أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - جمال البنا - عندما ثار الأسطول البريطاني















المزيد.....



عندما ثار الأسطول البريطاني


جمال البنا
الحوار المتمدن-العدد: 3237 - 2011 / 1 / 5 - 12:21
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    



ـــــــــــــــــ
ترجمت هذا البحث عندما كان لدى سعة من الوقت أوائل الستينات (من القرن الماضي) ، لمجرد الإعجاب به دون أن أقصد نشره ، وبالفعل فإنه لم ينشر في صحيفة ، ولكن نشر الجزء الأول منه في كتاب (نظرية العدل في الفكر الأوروبي والإسلامي) ، ولم ينشر الجزء الأخير منه ، والفكرة من نشره أنه مثل حي وواقعي يدل على أن الجماهير عندما تؤمن بحقها فإنها تستطيع أن تعمل لنيله حتى في أسوأ الظروف ، ويمكن أن تنجح إذا رزقت القيادة القوية الأمينة ، كما يمكن أن تخسر ــ ولو جزئيًا ــ ولكن دون أن يذهب كفاحها هدرًا ، أنه سيرزق التطبيق ، ولكن في حقبة تالية ، والغرض استثارة الهمم .
كان الأسطول البريطاني ــ وما زال ــ فخر بريطانيا ، فقد وقف بالمرصاد لكل من تحدثه نفسه بغزوها ، فحال بينه وبين تحقيق ذلك ، وفي الوقت نفسه توقلت بوارجه غوارب الأمواج ، فنالت أقصى المسالك وأخضعتها للحكم البريطاني حتى تركزت في الأسطول قوة بريطانيا ، الدفاعية والضاربة ..
وأنه لمن أعجب الأمور أن نعلم أن الذين كانوا يعملون على ظهر الأسطول ويخوضون معاركه من البحارة أو المقاتلين ، كانوا حتى القرن التاسع عشر يتعرضون لأنواع من الإذلال والاستغلال ويعيشون حياة من القسوة والخشونة إلى درجة لا تكاد تصدق ! فقد كانوا يتعاطون أجورا بخسه لا تزاد على مر السنين وتتأخر لسنوات (وصل في بعض الحالات إلى تسع سنين) ، وكان هذا الأجر البخس القليل قسمة عادلة بين المستغلين من صراف السفن وتجار الموانئ وعاهراتها وأصحاب النزل وغيرهم من الذين يتلقفون البحارة عند وصولهم فيستغلون تعطشهم الشديد إلى حاجاتهم ، أما عن الطعام فقد كان بالحيوان أنسب فقد كان الدقيق مسوسًا واللحم نتنًا صلبًا كالخشب والجبن غنيًا بالديدان الطويلة الحمراء ، حتى المياه التي كانت تستمد من الأنهار وتخزن في براميل ، لشهر أو لسنوات ، آسنة لزجة ذات لون أخضر متغير .
وكانت المعاملة وحشية ، فخلال مرحلة طويلة من التدهور الأخلاقي وإساءة فهم معاني " السلطة " و " العسكرية " و " الضبط والربط " ، أصبح "الجلد" هو الأسلوب المألوف الذي يلجأ إليه أي ضابط مهما صغر في معاملة البحارة ، وكان القانون يضع ضمانات عديدة لعدم إساءة استعمال هذه العقوبة ، ولكنها كلها أهملت بحيث نسيت مع الزمن ، وكان الجلد يؤدى بسوط ينتهي بتسعة ذيول ويسمونه "القطة" ، ويصف كاتب أثر الجلد فيقول أن الضربة الأولى التي يضربها الجلاد بكل قوة ساعده تفلت فورًا " آه " عالية من فم المجلود حتى وإن كان من أشجع الرجال ، وتمزق ست جلدات الجلد ، بينما تحلله اثني عشر جلدة إلى ما يشبه الكعكة المتعفنة ، وبعد ذلك تبدو العظام ويتفجر الــدم من لسـان وشـفتي ومنخري وإذني المجلود ، وكان الســوط يغير كل بضعة عشرات من الجلدات ، حتى لا تليـــن ذيولـه ، وفي كثير من الحالات كان الجلد معناه الموت أدبيًا ، والموت ماديًا ، وكان القانون يحدد الحد الأقصى على الظهـر العاري باثني عشر ، ولكن هذا ــ كما ذكرنا ــ كان نسيًا منسيًا ، فكان العدد المألوف بضع عشـرات بينما لم تكن مائة جلدة شيئًا مستغربًا ، كما لم يكن الحكم بثلاثمائة نادرًا ، وأعجب الأشياء أن البحارة لم يتذمروا لوجود هذا النظام الوحشي ، وأن طلبهم أنصب على الحيلولة دون استخدام الضباط لـه دون أي قاعدة ، فقد كان بوسع أي ضابط أن يوقعه على البحارة ، وكان الضابط الثمل أو القاسي أو السادي يستطيع أن يحقق نزواته مهما كانت شــاذة دون أن يمتنع عليه هؤلاء البحــارة الأقوياء الأشــداء .
وأخيرًا فإن هؤلاء البحارة الذين كانوا يقاومون الأمواج ويجابهون الرياح ويسيرون سفنهم الخشبية الشراعية شهورًا أو سنين عبر البحار ، لا يرون إلا السماء لم يكونوا يمنحون إجازات منتظمة أو شبه منتظمة ، ولم يكن لهم أي تأمين في مجابهة الحوادث ، ونادرًا ما كان يسمح لهم بالنزول على الشاطئ ، إذ ظهر أن الذين ينزلون إلى الشاطئ قلما يعودون .
ليس من العجيب ، والأمر كذلك ، أن تظهر الفتن على ظهر بعض قطع الأسطول مثل تمرد السفينة بونتي سنة 1789م ، وتمرد السفينة كلدورن وندسور كامسل سنة 1794م ، ولكن العجيب أن لا يتواتر ذلك على كل السفن .
والحق أن النذر كانت تؤذن بقرب ذلك ، ففي سنة 1795م قدم أحد المختصين إلى اللورد سبنسر ــ اللورد الأول للإميرالية ، كما يقول البريطانيون ، أو باختصار ــ وزير البحرية تقريرًا يذكر فيه أن حدوث فتنة عامة في الأسطول أمر لا يستبعد .
وحدث وقتئذ أن ضاعفت الحرب التي نشبت بين إنجلترا وفرنسا من حاجة الأسطول إلى الرجال ، وكانت العادة المألوفة في الحصول عليهم هي " فرقة الكبسة Press ganged ، وهي مجموعة من الجنود كانت تمر على الشوارع ، والحانات وتنتزع قسرًا الشبان الصالحين ، وما داموا من عامة الشعب فإنهم لا يجدون حماية من أي نوع ضد هذا النوع من الاسترقاق ، ولكن هذه الطريقة لم تكف ، فصدر في مارس سنة 1795م قانون يقضي على كل ناحية بتقديم عدد من الشبان يتناسب مع عدد أهلها ، وفي إبريل صدر قانون آخر يقضي على كل ميناء بتقديم " كوتا " من الرجال ، وقد كان من بين هؤلاء عدد من المثقفين أو المتعلمين أو متوسطي الحال ولم يكن ليعقل أن يتحمل هؤلاء الحياة الخشنة ، والمعاملة الوحشية بإذعان واستسلام ، وأغلب الظن أن هذه العناصر ، إن لم تكن هي التي قادت الحركة ، فإنها على الأقل هي التي أشاعت جو التذمر بحيث سهلت حدوث التمرد عن ذي قبل ، وقد كان من خصائص التمرد الذي حدث أولاً ، في قاعدة سبتهيد أنه لم يظهر قائدًا بالذات ، وإنما بدأ كما لو كان الأسطول يتكلم كله بلسان وحده .
وقد بدأت الحركة متواضعة ، وفي ظل الطرق المشروعة ، فبعد أن انفض دور التنظيم السري الذي لا نعلم عنه الكثير حتى الآن ، والذي كان لابد على جانب كبير من الإتقان والحبكة .. اتفق الرجال على إرسال شكاوى إلى بطل الأسطول البريطاني وقتئذ وهو لورد هاو الذي كان قد هزم الأسطول الفرنسي في يونيو سنة 1794م أو " ديك الأسود " كما كانوا يسمونه فأرسلوا العريضة الأولى إليه في 28 فبراير سنة 1797م ، وحصروها في زيادة الأجور ، وكانت العريضة استرحامًا غاية في الأدب والخضوع ، ولكنها وجهت باسم "بحارة السفينة" الملكة "شارلوت" وإخوانهم في الأسطول بقاعدة سبتهيد ، وكتبت العريضة من عدة صور وأرسلت كلها إلى لندن .
وفي الثالث من مارس وصلت العرائض إلى لندن ، ولكن لورد هاو الذي كان قد بلغ من الكبر عتيًا كان يستشفي في " بات " فأرسلت إليه ، ولم يكن اللورد مهيأ في ملاذه البعيــد لاستقبال مثل هذه الشـكاوى ، ولا سيما إذا صدرت بشكل شبه جماعي ، وحملت اسم السفينة التي كانت مقر قيادته ، ومع ذلك فقد سأل لورد هيو سيمور وهو أحد لوردات الأميرالية عما إذا كان هناك تذمر ، فأجاب هذا بأنه لم يسمع عن شيء من ذلك ، فأرتاح اللورد بالاً ، ولكنه حتى يتخلص من العرائض نفسها ، فإنه عندما عاد إلى لندن في 22 مارس سلمها إلى سيمور الذي عرضها على سبنسر ، ورأى سبنسر أن الحل الوحيد هو أن لا يقول شيئًا ولا يعمل شيئًا ، ويتوقع أن شيئًا ما لن يحدث .
وحز في نفوس البحارة أن لا يرد عليهم بطلهم المحبوب ، فأرسلوا مجموعة أخرى من العرائض إلى البرلمان ، وفي الوقت نفسه مضت أعمال التنظيم قدما ، وفي الوقت الذي كان أميرال الأسطول سبيتهد لورد بريد بورت يمضي أجازته ، كانت الاتصالات تجــرى بين البحــارة على قدم وساق ، فلم تكد السـفينة "دفنس" ، ترسل عريضتها ، حتى جاءتها التهنئة مصحوبة بالتعليمات من السفينة "رويال سوفرن" .
".. إننا نمني أنفسنا بنوال مطالبنا ، لأنه من الخير لهم أن يحاربوا العالم بأسره ، من أن يحاربوا رعاياهم أنفسهم ، وستصدر "الملكة شارلوت" إشارة بتقلد زمام السفن ، وستكون هي رفع العلم مع إطلاق طلقتي مدفع ، وستتلو هذه الإشارة الأولى إشارة ثانية هي رفع علم أحمر مع إطلاق طلقتي مدفع ، وهذه لكي ترسلوا إلينا متحدثا باسم كل سفينة" .
وحث ما جعل المتآمرين يعجلون بتنفيذ خطتهم ، فقد تنسم أحد الضباط ما يحدث ، وأسرع بإبلاغ أميرال الميناء سير بيتر باركد بورت الذي أرسل فورًا إشارة إلى سبنسر عما حدث في طلب البحارة زيادة الجور "لأني علمت أمس أن تكتلات غير مشروعة قد حدثت على ظهر سفن أسطول القنال" ، وكما يجب أن تتوقع ، فإن سبنسر كان أقل تقديرًا واهتمامًا وأرسل في حماية الكلمتين السحريتين "خاص وسرى" يخبره أن لورد هاو كان قد حول إلى لورد هيوسيمور ، أحد عشر خطابًا من بحارة السفن ، والخطابات كلها فيما يبدو تدبيج من تدبيج شخص واحد ، وإن كانت قد كتبت بأيد مختلفة ، ولم يهتم هاو بعد ذلك ، ولما كان يبدو مستحيلا عمل شيء .. الخ " .
وكان لورد بريد بورت ــ قائد الأسطول ــ أكثر الجميع تقديرا لخطورة الحالة وكتب إلى لوردات البحرية يأسى لتطور الأحوال ولعدم الرد"الذي كان في رأيي المتواضع كفيلاً بالحيلولة دون تذمر الرجال "وبدلاً من أن ترد الأميرالية ردًا مقنعًا جاءه ردها ، يأمر الأسطول بالإبحار .
وقلب هذا الأمر الفجائي خطة المتآمرين ، وكان رد الفعل التلقائي ووحي اللحظة الجماعي هو العصيان ! وعدم إطاعة الأوامر الخاصة بالإعداد للرحيل ، وأسرعت سفينة القيادة "الملكة شارلوت" فأنزلت قاربًا مر على السفن ، وأمرها بأن ترسل مندوبين عن كل سفينة منها إليها ، وحاول قبطان إحدى السـفن المقاومة ، ولكن بريد بورت ، وقد برح الخفاء ، وتوقع سفك الدماء ثناه ، وكتب إلى الأميرالية يخبرها أن فكرة العمل بشدة والقبض على الزعماء خطة حمقاء ، وأن من الخير قبول توسلات البحـــارة الموضحة في عرائضهم ، والرد ولو جزئيًا ، ولكن هؤلاء المكتبيين في لندن لم يفهموا ذلك . وكتبوا إلى الأميرال بأن يبلغ البحارة بأن عرائضهم قد حولت إلى المختصين ، وأنها ستكون محل العناية التي تستحقها .
وفي المساء اجتمع مندوبان من كل سفينة من كل سفينة من سفن الأسطول في غرفة الأميرال هو بالسفينة "الملكة شارلوت" وبرز من بينهم "فالتنتين جويس" أحد مندوبي السفينة "رويال جورج" والذي كان يبلغ السادسة والعشرين وايفانز الذي كان محاميًا من قبل ، على أن المندوبين كانوا جميعًا عدولا وأكفاء وخليطا من الشباب والشيوخ من الرؤساء أو البحارة ، وتميزوا بحسن التقدير ، وفهم الأمور ، وثقة زملائهم فيهم وقد كان هذا هو السبب في أنهم لم يسيئوا استخدام سلطتهم الجديدة أو يتورطوا في فعل من أفعال الطيش أو السرف ، وعقدوا مجلسًا يعمل لحفظ النظام ، وقصر الحركة على تحقيق المطالب ، وأصدر مجموعة من التعليمات كلها تحض على النظام والطاعة واحترام الضباط وقيد إرسال الخطابات إلى الخارج أو الانتقال من سفينة إلى أخرى ، كما حرم على كل سفينة التحرك قبل إجابة المطالب ، وإذا حدث على ظهر إحدى السفن شغب فعلى المسؤول عنها رفع العلم الأحمر ، وإذا حدث ذلك ليلا فيعلق مصباحان إحداهما فوق الثاني وعندئذ يهرع إليها فورًا قارب المندوبين ، وعندما أساء بعض البحارة السلوك عوقبوا العقاب المألوف : الجلد بل أن بعض السفن المترددة هددت بأنها ستضرب بالمدافع ما لم تسلك المسلك الجماعي الواحد .
ومع أن قيادة الأسطول أصبحت عمليا في يد المندوبين ، إلا أن روتين العمل اليومي أخذ يسير كالعادة تحت رئاسة الضباط في انتظار رد الأميرالية ، وخطوتها الثانية .
وبدأت الأميرالية تتحرك ــ فانتقل سبنسر ومعه بضعة من لوردات الأميرالية إلى بورتسوت . وهناك استدعوا بريد بورت واستمعوا إليه ، ولكنهم حتى في هذا الوقت لم يقتنعوا بعدالة مطالب الرجال ، أو لم يروا لهذا السبب أو ذاك إجابتهم ، وأوفدوا ثلاثة من أمراء البحر المندوبين يحملون ردًا مبهمًا كان الشيء الوحيد الواضح فيه محاولة التفرقة بين فئاتهم ، واستمع إليهم المندوبين وأخبروهم أنهم سيرسلون الرد في الساعة العاشرة من صباح اليوم الثاني .
واستغرق إعداد الرد من الصباح حتى العصر وأرسل في الساعة الرابعة من يوم 19 إلى زعماء الأميرالية الذين كانوا ينتظرون على مضض ، وكان عبارة عن رد قوى تضمن احتجاجا على التفرقة ، وإن مطالبهم الحقيقية تجوهلت ففيما يتعلق بالأجر فأنهم يطلبون للبحار العادي شلنا في اليوم ، وزيادة المعاش من 7 جنيهات في السنة إلى عشرة وتحسين الطعام وإباحة الاجازات المعقولة ، وختم الرد بأنه ما لم تجلب هذه المطالب ويصدر قانون بالعفو عن كل رجال الأسطول ، فإنهم لن يحركوا مرساة ، كما جاء في الرد أنهم اتفقوا على أن يوقفوا مطالبهم من هذا الحد ليدللوا على حسن نواياهم ويشهدوا الشعب على أنهم لا يريدون سوى العدالة .
وأراد الضباط أن يبطشــوا بالمتمردين وأن يسـعوا للتفـريق بينهم ، ولكن تضامن البحارة حال دون ذلك فلم يبق أمام الكبار إلا التسليم ، فأجيب الطلب الرئيسي الخاص بزيادة الأجور ، ولكنهم تجاهلوا المطالب الخاصة بتحسين الغذاء والإجازات والانتصاف من مظالم بعض السفن بالذات ، ورد عليها ردا مبهمًا . وكان يجب نظير ذلك أن يعودوا إلى العمل فورًا ، وأن يسامحوا وإلا عرضوا أنفسهم لأشد العقوبات .
وكان هذا إلى حد ما انتصارًا ، ورحب به البحـارة ، ولكنهم تريثوا ، بينما كان المندوبون في "الملكة شارلوت" يعكفون على دراسة الرد بدقة وعناية ، وقد تسلل إلى نفوسهم الشك فجعلهم يفسرون الأمر تفسيرًا خاصًا ، فلماذا تؤكد الأميرالية عفوها ، وما الذي يجعلهم يثقون في كلمتها ، وقد كان لها سوابق في نقض العهود مع بحارة السفينة "كالدون" ، وفي النهاية رأوا أن وعد الأميرالية لا يكفي ، وأن من الضروري أن يصدر العفو من الملك نفسه ، كما أيضًا أن توافق الأميرالية على بقية المطالب ، وأن يصدر قانون من البرلمان بذلك وأصدر المندوبون "تحذيرًا" إلى الأسطول أوضحوا فيه هذا كله حتى يجعلوهم على بينه .
وعاد لوردات الأميرالية إلى لندن ، واجتمع مجلس الوزراء على عجل برئاسة بيت ، وأرسل قرارًا إلى الملك الذي أعاده بعد أن ختمه وأسرع مندوب الأميرالية فطبع مائة نسخة ، من العفو وأرسلها لتوزيع على البحارة في صباح اليوم التالي ( 23 إبريل ) .
وكان في هذا ما يكفي لتطمين البحارة ، ولكن للشك جذورًا ليس من السهل اقتلاعها ، وقد رأي المندوبون أن من الأسلم أن يرو "الأصل" بأعينهم ، وأن يلمسوا الختم الملكي بأيديهم ، وأن يدرسوا الأمر بأسره دراسة وافيه .
واستحث الضباط الأميرالية إرسال القرار الأصلي وطلبت الأميرالية ذلك ، ولكن " المجلس الخاص " كان في عالم آخر ، وكان لابد للروتين أن يسلك مجراه طوال أسبوعين كانا كافين لتسلل الشك مرة أخرى إلى نفوس البحارة الذين اعتقدوا أنه لم يكن هناك إجراء دستوري سليم ، وأن الأمر بأسره لم يكن إلا حيلة انكشفت عندما طولبت الأميرالية بإبراز " أصل " العفو الملكي والقانون البرلماني .
وفي الوقت نفسه كانت أنباء قد انتقلت إلى بقية قواعد الأسطول فأضرب بحارة الأسطول في بليموث وأرسلوا مندوبين إلى قاعدة سبتهيد بينما استطاع الأميرال دنكان قائد أسطول الشمال أن يكبح جماح بحارته بصعوبة بالغة ، وزاد الأمر سؤ كتابات الصحف المتضاربة وأكدت المعارضة في مجلس اللوردات شكوك البحارة الساذجين ، وأخير فإن الأميرالية اختارت هذا الوقت المتوتر الحافل بالشائعات لترسل إلى الضباط أمرا سريا غامضا يدور حول ضرورة التأكد من سلامة الأسلحة والذخائر ، ونتيجة هذا الأمر المشئوم سفك أول دم في الحركة كلها إذ حاول أحد بحارة السفينة " لندن " تغير اتجاه أحد المدافع ، فأمره أحد الضباط بالابتعاد ، فرفض فهدده بإطلاق النار ، ولكن البحار لم يكترث ، فأطلق عليه الضابط رصاصة وأردته قتيلا ، وعندئذ صاح البحارة "الدم بالدم" ، وتبودلت الطلقات ، وتجمهر البحارة حول الضابط واقتادوه ليشنقوه ! ولكن مندوب السفينة استخلصه من أيديهم بعد عناء شديد ، كما كان قائد السفينة حسن التصرف فأمر كل الضباط بعدم المقاومة ، وبهذه الطريقة أمكن تجنب سفك المزيد من الدماء ، وقرر البحارة بعد هذه الحادثة إنزال كل الضباط إلى البر فأرسلوا إلى كل منهم خطابًا جاء فيه أن رغبة الأسطول هي أن يغادر السفينة في الثامنة بسلام ، ولما تم ذلك اتجهوا بالأسطول إلى قاعدة " سانت هيلانة " حتى يوحدوا قواعدهم مع الأسطول الرأسي هناك ويحولوا دون استغلاله في مقاتلتهم ، وقيل أن البحارة سيحاكمون "الأميرال كولبوى" والضابط بوفر الذي أطلق الرصاص أمام مجلس عسكري ، وتناقلت الصحف شائعات عديدة عن ذلك كانت كلها غير صحيحة .
وأخيرًا صدق البرلمان على قانون البحارة ، وقرر اعتماد 372.000 جنيها لزيادة الأجور وهو مبلغ لم يكن كبيرًا بالنسبة إلى ميزانية وزارة الحربية ، التي كانت تبلغ اثني عشر مليونا ونصف ، وأرسلت نسخ من القانون إلى السفن ، ولكن الأمواج كانت عالية بحيث لم يتمكن إيصالها إلا لسفينة واحدة ، كانت هي لحسن الحظ ، أشد السفن تمردًا السفينة " لندن " .
وجاء ختام الحركة عندنا قررت الاميرالية إيفاد الأميرال هاو بطل الأسطول القديم الذي ابتهل إليه البحارة في أول الأمر بكل خضوع ولم يقدر وقتئذ حقيقة الموقف ، فأبحر فورا إلى سانت هيلانة ، وهناك قابل البحارة في كل سفينة علي حده مقابلة رجل لرجال ، وتسلح بصبر لا حد لـه في إقناع البحارة ، واقتنع الرجال بجدية قرارات الأميرالية والبرلمان ، ولكن بقيت الشكاوي الفردية التي تمسك بها الرجال كالصخرة ورفضوا أن يقادوا بعد الآن برجال هم وحوش في شكل ضباط ، وعرض هاو محاكمة هؤلاء الضباط ، ولكن البحارة رفضوا لأنهم يعلمون أن الذين سيحاكمونهم ضباط مثلهم وتمسكوا بضرورة أقالتهم من الخدمة نهائيًا ، وخضع الأميرال هاو ، وتعرض في سبيل ذلك لثورة الأميرالية التي رأت أنه إذا كان عليها أن تخضع لتحكم البحارة وشروطهم فسلام على كل نظام وقانون ، ولكن هاو كان مفوضًا فوق العادة بسلطات استثنائية وعلى هذا رفت من الخدمة 59 ضابطًا منهم واحد برتبة أميرال وأربعة برتبة كابتن ، كما رفت 65 ضابط من ضبابط أسطول سبتهيد .
وبذلك انتهى الأمر وسوى كل شيء ، وفي 51 مايو عقد احتفال كبير ضم المندوبين وكبار الأميرالية والسلطات ، وأنزل العلم الحمر "علم التحدي" ورفع "علم الملك" ، وأظهر كل البحارة عن إخلاصهم وولائهم للأميرال هاو الذي يعود إلى حكمته وإنسانيته هذا السلام .
وفي 17 مايو أقلع الأسطول .
* * *
في الوقت الذي كانت نيران فتنة سبتهيد تخمد بالانتصار ، كانت نيران فتنة جديدة تشب في الأسطول الراسي بقاعدة نور ، وفي هذه القاعدة كان من العسير الوصول إلى تنظيم دقيق لأن الأسطول هناك ، باستثناء ثلاث من البوارج ــ من المدمرات والسفن الصغيرة التي تقوم بأعباء الحراسة والتنقلات ومن هنا كان توحيد الكلمة عسيرا بعض الشيء ، ولكن البحارة استطاعوا بهذه الطريقة أو تلك أن يحققوا تنظيمًا ما وانتهزوا فرصة انشغال معظم الضباط في محكمة عسكرية كانت تقوم بمحاكمة أحد كبار الضباط أعلنوا في 12 مايو تمردهم وكانت السفينة الأولى التي بدأت التمرد هي السفينة العتيقة ساندوتش التي صنعت سنة 1759م ووصل بها البلى إلى غايته فضلا عن إنها كانت مكتظة بـ 2300 رغم أن العدد الأقصى لها كان 750 ــ وكان أميرالها ــ الأميرال بكنر Buckner ــ وقائدها الكابتن موس غائبين في المحاكمة ، فأمر البحارة الملازم أول جسنمر بمغادرة السفينة ففعل ، وأرسلوا قاربًا إلى السفن الأخرى تأمرها بأن تبعد ضباطها المشاغبين وترسل مندوبين عن كل سفينة ، وسرعان ما التئم شمل المندوبين واجتمعوا في قمرة القيادة بالسفينة ساندوتش وأعلنوا أنهم المسئولون عن الأسطول .
وأمضى المندوبون يوم 13 في تنظيم أمورهم . وفي 16 أصدروا منشورا يحتم ضرورة ملاحظة الضبط والربط ، وكان يجب على كل سفينة أن تنتخب مجلس إدارة لها من 12 يعمل أحدهم كابتن ويرأس الأسطول كله اللجنة العامة للتنظيمات الداخلية التي تجتمع كل صباح على ظهر الباخرة " ديركتور" كل صباح .
وبعد كل هذه التنظيمات الداخلية لم تصدر اللجنة مطالب أو عرائض توضح للبحارة أبعاد القضية العامة أو عرض الحركة وهدفها واهتمت اللجنة بالتحقق من ولاء كل بحار وحمله على القسم قسا رهيبًا ويبدوا أن ثوار نور اعتبروا أنفسهم تبعا لثوار سبتهيد وأنه من هناك ستصدر الأوامر الخاصة بالقضية العامة والسياسة العليا ، ولذلك أرسلوا في 14 مايو بعض المندوبين إلى بورتسموث ــ ولكنهم بدلا من أن يتلقوا الأمر بالمضي في التمرد وجدوا الاحتفالات قائمة على قدم وساق ، فرجع اثنان منهم في 19 مايو ، ومعهم الأخبار التي نزلت عليهم كالصاعقة أن كل شيء قد أنتهي فغيم أذن الثورة في نور وماذا يفعلون ، وهل يعودون إلى العمل ويبتهلون إلى الملك في طلب العفو ؟
كانت تلك هي المشكلة الأولى التي جابهت المندوبين وريتشارد باركر الذي انتخب رئيسًا ، وكان باركر هذا ضابطًا صغيرا سابقا أنزل عن رتبته لبعض المخالفات ، وكان أكثر ثقافة وإلماما بالعالم الخارجي من معظم البحارة ، ولكنه لم يرزق العمق وقوة الإرادة ، ولو رزقها لوجد الشجاعة ليعترف بأن الحركة في نور قامت من الأول على أساس فكرة خاطئة هي أن حركة سبتهيد لا تزال قائمة ، وإن السلطات لما تسلم بالمطالب ، أما وقد سلمت فلا حرج إذا عادوا .
على أننا لا نستطيع أن نلوم باركر وقد كان من ناحية مدفوعا بثورة البحارة من ناحية أخرى فإن انتصار سبيهند وإن كان قد حقق كثيرًا ، أو معظم مطالب البحارة ، إلا أنه أيضا اغفل بعضها . كما كان من المشكوك فيه أن يسرى عفو الملك عليهم ، وعلى هذا فقد أخذوا ينزلوا الضباط المكروهين وعندما حضر أميرال الأسطول "بكنر" وحاول التفاهم معهم سلموه عريضة بمطالبهم التي كانت تتضمن منحهم الإجازات وهو طلب عادل قد ورد بمطالب سبيهند ، ولكن الأميرالية تخلصت منه ، في حين كان بعض البحارة يمضي أثني عشر سنة على السفينة بحيث يمكن أن يعد بحق " مسجونا بحريا " ومقطوعًا من أسرته وأصدقائه وكانت الترتيبات توضع ، عندما تصل السفن إلى بعض المواني ، لا لتسهيل نزول البحارة إلى البر، ولكن لنقيض ذلك أي الحيلولـة دون نزولهم من السفن ، كما كان من المطالب دفع الأجور المتأخرة ، وأبعاد الضباط المكروهين من ســـفن الأسطول قاطبة ، وملاحظة العدالة في توزيع المكافآت النقدية(1) ، وأن يعلن عفو عن الثائرين .
وختمت العريضة بأنها كتبت على ظهر السفينة ساندوتش بمعرفة مندوبي الأسطول في 20 مايو سنة 1797 ووقع عليها ريتشارد باركر باعتباره الرئيس .
وصدم لوردات الأميرالية عندما قرأوا الرد ، ورموا البحارة بالعقوق ونكران الجميل وكتبوا إلى بكنر ، بأن يرفض كل المطالب الجديدة ، وعقدوا العزم هذه المرة على كبت الحركة والوقوف موقفا صلبا فأرسلت فصائل من الجنود إلى الميناء ، ولكن مشاه الأسطول عقدوا معهم الصلات ، وألف المندوبون أن يخرجوا في كوكب مهيب يحيط بهم حرس يحمل شارات كتب عليها "التوفيق لمندوبي الأسطول" حيث يعقدوا مؤتمراتهم في إحدى الحانات أو الأماكن العامة.
وحدث وقتئذ أن أثقل بعض البحارة في الشراب فقبضت عليهم السلطات المدنية وأخطر الأميرال بكنر الذي كان منذ الحركة مقيما في الميناء ، فأمر بحجزهم ولكن لجنة المندوبين أصرت على تسلمهم ومحاكمتهم بمعرفتها ، لأنها المسئولة عن الأسطول وأخذ البحارة يوفدون الرسل لإقناع بقية السفن في التيمس وتعرضت قواربهم لطلقات مدافع المواني .
وأثار هذا كله ذعر الرأي العام ــ وانطلقت إشاعات الفتنة في كل مكان ، واستحث ذلك الوزارة على عمل شيء حاسم ، ففي مساء 27 اجتمع الوزراء وقرر استصدار عفو ملكي خاص بالذين اشتركوا في هذه الفتنة الجديدة ، وأن يذهب وفـــد من الأميرالية لمفاوضة المندوبين .
وكان وزير البحرية سبنسر كارهًا أشد الكراهية لهذا القرار الأخير معتقدا أن فيه إذلالا للوردات البحرية ، ولكنه لم يستطع إلا تنفيذ قرار الوزارة ، ولهذا مضى هو ولورد آرون والأميرال بينج فوصلوا إلى شيرنس في صباح 28 واتخذوا مقرا مختارا هناك واستقدموا بكنر وتحدثوا إليه وعلموا منه أن الأسطول غير موحد الكلمة وأن بعض السفه الكبار راغبة عن الاشتراك ، فزاد ذلك من صلابتهم وهكذا فعندما زار وفد من المندوبين المقر المختار لوفد الأميراليه قوبل بالتجاهل وحرموا رؤيته وأرسل إليهم أحد الأعوان ليسأل عن سبب المقابلة وأخذ الرسل يذهبون ويجيئون بين وفد المندوبين وسبنسر المتعالي الذي تقمصته روح "تاجر رقيق" وأخيرا قيل للوفد أن يكتبوا مطالبهم فلما كتبوها ،أعلنوا برفضها وأن الأميرالية لا تقبل سوى الخضوع التام ، وفي لقاء ذلك سيمنحون باستثناء بعض الأفراد عفو الملك ، بل وحددت الأميرالية الوقت الذي يجب أن يعلنوا فيه خضوعهم بأنه ظهر اليوم الثاني وكان ذلك لا شك حماقة وتعاليا من سبنسر ، يظهر ذلك جليا بمقارنته بسلوك الأميرال هاو وجهود الشخصية المتواصلة في تسكين الفتنة بما في ذلك الصعود إلى كل سفينة وإقناع بحارتها ، والسبب أن الأميرال هاو ، كان على كل سوءاته مقاتلاً ، عمل مع هؤلاء الرجال ، بينما كان سبنسر وزيرًا ، مثقفًا مكتبيًا مثقلاً بأوزار الروتين وتقاليده السقيمة .
ومر اليوم الموعود دون أن يعلن البحارة استسلامهم فسافر وزير البحرية ، وصحبة وتقطب الموقف ، فأخذ البحارة من ناحية يشددون قبضتهم على السفن التي أظهرت ضعفا كما أخذت الحكومة تدرس إمكانيات القضاء على المتمردين بالقوة ، ولكن ظهر لها أن بطاريات الشاطئ عتيقة ومتهدمة لدرجة كادت أن تهدم عندما أطلق الأسطول قذائفه التقليدية في عيد ميلاد الملك ، إذ أن البحارة لم يكونوا قط ثائرين على بلادهم ، وإن كانوا ثائرين على الأوضاع الســيئة والظلم الحائق بهم .
وعلق الطرفان أهمية كبرى على أسطول بحر الشمال الراسي في بارموث ومسلكه وبذل الطرفان جهودًا عنيفة ، فقد كانت الأميرالية تأمل أن تخضع به الثوار ، كما كان الثوار يعتمدون عليه في رفع الروح المعنوية ، وتعويض بعض السفن التي لاذت بالفرار والأمن من ناحية القنال معه ، وكان على رأس الأسطول الأميرال دنكان وهو قائــد بارع محنك ، ولكنه لم يستطيع مع ذلك كبح جناح معظم السفن التي لم تلبث واحدة بعد أخرى أن رفعت علم التحدي الأحمر ، وعندما أراد الإقلاع لمقابلة الأسطول الهولندي لم يطعه سوى سفينتين من السفن الكبرى ــ سفن خط القتال ــ بينما تقاعست معظم السفن ، وفي أول يونيو اتجهت كل سفن أسطول الشمال ــ باستثناء أربعة ــ تبعتها فيما بعد ــ إلى قاعدة نور ، وجنت الحكومة لذلك وقررت منع الإمدادات والتمرين عن الأسطول وأوقع ذلك الأسطول في مأزق وأجبر المتمردين على أن يلجأوا إلى فرض الحصار على ميناء لنـــدن وإيقاف كل الســفن التي تحاول دخول نهر التيمس وتفتيشها ثم أخذ التموين اللازم منها .
على أن المأزق الحقيقي ، المأزق الذي أودى بالحركة ، نتج عن عجز البحارة عن التصرف ، فقد وضعهم تجاهل الحكومة وموقفها السلبي في حالة حرجه ، ففي نور كان الأسطول العظيم ، فخر بريطانيا ومحل حسد كل الدول ــ يلقي مراسيه ــ دون أن يهتدي زعماء الحركة إلى التصرف السليم .
وكان في قلب زعماء الحركة عشرات الأفكار دون الاهتداء إلى حل ملائم ، فلم يخطر في بالهم بالطبع الانضمام إلى الفرنسيين أو الهولنديين الذين كانوا في حالة حرب مع بلادهم ، ولكن بعضهم فكر في الذهاب إلى أمريكا ، أو غيرها من الجزر العذراء أو المهجورة ، وإقامة مستعمرات سعيدة، تخلوا من تحكمات العالم القديم ، ولكن هذا لم يكن ميسرًا ، فقد كانوا بحاره يستطيعون العمل على السفن أو مقاتلة الأعداء ، ولكنهم لم يكونوا رجال حكم أو إدارة أو زراعة .
وهكذا حدثت تلك المفارقة الضخمة ، ففي الوقت الذي كان نابليون يتحرق لان يكون لديه بعض سفن هذا الأسطول العتيق ، ليفتح بها العالم ، كان زعماء الحركة يجلسون في نور لا يدرون ما يفعلون بقوتهم العظيمة ، وفي الوقت نفسه كانت الحكومة تزيد بين آونة وأخرى من ضغطها الأدبي على نفوس البحارة . ففي أول يونيو قدم بيت مشروع قانون للحيلولة دون التمرد ومعاقبة المتمردين في البحر بالحبس وعند المناقشة رفعت العقوبات بحيث أصبحت الإعدام . ووفق على القانون دون معارضة واحد في مجلس العموم وأرسل إلى مجلس اللوردات حيث أجيز في المساء نفسه وأريد لهذا القانون أن يستمر شهرا ، ولكنه ضمن ولاء القوات حتى سنة 1934 ! وتلا ذلك القانون قانون آخر يحرم الاتصال بالمتمردين ويجعل عقوبة ذلك الإعدام ، وقد عارض هذا القانون سير فرانسيس بردت Sir Francis Burdett وأعلن أن هذا سيدفع البحارة إلى اليأس ، وأن قوتهم في الحقيقة إنما هي ضد الإدارة الفاسدة الظالمة ، وأيده في ذلك شارلس ستيرت Charles Sturt نائب بريد بوت الذي كان الوحيد الذي أعطى صوته ضد القانون ، وكان القانون الثالث هو ذلك القانون المشئوم ، قانون تحريم كل يمين غير قانوني والعقاب عليه ، وهو ذلك القانون حوربت به النقابات العمالية طويلا بعد ذلك .
وأعلنت الطبقة الوسطى بتجارها وموظفيها وشركاتها ولاءها التام للحكومة : فتطوع عدد كبير منهم على ظهر السفن التي لم تشترك في التمرد وقدمت سفن خاصة عديدة ووضعت شركة النهر أسطولها تحت تصرف الحكومة ، وأعلن التجار مكافأة قدرها مائة جنيه لكل من يدين الذين أثاروا هذه الفتنة .
وحاول البحارة عبئا إفهام السلطات حقيقية موقفهم وعادوا إلى إرسال العرائض مع بعض الضباط الذين أوفدوهم لذلك خاصة ، كما أرسلوا عريضة مع ضابط كبير إلى الملك غير دارين أن الملك نفسه كان قد كتب إلى سبنسر "أن الحيلولة بينهم وبين الماء العذب سيجبرهم قريبا على الخضوع" .
وأعطت الحكومة كل هذه العرائض آذانًا صماء وتركت الزمن يفعل فعله في نفوس البحارة التعساء الذين أخذت ــ معنوياتهم شيئا فشيئا ــ تضعف وهم لا يجدون مخلصا من المأزق الذي وقعوا فيه ، وعندما قر رأي باركر على الإقلاع إلى تكسل " Texel " في 9 يونيو وأعطت السفينة ساندوتش ذلك وهي إرخاء القلاع وإطلاق طلقة مدفع ردت السفن كلها الطلقات ولكن دون أن تحرك ساكنا للإقلاع وظهر جليا العجز والاختلاف ــ وكان ذلك في الحقيقة بداية النهاية .
وتنسم الضباط الذين كانوا تحت الحراسة في السفن هذا التغير وانتهز أحدهم اللفتنات روب الذي كان على ظهر السفينة ليومارد فرصة غياب المندوبين فجمع الضباط وصف الضباط ، وفاجأ البحارة وأمرهم بتغيير اتجاه المدافع ، والإقلاع وأحست السفن بذلك فحذت حذوها السفينة ريبلس Repules ، بينما حاولت سفن الأسطول إطلاق النار على السفينتين الغادرتين ، ولكن يبدوا أنها لم تحسن أو لم تشأ ــ إحسان الإصابة فتمكنت السفينتان الإفلات بعد أضرار تافهة ، والواقع أن باركر نفسه حال دون أن تدمر مدافع الســـفينة "ديركتور" السفينة "ريبلبس" ، وفي مساء ذلك اليوم لاذت السفينتان "أزونت" و"بورتسموث" بالفرار أيضًا ، وأرسل باركر أحد الضباط بعريضة جديدة إلى الملك يعرض فيها خضوع الأسطول عند وصول العفو الملكي ، على أن لا يعاد الضباط المكروهون إلى السفن دون موافقة البحارة ، وأن يترك النظر في بقية المظالم لإحسانه ، وأنزلت السفن لهذه المناسبة علمها الأحمر ، ورفعت الحصار .
وكان رد الأميرالية على هذا الاسترحام الجديد أن أرسلت إلى الأميرال سيرتوماس بازئي أن يتخذ الاحتياطات حتى لا يهرب أحد البحارة وأن لا يقبل من أى واحد منهم سوى التسليم غير المشروط كما أرسلت إلى الأسطول الثائر رفضها عريضتهم الأخيرة . ووسع ذلك هوة الخلاف ، وظهر التعارض بين الآراء ، وتمسك قادة الحركة بالمضي إلى النهاية ، لأنهم يعلمون أن الإعدام هو الجزاء الوحيد ، والأكيد الذي ينتظرهم ، بينما مال جمهور البحارة إلى التسليم ، وعندما انسلت السفينه "ستاندرد" ضرب مندوبها ــ والاس نفسه بالرصاص ، وتبع السفينة استاندرد السفن أجامنون ــ وناساو ــ وفستال وايزيس ، بينما قامت معارك دموية على ظهر سفن أخرى .
وعندما اتضح تحلل الحركة وتهاويها لاذ قادتها بالفرار فشق أحد القوارب طريقه سريًا وهرب من ملاحقيه وأنطلق زعماء السفينة "انفلكسبل" التي كانت أشد السفن عتوًا وتطرفًا إلى عرض البحر في ثلاث قوارب ، وتمكن عشرون منهم من الاستيلاء على سفينة صغيرة وجهوها وجهة كاليه واستقروا هناك ، كما قيل أن زعماء السفينة مونتاجو هربوا إلى هولندا ، وفي 14 منه ــ عندما سمعت السلطات أن باركر زعيم الحركة يعتزم الفرار على سفينة دانمركية ــ عرضت الوزارة مكافأة قدرها 500 جنيه لكل من يقبض عليه ، أو يقدم معلومات تؤدي إلى القبض عليه .
وتحرجت الحال على ظهر السفينة ساندوتش سفينة القيادة ، فجمع باركر البحارة وسألهم عما إذا كانوا يفضلون المضي في الحركة إلى النهاية أو التسليم ففضلوا التسليم وعندئذ استدعى باركر أحد الضباط وسلمه مفاتيح المخازن قائلا "إني أسلم إليك عهدة السفينة" ، وكان أول شئ فعله هذا أن قبض على باركر من ياقته وسجنه في إحـدى قمرات السفينة تحت حراسة مشددة ، وأرسل إلى الأميرال يخبره ، فأرسل هذا قاربه ونقل باركر إليه حيث سيق مقيد اليدين إلى الشاطئ .
وانتهت الثورة ، وبدأ العقاب ، وأخذت السجون تمتلئ بالبحارة وأخذ لورد كيث يتقصى الأسباب ويتولى التحقيق ، وأرسل اثنان من القضاء من لندن للبحث عما إذا كان هناك أسباب خفية أو علاقة بين الحركة وبين " جمعيات المراسلة " .
وحوكم باركر ، وحكم عليه بالموت طبعا رغم كل الشهود الذين شهدوا باعتداله وضبطه للبحارة وحيلولته دون اقترافهم الكثير من أعمال الطيش وتلقي مصيره بشجاعة قائلا "أنه يأمل أن تكون حياته هي الضحية الوحيدة" وأنه يرجو المحكمة أن تسامح الباقين .
وظل الفارق بين اعتدال باركر والبحارة من ناحية وبين عدوان الأميرالية من ناحية أخرى إلى النهاية وحتى بعد الموت ، فقد أراد رئيس المحكمة أن يعدم وهو في الأغلال على مرأى من الجميع ، وأن يترك عرضه للرياح وطعمة للجوارح ، ولكنه خشي أن يثير ذلك البحارة .
ولم يستجاب دعاء باركر أن يكون الضحية الوحيدة ، فقد حوكم أربعمائة وحكم على 59 منهم بالإعدام ، وأن كان الذين أعدموا بالفعل هم 29 كما حكم على تسعة بالجلد وعلى 29 بالسجن مددا مختلفة .
ولو تساءلنا لماذا نجحت الحركة في سبتهيد وفشلت في نور لرأينا أن حركة سبتهيد كانت أصلية ، وكان التنظيم فيها قويا ــ رغم عدم انتخاب فرد وأحد مسئول ــ وكانت المطالب معقولـة وعندما أجيبت هذه المطالب أو معظمها قبل البحارة ذلك ، وأهم من هذا كله في نظرنا الدور الذي قام به لورد هاو Hawe ذلك الوسيط الموفق الذي قبل أن يصعد كل سفينة وارتضى أن ينزل إلى مستوى البحارة ليقنعهم زرافات ووحداتًا أما في نور فقد كان التنظيم متراخيا ، ولم يكن انتخاب باركر دلالة قوة قدر ما كان علامة ضعف ، وكان باركر نفسه غير مؤمن بأن المطالب على عدالتها تستحق ثورة ، كما رأينا أن الحركة قد قامت على أساس أن مطالب بحارة نور لما تلبي ، وكان من سوء حظهم أن حضر إليهم سبنسر المتعالي ، الروتيني الذي لم يكن بينه وبين البحارة أية رابطة أو آصرة ، ونظر إلى قضيتهم من الزاوية الإدارية فحسب .
وشتان ما بين مسلكه في رفضه مقابلة وفد المندوبين برؤيته وبين موقف هاو ، الذي أشرنا إليه ، والذي يمكن أن يعد حتى الآن درسا طبيا في الأثر العميق للعلاقات الشخصية المباشرة ، والفهم المتبادل ، والتجاوب في إدارة الأعمال .
ومع أن صفحة "نور" و " سبتهيد" قد طوت دون أن يبدو أنها عملتا على تحسين أحوال البحار ــ فيما عدا الزيادة الطفيفة في الأجور والغذاء ، وأن الجلد الرهيب أستمر موجودا حتى أوقات متأخرة ــ إلا أن الحركة أيقظت ، الحكومة والشعب من سباتهم ، وكتب أحد المؤرخين " قد لا يكون هناك في تقويمات تاريخنا ما أثار الذعر وقت حدوثه ، أو ظل موضوعا لاهتمام العامة أكثر من فتنة نور سنة 1797 " ، والحق أنها بدأت عهدا جديدا في تاريخ البحرية البريطانية ، أو كانت على الأقل نقطة التحول ، ففي سنة 1806 منح البحارة زيادة في الأجور ، وفي سنة 1825 وضح نظام يقرر العلاوات كما صدر قانون يحرم إبعــاد أي فرد من البحارة عن أهله لأكثر من خمس سنوات ، أما العقوبة الوحشية عقوبة الجلد ، فإنها لم تلغ حتى سنة 1860 عندما صدر قانون التأديب البحري فجعل الحد الأقصى 48 جلدة ، وقيد الالتجاء إلى هذه العقوبة أوقات السلم بمقتضى منشور الأميرالية سنة 1871 ، وأخيرا شاهد سنة 1879 نهاية هذه العقوبة الرهيبة ، وهكذا لم تمض أرواح باركر وزملائه سدى ، ولكن الإنسان مع هذا لابد وأن يستشعر الأسى فما أثقل أغلال البيروقراطية ، وما أقسى قلوب الحاكمين ! وما أبطأ خطا التقدم وما أفدح الثمن الذي نشتري به الجماعات حقوقها وحرياتها ! لا جرم أن مثل هذا الغباء والأثرة والأنانية والتراخي هي العوامل التي بررت العمل الثوري ، بكل مساوئه ، فحريات الشعوب أثمن من أن يضحي بها على مذبح القلة المتميزة ، والحياة الإنسانية ، أضيق من أن تتسع لبطأ الروتين الحكومي ، وتعقيد الإدارات وقيامها بالإصلاح على أساس القطرات ، قطرة ، فقطرة ، بين كل قطرة وأخرى عقد من السنين ! * .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,002,848,386
- الأديان لا ينسخ بعضها بعضًا ولكن يكمل بعضها بعضًا ( 3 3 )
- الأديان لا ينسخ بعضها بعضًا ولكن يكمل بعضها بعضًا ( 2 3 )
- كلكم سيدخل الجنة «إن شاء الله» إلا المارد المتمرد
- الأديان لا ينسخ بعضها بعضًا ولكن يكمل بعضها بعضًا ( 1 3 )
- الحزب الديمقراطي الاشتراكي الإسلامي هو الحل ( 3 3 )
- الطقوسية العدو اللدود للإسلام
- الحزب الديمقراطي الاشتراكي الإسلامي هو الحل ( 2 3 )
- مانيفستو المسلم المعاصر
- الحزب الديمقراطي الاشتراكي الإسلامي هو الحل ( 1 3 )
- الحكمة باب يفتحه الإسلام على الزمان والمكان
- امريكا افضل من صدام
- دعوة لإعمال العقول
- الرد على شاكر النابلسي
- مرة أخرى أقول لمحمود سعد لا يوجد حد للردة
- فصل من كتاب ( مسؤولية فشل الدولة الاسلامية) الذي منع نشره
- معضلة التعليم بين الدين والعلمانية.. والحل تعلم الحكمة
- يا نواب الشعب.. التعذيب في أقسام البوليس أولي بالاستجواب من ...
- الحل الإسلامي لطريقة انتخاب رئيس الجمهورية


المزيد.....




- أقدم سفينة روسية تستعد للإبحار... 5 حقائق مثيرة للاهتمام
- بعد وصول عدد ضحاياه في العالم إلى 821 مليون شخص... قطر تجهز ...
- اتصال من أمير قطر لزعيم عربي
- الأسد يقبل دعوة لزيارة شبه جزيرة القرم
- تفتيش القنصلية السعودية في إسطنبول بقضية خاشقجي استمر 9 ساعا ...
- وفد روسي يبحث مع السعودية التسوية في سوريا
- حديث بين أنغام ووالدة غنوة أثناء غسيل جثمان شقيقتها!
- الأسد يقبل دعوة لزيارة شبه جزيرة القرم
- أسباب إقالة هادي لرئيس وزرائه بن دغر
- سناتور أمريكي: السعوديون جندوا رئيسنا موظفا لعلاقاتهم العامة ...


المزيد.....

- كلمات في الدين والدولة / بير رستم
- خطاب السيرة الشعبية: صراع الأجناس والمناهج / محمد حسن عبد الحافظ
- النحو الحق - النحو على قواعد جديدة / محمد علي رستناوي
- القرامطة والعدالة الاجتماعية / ياسر جاسم قاسم
- مفهوم الهوية وتطورها في الحضارات القديمة / بوناب كمال
- الـــعـــرب عرض تاريخي موجز / بيرنارد لويس كليفيند ترجمة وديـع عـبد البـاقي زيـني
- الحركة القرمطية / كاظم حبيب
- لمحة عن رأس السنة الأمازيغية ودلالاتها الانتروبولوجية بالمغر ... / ادريس أقبوش
- الطقوس اليهودية قراءة في العهد القديم / د. اسامة عدنان يحيى
- السوما-الهاوما والسيد المسيح: نظرة في معتقدات شرقية قديمة / د. اسامة عدنان يحيى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - جمال البنا - عندما ثار الأسطول البريطاني