أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - أنور نجم الدين - جاسم محمد كاظم وفؤاد النمري: 3) خرافات جديدة في الاقتصاد السياسي















المزيد.....


جاسم محمد كاظم وفؤاد النمري: 3) خرافات جديدة في الاقتصاد السياسي


أنور نجم الدين

الحوار المتمدن-العدد: 3174 - 2010 / 11 / 3 - 11:27
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


جاسم محمد كاظم وفؤاد النمري:
3) خرافات جديدة في الاقتصاد السياسي
بقدر ما يكون التطور التاريخي بطيئًا بقدر ما ينتج البشر أفكارًا خاطئة عن علاقات غير موجودة في الواقع، كما يقول ماركس، فالبشر يقومون بتكوين الأوهام عن العالم في شروط معينة من التطور، وفي هذه الشروط يقوم البشر حتى باستعارة الأفكار الوهمية من الأمم الأخرى أيضًا؛ ففي مجتمعاتنا مثلا يقوم الكتاب باستعارة علم الاقتصاد السياسي بتفاصيله من المجتمعات الأوروبية -إنجلترا وفرنسا- باعتبارها موطن الاقتصاد السياسي أي أنه ليس وليد مجتمعاتنا الشرقية، فلم يظهر الاقتصاد السياسي هنا كتعبير عن اقتصاد سياسي في العلاقات البشرية الفعلية؛ لذلك سيكون من الصعب فهم الجذور التاريخية لهذا العلم، ثم كيفية تطورها، وتراجعها، وتناقضها مع الأشكال التاريخية الأخرى للأفكار، وخاصة المادية التاريخية؛ فالمجتمع الذي يفتقر في الأساس إلى المواد التاريخية بالنظر إلى اقتصاده بصورة تجريبية، لا يمكنه أن ينتج فكرًا إلا بوصفه لغزًا سريًّا عن هذا الاقتصاد، أي أنه لا يمكنه أن يقدم أي تصور واقعي عن المجتمع المعني، وتاريخه، وعلاقاته بالعالم الخارجي إلا في شكل الأوهام، فالافتقار إلى المواد التاريخية يعني الافتقار إلى القدرة في تصور الواقع كما هو موجود، ثم الاستعاضة عن الفكر الواقعي بالأفكار المجردة. وسيدخل هذه التصورات الاقتصادية اقتصاد عامي مبتذل، أي الاقتصاد الذي ينطلق دائمًا من الاقتصاد المدرسي.
وإذا ما نظرنا إلى أطروحات فؤاد النمري الاقتصادية، وهو موضوعنا الأساسي هنا، لرأينا أن مبادئ الاقتصاد العامي تسيطر على تفاصيل كتابه (جديد الاقتصاد السياسي)، ففي هذا الكتاب وصل فؤاد النمري إلى النتائج الآتية:

1)

"على ضوء كل ما تقدم نستطيع أن ندرك أن سوق اليوم ليست هي سوق الأمس وأن قانون القيمة لم يعد يعمل كما كان يعمل بالأمس. سوق السلع ضمرت وقل روادها، وأخذ الناس يشترون من الخدمات ومن خارج السوق ما يعادل أضعاف ما يشترونه من السلع من السوق".

2)

وفي مقارناته (بين مصنعٍ للأحذية وبين شركة تأمين أو مصرف كلاهما يعمل بأسلوب غير رأسمالي وينتج الخدمات)، حسب تعبير فؤاد، وصل فؤاد في (جديد الاقتصاد السياسي) إلى النتيجة الآتية:

"وهنا تبرز حقيقة علمية في غاية الأهمية في علم الاقتصاد وهي أن الخدمة لا تحمل في قيمتها التبادلية أي فائض للقيمة الذي هو لب وروح أسلوب الإنتاج الرأسمالي، ولا أية حدود للقيمة الحقيقية أو الكلفة، وهو ما يعني أن الخدمة لا تخضع لقانون القيمة الرأسمالي أي أنها ليست منتوجًا رأسماليًّا" (فؤاد النمري، جديد الاقتصاد السياسي)

في موضوعاتنا هنا سوف نحاول دحض وجهات نظر فؤاد من خلال جواب الأسئلة الآتية:
ما الجديد في السوق الرأسمالية؟ وما الجديد في قانون القيمة؟ ما المميزات الاقتصادية لهذا التغيير في قانون القيمة؟ وإذا كانت دلائل التغيير هي ظهور قطاعات خدمية -وهذه القطاعات قديمة قدم الرأسمالية الصناعية- فما التغيير في فعل القانون؟ هل يكفي أن نقول لقد حدث التغيير في السوق وفي قانون القيمة؟
وثم مَن مشتري هذه "الخدمات"؟ ما أسباب ظهورها في الأساس؟ وإذا كان شراء الخدمات يعادل أضعاف ما يشترونه من السلع من السوق–وهذا غير صحيح اطلاقًا؛ فهل يعني هذا "أن سوق اليوم ليست هي سوق الأمس"، أو "أن قانون القيمة لم يعد يعمل كما كان يعمل بالأمس"؟ وهل صحيح أن نقول: "الخدمة لا تحمل في قيمتها التبادلية أي فائض للقيمة"؟ و"أن الخدمة لا تخضع لقانون القيمة الرأسمالي أي أنها ليست منتوجًا رأسماليًّا"؟

في العقل المدرسي فقط، أي العقل المشبع بأفكار برجوازية -الاقتصاد السياسي- يدور الحديث عن الأشياء دائمًا بصورة مغايرة تمامًا عن أصلها وأسباب ظهورها، فحجم الأشياء أو كمياتها أو أنواعها أو ما يلاحقها مما يسمى بالخدمات وهذه "الخدمات" نفسها، لا تعني شيئًا سوى اتساع السوق والثروة المادية للرأسمالية.

يقول ماركس: "ليكن المنتوج بضاعة أو لا، فهو دوما الشكل المادي لثروة أو لقيمة استعمالية مكرسة للدخول في استهلاك الفردي أو الاستهلاك المنتج - رأس المال، ترجمة محمد عيتاني، ص 1412".

ففي المجتمع الرأسمالي يكتسب كل شيء كل ما هو موجود في متناول المجتمع، شكل البضاعة ولها قيمة أو سعر محدد.

يقول ماركس: "ثمة أشياء ليست في ذاتها بضائع كالشرف والضمير ... إلخ مثلا، يمكن أن تصبح قابلة للبيع، وتكتسب هكذا بالسعر الذي نعطيها إياه، شكل البضاعة؛ فالشيء يستطيع إذن أن يكون له سعر شكلي دون أن تكون له قيمة - ماركس، نفس المرجع، ص 136".

وما أسباب ذلك؟

إن تزايد الطلب على المنتجات الصناعية اعتبارًا من البضائع التي استولت على السوق العالمية مثل البضائع النسائية، والألكترونيات، والكهربائيات، والسيارات، ومرورًا بالأسحة، وانتهاءًا بمواد البناء ومعداتها، وضرورة إشباع السوق في حينها، والتوسع الصناعي الذي تلاه بالضرورة، هو الذي كان سيسبب تطور وسائط أخرى حول كيفية تحقيق هذه الأهداف.
لذلك يحتاج الرأسماليون باستمرار محركات تجديد الإنتاج: الادارة، المحاسبة، أنظمة المعلومات، التأمين، النقل، المواصلات، الاتصالات، الإعلانات التجارية، التعليم، الصحة،... إلخ.

ان الأجهزة الاجتماعية للانتاج الرأسمالي -التبادل، الاستهلاك- والتقسيم الاجتماعي للعمل، هي التي تدبر أمور رأس المال ووظائف أعضائها المختلفة، فعلى عكس تصورات فؤاد فإن هذه الأجهزة ستجعل من كل شيء ذات قيمة أو سعر محدد في السوق، فهو يوسع السوق ولا يغير شيئًا من طبيعتها، فالشرف مثل التأمين، والنقل، والسياحة، إلخ قابل للبيع ولا يعني هذا إطلاقًا تغيير السوق، أو قانون القيمة، بل يعني بالضبط السيطرة الشمولية لهذا القانون على السوق التي اكتسبت سمة معينة منذ فجرها.

يوسع الإنتاج الرأسمالي بصورة مستمرة تقسيم العمل الاجتماعي، ويوسع هذا الأخير بدوره دائرة التبادل، أي حدود السوق الرأسمالية، مع الحفاظ دومًا على السمات التاريخية للمميزات المكتسبة للقيمة منذ ولادة هذه العلاقة، فقانون القيمة بوصفه ضابطة اجتماعية تتقوى باتساع حدود السوق، أي دائرة التبادل، ومهما يكن من أمر فالمنظم التاريخي سيبقى قانون القيمة. أما القيمة تتحقق عند دخولها مدار التبادل، وهي لا تصبح فعلية إلا بعد تبادلها، فالقيمة تتحقق خارج دائرة الإنتاج، أي عند استلامها من المستهلك، أما استهلاكه -فردي أو انتاجي- فلا يغير شيئًا من طبيعتها بوصفها إنتاج رأسمالي.

إن رأس المال الصناعي -رأس المال المنتج- هو الذي يحرك السوق الرأسمالية من أقصى العالم إلى أدناه. وإن شرط تقدم رأس المال الصناعي هو عدم توقفه عن الإنتاج، والبيع المتواصل، فالأمر إذًا يتعلق على الدوام بمدة البيع والشراء -دوران رأس المال: إن حركة رأس المال من بضاعة إلى مال ومن مال إلى بضاعة (ب - م - ب) هي عملية البيع والشراء، أي العملية التي تشكل زمنًا لازمًا في مرحلة تجديد الإنتاج. إن سرعة هذا التجديد يتوقف على تقديم جملة من الخدمات للرأسمالية لايصال بضائعها إلى حقل التبادل بأسرع ما يمكن. مثال:

النقل:

إن عملية البيع سيضطر الرأسمالي المنتج إلى التعجيل في وصول المواد الأولية من جهة، والمنتجات إلى المشتري من جهة أخرى، ويجب أن تتم هذه العملية بصورة منتظمة ومؤكدة لكي يصل المنتوج إلى المشتري في حينه، أو كما يقول ماركس:

"من الواجب أن تكون هذه العناصر جاهزة في مكان الإنتاج". "ولكن من الواضح أن رأس المال المنتج يمكن له اتخاذ الشكل المضمر، أي تكوين مؤونة، وذلك بنسب كثيرة". "ويعود ذلك إلى شروط مختلفة تنحصر أساسًا بالسرعة والانتظام والتأكيد التي يحصل كوسيلة إنتاج، في عملية أخرى، تعود إلى تطور وسائط النقل والمواصلات.
والسعر المنخفض للنقليات يلعب دورًا هامًّا – ماركس، نفس المرجع، ص 1420، 1421، 1422".

و"لنبحث الآن إلى أية درجة تدخل هذه النفقات في قيمة البضائع - ص 1425".

باختصار يقول ماركس:
إن البائع يحاول أن يتخلص من بضاعته بأسرع ما يمكن، وستصبح بهذا الشكل عملية تبادل بضاعته مستمرة، ويتسارع الدوران، ويتناقص حجم التخزين، ويتسارع تجديد الإنتاج، الذي يُؤَمِّن بدوره زبائنَ دائمين، ودون الازدياد في قيمة البضاعة بالنسبة للرأسمالي.

يقول ماركس: "القانون العام هو أن كافة نفقات الرواج تنشأ عن تغيير شكل البضاعة فحسب لا تزيد قيمة على البضاعة. إنها مجرد نفقات تحقيق القيمة، ونفقات مرور القيمة من شكل لآخر - ص 1431".
"إن الطريقة الرأسمالية في الإنتاج تنقص من نفقات النقل بالنسبة لكل بضاعة مأخوذة على حدة؛ وذلك بتنميتها لوسائل النقل والمواصلات فتكون صناعة النقل فرعًا خاصًّا من فروع الإنتاج، وبالتالي فهي تشكل فلكًا خاصًّا لتوظيف رأس المال المنتج – ماركس، نفس المرجع، ص 1434".

وهكذا، فلا يمكننا أن نتفق إطلاقًا مع فؤاد حول "أن الخدمة لا تخضع لقانون القيمة الرأسمالي أي أنها ليست منتوجًا رأسماليًّا"، وأن نفقات كل هذه الأنواع من "الخدمات"، تحسب ضمن الرأسمال الإنتاجي، ولا تتحقق القيمة إلا ضمن هذا القانون العام.

التأمين:

مثل النقل، للتأمين أيضًا دور مهم في تطوير وتوسيع السوق الرأسمالية للسلع، ففي العالم المعاصر لا يمكن تحقيق القيمة بالصورة التي يخطط لها رأس المال المنتج، دون ضمان نقل المواد الخام، والبضائع أيضًا إلى -ومن مكان الإنتاج، فنتيجة لخطورة فقدان البضائع، أو الكسر، أو الحريق، أو السرقة، أو الغرق، ... إلخ، ظهرت شركات التأمين لتوزيع الخسارات المحتملة على الطبقة الرأسمالية، أو كما يقول ماركس:

"من هنا جاء توزيع شركات التأمين لخسائر الرأسماليين المنفردين على مجموع الطبقة الرأسمالية؛ مما لا يمنع هذه الخسائر التي صفيت أن تظل خسائر بالنسبة لرأس مال المجتمع العام – ماركس، نفس المرجع، ص 1414".

الإدارة:

ستزيد أهمية الإدارة، والمحاسبة، والبيع، والتسويق الرأسمالية في كافة المجالات وكنتيجة لتوسع السوق الرأسمالية، ومع تطور الإنتاج السلعي وأسواقها، خاصة التسويق الألكتروني E-marketing ، تطور أيضًا المنهج الاستراتيجي في الإدارة، وهو عبارة عن إدخال عامل التخطيط والتنفيذ معًا في المشاريع الرأسمالية، والهدف هو تحسين نوعية وجودة المنتجات، وإيجاد أساليب جديدة للوصول إلى المستهلك بأسرع ما يمكن، واتخاذ الإجراءات الهادفة لرفع القوة التنافسية بالمقارنة مع المنافسين في السوق.
تمارس الإدارة الاستراتيجية عند تعدد المنتجات، وكثرة الصناعات، وتحديد المنتج والسوق، وإدارة البيع والتسويق بمهارة، وأن هذا النوع من الإدارة ذو نفقات عالية جدًّا نظرًا لضرورة استخدام تكنولوجيا المعلومات، ووجود الأقسام المتخصصة، والإعلانات التجارية المستمرة من خلال الوسائل الإعلامية المختلفة، والمحاسبة، للاهتمام بالتسويق والبيع في الزمن المحدد.

وهكذا، فعلى عكس فؤاد النمري، فهنا تبرز حقيقة علمية وهي أن هذه الخدمات تحمل في قيمتها التبادلية فائض القيمة، ولا يمكن تجديد الإنتاج دون عبور القيمة -السلع- بممرات محددة موجودة في الأساس لتحقيق القيمة، ولا وجود للقيمة دون وجود هذه "الخدمات"، وأن كل توسع فيها وفي وسائلها، يعود في الأساس إلى التوسع في السوق الرأسمالية للقيم -للسلع- وقانونها. وأن وهمًا مثل أوهام فؤاد النمري لا يأتي نتيجة لما يسمى بتغيُّر السوق وفعل قانون القيمة، بل يأتي من العقل المدرسي الذي ينظر إلى قانون القيمة من منظور الاقتصاد السياسي لا علم اقتصادي - تاريخي مثل المادية التاريخية.
وكما هو معلوم فتشتق من قانون القيمة كل القوانين الاقتصادية للمجتمع الرأسمالي، فالقيمة إذًا تحمل في ذاتها الشكل الرأسمالي للإنتاج، فيعبر هذا القانون عن علاقة مميزة وتبادل مميز بالمجتمع الحديث، فأي تغيير في هذا القانون يعني في الواقع التغيير في كل العلاقات أو القوانين الاقتصادية.

أما فؤاد فيقول: "حتى قانون العرض والطلب قد غاب عن الساحة نهائيًّا"، فأية ساحة يقصد فؤاد؟! لا ندري بالضبط، ولكن لا يمكن أن يختفي هذا القانون في أي مستوى أو أية ساحة، ضيقة أم واسعة، ما لم يختفِ رأس المال وسوقه وقانونه الذي يحركه وهو قانون القيمة، فقانون العرض والطلب هو المنظم الأساسي للسوق الرأسمالية، فَبِغِيَابِها ستختفي الفوضى الإنتاجية، والقانون العام للانخفاض والارتفاع الدوري للأسعار، والتضخم، والمزاحمة العمومية. ولكن كتاب (جديد الاقتصاد السياسي) الذي ليس سوى خرافات قديمة في الاقتصاد السياسي، سيواجه السؤال الآتي: ما القانون الذي سيعوض قانون القيمة ومشتقاته مثل قانون العرض والطلب؟

الخلاصة:

لو امتلكنا معرفة واقعية بالقوانين المادية للمجتمع الرأسمالي لانطلقنا من العلاقات التي ينظمها قانون القيمة؛ فإلى جانب عملية البيع والشراء، وهي العملية التي تدور حولها كل العلاقات والقوانين للمجتمع الرأسمالي، وتوجد السوق بسببه، ويظهر قانون القيمة من خلاله، هناك إنفاق من زمن العمل في "الخدمات" التابعة بحركة تجديد الإنتاج، فهذه "الخدمات" موجودة لأجل رأس المال، ويدخل الزمن المكرس للبيع والشراء –دوران رأس المال- بالذات، العملية التي تتحقق من خلالها القيمة، فكل هذه "الخدمات" موجودة لخدمة الرأسمالية، أي لتحقيق قانون القيمة؛ لأن الرأسمالية لا توجد دون وجود هذا القانون. وأن التبادل الرأسمالي لا يعني شيئًا سوى تقديم شيء نافع للمستهلكين، قابل للتسعير.
ومن ضمن هذه "الخدمات" أن العاملين سيحتاجون في المدن الكبيرة خاصةً، جملة من "الخدمات" الأخرى مثل المطاعم، والمقاهي، ومراكز الرياضة،... إلخ. ثم تنظيم المدن، وخدمات البلدية، وإدارة شؤون الملكية، وحماية البيئة ستدخل أيضًا دائرة الخدمات الضرورية للمجتمع من قبل إدارة رأس المال السياسية -الدولة. وكل هذه الخدمات والتي تنظم بالفعل أمور وحركة رأس المال، سيدفعها المجتمع بأساليب مختلفة لا الرأسماليين أنفسهم: الضرائب مثلا.

إن نفقات الدولة الاجتماعية مثل التعليم، والصحة، والبلدية، ورفع كفاءة العاملين في المصانع أو الدوائر، من خلال الدورات التأهيلية لأداء الأعمال التجارية أو الإدارية، ليست سوى ثمنٍ لتنظيم رؤوس الأموال الإنتاجية وتسهيل أمورها في القيام بإنجاز مهماته الاستثمارية، فالدولة تنظم علاقة العمل بالرأسمال من خلال تقديم الخدمات الاجتماعية، والقرارات السياسية، والقوانين. أما النفقات الخيالية الخاصة للجيش، والشرطة، والاستخبارات، أي الأجهزة التي لا تساهم في بناء المجتمع حتى للحظة واحدة، بل لديها مهمات تدميرية فقط، لا يمكن أن توجد إلا على أكتاف البروليتاريين والفوائض التي يقدمونها للمجتمع في شكل فائض العمل - فائض القيمة، فالدولة توجد لتنظم أمور رأس المال وتأمين احتياجاته لا الحاجيات الاجتماعية للمجتمع.
أما الشكل السياسي للدولة، فلا يأتي إلا مطابقًا للحالة الإنتاجية التي تقف عليها الحياة السياسية للمجتمع في درجة معينة من تطورها، فالاقتصاد الحر أو الاحتكاري لا يغير شيئًا من المهمة التاريخية التي توجد الدولة من أجلها.
ومادامت الدولة توجد فلا يمكن القضاء على الفوضى الإنتاجية نهائيًا، أي لا يمكن تنظيم المجتمع بحيث يستهدف تنظيم الإنتاج تنظيم الحاجيات الاجتماعية، فالدولة الاحتكارية السوفيتية مثلا لم يكن بمستطاعها السيطرة على الاختلال الصناعي حتى بعد 70 سنة من تطوره، فأهم مشكلة من مشاكل السوفيتيين كانت دائمًا مشكلة المواد الغذائية وصناعتها، ومثل كل دولة من دول العالم، فثروة المجتمع تستولي عليها قوات الأمن والجيش والشرطة، أي الأجهزة التي لديها مهمة اجتماعية واحدة: حماية الأسياد من المجتمع المنتجين!
وتجب الاشارة في نفس الوقت الى أن احتكار السوق المحلية نتاج المنافسة الرأسمالية نفسها، ولا يلغي الاحتكار المنافسة أو المنافسة الاحتكار، فالاحتكار لا يعني سوى تمركز رأس المال نفسه، فبنتيجة التمركز نشأت الشركات الكبيرة، والاتحادات الرأسمالية، والشركات المساهمة، والسوق المحلية، والأسواق المشتركة، مثل سوق الولايات المتحدة الأمريكية، والمجلس التعاضد الاقتصادي السابق، ومنظمة أوبك، والسوق الأوروبية الموحدة.
وكل هذه الأسواق الكبيرة لم تحل لا المنافسةُ ولا الاحتكارُ، كما لم تحل الأسواقُ التنافسية مثل الأسواق الأوروبية، أو الأسواقُ الاحتكارية مثل الدول التابعة لمجلس التعاضد الاقتصادي الذي كان يقوده الاتحاد السوفيتي السابق أيَّةَ مشكلة اجتماعية، وخاصةً الفقر، ورغم التراكم المستمر في رأس المال، ولكن الفقر والمجاعة يهدد العالم حتى اليوم، فلا التقدم التكنولوجي والعلمي، ولا ما يسمى بالاقتصاد الخدمي، والاقتصاد المعرفي، يغير شيئًا من الطبيعة القاسية للإنتاج الرأسمالي، فبرغم تصورات وهمية حول ما تسمى بالبرجوازية المتوسطة وسيطرتها على العالم، فها هي الأمم المتحدة تقوم بتوزيع الجوائز لتخفيف حدة الفقر في الصين بعد ما مرت عشرات السنين على اشتراكيتها، وهل تعرفون يا تُرَى أن الممثل العالمي للرأسمالية العالمية -الأمم المتحدة- أقرَّت بكل اعتزاز يوم 17/10/2010 كيوم للفقر كل عام في كوكبنا؛ الكوكب الذي يعيش عليه نصف العالم -3 مليارات من البشر- تحت الخط الذي يحددونه بخط الفقر؟ هذا وبالإضافة إلى الصعوبة التي يعانيها البشر للحصول على مياه صالحة للشرب، والافتقار الى السكن، والخدمات الصحية، وسوء التغذية، فيموت الملايين من الجوع أيضا. وفي المقابل تبلغ ثروة ثلاثة من أغنياء في العالم، الدخل القومي لأفقر 48 دولة في العالم.

وهنا يجب أن نسأل: أين هي إذًا شبح الطبقة الوسطية التي أصبحت غذاءً روحيًّا لأطروحات فؤاد وأمثاله؟
فما تُسَمَّى بالطبقة المتوسطة ليست سوى هؤلاء الذين يرتفع دخلهم في الحالة الاجتماعية التي تحدثنا عنها أعلاه. وإذا ما نظرنا إلى دخل الطبقة البروليتارية ومن ضمنها دخل ما تسمى بالبرجوازية المتوسطة من وجهة نظر متوسط الدخل، فلا نستنتج سوى عكس ما يستنتجه فؤاد النمري، أي نستنتج أن فقر العاملين في العالم في عام 2010 لا مثيل له في تاريخ البشرية.

وهكذا، فالاختلاف المنهجي بين علم الاقتصاد السياسي والمادية التاريخية بوصفها علم اقتصادي - تاريخي، هو أن الأول يدرس قوانين ظهور وثبات المجتمع المدني، بينما الثاني يدرس قوانين حركة وانهيار المجتمع المدني، الأول يبحث قوانين نشأة المانيفاكتورة، أي الأجر والأرباح، بينما الثاني يبحث قوانين الصناعة الكبيرة، أي النوبات الدورية والأزمات؛ لذلك فالأول -الاقتصاد السياسي- يدرس التملك الخاص بوصفه ظاهرة أبدية، فهو ينطلق من الثروة، والرفاهية، والندرة. ولا يملك مُخْتَصُّو الاقتصاد السياسي أية فكرة عن التناقضات التي تدور حول الثروة والتناقضات الاجتماعية التي تدور حولها، ونتائجها التاريخية، فهم يُقِرُّون بأبدية المجتمع الرأسمالي، وكنتيجة لذلك وصل ماركس إلى النتيجة الآتية: (إنَّ الاقتصاد السياسي برجوازي، إنَّه يدرس النظام الرأسمالي ليس كدرجة عابرة تاريخيًّا من درجات التطور، بل على العكس كشكل مطلق نهائي للإنتاج الاجتماعي - كارل ماركس، رأس المال)، بينما الثاني، المادية التاريخية، يدرس النظام الرأسمالي كدرجة عابرة من التطور التاريخي، فالمقدمة التي ولدت منها المادية التاريخية ليست هي القوانين الضابطة للعلاقة الاقتصادية المجردة بين العمل والرأسمال -الأجر والأرباح، بل هي تاريخ نشوء هذه العلاقة، وقوانين تناقضاتها وتطورها المحتومة. وهذا ما يجعل المادية التاريخية علم اقتصادي - تاريخي، فالاقتصاد السياسي هو علم اقتصادي، مدرسي، يبحث ثروة المجتمع، أما المادية التاريخية علم اقتصادي - تاريخي يبحث العلاقات البشرية، والصراعات الاجتماعية في الحركة الاقتصادية - التاريخية الناتجة من تطور الصناعة، والمبادلة، فالمادية التاريخية تبحث إذًا القوانين المادية للتطور التاريخي، والمنشأ التاريخي للمفاهيم الاقتصادية مثل السوق، وقانون القيمة، وقانون العرض والطلب، إلخ، وثم قانون تفاعلها وتطورها الاجتماعية، أي أسباب تغيرها وتحولها من علاقة إلى أخرى.

أما كتاب (جديد الاقتصاد السياسي) يقدم لنا موضوعًا لا نجد فيه أي مبرر تاريخي لما يقوله فؤاد حول التغير في السوق، وفي قانون القيمة، فهو يتحدث عن التغيير، ولكن دون تحديد المميزات الاقتصادية الجديدة للمجتمع لما بعد هذه التغيرات، أو ماذا حدث بعد هذه التغيرات المزعومة، فهو بالأحرى قام بنقل مفاهيم جافة من الاقتصاديين البرجوازيين لا بتحليل منهجي لما يقدمونه هؤلاء الاقتصاديين المبتذلين من المفاهيم التي ينقلها لنا فؤاد كتعبير عن حالة جديدة غير موجودة في الواقع، ففي مفاهيم (جديد الاقتصاد السياسي) نرى أن المنتج لا ينتج السلع الخالصة، ولا يوجد قانون قيمة خالصة وسوق رأسمالية خالصة مع قانونها الأساسي الخالص لضبط تموجات السوق وهو قانون العرض والطلب. وما هذه النتائج إن لم تكن خرافات لا نجد أصلها في الحياة الاقتصادية للمجتمع بأي شكل من الأشكال؟

إن فائض العمل وهو منشأ فائض القيمة، يمر عبر كل حلقة من حلقات الإنتاج الرأسمالي، فلا شيء يتحرك ضمن هذا العالم دون خضوعه لعملية إنتاج القيمة وفائض القيمة، وكل ما يوجد خارج ساحة الإنتاج كالأحزاب، والنقابات، والوسائل الإعلامية، والسينما، وحتى المنظمات الخيرية، يقف إجلالا أمام قدسية الملكية، أما الملكية الحديثة فلا تعبر عن نفسها إلا في شكل تراكم فائض القيمة، فمن أين يحصل النجم السينمائي مثلا على دخله العجيب، وهو ما يقابل الدخل السنوي لملايين العمال، إن لم يكن من فائض القيمة الاجتماعي؟

اذا، فما تعبر عنها مفاهيم فؤاد الغريبة بالعلم المادي للتاريخ ليست سوى خرافات لا نجد أصلها في الحياة الاقتصادية للمجتمع بأي شكل من الأشكال.
نعم، إنها بالفعل خرافات يتخيلها عقل فؤاد النمري، مثل (خرافة عودة لينين)، و(خرافة انهيار الاشتراكية) التي يتخيلها عقل كل من جاسم محمد كاظم وفؤاد النمري وأمثالهم.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,319,543,058
- جاسم محمد كاظم وفؤاد النمري: 2) خرافة انهيار الاشتراكية
- جاسم محمد كاظم وفؤاد النمري: 1) خرافة عودة لينين
- نظام لينين نظام العمل المأجور: 3- التخطيط الشيوعي للإنتاج
- نظام لينين نظام العمل المأجور: 2- كيف يجري التوزيع في الإنتا ...
- نظام لينين نظام العمل المأجور: 1- طبيعة الاقتصاد السُّوفيتي
- لينين: تراجيديا السوفيتية!
- نظام لينين نظام تايلوري -2
- نظام لينين نظام تايلوري -1
- الاتحاد السوفيتي في ضوء قانون القيمة
- الاتحاد السوفيتي السابق: كيف نبحث أسباب انهياره؟
- الدين بين المادية الألمانية والمادية الإنجليزية -3
- الدين بين المادية الألمانية والمادية الإنجليزية -2
- الدين بين المادية الألمانية والمادية الإنجليزية -1
- لينين: عدوا لدودا لثورة الكومونة
- الديالكتيك الإلهي وقانون حركة المجتمع الحديث
- ثورية الديالكتيك
- ماركس وإنجلس في التناقض
- الديالكتيك والشيوعية
- فؤاد النمري وحسقيل قوجمان في الديالكتيك الإلهي -5
- فؤاد النمري وحسقيل قوجمان في الديالكتيك الإلهي -4


المزيد.....




- تجار: الجنيه السوداني يرتفع في السوق السوداء
- تشيلسي يحجز مكانا في المربع الذهبي للدوري الأوروبي
- وزير الاقتصاد السوري يكشف لـRT سبب أزمة الوقود في البلاد
- أسعار النفط ترتفع بسبب هبوط صادرات السعودية
- بدء منتدى يالطا الاقتصادي الدولي الـ5
- معركة بين بوروشينكو وأوليغارشي معارض على أكبر بنك أوكراني
- مصر.. توقعات بانخفاض إنتاج القطن 31%
- الأردن يرحب بإقامة منطقة صناعية تركية
- الرياض وطهران.. مواجهة اقتصادية بالعراق
- موسكو: قيودنا الجديدة ستمس 30 بالمئة من التبادل التجاري مع أ ...


المزيد.....

- السعادة المُغتربة..الحدود السوسيواقتصادية للمنافع الاختيارية / مجدى عبد الهادى
- تقييم حدود التفاوت الاقتصادي بين منطقتي العجز التجاري الامري ... / دكتور مظهر محمد صالح
- المحاسبة والادارة المالية المتقدمة Accounting and advanced F ... / سفيان منذر صالح
- الموظف الحكومي بين الحقوق والواجبات Government employee betw ... / سفيان منذر صالح
- حدود ديموقراطية الاستغلال..لماذا تفشل حركات الديموقراطية الا ... / مجدى عبد الهادى
- الثلاثة الكبار في علم الاقتصاد_مارك سكويسين، ترجمة مجدي عبد ... / مجدى عبد الهادى
- تجربة التنمية التونسية وازمتها الأقتصادية في السياق السياسي / أحمد إبريهي علي
- القطاع العام إلي أين ؟! / إلهامي الميرغني
- هيمنة البروليتاريا الرثة على موارد الإقتصاد العراقي / سناء عبد القادر مصطفى
- الأزمات التي تهدد مستقبل البشر* / عبد الأمير رحيمة العبود


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - أنور نجم الدين - جاسم محمد كاظم وفؤاد النمري: 3) خرافات جديدة في الاقتصاد السياسي