أنّ أفكار ومعتقدات الأشخاص تخلق الواقع المادي أو بصفة أعمّ تحدّد طابع ذلك الواقع أكثر من العكس. و بينما تلعب الأفكار دورا كبيرا و يمكن أن تتحوّل إلى قوّة مادية جبّارة نفإنّ هذا يعتمد على مدى عكسها للواقع الموضوعي و إدراك قوانين الحركة و التطوّر الكامنين فيه.
6- و اليوم فى امريكا اللاتينية ، يشاهد التحريفيون متقدّمين أو متموقعين بهدف المفاوضات لأجل إقتسام السلطة مع مختلف الحكومات الإستعمارية الجديدة المرتبطة بالولايات المتحدة.
7- بالكاد كانت هذه القوى موازية فى موقفها و رؤيتها لحركة 25 جويلية فى كوبا كما سبق وصفها.

8- لنكن واضحين ، لا نتّفق مع نقد غيفارا على أنّ سبب فشله و عرقلة محاولته دفع إنتفاضة هنا يعزى لكونه لم يكن بوليفيا. كان هذا النقد ردّا "بصفة غير رسمية من بعض العناصر اليمينية فى الصين و التى ذهبت إلى حدّ إتهامه ب "تصدير الثورة" !. إنّ الثورة البروليتارية ثورة عالمية و على الثوريين أن يعملوا فى كلّ الحالات إنطلاقا من هذا الأفق و أن يقوموا بمساهمتهم حيث سيكون لها أكبر تأثير و صلوحية أممية ،و لا نرى أي خطإ بالتأكيد فى "تصدير الثورة" ( طالما مثلما أشار بوب آفاكيان ، أنّ هناك من يستوردها، فالمسألة عند غيفارا تطرح إنطلاقا من طبيعة البديل و ليس إنطلاقا من الأممية و إنّ ما جعله أخيرا شهيرا يعود إلى الأفق المخفي الذى قاده ألا وهو المصلحة الوطنية للدولة الكوبية.

9- يهاجم جوبريه أيضا فكرة يدافع عنها ضمن آخرون الفوضويون و التروتسكيون وهي أنّ الثورة يمكن القيام بها بالإعتماد على العمليات المسلّحة للدفاع عن الذات من قبل الجماهير كنقطة إنطلاق للثورة و مثال حركة من هذه الحركات إفتكاك عمّال مناجم الصفيح للمناجم فى بداية الثورة البوليفية سنة 1952 ( وكذلك لفترة إثر الثورة و خيانتها). بحقد عبّر دوبريه عن أنّ هذا الإتباع للعفوية لا يمكن إلاّ أن يفضي إلى الهزيمة و أنّ جيشا فعليا يجب أن يتكوّن للقيام بالثورة و أنّ ما يرمى إليه من دفع العمّال فى إنتفاضتهم لوحدهم ضد بنادق الدولة هو عموما إضعاف عميق للمعنويات .و مع ذلك ما تجنبه دوبريه هو نقاش كيف يمكن إستغلال هذه الإنتفاضة من قبل حركة ثورية حقيقية ،و مهما يكن فإنّ هذا يمثّل عنصرا ثانويا فى كتاب دوبريه و ليس وثيق الصّلة بهذه النقاط الساسية موضوع النقاش هنا.

10- شرع السوفيات فى مثل هذا الضغط سنة 1968 عندما قلّصوا من السلع المشحونة بالسفن من الزيت الموعود إلى كوبا،و فى نفس القت رفعوا كمية السلع المشحونة إلى البرزيل و التشيلي،و شهدت هذه الفترة شروع كاسترو فى التراجع إلى طريق "الجادة" التى إنتهت بع إلى رعياة (هيمنة) السوفيات للإقتصاد الكوبي خلال أزمة العشر ملايين طن و تحوّل بذلك كاسترو من المنشقّ من النوع خاص إلى نوع التحريفية السوفياتية القائمة.

11- تمثّل ممارسة الحزب الشيوعي البوليفي أثناء هذه العملية عرضا لأكثر الطرق الأرتودكسية تحريفية فمونخى ذاته يقال عنه إنّه إعترض بعض عناصر مجموعة شبابية تعمل مع فيالق الأنصاريين فى محطّة حافلات و هدّدها أن يشي بها إلى الشرطة إذا إقتربت من الحافلة .قال باقوا ، ريتشرد هاريس،( وهو كاتب متعاطف بصفة خاصة مع غيفارا ) فى كتابه : "موت ثائر " إنّ عديد الكوادر الوسط فى الحزب الشيوعي حاولت أن تبيع معلومات عن وجود غيفارا إلى السي آي آي ،و بالفعل قدّمت معلومات ذات قيمة حول عملية أنصارية بما فى ذلك الحجم الصحيح و المكوّنات و الإستراتيجيا و منابع الإسناد. و أصبغ هاريس كذلك المصداقية على ما نقله جورج كولى ، قائد سامى من الحزب الشيوعي الذى كان له أخ فى قيادة القوات الجوية البوليفية إستعمل ك"رابط بين النظام البوليفي وواشنطن من جهة و الشيوعيين الأرتودكسيين و موسكو من جهة ثانية ( هاريس 1970، صفحة 162) ، من أنّ الحزب الشيوعي البوليفي لم يعارض الغيفارية بصفة مفتوحة و لكنّه كان يمارس تجاهها سياسية قطع السند بصمت. /.

References
Bonachea, Rolando E. and Nelson P. Vaidés, eds. 1969. Che: Selected Works of Ernesto Guevara. Cambridge, MA.: MIT Press.
Debray, Régis. 1967. Revolution in the Revolution? New York: Grove Press.
Dominguez, Jorge I. 1978. Cuba: Order and Revolution. Carnbridge: Harvard University Press.
Harris, Richard. 1970. Death of a Revolutionary. New York: W.W. Norton.
Huberman, Leo and Paul M. Sweezey, eds. 1967. Régis Debray and the Latin American Revolution, A Collection of Essays. New York and London: Monthly Review Press.
Lenin, V.I. 1970. Karl Marx. Peking: Foreign Languages Press. Originally published in 1914.
________. 1975. What is to be Done? Peking: Foreign Languages Press. Originally published in 1902.
Mao Tsetung. 1967. “The Chinese Revolution and the Chinese Communist Party.” Selected Works, in five volumes. Peking: Foreign Languages Press. (Volumes 1-4, 1967; volume 5, 1977.) Originally published in 1939.
________. 1971. “Where Do Correct Ideas Come From?”, Selected Readings. Peking: Foreign Languages Press. Originally published in 1963.
Revolutionary Communist Party, USA. 1983. Cuba: The Evaporation of a Myth. Chicago: RCP Publications. Third printing.
Revolutionary Communist Party of Chile and the Revolutionary Communist Party,USA. 1981. Basic Principles for the Unity of Marxist-Leninists and for the Line of the International Communist Movement. Available from RCP Publications, Chicago.
Revolutionary Internationalist Movement. 1984. Declaration of the Revolutionary Internationalist Movement. Available from RCP Publications, Chicago.

Bibliography
Avakian, Bob. 1979. Mao Tsetung‟s Immortal Contributions. Chicago: RCP Publications.
________. 1981. Conquer the World? The International Proletariat Must and Will. Published as special issue number 50 of Revolution magazine. Chicago: RCP Publications.
________. 1982. If There is to be a Revolution, There Must be a Revolutionary Party. Chicago: RCP Publications.
Castro, Fidel. n.d. History Will Absolve Me. New York: Center for Cuban Studies.
Communist Party of Peru. 1984. Develop Guerrilla Warfare. Berkeley: Committee to Support the Revolution in Peru.
Guevara, Che. 1967, Guerrilla Warfare. New York and London: Monthly Review Press.
________. 1968. The Complete Bolivian Diaries. Daniel James, ed. New York: Stein and Day.
Gott, Richard. 1971. Guerrilla Movements in Latin America. Garden City, N.Y.: Doubleday.
Karol, K.S. 1970. Guerrillas in Power. New York: Hill & Wang.
Lévesque, Jacques. 1978. The USSR and the Cuban Revolution. New York: Preager.
Lin Piao. 1965. Long Live the Victory of People‟s War. Peking: Foreign Languages Press.
Mao Tsetung. 1972. Selected Military Writings. Peking: Foreign Languages Press.
Mesa-Lago, Carmelo and Cole Blasier, eds. 1979. Cuba in the World. Pittsburgh: University of Pittsburgh Press.
Palacios, Jorge. 1979. Chile: An Attempt at Historic Compromise. Chicago: Banner Press.
Silverman, Bertram, ed. 1971. Man and Socialism in Cuba. New York: Atheneum.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,515,781,551
- الإمبريالية و السيدا / الأيدز فى أفريقيا( مقتطف من كتاب - عا ...
- بيع النساء : تجارة البشر العالمية ( مقتطف من كتاب - عالم آخر ...
- من تجارب دكتاتورية البروليتاريا بصدد تحرير المرأة (التجربة ا ...
- هدف الماركسية هو الشيوعية ( مقتطف من كتاب - عالم آخر، أفضل ض ...
- الرأسمالية ، البيئة و حماية البيئة فى ظل الإشتراكية ( مقتطف ...
- حقيقة الحرس الأحمر( مقتطف من كتاب- الثورة الماوية فى الصين: ...
- شهادات حيّة عن الحياة فى ظلّ صين ماو الإشتراكية (الفصل الثان ...
- حقيقة التيبت : من الدالاي لاما إلى الثورة ( مقتطف من كتاب- ا ...
- الوجه الحقيقي لل-معجزة الصينية - (مقتطف من كتاب- الثورة الما ...
- حول تلخيص الحركة الشيوعية النيبالية ( مقتطف من كتاب – لندرس ...
- الحركة الشيوعية العالمية و دروسها التاريخية( مقتطف من كتاب- ...
- ما هي الشيوعية ؟ ما هو تاريخها الحقيقي؟ ما هي علاقتها بعالم ...
- أساس الاقتصاد السياسي لحرب الشعب فى النيبال( من كتاب – لندرس ...
- الماركسية-اللينينية-الماوية :من وثائق أحزاب شيوعية ماوية( ال ...
- الحركة الأممية الثورية : بيان سنة 1984 و بيان سنة 1993( الفص ...
- مشاركة النساء فى حرب الشعب الماوية فى النيبال (الفصل الثالث ...
- لنكسر القيود ، لنطلق غضب النساء كقوّة جباّرة من أجل الثورة ! ...
- الثورة البروليتارية و تحرير النساء (الفصل الخامس من كتاب - ت ...
- الإعداد للثورة الشيوعية مستحيل دون النضال ضد إضطهاد المرأة! ...
- تشانغ تشنغ : الطموحات الثورية لقائدة شيوعية ( الفصل الثاني م ...


المزيد.....




- القومي والتقدمي يحييان اليوم العالمي للديمقراطية:ويدعوان للخ ...
- كيف يمكن أن نشرح للعونيين من هي سهى بشارة؟
- #لكل_عميل_سهى
- كلمة الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني حنا غريب في الذكرى ...
- محمد علي.. مصارعة فردانية مع السلطة
- تعريف الشخص
- PDF
- العنوان الفرعي
- عدد الاشتراكي
- مواضيع ذات صلة


المزيد.....

- ملخص لكتاب فريدريك انجلز-أصل العائلة و الملكية الخاصة و الدو ... / عمر الماوي
- رأس المال: الفصل الثاني – عملية التبادل / كارل ماركس
- من تجلّيات تحريفية حزب العمّال التونسي و إصلاحيّته في كتاب ا ... / ناظم الماوي
- خمسة أسباب تجعل الثورة الاشتراكية ضرورة / بينوا تانغواي
- لوكسمبورغ، لينين والكومنترن / هيلين سكوت
- الدروس الثورية لكتاب لينين -ما العمل؟- / روب سويل
- منذ 30 عاما، سقوط جدار برلين / المناضل-ة
- بناء الحزب الماركسي اللينيني المغربي من منظور منظمة -إلى ال ... / امال الحسين
- تحول البنية المالية للرأسمالية المغربية / عبد اللطيف زروال
- الأسس الفكرية للانتهازية الثورية والإصلاحية الوسطية / هيفاء أحمد الجندي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - شادي الشماوي - غيفارا ، دوبريه و التحريفية المسلّحة_ ليني وولف