أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالخالق حسين - نقد أم تصفية حسابات؟ (رداً على الدكتور كاظم حبيب)















المزيد.....



نقد أم تصفية حسابات؟ (رداً على الدكتور كاظم حبيب)


عبدالخالق حسين

الحوار المتمدن-العدد: 3324 - 2011 / 4 / 2 - 14:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


النقد أساس التقدم- ماركس.
لا شك أن الحوارات الفكرية والسياسية هي إحدى الوسائل التي يستخدمها المثقفون للوصول إلى الحقيقة، ودليل على حيوية المجتمع والحراك السياسي والاجتماعي، فالمجتمعات التي لا يثار فيها الجدال، هي مجتمعات راكدة كالمستنقعات الراكدة الآسنة.

لذلك يحتد الجدال في المجتمعات التي تمر في فترة التحولات الاجتماعية والسياسية العاصفة، كالمرحلة الراهنة التي يمر بها العراق خاصة، والعالم العربي عامة. وكوني أخوض في الشأن العام، فلا بد من حصول اختلاف في الرأي بيني وبين الآخرين، وهذا الاختلاف يثير الجدال الذي يجب أن نرحب به، خاصة إذا كانت الغاية منه إزالة الغموض والوصول إلى الحقيقة التي هي نسبية على أي أحال.

وجاء التأكيد على أهمية النقاش الفكري من قبل الأستاذ الدكتور كاظم حبيب الذي نشر مقالة مطولة في خمس حلقات، يرد بها على مقالات لي نشرتها خلال الأسابيع الماضية، وقد استبشرت خيراً بمشروع حواره معي، خاصة وقد أكد في الأسطر الأولى من مقاله على " شرط أن يتسم الحوار بالهدوء والرصانة والموضوعية، والابتعاد عن الغمز واللمز أو التجريح." ولكن مع الأسف الشديد خيَّب ظني به، إذ لم يلتزم الأخ المحاور بهذا الشرط الذي وضعه بنفسه، فراح يكيل لي اتهامات ما أزل الله بها من سلطان، وبتشنج واضح، حيث اتهمني بالإدعاء باحتكار الحقيقة، وأن أسلوبي في مناقشة الآخرين تتسم "بطريقة هجومية استفزازية " واصفاً مقالي الموسوم (يسيرون إلى الهاوية وهم نيام) بسيئة الصيت! وقوله: "هل يحتاج الإنسان إلى تشريح مثل هذا المغالطة والمقارنة الفجة"
لا أعتقد أن هذا الأسلوب ".. يتسم بالهدوء والرصانة والموضوعية، والابتعاد عن الغمز واللمز أو التجريح."، وكنت أتمنى على الدكتور كاظم لو تجنب هذا الأسلوب التجريحي، إذ كما تفيد الحكمة: "لا تنهِ عن خلق وتأتِ مثله". إضافة إلى اعتماده أسلوب التحريض والتأليب، لا لشيء إلا لأني اختلفت معه في طريقة التعامل مع الأزمة العراقية الراهنة.

والغريب أن الدكتور حبيب نصب نفسه ناطقاً رسمياً باسم الشعب، فأعتبر نقدي له ولأمثاله هو هجوم على الشعب العراقي وأن عليّ أن أعتذر للشعب!! معتقداً أن الذين تظاهروا، ومنهم الغوغاء البعثيون الذين أحرقوا منشآت الدولة في الموصل والكوت والديوانية، هم يمثلون الشعب العراقي، ويجب عليَّ الاعتذار لهم، وبذلك فقد ساوى الدكتور حبيب بين الغوغاء والشعب، وهذا خطأ فضيع أوقع الدكتور نفسه فيه. وسوف أوضح ذلك في مقال آخر، ولكن يكفي أن أشير هنا ما قاله الراحل علي الوردي في هذا الصدد، أن الحكام الطغاة كانوا يعتبرون كل الشعب غوغاء، أما كتابنا اليوم فيعتبرون كل الغوغاء هم الشعب. صحيح أن الغوغاء هم من الشعب ولكنهم ليسوا كل الشعب ويجب التفريق بينهما.

أوليات النقاش!!
نشر الدكتور كاظم حبيب يوم 11/3/2011، وعلى مواقع الانترنت، مقالاً بعنوان (ماذا يراد للعراق) تضمن خبراً ملفقاً لا يصدقه العقل السليم، مفاده أن رئيس الوزراء السيد نوري المالكي أهدى أربع فرق عسكرية إلى الصدريين!!!! مقابل دعم الأخير له في السلطة. وكما تفيد الحكمة (حدِّث العاقل بما لا يليق، فإن صدق فلا عقل له). لذلك وبعد يومين، نشر الأستاذ محمد ضياء عيسى العقابي مقالاً بعنوان(ماذا يُراد للعراق يا كاظم حبيب؟!! )، ونشرت أنا مقالاً بعنوان: (حول "إهداء" أربع فرق عسكرية إلى الصدريين!! )
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=250588
طالبناه بتقديم الدليل على إدعائه. فرد علينا بمقالين مطولين، كل منهما في خمس حلقات، مجموع صفحاتها يقارب المائة!! ورغم كل هذا الإسهاب، لم يستطع أن يقدم لنا أي دليل معقول لدعم الخبر الذي ورد في مقاله المشار إليه في أعلاه، والذي كان ملفقاً من الأساس، وما أكثر التلفيق في هذا الزمان خاصة في عصر التكنولوجية المتطورة.
يبدو أن هناك بعض النصابين من أعداء العراق الجديد، استغلوا موقف الدكتور كاظم حبيب من المالكي، فبعثوا له هذا الخبر الملفق، والذي كان بمثابة طعم أو لغم، ومع الأسف الشديد، نجح النصابون في إيقاعه في المأزق، حيث صدقهم وقام بنشر الخبر على شكل مقال مختصر وعلى أوسع نطاق.

وفي نقاشه معي بعنوان: (نقاش فكري وسياسي مع السيد الدكتور عبد الخالق حسين) تطرق الدكتور حبيب إلى خمسة محاور، خصص لكل منها حلقة كاملة، وهي:
1 . ما الموقف من رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي؟
2 . ما الموقف من حكومة المحاصصة الطائفية وقضايا الفساد والمشكلات الاجتماعية والخدمات العامة ...الخ؟
3 . ما الموقف من الحريات العامة والتجاوزات الفظة عليها وأساسها الفكري والسياسي؟
4 . ما الموقف من المظاهرات الشعبية التي انطلقت يوم 25/2/2011.
5 . على ماذا برهنت مواقف المتظاهرين ومواقف الحكومة وأجهزة الأمن والقوات المسلحة العراقية؟

واستغل الكاتب هذه المناسبة، وقبلها خمسة حلقات في تعليقه على مقال للأخ الأستاذ العقابي، على أعادة الكثير من مقالاته السابقة التي خصصها في الهجوم على المالكي وحكومته، وتعليق كل مشاكل العراق عليه وحده، ولكن في نفس الوقت ترك لنفسه خط الرجعة إذ ذكر وبشكل عابر في الحلقة الأخيرة أن مشاكل العراق كثيرة لا يمكن لرئيس الوزراء، أياً كان حلها بعصا سحرية!!
كذلك لاحظت أنه لم يسمح بنشر أي تعليق ناقد له من قبل القراء على مقالاته في قسم التعقيبات على موقع (الحوار المتمدن)، ومنها تعليق الكاتب المتميز الأستاذ حسن حاتم المذكور، بل سمح فقط للتعليقات التي تكيل المديح له والشتائم لعبدالخالق حسين. وهذا لا يتسم مع الروح الديمقراطية واحترام الرأي الآخر المختلف. نعم أنا مع منع التعليقات المسيئة، ولكن لا أعتقد أن كاتباً محترماً مثل الأستاذ حسن حاتم المذكور كان يقصد الإساءة لأحد، فلماذا منع نشر تعليقه، مما اضطر على نشره على شكل مقال فيما بعد؟

لا أريد الخوض في كل ما جاء في حلقات مقالة الدكتور كاظم حبيب، لأني تطرقت إلى معظمه بشيء من التفصيل في مقالات سابقة، لذلك أكتفي هنا بردود موجزة، مع ذكر روابط مقالاتي السابقة التي تخص كل موضوع، لأضعها بين يدي القراء الكرام.

1- ما الموقف من رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ومن حكومته؟
معظم خصوم المالكي يعتقدون خطأً أني أدافع عنه وعن حكومته، بينما الحقيقة أني أختلف عنهم فقط في أسلوب التعاطي مع الأزمة العراقية. أنا أترفع عن المشاركة في حملة التحريض والتسقيط، والتخوين وتشويه السمعة، وإلقاء جميع كوارث العراق المتراكمة عبر قرون على رأس شخص واحد من سوء حظه أن وضعته الأقدار في موقع رئاسة الحكومة. وهذا العداء ضد رئيس الحكومة ليس جديداً أو خاصاً بمعارضة السيد نوري المالكي، بل هو جزء من الموروث الاجتماعي العراقي منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وإلى اليوم، ولم يسلم منها حتى أنظف إنسان تورط في حكم العراق مثل، الزعيم عبدالكريم قاسم، ورغم تمتعه بأوسع شعبية في تاريخ العراق، فهاجموه وقتلوه مع رفاقه الأبرار ولم يتركوا له حتى قبراً يحتضن جسده الممزق بالرصاص. لذلك أنا أعتقد أنه آن الأوان للعراقيين أن يتخلوا عن ثقافة العنف، ويعملوا على إصلاح ما تحقق بدلاً من تدميره، إذ هناك جبال من المشاكل المتراكمة الموروثة، ولا يمكن مطلقاً حلها بعصا سحرية بين يوم وليلة. وللمزيد عن موقفي من السيد نوري المالكي أرجو قراءة مقالي الموسوم: هل من بديل للمالكي؟
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=224825

2 . ما الموقف من حكومة المحاصصة الطائفية وقضايا الفساد والمشكلات الاجتماعية والخدمات العامة؟
لقد أشبعتُ موضوع حكومة الشراكة أو المحاصصة نقاشات مطولة في عدة مقالات سابقة لي، ولكن مع الأسف وقع كلامي على أذن صماء. وخلاصة القول أن ما يسمونه (محاصصة طائفية وعرقية) هو (مشاركة وطنية)، وهي مفروضة على العراق بحكم التعددية القومية والمذهبية لمكونات الشعب، وتوزيعها جغرافياً، ولتراكمات الماضي من مظالم، وتشكيل الأحزاب على هذه الأسس.

يقول الدكتور حبيب: "يرفض المتظاهرون تشكيل الحكومة العراقية على أساس المحاصصة الطائفية". ويضيف في مكان آخر "الغريب إن رئيس الوزراء نفسه يدين المحاصصة الطائفية." وأؤكد للسيد الكاتب أني أيضاً أدين المحاصصة الطائفية، ولكن كما بينت أعلاه وفي مقال سابق أن هذه المحاصصة شر لا بد منه في المرحلة الراهنة على الأقل. إن المتظاهرين الذين يرفضون المحاصصة الطائفية هم جزء من الشعب وليسوا كل الشعب، ومطلبهم هذا لن يتحقق إلا بعد أن يصبح رافضو حكومة المحاصصة هم الأكثرية. وحتى في هذه الحالة، سوف لن تنتهي المشكلة، لأنه من الآن هناك من يقول: حكم الأكثرية باطل. راجع مقال الدكتور قاسم حسين صالح في الحوار المتمدن. فكيف تحل المشكلة؟

فالمحاصصة لا يمكن التخلص منها إلا بعد استقرار العراق، والتخفيف من عامل التخندق القومي والمذهبي، وتشكيل أحزاب علمانية ديمقراطية عابرة القوميات والطوائف، يضم كل منها أعضاء من مختلف مكونات الشعب وليس على أسس الانتماء المذهبي والقومي. ففي الظروف الراهنة حتى الحزب الشيوعي العراقي المفترض به أن يكون عابراً للقوميات والطوائف، انفصل عنه الشيوعيون الأكراد وشكلوا حزباً شيوعياً خاصاً بهم. وقد حصل هذا الانفصال قبل أن نسمع بنوري المالكي وبول بريمر بنحو عشرين سنة. وهذا يدل على أن الصراع القومي والطائفي في العراق اخذ الأولوية على الولاء الوطني، والصراع الطبقي الذي تعول عليه الماركسية في تفسير حركة التاريخ. أؤكد مرة أخرى أن هذا التخندق القومي والطائفي ليس من صنع شخص أو أشخاص، بل هو نتاج ظروف موضوعية خاصة بالعراق لا تنتهي إلا بتغيير الظروف المادية التي أوجدتها، وليس بكيل الشتائم والاتهامات والتظاهرات الاحتجاجية.

والجدير بالذكر أنه حتى الذين يتظاهرون ضد "المحاصصة" هم متمسكون بها ويمارسونها، بل ويطالبون بها بشكل غير مباشر، إذ ما معنى الدفاع عن حصة المرأة 25% في الحكومة مثلاً؟ أليست هذه محاصصة؟ كما وأرجو أن لا يفهم من كلامي هذا أني ضد مشاركة المرأة في الحكومة، فالعكس هو الصحيح، إذ أني من أصار المرأة في نيل كامل حقوقها ومساواتها بالرجل، ولكن المطالبة بحصة المرأة هي الأخرى تأكيد على المحاصصة على أية حال، سواءً كانت على أساس المذهب أو القومية أو الجندر. ومع ذلك أسأل، أيهما أفضل للمرأة في الحكومة: امرأة إسلاموية تؤمن بمقولة (النساء ناقصات عقل ودين) و(للرجل مثل حظ الأنثيين) وتقبل بضرب الرجل لزوجته، أم رجل من أنصار الحركة النسوية يدافع في الحكومة والبرلمان عن حقوق المرأة؟ ومع ذلك، أضم صوتي إلى المطالبين بوجوب الحفاظ على نسبة 25% لحصة المرأة في الحكومة كما أقرها الدستور كحد أدنى، ولكن في نفس الوقت يجب توجيه اللوم للقوى السياسية المشاركة في السلطة، التي امتنعت عن ترشيح النساء للحقائب الوزارية، وليس لنوري المالكي وحده.
ولمعرفة المزيد عن موقفي من المحاصصة أرجو فتح الرابط التالي: حول إشكالية حكومة المشاركة أو المحاصصة
http://www.al-nnas.com/ARTICLE/KhHussen/29muh.htm

أما الموقف من قضايا الفساد والمشكلات الاجتماعية والخدمات العامة، فهي الأخرى مشكلات معقدة، و نتاج تراكمات الماضي، وقد نشرتُ عنها بحثاً مطولاً في أربع حلقات بعنوان: (الخراب البشري في العراق)، أكدت فيه أنه خلال حكم التيار القومي- البعثي الفاشي، حصلت ردة حضارية، والتي يرافقها إنهيار فكري وأخلاقي وتفتيت النسيج الاجتماعي، وإضعاف روح المواطنة والوطنية. وما يجري في العراق الآن من فساد ومشاكل اجتماعيىة ونقص في الخدمات...الخ، كله نتاج هذا الانهيار الذي لا يمكن حله بين عشية وضحاها. ومسؤولية الإصلاح تقع على عاتق الجميع. أرجو فتح الرابط التالي:
الخراب البشري في العراق
http://www.aliraqi.org/forums/showthread.php?p=147835112

كذلك يجب التوكيد على أنه لا يمكن القضاء على الفساد الإداري إلا برفع الوعي الجماهيري، وبتعاون أبناء الشعب جميعاً، وبالأخص منظمات المجتمع المدني في محاربة هذا الفساد، أولاً، بامتناع المواطن عن دفع الرشوة، إذ كما جاء في الحديث الشريف: (لعن الله الراشي والمرتشي)، وثانياً ، فضح المرتشين من الموظفين في الإعلام، وهذه مسؤولية المواطن والصحافة، وثالثاً، تقديم الفاسدين المرتشين إلى المحاكم. بدون هذه الإجراءات لا يمكن القضاء على هذا الفساد المستشري في أجهزة الدولة. أما التظاهرات فربما المرتشون أنفسهم شاركوا فيها وأدانوا الفساد.. من يدري!!

3 . ما الموقف من الحريات العامة والتجاوزات الفظة عليها وأساسها الفكري والسياسي؟
من واجب المثقف أن يدافع عن الحريات العامة ويدين التجاوزات الفظة عليها، سواءً كانت من قبل السلطة أو بعض القوى السياسية أو الاجتماعية أو الدينية. لكن المشكلة والمفارقة الغريبة أن الجهات التي تتجاوز على الحريات تتمتع بقاعدة شعبية عريضة، فالتيار الصدري مثلاً الذي فرضت مليشياته أحكاماً قرقوشية على المجتمع، مثل فرض الحجاب حتى على غير المسلمات، ومنع الموسيقى والغناء وغلق محلات بيع الخمور...واضطهاد أتباع الديانات من الأقليات وغيرها من الأعمال المدانة، أن هذا التيار حصل في الانتخابات التشريعية الأخيرة على 40 مقعد في البرلمان، بينما القوى العلمانية التقدمية، غير المنضمة إلى التحالفات الكبرى، فشلت في تحقيق حتى ولو مقعد واحد في الانتخابات الأخيرة. فماذا يعني هذا؟ هذا يعني أن الأزمة عميقة ضاربة جذورها في أعماق الشعب العراقي نفسه. وعليه، لا يمكن حل هذه الأزمة عن طريق كيل الشتائم لرئيس الحكومة، أو حكومة المحاصصة، أو بريمر، والمالكي... بل يجب التعامل مع هذه المشاكل على إنها جزء من التخلف الذي ورثه العهد الجديد من النظام الساقط. ومع ذلك، يجب مواصلة مطالبة الحكومة بلجم الجهات التي تتجاوز على الحريات العامة. ولكن رغم ما قيل وما حصل من تجاوزات، فهناك الكثير من مساحة للحريات، فلولاها لما حصلت هذه التظاهرات الاحتجاجية والهجوم على الحكومة.

4 . ما الموقف من المظاهرات الشعبية التي انطلقت يوم 25/2/2011.
5 . على ماذا برهنت مواقف المتظاهرين ومواقف الحكومة وأجهزة الأمن والقوات المسلحة العراقية؟

حاول الدكتور كاظم حبيب وبعض الكتاب الآخرين الذين كتبوا مقالات وتعليقات على مقالاتي، إظهاري كما لو كنت ضد التظاهرات الشعبية وممارسة الحريات العامة التي أقرها الدستور لأبناء الشعب. وهذا غير صحيح. ففي مقال لي في هذا الخصوص بعنوان: (نعم للتظاهرات ضد الفساد..لا لتسلل البعثيين)
http://www.al-nnas.com/ARTICLE/KhHussen/18v115.htm
أكدت فيه دعمي للتظاهرات السلمية، ولكني في نفس الوقت حذرت من اندساس البعثيين وغيرهم من الإرهابيين والفوضويين الذين يستغلون هذه المناسبات لأغراضهم الدنيئة. والمعروف أن الدعوة للتظاهرات يوم 25 شباط الماضي، لم تخص تلك التي حصلت في ساحة التحرير في بغداد فقط، بل في كل مدن العراق. ولكن في نهاية المطاف، لم تمر بسلام كما تصور الدكتور كاظم حبيب وغيره، إذ كانت الحصيلة، وحسب ما أوردته وكالات الأنباء، 13 قتيلاً، بينهم شرطي، و75 جريحاً بينهم سبعة من الشرطة. كما وحصل تفجير إرهابي في الرمادي، أودى بحياة ثلاثة مشاركين في التظاهرة وعدد من الجرحى. إضافة إلى إشعال الحرائق في مؤسسات الدولة في محافظة الديوانية، وإحراق مبنى محافظة الموصل وتخريب محتوياته وأثاثه وسرقة مليار ونصف مليار دينار. هذه التجاوزات لم يذكرها الدكتور كاظم حبيب وغيره من الذين حشدوا للتظاهرة لمدة شهر تقريباً، وإذا ما ذكروها فبشكل عابر مع إلقاء اللوم على الحكومة والأجهزة الأمنية، فالاتهامات ضد الحكومة والشرطة جاهزة في جميع الأحوال.
والجدير بالذكر أن دعاة التظاهرات راحوا يحشدون لها لمدة، وكانوا يتوقعون أن يشارك في تظاهرة ساحة التحرير وحدها نحو مليون شخص، بينما لم يحضر أكثر من ثلاثة آلاف في يوم "جمعة الغضب"، ونحو خمسين شخصاً فقط يوم "جمعة الكرامة". في حين يستطيع مقتدى الصدر وحده أن يجمع نحو مليونين لاستقباله ولسماع خطبة من خطبه وبدون أي تحضيرات مسبقة. هذه ظاهرة اجتماعية خطيرة جديرة بالدراسة من قبل المثقفين وخاصة علماء الاجتماع، وليس مجرد كيل الشتائم.

المشكلة وكما يبدو، أن الأخوة لم يدركوا أن البعثيين وحلفائهم من أتباع القاعدة أحالوا العراق إلى غابة مليئة بالوحوش البشرية الضارية، وقد دفع الشعب العراقي بسببهم عشرات الألوف من الضحايا. لذلك فمعاملة العراق كالسويد أو أية دولة غربية ديمقراطية عريقة مستقرة، خطأ فظيع، فلكل بلد ظروفه الخاصة حسب استقرار ذلك البلد ودرجة تحضر شعبه وعمر الديمقراطية فيه.
وعلى سبيل المثال، فبدعوة من إتحاد نقابات العمال البريطانية انطلقت يوم السبت 26/3/2011، أضخم مظاهرة في لندن، شارك فيها نحو نصف مليون شخص احتجاجاً على قرارات التقشف التي اتخذتها حكومة الإئتلاف من حزب المحافظين والأحرار، برئاسة ديفيد كاميرون، وكانت التظاهرة سلمية وهادئة أشبه بمهرجانات الربيع، ولكن في النهاية استغل الفوضويون(anarchists) الفرصة وقاموا بأعمال الشغب، حيث هجموا على محلات تجارية وكسروا واجهاتها ونهبوا بعضها وأضرموا النيران فيها، وإلقاء الأصباغ (بويه) على الشرطة، مما تطلب الأمر تدخل الشرطة وحصل صدام جرح من جرائها نحو 20 شرطياً وتم اعتقال أكثر من 200 من الفوضويين مثيري الشغب، ووجهت تهمة ارتكاب الجرائم لـ 149 منهم. ومما يجدر ذكره في هذا الصدد، أنه لم ينتقد أحد رئيس الوزراء البريطاني ولا الشرطة على ما حصل، بل كالت الصحافة وحتى قيادة اتحاد النقابات الثناء للشرطة على قيامهم بواجبهم لحماية أرواح الناس وممتلكاتهم، ودورهم المشرف في مواجهة الفوضويين، وصبوا غضبهم على المشاغبين. هذه في بريطانيا المستقرة. ولكن في العراق الذي صار مرتعاً للمجرمين والإرهابيين، يتهجم بعض الكتاب والصحفيين على رجال الأمن إذا ما تدخلوا وأوقفوا الفوضويين من ممارسة التخريب، رافعين عقيرتهم بالصراخ (الحريات أولاً)، وكأن الحرية تعني الفلتان الأمني من قبل الذئاب البشرية.

نعم، تحصل تجاوزات فظة على الحريات من قبل بعض المسؤولين ومليشيات القوى السياسية، ولكن في نفس الوقت يجب أن لا نستهين بما تحقق في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، صحيح أن رئيس الوزراء دعا إلى عدم التظاهر، ولكنه لم يصدر أمراً بمنعها. فحرية التظاهر مكفولة ونشاهدها كل يوم جمعة تقريباً. كذلك ما تكتبه الصحافة من نقد حد الهجوم والتسقيط والتشنيع بالمسؤولين، وهذا العدد الهائل من الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني بالألوف، والصحافة بالمئات، وكذلك وسائل الإعلام الأخرى من فضائيات وإذاعات والانترنت، معظمها ملكية القطاع الخاص، كلها دليل على توفر الحريات العامة. وإذا كانت هناك مشاكل تواجه هذه الحريات فلأن الديمقراطية والحرية جديدة على الشعب، ولم يمارسها من قبل، والحل هو في مواصلة ممارستها والتعلم من الأخطاء.

نقد أم تصفية حسابات؟
أولاً، كنت أتمنى على الذين يتهجمون على الحكومة وبالأخص على شخص السيد نوري المالكي بالذات لو التزموا الموضوعية وتقديم الأدلة المادية لإثبات اتهاماتهم، وأن تكون كتاباتهم نقدية هادئة بغية الإصلاح، لا كيل الشتائم والتهم بغية تصفية حسابات سياسية. إذ نلاحظ أن الدكتور كاظم حبيب خصص عشرة مقالات مطولة حافلة بالاتهامات ضد المالكي، ومنها تهمته الشهيرة أن المالكي أهدى أربع فرق عسكرية إلى التيار الصدري مقابل دعم الأخير له في السلطة. لا شك أن هذه التهمة خطيرة جداً، ولما اعترضنا عليه وطالبناه بالدليل، رد قائلاً: "وحين يطالبني (يقصد عبدالخالق حسين) بالمصدر فهو يعرف تماماً وجود عرف في الصحافة لا تنشر الأسماء حين لا يريد أصحابها نشر أسمائهم."
ويضيف، وهنا الطامة الكبرى، حيث يتهمني بأني مارست هذه السياسة (عدم ذكر المصدر) فيقول: "وقد مارسه هو (أي أنا، عبدالخالق) في مقاله "يسيرون نحو الهاوية وهم نيام" حين أشار إلى ضابط لا يرغب بذكر اسمه." انتهى.
الاقتباس الذي خص الضابط، لم يكن من أقوالي يا دكتور حبيب، بل أنا اقتبسته من بيان أطلق عليه (بيان رقم واحد) صادر عن جماعة أطلقت على نفسها اسم (القوة الثالثة) كانت تدعو لتظاهرات "جمعة الغضب" وبالتالي إسقاط الحكومة. ورغم أني وضعت الاقتباس بين قويسات التنصيص (" ")، إلا إن السيد كاظم حبيب أفتهمه على أنه من أقوالي. فماذا عساي أن أفعل لكي أكون أكثر وضوحاً، وأنا الذي يتهمني صديق عزيز عليّ، بأني أفرط في التوضيح إلى حد التبيسيطية !!!؟؟
ويضيف الكاتب قائلاً: "وهذا الأمر- أي خبر تقديم أربع فرق عسكرية للصدريين- لا يدخل في باب البحث العلمي ومحاولة الوصول إلى المصدر للإساءة إليه من قبل رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة. وقد جاءني رجاء في أن لا أتابع ذكر بقية الأسماء حتى لو وصلتني من المصدر."
واضح من دفاع الدكتور كاظم أنه يفتقر إلى أي دليل، وأن التهمة ملفقة من الأساس من قبل نصابين استغفلوه، فاستدرجوه إلى أن أوقعوه في مأزق ما كنا نتمنى أن يقع فيه، والآن لا يعرف كيف يخرج منه.

ثانياً، مسألة "الوثائق الدامغة". أشار الدكتور كاظم إلى أنه استلم وثيقتين عن شخص اسمه سلام المالكي من البصرة استولى على أرض في المعقل الميناء (البصرة) مساحتها 3649 متراً مربعاً تجاوزاً. قد يكون هذا التجاوز قد حصل أو لم يحصل، فالفساد مستشري ولا أحد ينكره، ولكن في نفس الوقت من الصعوبة إثباته.
في الحقيقة، أنا استلم يومياً ما لا يقل عن عشرة من هذه "الوثائق الدامغة"، وصور لمراسلات رسمية، تشير إلى فساد المسؤولين ونهبهم لثروات البلاد، وكلها مصممة بشكل فني دقيق وعليها توقيع هنا وشخابيط هناك، لتبدوا أكثر مصداقية حتى من الوثائق الحقيقية. ولكن كما بينت لصديق يرسل لي مثل هذه المواد، أن: "في عصر التكنولوجية المتطورة التي وضعت صورة بن لادن على الدولار الأمريكي، وصورة بوش في ملابس بن لادن، وصورة نوري المالكي في الدشداشة والكوفية جالساً أمام بسطية في حي السيدة زينب في سوريا يبيع سبح، أليس بإمكانهم تصميم مثل هذه "الوثائق" وكأنها حقيقية بل وأصدق من الحقيقية؟ لو كان كل ما نستلم من اتهامات ضد المالكي وأعضاء حكومته صحيحة، لوجب إسقاط هذه الحكومة فوراً. ولكن كل هذه "الوثائق" مشكوك بصحتها، إذ نتذكر ما حصل في الستينات من حملة تشويه سمعة طاهر يحيى التكريتي رئيس الوزراء في عهد الأخوين عارف، إلى حد أن لقبوه بحرامي بغداد، وهذا ليس دفاعاً عن طاهر يحيى الذي كان أحد جرذان إنقلاب 8 شباط 1963 الدموي، ولكن الحقيقة قالها حنا بطاطو أن جميع تلك الاتهامات ضد طاهر يحيى كانت ملفقة ومن صنع البعثيين. والآن وبوجود التكنولوجية المتطورة، يتكرر نفس العمل بشكل أوسع وأكثر مضاءً ضد المالكي والحكومة الحالية، وسنتأكد من زيفها ولكن بعد فوات الأوان، وبعد ما أدت مفعولها.
ثالثاً، يقول الدكتور حبيب: "يؤكد الدكتور عبد الخالق حسين بأن الجهود كلها تصب في خانة السعي لإسقاط النظام وليس إصلاحه." ويضيف: "وحين يقول المتظاهرون بأنهم يريدون إصلاح الحال, فليس من حق أحد أن يتهمهم بأنهم يريدون إسقاط الحكومة أو النظام السياسي، خاصة وبعد أن اثبتوا بالفعل المباشر أنهم يريدون إصلاح الوضع. ومع ذلك فمن حق المتظاهرين أن يرفعوا شعار إسقاط الحكومة وإسقاط النظام السياسي". انتهى الاقباس.

نفهم من ذلك أنه يحق للمتظاهرين أن يطالبوا بإصلاح النظام أو إسقاطه. ولكن لا يحق لي أنا ككاتب مهتم بالشأن العام أن أبدي رأيي في ذلك. وهذه هي الديمقراطية التي يسعى لها الدكتور حبيب. في الحقيقة أنا أتفق أن من حق كل شخص أن يتخذ موقفاً، ودياً أو معادياً من السلطة. ولكن في النظام الديمقراطي ومهما كان ناشئاً، يجب احترام رأي الشعب الذي يعبر عنه من خلال صناديق الاقتراع. فمهما كانت الحكومة الحالية ضعيفة وغير منسجمة، فهي نتاج الانتخابات التشريعية. وليس مقبولاً إسقاط حكومة منتخبة لأن أقلية من المواطنين يريدون إسقاطها. وعلى هذا الأساس فدعوة السيد فخري كريم، رئيس مؤسسة المدى، بإلغاء البرلمان أمر مرفوض لأنه ضد الديمقراطية، إذ نشر فخري كريم مقالاً في صحيفته (المدى) بهذا الخصوص عنوانه: حول إشكاليات الديمقراطية وتناقضاتها .. التعويل على البرلمان الحالي باطل.

كذلك كتب الأستاذ عدنان حسين في نفس الصحيفة مقالاً بعنوان (الحل بالحل). يقصد حل الحكومة والبرلمان وإعادة الانتخابات. وهذا الحل هو الآخر ضد إرادة الشعب. فالانتخابات الأخيرة مر عليها نحو 13 شهراً فقط، وهي مكلفة مادياً أكثر من مليار دولار، وأغلب الاعتقاد أن النتائج سوف لن تختلف عما تمخضت عنها الانتخابات السابقة، وهكذا فإعادة الانتخابات لأن فلان أو علان لم يقبل بها أمر باهظ التكاليف ومضر بالديمقراطية. فالديمقراطية تحتم علينا قبول نتائج الانتخابات حتى ولو لم تكن مرضية لنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com العنوان الإلكتروني للكاتب





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,320,143,072
- انتفاضة البحرين وموقف الطائفيين منها
- القذافي على خطى صدام
- إذا كنت لا تستحي يا علي عبدالله صالح
- العداء بين الشعب والسلطة
- حول (إهداء) أربع فرق عسكرية إلى الصدريين!!
- تضامنا مع الحزب الشيوعي العراقي
- تأملات في مظاهرات (الغضب العراقي)
- يسيرون نحو الهاوية وهم نيام
- نعم للتظاهرات ضد الفساد..لا لتسلل البعثيين فيها
- مصر: من الانتفاضة إلى الثورة
- دور المخابرات الأجنبية في انقلاب 8 شباط الدموي
- تحديات تواجه الانتفاضة المصرية
- تكتيكات فدائيي مبارك لضرب الانتفاضة
- مرحى لانتفاضة الشعب المصري
- محنة الكرد الفيلية.. حتى في العراق الجديد؟
- مخاطر تهدد الثورة التونسية
- انتفاضة الشعب التونسي ترعب الحكام العرب
- الحلول المقترحة لمشكلة الطائفية والحكم في العراق
- التوافقية لا بد منها في هذه المرحلة
- نظرية حكم ولاية الفقيه


المزيد.....




- تعرفوا على عالم عرض الأزياء في إيران
- إختبارٌ جيني يحدّدُ الأطفالَ المعرّضين للإصابة بالسمنة المف ...
- شاهد: الببغاء الأسمن في العالم .. لم ينقرض بعد
- إختبارٌ جيني يحدّدُ الأطفالَ المعرّضين للإصابة بالسمنة المف ...
- قطيع كلاب يخطف رضيعا من سريره والأب يصارع لانقاذه
- شاهد لحظة مقتل 29 ألمانيا في حادث انقلاب حافلة سياحية في جزي ...
- إعلان حالة الطوارئ في ثلاث مناطق إيرانية تحسبا للسيول
- مصر… إعادة افتتاح معبد -الابيت- النادر بعد ترميمه في الأقصر ...
- بعد أن وقعت على الأرض... دبلوماسي يعترف بتركيب كاميرا في حما ...
- السفير السوري يكشف عن احتمال انضمام دول جديدة إلى محادثات أس ...


المزيد.....

- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الخامس / ماهر جايان
- عمليات الانفال ،،، كما عرفتها / سربست مصطفى رشيد اميدي
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الرابع / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الثاني / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الأول / ماهر جايان
- الحق في الاختلاف و ثقافة الاختلاف : مدخل إلى العدالة الثقافي ... / رشيد اوبجا
- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد
- 2019: عام جديد، أزمة جديدة / آلان وودز
- كرونولوجيا الثورة السورية ,من آذار 2011 حتى حزيران 2012 : وث ... / محمود الصباغ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالخالق حسين - نقد أم تصفية حسابات؟ (رداً على الدكتور كاظم حبيب)