أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كامل النجار - هل يمكن تأريخ القرآن أو الإسلام؟













المزيد.....

هل يمكن تأريخ القرآن أو الإسلام؟


كامل النجار

الحوار المتمدن-العدد: 3206 - 2010 / 12 / 5 - 20:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في مقالي الأخير تعرضت للمحاولة الفاشلة من بعض الإسلاميين لإزالة تهمة البيدوفيليا عن رسولهم بزيادة عمر عائشة تسع سنوات اعتماداً على مقولة أحد المؤرخين الإسلاميين بأن أختها الكبرى أسماء بنت أبي بكر كانت تكبرها بعشر سنوات، كأنما المؤرخ قد رأى بأم عينيه شهادة ميلاد أسماء. وكما ذكرت سابقاً فإن الأمة العربية أمة صوتية اعتمدت في حفظ تراثها على النسّابين ورواة القصص الذين حفظوا الإنساب والقصص عن ظهر قلب لأنهم لم يعرفوا الكتابة، وإن عرفها منهم القليل، فلم تتوفر لهم أدوات الكتابة إذ أن أول مصنع للورق في شبه الجزيرة العربية أُنشيء عام 178 هجرية – 795 ميلادية في بغداد
وحتى يسهل حفظ التراث العربي، والإسلامي فيما بعد، اعتمد الرواة ومؤلف القرآن على السجع الذي يسهل حفظة على الأميين. ويخبرنا التراث الإسلامي أن محمداً بن عبد الله عندما هاجر إلى المدينة أصدر أمراً للمؤمنين منعهم بموجبه من كتابة أي شيء عنه غير القرآن، حتى لا يختلط عليهم القرآن بالحديث. ولهذا السبب لم يبدأ تدوين الأحاديث، أو بالصحيح صناعتها، إلا في نهاية القرن الأول الهجري، أي بعد مرور أكثر من مائة عام على وفاة من زعموا أنه قال تلك الأحاديث. وانسحب نفس الشيء على التاريخ الإسلامي إذ أن تدوينه لم يبتدِ إلا في القرن الثامن الميلادي، الثاني من الهجرة، واعتمد مؤرخوه على الروايات المعنعة مثل الأحاديث، حيث يقول الطبري، وغيره من المؤرخين: حدثني فلان عن فلان.
وبالطبع، إذا كانت الأمة أمية لا تكتب ولا تنحت الصخور كما فعل غيرها من الأمم، يصبح من العسير التحقيق من تاريخها، ولذا يجزم أغلب المشتشرقين وبعض الباحثين العرب المعاصرين أن الإسلام نفسه لم يبدأ بالظهور إلا في أيام الخليفة عبد الملك بن مروان، وربما تشهد قبة المسجد الأقصى بذلك إذ تُعد من أقدم الشواهد التاريخية الإسلامية نسبةً لنقش اسم عبد الملك بن مروان مع بعض آيات قرآنية بها، ويرجع ذلك التاريخ إلى سنة 70 هجرية – 692 ميلادية
رواة السيرة النبوية والمؤرخون المسلمون زعموا أن محمداً كان يملي القرآن على كُتاب الوحي بمجرد أن يأتيه جبريل بآيات جدد، ثم جُمع القرآن في عهد أبي بكر، ثم في خلافة عمر، وأخيراً في خلافة عثمان. ولكنا حتى الآن لم نعثر على أي قرآن مكتوب يرجع إلى ذلك التاريخ. أقدم نسخة من القرآن بين أيدينا هي نسخة سمرقند المكتوبة بالخط الكوفي، وكذلك مخطوطات صنعاء التي وُحدت في سقف أحد المساجد بصنعاء عام 1965، وتلك المخطوطات كذلك مكتوبة بالخط الكوفي الذي لم يظهر في المخطوطات إلا حوالي النصف الثاني من القرن الأول الهجري. وقد أرجع خبراء الخط مخطوطات صنعاء إلى العام 710-715 م.
ففي غياب الحفريات والمراجع الموثقة خطياً، كيف يتسنى لنا تأريخ القرآن أو نشأة الإسلام؟ المسلمون المخدرون بقداسة الوحي لا يعنيهم تأريخ القرآن لأنهم قد آمنوا بما أخبرهم به كُتاب السيرة النبوية، والمستشرقون حاولوا أن يدلفوا في كلمات القرآن وترتيب آياته وسوره علهم يأتونا بالخبر اليقين. وكان أكثر المستشرقين دلفاً في آيات القرآن الألماني نولدكة، والاسكتلندي بيل Bell والمجري جولدزيهر. ورغم المجهود العظيم الذي بذله هؤلاء الباحثون، لم يتمكن أي منهم من تأريخ القرآن تأريخاً يمكن الاعتماد عليه. وهناك عدة أسباب لهذا الفشل
أول هذه الأسباب هو عدم جمع القرآن كنرولوجياً، أي حسب تاريخ نزوله. يخبرنا فقهاء الإسلام أن محمداً كان عندما تأتيه آية يقول لكتبة الوحي ضعوها في المكان الذي تّذكر فيه الآية الفلانية. وكنتيجة لهذه التوجيهات يمكن أن يضع كُتاب الوحى آية أتت في المدينة في سورة أتت في مكة. وقد حدث هذا كثيراً. فنجد مثلاً سورة المزمل المكية بها آيتان أتيا بالمدينة، هما: واصبر على ما يقولون، الآية 10، و إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى الليل، الآية 20. ويمكن لأي شخص أن يحكم أن الآية 20 ليست من سورة المزمل لأن طولها أضعاف طول بقية الآيات الأخرى وجرسها الموسيقي محتلف. وهناك على الأقل اثنان وثلاثون سورة مكية بها آيات مدنية (المزمل، الفلق، الناس، المرسلات، ق، الأعراف، يس، الفرقان، مريم، الواقعة، الشعراء، النمل، القصص، الإسراء، يونس، الحجر، الأنعام، لقمان، سبأ، الزمر، الشورى، الزخرف، الجاثية، الأحقاف، الكهف، النحل، إبراهيم، الأنبياء، المؤمنون، السجدة، العنكبوت، المطففين) راجع الإتقان في علوم القرآن للسيوطي.
السبب الثاني: رواة السيرة النبوية اخترعوا قصصاً يملأون بها الفراغ في القصة، وقد لا تتفق تلك الروايات مع ما يكتبه قاص آخر. فمثلاً يخبرنا ابن هشام أن سبب إسلام عمر كان دخوله على اخته ووجدها تقرأ صحيفة بها آيات من سورة طه، وبما أن عمر أسلم باتفاق الرواة في العام السادس من بدء الرسالة، كان يمكننا أن نقول إن سورة طه قد جاءت في العام السادس من بدء الدعوة أو قبله. ولكن الصحابة الآخرين ذكروا قصصاً مختلفه عن إسلام عمر، فمجاهد مثلاً ذكر أن عمر كان ماراً في المساء أمام الكعبة فرأى محمد يصلي متجهاً إلى الشام، فجلس من ورائه واستمع إليه يقرأ القرآن، فحن قلبه وبكى، ثم أعلن إسلامه. فأصبح من الخبل أم نجزم أن سورة طه قد نزلت عام ستة أو قبله من بدء الرسالة
السبب الثالث: عندما يذكر القرآن حوادثاً معينة لا يؤرخها لنا ولا يذكر في أي مكان حدثت حتى نستطيع أن نبحث عن تاريخها. فمثلاً يقول لنا (غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غليهم سيغلبون) (الروم 3). وبما أن القرآن لم تكن به علامات ترقيم لا نستطيع أن نقول هل غُلبت الروم بضم القاف أم غلبت بفتح القاف. وأدنى الأرض مكان غير محدد خاصة إذا علمنا أن الروم كانوا في بيزنطة والشام وتبوك. وقد دارت أكثر من أربعين معركة بين الروم والفرس وبين الروم والعرب على مدى التاريخ الإسلامي حتى سقطت القسطنطينية. فمثل هذه الحوادث التي يذكرها القرآن لا تساعدنا في تأريخه، بل تزيد الماء تعكراً
السبب الرابع: إدخال كلام عادي قال به محمد في وقتٍ ما في صلب القرآن. فمثلاً قال محمد في حجة الوداع مخاطباً المسلمين "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناُ". وعندما اكتمل المصحف العثماني وجدت هذه المقولة طريقها إلى سورة المائدة في الآية الثالثة. وقد اتفق المؤرخون أن حجة الوداع كانت في العام التاسع بعد فتح مكة. فهذه الآية في سورة المائدة قد تساعد المؤرخين في القول إن سورة المائدة أتت في العام التاسع، ولكن المشكلة تأتي عندما ندرك أن محمد قال لهم في نفس الخطبة اليوم أكملت لكم دينكم، وهذا يعني أن كل التشريعات الإلهية قد اكتمل نزولها بنهاية ذلك اليوم. ولكننا نعرف أن سورة المائدة لم تكن آخر سورة نزلت من القرآن، فقد جاءت بعدها حسب الترتيب الزمني سورة النور ثم سورة براءة. وسورة النور جاءت بعدة تشريعات مهمة مثل(الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة). وكذلك (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأريعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة). وكذلك آية الملاعنة (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين). فإذاً الآية التي تقول اليوم أكملت لكم دينكم، إما أنها لم تكن قرآناً أصلاً، وإما أنها قرآن ولكن لم تأتِ مع سورة المائدة، وإما أن محمد لم يقل الآية في حجة الوداع سنة تسع. فليس من السهل على المؤرخ أن يجزم بأي تاريخ لهذا الحدث.
ويزيد المفسرون الطين بلة بأن يقولوا إن حادثة الإفك التي أُتهمت فيها عائشة بالاختلاء بالشاب صفوان بن المعطل حدثت عندما كان محمد في طريق عودته من غزوة المريصيع – بني المصطلق- التي اتفق المؤرخون أنها كانت في العام الخامس الهجري. فالآيات التي تحدثت عن حادثة الإفك وبرأت عائشة كانت في نفس سورة النور (إن الذين جاءوا باللإك عصبةٌ منكم) (النور 11). وحسب اتفاق المؤرخين فإن سورة النور جاءت في العام الثامن الهجري، فكيف تكون حادثة الإفك في العام الخامس وتبرئة عائشة تأتي في سورة النور في العام الثامن؟
فالواضح من هذا السرد أن كل ما ذكره المؤرخون المسلمون عن بداية الإسلام وعن نزول القرآن وجمع المصاحف ما هو إلا قصص جدات يحكيها الناس للتسلية أو لتخدير العقول كي ينام الجميع نوماً هادئاً. وأعتقد أن ما قاله المستشرقون عن أن القرآن لم يكتمل جمعه وكتابته إلا في نهاية القرن الثامن الميلادي، قول الاهتمام به، وعلى المسلمين أن يفندوه بالدليل والحجة إن كان لهم سندٌ قد غاب عنا.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,424,279,059
- عمر عائشة عندما تزوجها محمد
- إصلاح الإسلام 3-3
- إصلاح الإسلام 2-3
- إصلاح الإسلام 1 .... تعقيباً على الأستاذ العفيف الأخضر
- الخوف والجهل هما حجر الأساس
- إله الإسلام في الميزان
- في معية القراء مرة أخرى
- الإسلام لا يحترم العقل
- ما هي مهمة الأديان؟
- كامل النجار في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول التشكيك وا ...
- كيف أتينا إلى الوجود
- تساؤلات القراء
- الكون بين العلم والدين
- لجان البحوث الدينية وتفاهة البحث
- كيف خسر المسلمون بإلغاء العبودية؟
- تخاريف رجال الأزهر - الحلقة الأخيرة
- تخاريف رجال الأزهر 3
- تخاريف رجال الأزهر 2
- تخاريف رجال الأزهر 1
- الدكتور سيد القمني وتأخر المسلمين - تعقيباً على القراء 2-2


المزيد.....




- اتحاد الشغل في تونس يطلب تحييد المساجد والإدارة قبل الانتخاب ...
- راهب برازيلي يحظر الجنة على البدينات ويثير على مواقع التواصل ...
- قبل إسرائيل.. تعرف على محاولتين لإقامة -وطن- لليهود في أمريك ...
- أردنيون ضد العلمانية، وماذا بعد؟
- الأرجنتين تحي الذكرى الـ25 للهجوم على الجمعية اليهودية وسط م ...
- الأرجنتين تحي الذكرى الـ25 للهجوم على الجمعية اليهودية وسط م ...
- نائب كويتي: وصول الإخوان إلى متخذ القرار سيؤدي إلى تدمير الك ...
- بعد مهاجمة ترامب لها.. كيف استقبلت النائب المسلمة الهان عمر؟ ...
- سلطة الآثار الإسرائيلية: اكتشاف مسجد أثري من عهد وصول الإسلا ...
- انفجار في مدينة -مذبحة المسجدين- النيوزيلاندية


المزيد.....

- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كامل النجار - هل يمكن تأريخ القرآن أو الإسلام؟