أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سرمد السرمدي - بين الجليل والجميل في الفن






















المزيد.....

بين الجليل والجميل في الفن



سرمد السرمدي
الحوار المتمدن-العدد: 3051 - 2010 / 7 / 2 - 00:10
المحور: الادب والفن
    


الجليل والجميل

كانت قد أرسى الجمال والجلال على الغبطة واللذة على أساس سيكولوجي، و إدموند بيرك أرسى الجميل والجليل على الألم، على أساس ميتافيزيقي. وقد اتخذ شوبنهاور مفهومه التراجيدي عن الجمال والجلال.


يرى أفلاطون في الجمال كحالة كشف صوفي لجمال مطلق بذاته ولذاته، الجمال الشمولي المفارق، نموذج النماذج ومثال المثل، في بحثه عن ماهية الجمال المطلق 1 ، ليس في عالم الجمال، وإنما في عالم الحق، الأمر الذي جعله يخلط مثالات الخير والحق بالجمال. ويعتبر العقل والفضيلة معيار الجمال العلوي. المتعالي. والمتعالي ال كانتي يختلف عن المتعالي الأفلاطوني لاقتران منجهه بالزمكانية المحدد الظواهري لما هو أولاني noumenale. وهذا الفارق الأساسي بين التعالي والمتعالي هو الذي يجعل أفلاطون يسعى في إيجاد تعريف جامع- مانع للجمال بذاته ، فيدرج الجميل في محاورة هيبياس تحت خانة "المناسب " أو " المفيد " أو "الجيد" أو "الممتع " أو حتى "القانون " إذا يقان إن الجمهورية "جميلة" والعدالة جميلة . وكل هذا بلا طائل. وقد نجد أفلاطون في محاورة " فيليبوس " يتحدث عن لذة متأتية عن الأشكال المحضة، كالروائح الجميلة، المتحررة من كل رغبة بحتة، دون أن تكون- مع ذلك خالصة أو ميتافيزيقية تذكر بالتصور الجمالي الشكلاني. إلا أن أفلاطون في عزله الرغبة عن الجمالية كان يقصد على ما يبدو من منطوق فلسفته الجمالية الواقعية. فالجمالية الأفلاطونية، إذن، من حيث كونها مثالية، هي جمالية واقعوية، وليست جمالية ظواهرية، علائقية، إذ الأشياء المحسوسة- في- العالم بموجبها، ليست إلأ ظلالات لحقيقة علوية، متعالية.

مفهوم الفن والجمال عند الفلاسفه
مــفــهــومــه الــفــيــلــســوف
الفن محاكاة للطبيعة
الجمال:1ـ حسي,2ـ روحي افلاطون
الفن ناتج من الميل الى التقليد,والفنون نوعان:نافعة,جميلة
الجمال هو الشيئ النبيل ارسطو
الجمال مرتبط بالعقل والاحساس
ديكارت
تنمية الادراك الحسي للنمو المعرفي والجمالي بومجارتين
الجمال مرتبط بالاحساس
هوجارت
الجمال يعتمد على التنمية الحسية
بيرك
الفن شكل ومعرفة
هيربرت ريد
الفن حياة وخبرة
جون ديوي
الجمال هو مايسلينا عند رؤيتة
توما الاكويني
الجمال ظاهرة من ظواهر الفن
شوبنهور
الفن يقوم على الحدس
هنري برجسون + كروتشة
الاتجاة النسبي في الجمال
مالبرانش
الفن لعب
الجمال ضرورة تبرز معاني الحياة شيللر+هيربرت سبنسر+دور كيم
الفن صناعة
فيكتور باش
الفن تحقيق للمتعة الجمالية
سنتيانا
الفن شامل
مالرو
الفن مرتبط بالموقف الميتافيزيقي كامي
الفن ضرورة ورمز
تولستوي+سوزان لانجر
الجمال والفن مرتبطان بالحالة النفسية
فونت
دراسة الفن والجمال بالاسلوب العلمي
تين
الفن عملية تغيير
شارل لالو
الجمال والفن يؤديان الى الترابط بين الجوانب النفعية والجمالية ايتين سوريو
عالم حسي ـــ الجمال ـــ عالم عقلي
كانت
الفن مصدر للفلسفة
شلنج
الفن ميدان للتربية الجمالية
هيجل
الجمال ادراك خفي
ليبنز
الجمال من صفات الخالق ويدرك بالعقل
الغزالي
الفن عمل انساني
التوحيدي
الجمال مرتبط بالحرية
الفن مرتبط بالتعبير والحياة عباس العقاد
الفن والدين مرتبطان ببعضهما
الجمال حقيقة في الكون محمد قطب
الجمال هو اساس كل جمال فني
الفن نشاط انساني سلامة موسى
الجمال مرتبط: بالقوة,الوفرة ,الذكاء
احمد حسن الزيات


وأمام الإفراط في النزعة الواقعوية الجوهرية جاءت الأرسطية لتؤكد على واقعية- تركيبية، تأليفية، فالجمال مركب من مادة وصورة يتألف منهما الموضوع الجمال؛ وهذا الفارق هو الذي جعل أفلاطون يركز على عوامل "الانسجام والقياس " كشرط للجمال. فيما أكد أرسطو على عامل "التناسق " كمقوم للجمالية. وكان المقصود بالانسجام والقياس في المنطوق الأفلاطوني الانسجام مع مثال الجمال بذاته، كمبدإ مفارق، في حين أن موضوعية أرسطو جعلته يرى الجمال نموذجآ ملازمآ للموضوع الجمالي. ورؤيته للفن باعتباره إبداعآ لا اكتشافآ هي التي جعلته يركز على أهمية التناظر symetrie والوحدة في منظوره الجمالي.

ومقابل أفلاطون الذي ؤصل الجمال بالأخلاق والسياسة والقانون فصل أرسطو المعيار الأخلاقي ، مشددآ على خصوصية العمل الفني- لذاته، إذ إن الفن بنظره يتميز بخاصية تطهيرية، تفريجية، غايتها "الإزاحة" أو إزاحة الانفعالات التراجيدية والكوميدية الكامنة في الأثر الفني والجمالي، بواساطة التطهير النفساني. وفيما يرى أفلاطون أن المحاكاة هي تقليد للمنسوخ عن أصله، يرى أرسطو أن المحاكاة الكامنة في الفعل والتصرف والأخلاق السائدة، والأهواء. وهذا ما سيلاحظه فيما بعد برغسون في نظريته الكوميدية الضحك حيث يكشف الضحك والكوميديا اصطناعية الحياة. كما تكشف التراجيديا المفارقات المأساوية في الأفعال والأوضاع الإنسانية.

وقد تفاوت استيعاب الفلاسفة المسلمين لمفهوم الدراما اليونانية، بسبب أخطاء الترجمة في عصر التدوين، حيث جرى الخلط بين المفاهيم اليونانية المسرحية ومفاهيم المدح والهجاء العربية السائدة. ويشير الفارابي إلى التراجيديا بقوله "أما طراغوذيا فهو نوع من الشعر، له وزن معلوم، يلتذ به كل من سمعه من الناس أو تلاه، يذكر الخير والأمور المحمودة المحروص عليها وئمدح بها مديرو المدن " 2 . ويعرف ابن سينا "الطراغوذيا" بأنها "محاكاة فعل كامل الفضيلة، عالي المرتبة ، بقول ملائم جدآ، لا يختص بفضيلة جزئية، تؤثر في الجزئيات لا من جهة الملكة، بل من جهة الفعل، محاكاة تنفعل لها الأنفس برحمة وتقوى" 3 . ويلاحظ ههنا ليس فقط الخلط ما بين الدراما والشعر، بل وبين الكوميديا والتراجيديا. وذلك رغم أهمية اكتشاف مفهوم التطهير الدرامي عند الفلاسفة. وقد ربط ابن رشد، بدوره، بصورة شبه حرفية بين التراجيديا والكوميديا فسمى الكوميديا بصناعة الهجاء والتراجيديا بصناعة المديح 4 .في العصر الوسيط، تميزت الجمالية والجماليات بطابع إلهي- مركزي، فكانت جمالية ثيودسية أساسها ومناطها الله، وكانت الإستيطيقا الفنية غير موجودة إلأ في إطار ما هو متعالي ومقدس ومحرم. لذلك خلت الجمالية اليهودية- ماخلا بعض الأثار التي تمزج اليهودية بالهلنتسية 5 - من الفن التجسيمي. وانتقلت عدوى الحظر والتحريم إلى الإسلام، فحظرت الجمالية الإسلامية التمثيل التجسيمي باستثناء الرقم، أي الوشي والزينة التجريدية. والحق أن حظر التصوير أدى إلى نشوء فن الارأبيسك ، وجمالية هذا الفن محضة، تقوم على الشكل الخالص دون إرادة العامل ومراد الموضوع. إلأ أن سؤال الحسن وطبيعته وماهيته ظل قائمآ؟ وفي إطار المساءلة حول إشكالية الحسن في علم الكلام رأت الأشعرية أن الحسن والقبح أمران ذاتيان، مناطهما الشرع، بينما وجدت المعتزلة أن الحسن مناطه العقل. ويعبر الجاحظ وهو من أئمة المعتزلة عن هذه الوجهة أفضل تعبير. وهو لا يتبنى المفهوم العقلي للمعتزلة بصدد موضوعية الحسن والقبح وحسب، بل يطوره فيتبنى موقفآ مشابهآ للموقف ال كانتي المتعلق بالحكم الجمالي، ويرى أن الجمال أدق على التحديد والحكم، إذ يقترن فيه الحسن بالعقل ولا يتأتى الحكم إلأ للثاقب النظر وفي هذا تتشابه! مع الجمالية ال كانتية التي ترى أن الحكم الجمالي هو حكم الذائقة، هو من طبيعة إستيطيقية وليس !ن طبيعة أفهومية. ويفسر الجاحظ بهذا الأمر "اختلاف " الناس في أمر الجمال والحكم الجمالي. وللجاحظ نظرية في الشعرية أفردها وشرحها في "القيان " و"البيان والتبيين "، قدم فيها المبنى على المعنى، والشكل على المضمون، والتجويد على المعيار الأخلاقي. فالشكل والصياغة لا يتأتيان إلأ للخاصة، وإلأ فالمعاني "مطروحة على الطرق "، والشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء، وفي صحة الطبع ومتانة السبك. والقصد الشعري عند الجاحظ أشمل وأوفى من التعقيد والتقفية. وهو يطعن بنظام البحور الخليلي، ويرى أن معيار الشعر في الطبع والموهبة وحسن السبك والتصوير وليس في القاعدة والقانون 6 .

ويتبنى قدامة بن جعفرفي "نقد الشعر" و"نقد النثر" موقف الجاحظ في الفصل بين قيمة الشعر- في- ذاته ولذاته، والقيمة الأخلاقوية. فالعمدة عنده في قوة الشاعر وقوة الشاعرية، وقد يلجأ الشاعر إلى الذم والمدح، وقد يكون المعنى فاحشآ، لكن الجودة الشعرية متوفرة، وقد يكون المعنى- على العكس "فاضلا" بدون جودة شعرية. ولا يوصف الشاعر بالصدق والكذب أو بجودة المعنى فقط ، فالأسماء علامات بل بجودة الشكل والمبنى ، ومعنى اللفظ موجود - فيه- أي في الشعر والشعرية. والغلو والتخييل والإغراق والإحالة تعتبر من مقومات الشعرية والشاعرية 7 . وفي هذا حاولت الجمالية العربية النقدية في العصر الكلاسيكي أن تميز مابين الحسن الجمالي والحسن الأخلاقي، والحكم الجمالي والحكم العقلي، والجمال والجودة فقدمت الحكم الحسي الإحساس على الحكم العقلي والنقلي.

وإذا كانت الجمالية الإسلامية التقليدية إلهية الطابع، فقد كانت الجمالية المسيحية بدورها ذات وظيفة دينية مشابهة، وطابع لاهوتي وتيوقراطي، نجد فيها مع القديس أوغسطين أن جمالات الأشياء تجليات للجمال الإلهي.

والجمال المطلق هو عبارة عن تراتبية يكون فيها جمال الجسم الذي يخضع لقواعد التغيير في الزمان والمكان أقل جمالأ من جمال النفس العقل التي لا تتغير إلأ في الزمان، وتكون النفس أقل جمالأ من جمال الروح التي لا تتغيرلا في الزمان ولا في المكان: وهو الجمال المثالي النموذجي. وجمالات الأرض والسماء هي جمالات تعكس جمال الله، والجمال في الأشياء هو انعكاس للجمال المثالي ، المتعالي ، القائم بذاته ولذاته، جمال الحق، والكمال والجودة وا لصلاح.

وقد ظلت النظرة الجمالية اللاهوتية والسكولاستيكية التي تمزج الفن بالوظيفة الدينية سائدة حتى عصر النهضة، وحركة البعث الفلسفية والجمالية للتراث اليوناني، بما يحمله من نزعة إنسانية، تعتبر الإنسان معيار الحقيقة والجمالية، وبما تنطوي عليه من دعوى إلى العودة إلى الطبيعة باعتبارها الأصل والمصدر والمنهل. فأعطى عصر النهضة للجمال والجمالية صيغة جديدة أساسها ومناطها التجربة والإحساس الجمالي، ومع سيادة النزعة الفردية وموضوعها الإنسان، باعتباره معيار القيمة والمعنى، وغاية الوجود والكينونة، ظهرت النزعة الإنسانية- المركزية، ولم يعد الفن يخضع لمثل عليا وقيم جماعية مسبقة، وإنما لمعايير الإبداع والابتكار والعبقرية، بمنأى عن التراث والتقليد. غير أن المحاكاة، أخذت وجهة أخرى، عقلانية ، قامت عليها الجمالية الكلاسيكية، وهي جمالية تقوم على المحاكاة الشكلية اللعقلية، والنموذجية، لأصول عقلية، إتفاقية، تطابقية ، كالتقيد بالمنظور البعدي والأغراض والأنماط والموضوعات المشتركة. فكانت الكلاسيكية تتبع مقومات أسلوبية ثابتة للفن، تبني عليها معايير الوحدة والمعيار والقاعدة، أكثر من التنوع والمغامرة، والتجريب، التي قام عليها الفن الحديث.

وقد بدأت بوادر الحداثة الجمالية، مع الخروج الأسلوبي على معايير المحاكاة الاتباعية الكلاسيكية التي تقوم على الوحدة والعمومية والاتفاق، التي حولت الفن إلى "عقيدة" هدفها وغايتها محاكاة الأعمال الكبرى "النموذجية". و"اللغة المشتركة " و"المبادئ العامة".

وقد مهدت هذه النظرات للنظرية الجمالية الحديثة، النظرية النقدية، التي لا تنطلق في بحثها عن الجمال والجمالية من سؤال الماهية الجوهرية للجمال، وإنما من مظاهر وأحوال الجمال الوجودية، وهو الأمر الذي سيميز الفلسفة النقدية مع كانت ونظريته في الحكم الجمالي، بعد أن أسفرت النزعة الأسلوبية عن فصل الإستيطيقا علم الجماليات عن الفلسفة.

تختص ملكة العقل عند كانت أو الذات العاقلة بالأحكام القبلية الخالصة، وهي من طبيعة ترانسندنتالية عالية، أولانية. أما الذات الفاهمة فهي ملكة عقلية وسطى بين الملكة العاقلة، أو العقل المجرد، وملكة الحكم الجمالي ، وهذه الأخيرة ملكة خصوصية ذات دور ترانسندنتالي مستقل بذاته ، يقوم على المخيلة والذوق.

والعقل المحض هو الملكة المختصة بالأحكام العقلية التأليفية الأولانية. أما الذات الفاهمة entendement فتختص بالأحكام الأفهومية العقلية! العمومية، والخصوصية، الأحكام النظرية والعملية. وبما أن هناك ثمة علاقة اختلافية تفاضلية، في مجال الأحكام العملية، الأخلاقية والإستيطيقية، بين العقل، والذات المدركة، والمخيلة، فقد لاحظ كانت وجود ملكة حكم تختص بالأحكام الإستيطيقية "المحضة"، كما تختص الذات العاقلة بالاحكام العقلية الأولانية المجردة والخالصة، وهذه الملكة، ذات دور ترانسندنتالي مستقل، وخاص. وإذا كانت الذات المدركة أو الفاهمة تفهم الطبيعة بمطابقة الأحكام العمومية عليها، فإن ملكة الحكم الجمالي تفكر- في- موضوعها باعتباره نسقا سستامآ محضآ، فيكون الحكم بهذا المقتضى غير محدد أو متعين، وانما مفكرنآ أي تنتج العمومية فيه عن الفكر والتفكير. وإذا كان هذا الحكم من طبيعة غائية وعلية، فإن الغاية والعلة فيه ليست موضوعية وإنما ذاتية، وهي ليست عقلية خالصة، أفهومية، وإنما حدسية- حسية بمعنى الإحساس ، وذوقية، وإستيطيقية. يرى كانت في كتابه "ئقد ملكة الحكم " أن الحكم الذوقي ليس حكما. معرفيا، ولا حكما منطقيا ولكنه حكم إستيطيقي يربط الذات المدركة با لخيال ، والموضوع- بوساطة التصور والتمثلات- بالذاتsujet - باعتبار الحكم الجمالي حكما معاشا. فالرضى المتأتي عن الحكم الذوقي مستقل عن كل مصلحة أو منفعة، وهو يرتبط بملكة الرغبة الخالصة ، المتجردة، عن الأحكام العقلية الأفهومية المجردة. فالرضى في مجال الأحكام الذوقية العمومية هو؟ بعكس الرضى في حالة الاستمتاع بالجيد والمليح agreable ، لا يناط بأية فائدة إذ أن الجميل والجمال يتم تمثله دون "أفهوم " ويجري تصوره كغائية دون غاية ، وهو حكم ذاتي شخصاني إذا جاز لنا التدخل تتأتى العمومية الكلية فيه عن خاصية ترانسندنتالية ذوقية محضة. وبناء على ذلك يعرف كانت الجمال والجميل بأنه "ما يثير الإعجاب دون أفهوم ، عموما" 9 .

والجمال أو الجميل يختلف عما هو جلال، وكمال ، وجيد، و مليح، و مفيد.

ونحن نعرف، كما ألمحنا سابقا أن هذه الإشكالية أرقت أفلاطون ، ويبدو أن كانت قد استعاد هذه المسألة في فلسفته النقدية، ووجد حلأ لها بفصل الحكم الأفهومي عن الأحكام الأخلاقية والإستيطيقية. وكان أفلاطون قد اراد بلا طائل، أن يعرف الجمال تعريفا جامعا- مانعا، دون التمييز بين أشكال الحكم، فحاول في محاورة " هيبياس " أن يعرف الجمال بالمناسب أو الملائم ، إلأ أنه سرعان ما اكتشف أن الملائم لا يعرف الجمال بالحد الأفهومي الجامع- المانع. الإبستيمي. لأن الجميل ليس جمالأ بذاته، أولانيا، وإنما هو أمر نسبى تفاضلي. ويحاول من ثمة أن يعرف الجمال بالمفيد. ويكتشف بأن المفيد يتحدد بغيره، وليس بذاته ، إذ ثمة قوة أو " إرادة قوة" تجعل المفيد جميلأ، وليس كل جميل مفيدا " ولا كل مفيد جميل، بالضرورة العقلية والذوقية. و"الجيد" أيضآ ليس جميلا بالضرورة، فالجودة وعدم الجودة لا تتحدد بذاتها. أيكون الجمال هو"اللذة" أو "المتعة " أو ما هو"طريف "؟ ألا يمكننا ا عتبار"القوانين " كالجمهورية، والعدالة، والأرستقراطية، والديمقراطية - رغم كونها موضوعات تفاضلية- جميلة أيضآ؟

سادت هذه الأسئلة في تاريخ الفكر، حتى بدايات العصر الحديث التي ميزت ملكة العقل عن ملكة الحس أو الإحساس الذوقي وفصلت الإستيطيقا الجماليات عن الفلسفة. وبدوره، استفاد كانت - من تيارات عدة شكية، وحسية ونقدية لفصل الحكم الجمالي عن الحكم العقلي التأليفي الخالص. وقد تأثر كانت في هذه الوجهة بمواقف المدارس والفلاسفة الذين مهدوا للمرحلة النقدية، ومنهم ألكسندر بومغارتن 714 ا-1762 صاحب كتاب "الإستيطيقا" 1750 المؤلف الأول لعلم الجماليات aesthetica. كعلم مستقل ! كان بومغارتن قد مهد لهذا الكتاب بكتاب "تأملات فلسفية في موضوعات الشعر" 1735 وقد قصد في هذه التأملات إلى ربط المعرفة الفنية بالمعرفة الإبستمية: وهي معرفة وسط بين الإحساس المحض والمعرفة المحكمة الإبستمية .

وقد تبنى كانت الرأي بأولوية الحكم الذوقي على الجمال المطلق، كباسكال وفولتير الذين أكدوا كمونتان على نسبية وتفاوت الذوق الجمالي. كما تأثر بالحسية الإنكليزية إدموند بيورك خاصة في النظر إلى الجمال باعتباره ملكة قائمة بحد ذاتها، والجمال كصفة ملازمة يسبغها حسنها الجمالي على الأشياء، الأمر الذي يجعل معقد البحث عن ماهية الجمال هو السيكولوجية الإنسا نية. وقد تبلورت النظرية النقدية في مجال الجماليات مع كانت ووسمت بها النظرة الجمالية برمتها وأكدت هذه النظرية على الملكة الشعورية، كملكة قبلية شمولية و وجوبية ذاتية غير موضوعية. وإذا كان الحكم الجمالي قبلي فالإحساس من جهة أخرى، هو مناط هذا النوع من الحكم القئلي والوجودي، وليس العقل المحض المجرد .

والحكم الجمالي بنظر كانت هو علاقة تصور بين الذات والموضوع، وحتى لو كانت هذه العلاقة "منطقية" فإن العمومية فيها لا تتأسس على المفاهيم وهي ليست موضوعية ، وغير مرتبطة بالمصلحة والمنفعة إلأ بمعناها الإستيطيقي والروحي والذوقي الحصري.

وما يميز الجميل عن المليح agreable عند كانت هو أن المليح أقرب إلى "المفيد"، والمليح هو جميل بالإضافة إلى ماهو شخصي وخاص. أما الجميل فهو الجميل بغض النظر عن الفائدة المترتبة عليه، بالنسبة إلى كل واحد. وفي هذه الحالة يتحدد تصور الجمال بالعلاقة مع الموضوع ، والإحساس ، الذي لا يتعلق إلأ بالذات sujet ولا يفيد المعرفة من الوجهة العلومية. والجمال ليس "الجيد" كما يرى كانت لأن ما هو جيد ينطوي على "أفهوم " عن الجودة، والحال فإن رسم الزهور في تشكيل حر، أو ضفائر زخرفية دون قصد معين لا يعني أن الموضوع التشكيلي "جيد" وإنما ينطوي على جمالية محضة تقوم على الإحساس وحسب 10 . وهو الأمر الذي قامت عليه فنون الارابيسك والزخرفة المحضة.

أما الفرق بين الجميل والجليل السامي بأوجهه الرياضية والديناميكية، فالجلال هو حكم كمي، بينما الجمال كيفي. والحكم السامي الجليل بنظر كانت هو حكم ذوقي بلا أفهوم أيضا ولكنه أقرب إلى الجدية والهيبة فيما الجمال أقرب إلى المتعة. والجميل ينطوي على مشاعر الشكل لذاتية الشكل بينما الجليل لا ينطوي على جمالية شكلية بالضرورة الوجوبية، وإنما على العظمة، والخوف، والدهشة، وهو شكل من أشكال المتعة السلبية ، بينما الجمال أقرب إلى المتعة والغبطة الإيجابية. ونحن حين ننظر إلى الجبل نراه جليلأ لأنه شاهق، بغض النظر عن لونه وشكله، أما بعين الجمال فنرى فيه عناصر تشكيلية وشكلية معينة. ونحن لا نرى في البحر ألوانه وخلجانه، إنما مقداره وحجمه وهيبته واتساعه، والجلال ينطوي على أبعاد القوة والمقدار والجبروت، كالكاوس والحركة، والوجود والعدم، والموت والحياة. والجليل الرياضي يتعلق بالمقدار والكم والعظمة، والجليل الديناميكي يتعلق بالقوة والقدرة 11 .

وإذا كان كانت قد أرسى الجمال والجلال على الغبطة واللذة على أساس سيكولوجي، فإن إدموند بيرك أرسى الجميل والجليل على الألم، على أساس ميتافيزيقي. وقد اخذ شوبنهاور مفهومه التراجيدي عن الجمال والجلال من هذا المصدر والرؤية لإرادة الوجود والفناء، الحياة والعدم. وارادة الوجود هذه عبثية عدمية، عمياء، تنبثق منها الحياة، المتعالية عن الإرادة المطلقة. وتنعتق المعرفة من إرادة العماء، مؤقتآ، بواساطة الفن والإبداع. فيتحول الفن إلى حالة من البراءة والسحر المعبر عن ماهية الحياة وإرادتها في إزاء الألم المصاحب لإرادة القدرة، مبدإ العالم و الوجود. وهذه الإرادة ، العمياء، العبثية، تخضع الوجود للعدم ، والحياة للموت، والغبطة للألم، والعقل للأعقل، والكون للفساد وإحداثياته فأي حادث كوني قد يزيل الحياة، وأي حادث كوكبي بإمكانه أن ينوب عن إرادة العماء التي تتحكم بالوجود وا لكينونة.

وبما أن إرادة الوجود التراجيدية هي أس الحياة وأساسها، فإن شوبنهاور يجد في التراجيديا المأساة التعبير الأرقى عن تراجيدية الوجود عينه، أما الكوميديا فهي عديمة القيمة ونافلة. وذلك بعكس برغسون، الذي يجد في الكوميديا و"الضحك " كشفآ عن اصطناعية الحياة ومفارقات النفس الإنسانية والإجتماع ا لإنسا ني.

.. وبعكس هيغل الذي يقدم الفكر على الشعر، والشعر على الموسيقى، يقدم شوبنهاور الموسيقى على الشعر باعتبارها التجسيد الأصفى لإرادة الوجود والكينونة، الإرادة المطلقة، فالموسيقى عبارة عن تجسد درامي للإرادة، الإرادة المتجسدة، ويصبح الجمال في الموسيقى مثالأ قائمآ- بذاته، ذاتآ محضة، معبرة عن الإرادة والألم، في انكشاف الفن الحدسي على "مثال. " الفن، الفن الذي يتحدد بذاتية الفن وكليته الأولانية المحض، النموذجية. والإرادة عند شوبنهاور تناظر"المثل " الأفلاطونية والشيء- في- ذاته عند كانت ، مقابل عالم المحسوسات عند الأول وعالم الظواهر عند الثاني. ويختلف شوبنهاور عن كانت في إرسائه المعرفة على الوجود، وليس الوجود على المعرفة، في الدعوة إلى ميتافيزيقا محايثة، ملازمة، تكون فيها الإرادة هي التعبير عن هذا الشيء- في- ذاته، الأولاني، وهو ليس مستقلة عن الخبرة والتجربة المعاشة، ونحن نستدل على حضورها في تجلياته الظاهرة، في ظواهرية العدم والوجود.

وإذا كانت المعرفة القبلية عند شوبنهاور تخضع للحدوس المكانية والزمانية والعلية 12 ، فإنه يعتبر اللاعقل أساس العقل، وبذا لا تخضع الذات العارفة لمبدإ العلة الكافية، ولا تنعتق من الإرادة، إلأ مؤقتآ، بواساطة الفن، وإلأ فإن المعاناة والألم أس الحياة وأساسه واللاوجود أساس الوجود واللا علاقة النيرفانية مقوم كل علاقة وجود ومعرفة وعقل. والشيء- في- ذاته، المثال عند شوبنهاور هو الإرادة المحايثة في الوجود والطبيعة وفي ذات الأشياء، وذاتية الإنسان.

والفن عند شوبنهاور هو الذي يعبر عن تجليات إرادة الحياة المندمجة في إرادة الوجود السديمية، والفن يتجاوز قصور العقل وحدوده، ومحدوديته ، أما العلم فإنه لا يرينا سوى ظواهر، مظاهر الأشياء، ولكنه لا يسبر لنا حقيقة الأشياء- في- ذاتها، أما الفن فهو الذي يكشف لنا "حقيقة" الأشياء. والفن، بصفة خاصة الفن الموسيقي، يكشف الحقائق الخالدة حيث تتجلى الأشياء متجردة عما هو نسبي وعارض. ولذلك فإن الفن هو أساس العلم وأساس الفلسفة، وأساس العقل- ناهيك عن كونه أساس الفن ذاته- من حيث قدرته على التعبير عن إرادة القدرة الكاملة في الوجود التراجيدي. ولهذا يبدو الجميل Das shone عند شوبنهاور في مدى قدرته على التعبير عن موضوعية الإرادة في النظرة الجمالية الخالصة التي يقارب فيها الفن الموضوعات المثالية، النموذجية باعتبار أن المثال نفسه هو الذي يحدد درجة الجمال المحض.

أما بالنسبة إلى الجليل، فشوبنهاور يحذو حذو كانت الذي يميز بين الجلال الدينامي وموضوعه "القوة"، أو قوى الطبيعة، وبين الجلال الرياضي وموضوعه المقدار، لكن شوبنهاور يضيف إلى أشكاله الجلال الخلقي، أو الطبعي الطابعة الشخصية . وإذا كان الجلال الدينامي يعبر عن درجة الشعور الأعلى عن تراجيدية الوجود، والجلال الرياضي يتجلى في لا محدودية الزمان والمكان، بحيث تظهر الأشياء والموجودات كظواهر عابرة- للإرادة تفنى وتتلاشى في طي العدم ، فإن الجلال الخلقي يتجلى في تعالي الإرادة على الرذيلة والكراهية والحسد والشهوة 13 .

رأى شوبنهاور في الفن ، الشعر والموسيقى مجالأ من أجل الخلاص ، في التعبير عن الماهية الحقيقية للعالم، دون حاجة إلى الارتباط بالأشياء والكلمات ! معتبرآ إرادة العماء والعدم قوام الإرادة المطلقة، رافضآ كل تعين وشيئية، في الموسيقى والشعر والفن بصفة عامه. ومع أن نيتشه رأى في الفن وسيلة للخلاص العدمي، لكنه أحل إرادة القوة محل "الخلاص" العبثي، وإذا كان نيتشه بدوره يعتبر أن الحياة والموت شيء واحد Ieben und morde ist eins فإنه اعتبر الحياة قوام الوجود والديمومة، ورأى في إرادة القوة،إرادة اقتدار إيجابية، مبدعة، وليس مجرد إرادة غاشمة.. هل الشر أصلي وراديكالي، وهل إرادة الوجود عبارة عن قدرة عمياء وغاشمة، الجواب عندنا يضعنا في حالة متشائلة وهي حالة بينية ما بين التشائم الكلي والتفاؤل الكلي؟ والفن بنظر نيتشه هو التعبير عن إرادة الحياة بوجه إرادة الموت، هو المعرفة الصرف، الجذلة، التي يستحيل معها العالم مادة لفرح علوي، كتأكيد لفعالية الإرادة داخل الحياة دون حاجة إلى التأمل الصوفي فيما وراء العالم والوجود. ومع هذه الرؤية الجديدة للفن يصبح بإمكان الفن الحديث أن يولد لغته ومصطلحاته الخاصة، ولا تعود الجماليات بحثآ عن ماهية الجمال والفن وإنما عبارة عن "لعبة" أو "رقصة" تتجاوز كل التماثلات والتطابقات في معرفة نصف- فلسفية ونصف- شعرية،تؤدب الفلسفة وتفلسف الأدب.

وإذا كان هيغل يضع الفن في مرتبة أدنى من الدين والفكر من تجليات الروح، فإن تجليات الروح في الفكر قوامها الفن الرفيع الذي يوقظ الروح والوجدان، ومهمة الفن التطهير، مداواة الداء بالداء، وليست وظيفته التفريج والتسامي فقط ، وإنما الغرض من الفن تحقق المضمون الروحي في الوعي، عن طريق الأثر الفني "الفكرة"، ولذا فإن الفن يتميز بوظيفة تربوية هدفها تربية الغرائز والميول والوجدانات وإعلاء الروح 16 . وكلما سما الفن، السمو الطبعي والخلقي ، كلما كان يحتوي على مضمون أكبر، وكان "المضمون " معيار قيمته، سواء أكان المعبر عنه مطابقآ أم غير مطابق.

لكن التطابق، ما بين الفكر والواقع، الماهية والوجود، الظاهر والباطن ، الكلي والجزئي لا يمكن أن يكون مطابقآ، من هنا تركز الجمالية الشخصانية على الإنسان باعتباره جميعة للعقل والروح والجسد، وإذا كان الشخص أساس ومناط الوجود، ومحور الطبيعة والكينونة، فلا بد أن تكون الحقيقة متعددة بتعدد الأفراد وبهذا يكون الإنسان- الشخص أساس القواعد والعقائد، ومعيار القيمة والمعنى، ومحور الوجود ومصدر المعنى. ويكون الفن هو تجلي الفكرة أو العقل أو الروح في مظهر حسي، عيني، في تخارجات الروح والعقل. ذلك أن الجمالية ليست جمال الفكر المتعالي، وإنما الفن الحيوي، في تجليات الوجود والحياة وليس في الفكرة أو المثال أو الماهية المتعالية على الوجود، في عملية الخلق المعاشة. ومعارضة الاصطناعية والاتفاقية والجمود تتجلى بالتمييز بين ما هواصطناعي ، وما هو حي، ما هو تصوري، وما هو معاش، ما هو عقلاطي وما هو فطري وعفوي وعقلي ، ما هو روحي وما هو حرفي. إذا كانت التراجيديا تعبر عن ألم الانطراح في الوجود، والسقوط الدرامي في العالم، فإن الكوميديا تحمل على السخرية والهزء من الوجود في مفارقاته الآلية، !حيث يعقد الإنسان بواساطتها علاقة بين الفن والحياة، فيصبح "الضحك " كما يلاحظ برغسون بلسم الحياة وصابون القلوب وترياق الوجود.

والتعالي على إرادة العدم، بواساطة الفن، قد يعني التسامي على العقل وقواعده، نحو اللاعقل أو الحلم، أو الخيال في تعالق الوعي باللاوعي، والواقع بالرغبة، والواقع بالماواقع. ورغم ما يؤخذ على فرويد من مغالاته في الجنسانية، فإن الفرويدية قد أسهمت في تجديد الفكر الإستطيقي وإنعاشه بإناطة الوعي باللاوعي، والعقل بالمخيلة، والروح بالجسد. وتدين السوريالية الماواقعية في منظورها التشكيلي إلى الفرويدية. فأندريه بروتون، مؤسس السوريالية، يعتبر اللاوعي قوام subatratum العمل الفني، بعكس الوعي، والعقل، اللذين من شأنهما أن يفسدا العملية الإبداعية. والسوريالية برفضها للجمالية المنطقية، تنحو نحو اللاوعي، حيث الرغبة والغريزة تتملص من أي "منطقة" منطق أو نظام في التعبير عن مكنونات الذات ، وحيث حقيقة الأشياء تظهر كما هي- في- ذاتها، وفي هذا تقترب السوريالة في اعتبار الفن نتاجا خالصا للروح والإرادة من هيغل وشوبنهاور، وأفلاطون. يقول بروتون: " توجد منطقة ما في الوعي تكف فيها الحياة والموت، الواقعي والخيالي، الماضي والمستقبل، التواصل وا للاتواصل، الأدنى والأعلى، عن كونها متناقضة، وإنما تبدو هذه الحالات مؤتلفة في شكل من أشكال الواقعية المطلقة هي اللاواقعية أو السوريالية. وفي هذا يقول ابن عربي "من فسر القلب بالعقل فلا معرفة له بالحقائق.. وما أوسع حضرة الخيال ففيها يظهر المحال ".

والحكم الجمالي هو تلك العلاقة القصدية، التبادلية، المباشرة، بين الوعي والموضوع، والذات الواعية هي التي تستحضر الجمال في "حضرة" الجمال وغيبته- في- العالم. فالجمال يتميز بالحضور في ظاهرة الجمال، حقيقة الجمال تتجلى في مظاهر وظواهر الموضوعات الجميلة، في جدلية الحلم والواقع. والجمال لا يتحدد إلا بذاتية الجمال، الجمال- في ذاته، الذي نراه بعين القلب والروح: في الوردة التي تنشر عطرها ولا تنشر فكرة الوردة...

لا غرو أنه هو أعظم فلاسفة العصر الحديث غير مدافع. وهو إنسان فوق الإنسان، لأنه يمتلك مواصفات بالغة الندرة من العبقرية الفائقة للعادة وسمو الأخلاق وصولا الى الترفع على شهوات الحياة والعفة المطلقة ودعوته الشهيرة على مستوى السياسة الى اقامة سلام دائم. دع إسهاماته الهائلة في ميادين الميتافيزيقيا والأنطولوجيا في كتابه «نقد العقل المحض» والأكسيولوجيا في كتابه «نقد العقل العملي» وأخيرًا الاستيطيقيا علم الجمال في «نقد ملكة الحكم».

وما يعنينا هنا ان كانت نشر «نقد ملكة الحكم» سنة 1790 ويتعلق هذا الكتاب بالبحث عن أسس لعلم الجمال. وبعد أكثر من قرنين على ظهور هذا المؤلَّف القيم في ألمانيا يُنقل الآن الى العربية مترجمًا عن الألمانية مباشرة من قِبَل غانم هنا – الذي هو أحد أبرز الخبراء العرب في الفكر الألماني – ويصدر أخيرًا عن المنظمة العربية للترجمة في بيروت. وفي هذا العمل الخالد يحاول كانت إثبات أنه لا توجد قاعدة بعينها مطلقة، يستطيع الإنسان بواسطتها أن يطلق حكمًا كليًا موضوعيًا حول جمال كائن من الكائنات. وهذا يعني جوهريًا أن إمكان الحكم على ما هو جميل لا ينتمي الى «الكلّي الشمولي»، وإنما الى ما هو ذاتي في الإنسان. ولذلك تختلف الأحكام بنوع ما باختلاف الأشخاص الذين يطلقونها، لكن كانت يقف عند فكرة على درجة عالية من الدقة وهي انه على رغم أن الأحكام الجمالية لا يمكن أن تكون كلية بإطلاق، لأنها ذاتية تابعة لتنوّع الناس، إلا ان الشروط الذاتية لملكات الحكم تتميز بأنها هي التي هي بالنسبة الى جميع البشر. وهذا يدل على انها واحدة عند الناس كافة. وإذا كان هذا هكذا، فإن من المتاح لنا أن نصف أحكام الذوق بأنها كلية. ويترتب على هذا الكلام أن الجمال يخضع لقانونية معينة، لكنها ليست قانونية مطلقة. فالجمال «قانونية من دون قانون».
ويُعنى كانت في شكل أساسي بمقولة الجميل ويرى الى ان القول الفصل في أمر شيء ما إذا كان جميلا لا بد من أن ينتمي الى منحى خاص به على مستوى التقويم. وهذا المنحى هو «منطق الذوق الجمالي» وانطلاقًا من هذه النقطة بالذات دعا كانت الى تشييد صرح علم الجمال.

وفي «نقد ملكة الحكم» يحدد كانت ماهية الجميل تبعًا للعناصر التالية: فعلى مستوى الكيف الجميل هو ما هو خلو من الفائدة. أما كميًا فالجميل يُمتّع عمومًا لا خصوصًا. أما من حيث العلاقة بين الأهداف المنشودة، فالجمال غائية من دون غاية. وأخيرًا الجميل هو موضوع لاستمتاع ضروري.
والحقيقة أن كانت ها هنا يرى ان الجميل يمنح المتعة عفويًا وعموميًا وذاتيًا وضروريًا.

ولكن يمكن الاعتراض على رأي كانت هذا حول الجميل اعتمادًا على التحليل النفسي، فثمة اكتشاف خطير في هذا الميدان يتعلق بما يُسمى الفيتيشية والمصطلح يعود من حيث الأساس الى الغزاة البرتغاليين لأفريقيا. فقد أطلق هؤلاء كلمة فيتيش على المقتنيات المعبودة عند الأفارقة البدائيين ومن ثم انتقل المصطلح الى التحليل النفسي ليدل على انحراف جنسي عند المريض، فالموضوع الطبيعي السوي بالنسبة الى هذا المريض لم يعد مقنعًا أو كافيًا، لذلك يميل المريض الى ما هو بديل عنه مثل جزء منه أو حاجة يقتنيها هذا الموضوع من حيث هو شخص. والمهم هنا هو أن الفيتيش من حيث هو عضو من الجسد مثلا قد يكون مشوهًا ولكن ذلك يتحول الى مصدر وحيد للإشباع الجنسي. وهنا يجد المريض في ما هو مشوّه أو قبيح جمالا نادرًا لا يراه في أي حال جمالية أخرى توافرت فيها من حيث هي جميلة العناصر ال كانتية نسبة الى كانت التي ذكرناها سابقًا. وقد يُعترض علينا بأن الفيتشية حال مرضية، إلا ان فرويد قال ان الفيتشية فاشية في معظم الناس. وحتى لو كان ممكنًا مخالفة فرويد، إلا أن التيارات المعاصرة في التحليل النفسي تؤكد أن الاختيار الموضوعاني الجنسي عمومًا عند الناس لا بد من أن يكون مشوبًا بما هو فيتشي، بمعنى أن المرء قد يختار موضوعًا معينًا لأنه ينطبق من دون غيره مع حقيقة الذات على مستوى الرغبة، فمثلا شكل محدد للأنف مع لمعان بارق فيه قد يؤدي الى الاختيار المطلق. والحقيقة ان القارئ لا بد من أن يشعر معي بالأسف لغياب هذه النقاشات الفائقة الأهمية عن الساحة الثقافية العربية واقتصارها فقط على النخبة.
وبعد هذا الاستطراد الضروري لنعد الى كانت الذي ناقش إضافة الى مقولة الجميل مقولة الجليل أيضًا. فالجميل يرتبط في الشكل الخاص بالموضوع أما الجليل فيكون في اللاشكل. وعلّة ذلك ان الجليل هو خير تعبير عن اللانهائي. والفرق بين الجميل والجليل هو أن الأول يتعلق بالمباشر والثاني بما وراء المباشر. ولذلك الجليل عقلي على الأصالة. ولئن كان الجميل يبعث على المتعة، فإن الجليل يبعث على الهيبة، فعندما نشاهد امرأة حسناء جدًا نقول عنها انها جميلة. ولكن عندما نشاهد الأوقيانوس الزاخر بالأمواج نقول: انه جليل. والحقيقة ان كانت يثير فروقًا دقيقة جدًا بين الجميل والجليل ويتكلم على أنواع الجليل وقد أدت رؤيته العامة في علم الجمال الى إحداث آثار كبيرة في التصور الجمالي للعالم وخصوصًا في الشعر وهذا ما نلاحظه عند هولدرلين وشلر.

وما دمنا قد أتينا على ذكر الشعر، فإن كانت يرى فيه ضمن رؤيته للفنون عمومًا انه فن التحكم باللعب الطليق للمخيلة كما لو أنه فعالية ذهنية. ولذلك فإن الشاعر الحقيقي يهب أكثر مما يعد به. وعلى أي حال، فإن الشعر يسفر عن الموثوقية والنبالة والنزاهة والوفاء. وهذا لا يتحقق إلا في الشاعر العبقري.

وهذا يدفعنا الى الكلام على العبقرية، فقد ذهب كانت في «نقد ملكة الحكم» الى أن الموهبة الفطرية هي التي تمنح الأسس والمعايير والقواعد للفن. وانطلاقًا من هذا الوعي العميق يتبين أن المعيار في الفن ليس معطى قبليًا وإنما هو من أفاعيل العبقرية، لذلك القواعد الفنية هي ما هي في حقيقتها إبداعات للعبقري تُعمم لعدم القدرة على مضاهاتها في ميدانها وهنا تتجلى الأصالة في العبقري. أضف الى هذا أن العبقرية لا تُنقل الى الآخرين عِبر التعليم، فالشاعر العبقري الذي يكتب قصيدة عظيمة هو نفسه لا يعرف كيف كتبها.

ولما كان العبقري خالقًا للمعايير والقواعد والأسس، فإنه لا يستطيع فرضها في ميدان العلم وذلك ناجم عن خضوع نسق العلم لقواعد لا تقبل التبديل وفي حال صحتها المطلقة. ولكنه، أي العبقري، قادر على فرض قواعد جديدة دائمًا في مجال الفنون الجميلة لإمكان التغيير فيها تبعًا لإبداع العبقري...وأخيرًا يؤكد كانت أن الانسان هو من حيث هو كينونة أخلاقية واشتراع قيمي لا بد من أن يكون الغاية النهائية للخليقة.

تبدو وقائع حياة ادمون بيرك الخاصة شحيحة للغاية إذ تقتصرالمراجع على ذكر أنه ولد في دبلن عام 1729 . وألتحق بكلية ترينتي التثليث عام 1744. وتزوج من السيدة جان ناكيت عام 1750 . ونفر من دراسة القانون مهتما بالأدب والسياسة معاً. كما عاش مثقلاً طوال حياته بالديون.

وما نعرفه عن ولعهُ بالأدب والفلسفة قليل كذلك. فقد طغى أهتمام مختلف المصادر بحياته وآرائه السياسية على باقي جوانب حياته، حتى أغفل أكثرها ذكر أي شيء عن حياته الأدبية والفلسفية برغم عِظَم أهميتها، إذ هي وحدها التي ضمنت له الخلود في الفكر الإنساني. ولنشر أولا الى تجاربه المختلفة في السياسة البريطانية، وأول منصب سياسي له هو أشتغاله سكرتيراً لـ هاملتون عضو مجلس العموم البريطاني، الذي عُين بعد ذلك حاكماً لـ إيرلندا . وفي هذه الفترة أستطاع أن يدرس أحوال إيرلندا السياسية.

وفي عام 1765 عُين سكرتيراً للـ مركيز روكينكهام الزعيم الرسمي لحزب الهويج – وهو الحزب الذي تحول بعد ذلك في منتصف القرن التاسع عشر إلى حزب الأحرار وأختير عضواً في مجلس العموم في نفس العام. وتأثر بيرك إلى أبعد الحدود بشخصية روكينكهام وأعتقد أن التقدم في السياسة لن يتحقق إلا على يد أمثاله، وآمن لهذا السبب بحكم الأعيان الأستقراطيين وقدرتهم على الوقوف في وجه الإستبداد والطغيان – ويقصد بذلك حكم الملك جورج الثالث الذي كان يمقته – بفضل نزاهتهم وبراعتهم في الإدارة وتسيير الأمور. وتظهر في مؤلفات بيرك السياسية شدة الأفتتان بالنظام البرلماني البريطاني، مع عدم إيمانه بإمكان تطبيق أية أفكار سياسية مستوردة من الخارج. ولهذا السبب أعترض على أتباع أية فكرة مجردة غير نابعة من الواقع. ومع أنه كان من أبرع من أعتلوا منبر البرلمان البريطاني، إلا أنه لم يكن أعظمهم تأثيراً. وقد يعزى ذلك إلى ثقافته ورجاحة عقله. ولعل هذا يفسر عدم تقبل الكثيرين من أعضاء مجلس العموم لأحاديثه وأنتقاداته السياسية، ومغادرتهم قاعة المجلس أحياناً بمجرد شروعه في الكلام. كما يفسر أيضاً عدم أختياره لتولي أعمال الوزارة. إذ تشكك أصدقاؤه من أصحاب المناصب العالية بأي دراية سياسية عملية أو قدرة على ضبط النفس مماثلة لبراعته الخطابية، وشجاعته وشدة إيمانه بأهداف السياسة البريطانية ونظامها الحزبي. وبالرغم من أن بيرك لم يعلن صراحة أنضمامه إلى حزب “ الهويج “ أو حزب “التوري – أي المحافظين ” بعد منتصف القرن التاسع عشر ،إلا أنه يُعد من أفضل من عبروا عن أهداف هذين الحزبين معاً، برغم أختلافهما أختلافاً كبيراً فيما مضى، وهو خلاف قد تلاشى بعد ذلك عندما ظهر حزب العمال. ولا يعني هذا الكلام تناقضه مع نفسه، أو شغفه بالسفسطة ، فأغلب الظن أنه قد أمن بمبادئ الهويج في البداية، عندما كان لا يؤمن بشيء خلاف الحرية. وفي هذه الفترة هاجم تدخل آعوان الملك جورج الثالث في الحكم، ودافع عن دور الأحزاب البرلمانية في السياسة ولم يرضى عن محاكاة الملك جورج الثالث للملكة اليزابيث في السيطرة على مقاليد الأمور. كما لم يرضى عن فساد البلاد وسوء أخلاق بعض أفراده. وأثبت أغلب آرائه في الدفاع عن نظرة الهويج في كتابين سياسيين هما:-
1 - ملاحظات عن أوضاع الأمة الحالي Observations on the Present State of the Nation في عام 1769.
2 - وخواطر حول أسباب التبرم الحالي Thoughts on the Present Discontent في عام 1770.

حياة بيرك الفكرية
اول بوادر اهتمامات بيرك الثقافية هو محاولته كتابة الشعر، وتأمل غايته وغاية الفن كله. ولهذا كتب إلى صديق طفولته شاكلتون في 14/حزيران/1744 – وهو في الخامسة عشرة من عمره- رسالة حاول أن يحدد فيها معنى الجمال. ومن الغريب أن تتضمن هذه الرسالة ملامح كثيرة من نظريته في “ الجليل والجميل” ، إذ أننا نصادف فيها في صورة مضمرة كلاماً يدل على محاولات الربط بين قضايا الجمال واللامتناهي واللامحدود، والحيرة تجاه قدرة الله التي أستطاعت خلق الوجود من العدم. وأثناء دراسته قرأ “لونجيوس” مراراً ، وعرف منه فكرة “الجليل”. ويقال إنه كان كثير المناقشة مع أقرانه في كل هذه القضايا وخاصة في الندوات الأدبية التي كانت جمعية “The Club” تعقدها بين الفينة والأخرى في كلية ترينتي في دبلن. وإلى جانب هذا تأثر بيرك بالنهضة المسرحية في دبلن، ووجود وفرة من الممثلين المجيدين بها. وحثّه هذا التأثر على الأهتمام بتأمل مشكلات المسرح والفن بوجه عام وأستمر شغفهُ بعد تخرجه. إذ أصدر بعد ذلك مجلة The Reformer في 28/كانون ثاني/1748. وكان يحررها كلها على وجه التقريب. وقد تضمنت هذه المجلة الكثير من الآراء الأدبية والفلسفية التي تبلورت بعد ذلك بعدة أعوام طويلة من الدراسة في نظريته التي نشرها في كتاب “ بحث فلسفي في أصل أفكارنا عن الجليل والجميل”
A Philosophical Inquiry into our Ideas of the
Sublime and Beautiful

الكتاب – أثره وخلاصته
أستندت نظرية بيرك في الجمال مثل نظريات جميع مفكري القرن الثامن عشر في بريطانيا إلى بعض أسس تجريبية وحسية. ففي رأيه أن أساس التذوق هو الحس. وهو واحد لدى الجميع ولا فارق البتة بين الناس في طريقة تأثرهم بالأشياء أو في أسباب هذا التأثر، إلا أن هناك أختلافاً في درجة التأثر التي يُرجعها بيرك إلى شدة الحساسية الفطرية عند البعض، وإلى زيادة تركز الأنتباه على موضوع التأثر. ويضرب مثلاً لتوضيح ذلك فيقول: إذ لمس أثنان منضدة رخامية ناعمة فإنهما سيشعران بنعومتها، وستبعث هذه الخاصية أرتياحاً لديهما ومن ثم يكون هناك أتفاقا بينهما في الرأي. إلا أننا إذا دئنا بمنضدة أخرى أكثر نعومة من المنضدة الأولى، فلا يستبعد حدوث أختلاف بين الأثنين في تقدير أي المنضدتين أكثر نعومة من الأخرى، برغم أتفاقهما في تحديد معنى النعومة. فألختلاف إذن بين الرأيين يرجع إلى عدم وجود معيار دقيق لقياس درجة النعومة. ولهذا تتصف الأبحاث في مسائل الذوق والجمال بنفس الدقة التي نصادفها في علوم الرياضيات، حيث يمكن الرجوع إلى مقياس دقيق يحسم أي خلاف. ويرجع بيرك ما يسمى بالنقص في الذوق إلى الخيال والملكات العقلية الأستدلالية. وهو ما يُعزى إلى الفهم أو إلى عدم التدرب على الحكم، أو إلى الجهل وعدم الأنتباه. أو قد ينسب إلى أسباب سلوكية مثل العناد أو التردد أو الرعونة. ومع كل هذا، فالملاحظ أن الأختلاف بين الناس في المسائل التي تعتمد على الذوق ، أقل بكثير من أختلافاتهم حول الأمور المنطقية والفكرية. فالأختلاف في الحكم على شاعرية “ فيرجيل” لا يماثل الحكم في صحة مذهب أرسطو أو خطأه. ونحن إذا أستطعنا إقامة حد بين الذوق في ذاته الجانب الحسي في التذوق بمعنى أصح وبين الملكات الأخرى التي تؤثر في أحكامه – إذ ينبغي أو ندرك أن الذوق لا يعمل بمعزل عن الملكات الأخرى التي تقرر أحكامه- أمكننا أن نلحظ أتفاقاً بين الجميع في مسائل الذوق، مما يساعدنا على أكتشاف أسسها ومبادئها. و بيرك في هذا الرأي يتبع عصره. فقد كان المفكرون في سائر المجالات يحلمون بإمكان أكتشاف قوانين مماثلة في دقتها وصحتها لقوانين نيوتن في الطبيعة. ومن ناحية أخرى، فأن رأي بيرك يعد رداً على “هيوم” الذي أبدى تشككاً في إمكان الوصول إلى معيار خاص بالذوق، بسبب وجود أختلافات عضوية، أو بعض مؤثرات عاطفية، تحول دون قيام أسس مرتكنة على دعامة علمية صحيحة في هذا المجال. ويعتقد “هيوم” أن الأسس التي كثيراً ما يجيء ذكرها في الكتب الأدبية المختلفة، لا تزيد عن الأحكام التي أجمع جهابذة النقاد في كافة العصورعلى قبولها ، ولا يلزم أن تكون هذه الأسس كلية بالمعنى الفلسفي الصحيح. ولكن بيرك يرد على هذا الأعتراض بوجوب التسليم بإمكان الإهتداء إلى أسس محددة في مسائل التذوق. وإلا أصبح كل من بُحث في هذا السبيل لا طائل وراءه. وننتقل بعد ذلك إلى مسلمة أخرى ما زالت مقبولة لدى بعض المفكرين الإنكليز حتى الآن، وهي إرجاع الأفعال الإنسانية إلى غريزتين هما:-

1 - حفظ بقاء النوع الإنساني.
2 - وغريزة الأجتماع أي السكن في لغة القرآن “ ليسكن إليها” .

والغريزة الأولى تنشط في مواقف التعرض للخطر، ويربط بيرك بينها وبين التذوق عندما يذكر أننا نشعر بأرتياح عندما ندرك مواقف من هذا النوع دون أن توضع في هذه المواقف ذاتها. ومن واجبنا التفرقة بين السرور المترتب على هذه الحالة، والسرور الإيجابي الآخر المتولد عن إشباع الرغبات بصورة مباشرة. ولهذا وضع بيرك أصطلاحين :-

1 - أحدهما Delight أرتياح للدلالة على حالة الخلاص من الألم.
2 - والآخر Pleasure سرور ويعني به السرور الإيجابي.
والغرائز الآخرى هو غرائز المجتمع، وتعني كلمة “مجتمع” عنده معنيين:-

1 - أحدهما : الرابطة الجنسية التي تثير مشاعر الحب المختلط بالشهوة ، وفيها تتركز المشاعر حول جمال المرأة.
2 - أما المجتمع بمعناه الآخر، فهو الم مع بالمعنى الواسع ، بها فيه من كائنات مختلفة آدمية وحيوانية، والمشاعر التي تتولد من هذه الغريزة هي الحب كذلك إلا أنها في هذه الحالة تخلو من الشهوة وتتميز بالرقة والعطف والحنان، ويقترن السرور الإيجابي بمشاعر الحب، وتعمل هذه المشاعر على بث روح التعاطف فينا، بحيث ندرك ما يشعر به الآخرون في مختلف المواقف.
بعد هذا التمهيد ، وبعد أن قام بيرك بالتفرقة بين نوعين من السرور :-

1 - أحدهما “الأرتياح” الذي نشعر به في موقف الخلاص من الخطر والألم.
2 - والآخر السرور الإيجابي .
قَسَمّ موضوع التذوق إلى نوعين:
1 - أحدهما “الجليل” وهو الذي نشعر في حضرته بالأرتياح.
2 - والآخر أسماه “الجميل” وهو الذي يُشعرنا بالسرور.

و” الجليل” عندما يصادفنا في الطبيعة يشعرنا بالذهول. فالروح في حضرته تشعر بالتوتر المصحوب بنوع من الفزع، ويمتلئ العقل بموضوع التذوق بحيث يعجز عن إدراك غيره. ويرجع هذا إلى الخوف أقوى مؤثر على الروح. فالخوف يعني توقع الألم أو الموت. ومن هنا يكون تأثيره مماثلاً للألم ذاته. وكل ما بدا للإدراك في صورة مثيرة للخوف يسمى جليلاً. ولا يلزم أن يتميز الجليل بضخامته. فبمجرد شعورنا بخطورة الشيء لا نستطيع تصوره تافهاً أو هين الشأن. وهذا ما ندركه عند مشاهدة حيوانات ضئيلة الحجم كالأفاعي. والأحجام الكبيرة والمساحات الشاسعة لا تشعرنا بالجليل، إلا إذا ربطنا بينها وبين الخوف، كما هو الحال عند النظرإلى المحيط أو السماء، لهذا وجدت صلة بين كلمة “جليل Sublime” في أكثر اللغات ، وبين الكلمات الدالة على الفزع او الدهشة ولعل أنسب كلمة عربية تتوافق مع “Sublime” بالمعنى الذ قصده بيرك هي “رائع” وليست جليل. فما هي إذن الخصائص التي تجعل الشيء جليلاً؟ واضح أن بيرك بعد أن جعل الجليل مرادفاً للمفزع، لن يصادف أية صعوبة في العثور على مثل هذه الخصائص. فالمفزع هو كل شيء لا يبدو واضحاً مألوفاً، بل يبدو جباراً غامضاً مثيراً للقلق، كما يشعرنا بالضياع، مثل الخواء والظلمة والوحدة والسكون. وينبغي أن يتصف بأنه لا متناهٍ وتتعذر الإحاطة بكل جوانبه. ولنبدأ بعد ذلك، بحث أول خاصية، وهي “الغموض”. والغموض مصدر فزع وإثارة للمخاوف ولا ريب. فلو أمكننا تفسير أي شيء يبدو خطراً في نظرنا، أو أمكننا أعتياده، لما أقتضت أية ضرورة وصفة بالجليل، فالليل يثير مخاوفنا، لأننا نتصوره حافلاً بالأخطار، ولهذا يقول المسلمون “من شر غاسقاً إذا وقب” ويزعم بعضنا أن العفاريت لا تظهر إلا ليلاً. وتنبه أكثر المصلحين الدينيين الوثنيين في الماضي إلى هذه الحقيقة فتعمدوا إظلام معابدهم، أو وضع أصنامهم في أظلم موضع في المعبد، أو أقاموا طقوسهم في بعض الغابات المظلمة. وهذا يدل على خطأ الكلاسيكيين الذين ظنوا الوضوح ضرورياً في الفن، كما هي الحال في العلم، فهناك فارق بين تأثير الفكرة الواضحة وما يؤثر في الخيال والمشاعر. فالصورة التي تمثل في وضوح معالم قصر أو معبد أومنظر طبيعي، لن تكون مثيرة للعاطفة والمشاعر ، مثل القصيدة التي تعبر عن مشاعري الغامضة تجاه موضوع في الطبيعة. ومن هنا يجيء تفضيل بيرك للشعر بأعتباره أقدر على الإثارة وعلى التعبير عن “الجلال” في أي موضوع. وما يقال عن أزدياد تذوقنا للفن بتأثير المعرفة غير صحيح إطلاقاً. فلعل أفكار “الأبدية” أو “اليوم الآخر” من أهم التصورات التي نتأثر بها، وإن كنا لن نستطيع أن نحدد في دقة ما نعنيه بها. والمصورون برغم خضوعهم لفكرة المحاكاة، قد حاولوا زيادة تأثير لوحاتهم، بجعلها تتسم بالغموض. وكانت أسهل طريقة لتحقيق ذلك هي البحث عن موضوعات غامضة تدور أحداثها بالليل أو لا يسهل إدراك فكرتها إلا بعد أن يكون أثرها قد تحقق.
--------------- ----------------------------- -----------------

المصادر

محمود,زكي نجيب, , الموسوعة الفلسفية المختصرة , بيروت, دار القلم

أندريه لالاند, موسوعة لالاند الفلسفية , ت احمد خليل , بيروت, منشورات عويدات, 2001

المعجم الفلسفي , مصر , الهيئة العامة لشؤؤن المطابع , 1983

جميل صليبا , المعجم الفلسفي , بيروت, دار الكتاب اللبناني, 1982

ثقافة وفن: أدموند بيرك .. حــول "أصـــل الجليــل والجميـــل " الملا ابو بكر, صحيفة الأتحاد, العدد 78, سنة 2009

----------------- ------------------------- ------------------






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,591,167,908
- قراءة درامية للنظريات الماركسية
- قراءة درامية من قبل التوسير للماركسية
- المسرح في اليابان
- المخرج الفريد جاري ومسرحية اوبو ملكا
- الجمال عند شارل لالو
- التجريب في سينوغرافيا العرض المسرحي
- حول المسرح الطبيعي
- التكامل التقني في العرض المسرحي
- الجمال في فلسفة ابن عربي
- المخرج المسرحي الفرنسي أنتونان آرتو
- بسكاتور والمسرح السياسي
- مدخل للفرق بين العلم والفلسفة
- الأداء التمثيلي المسرحي عبر العصور
- الجمال في بنية التقنيات المسرحية
- المخرج ريتشارد فاجنر
- مسرحية لعبة الحلم لأوغست سترندبرغ
- التمرد في دراما الفن المسرحي
- غروتوفسكي المخرج المسرحي البولندي
- -هيبياس الأكبر- أهم المحاورات الأفلاطونية
- مفهوم القبح في الجمال.


المزيد.....




- الشاعرة الشابة شيماء عبدالرحيم تستكمل -هي-
- كاريكاتير مصطفى الشيخ
- كاريكاتير أحمد كامل
- «الهضبة» يُشعل حفل «بورتو كايرو».. فترة الـ «دي جي» تستبق ظه ...
- بالفيديو.. «عيسي»: الثقافة الدينية لحكومة محلب لا تختلف عن ر ...
- جاك شيراك يعلن مساندته لآلان جوبي ضد ساركوزي
- وفاة الأديب والشاعر جابر الشراخ عن عمر ناهز 75 عاما بالحديد ...
- النشرة الثقافية: -عصفور- يلتقي سفير اليابان في القاهرة.. ويج ...
- أندرا تيدا: أنا امرأةٌ صَمُوت -
- -عدن- للفنون والعلوم تقيم الحفل الختامي لمسابقة تحسين المدي ...


المزيد.....

- مجموعة مقالات أدبية / نمر سعدي
- موسى وجولييت النص الكامل نسخة مزيدة ومنقحة / أفنان القاسم
- بليخانوف والنزعة السسيولوجية فى الفن / د.رمضان الصباغ
- ديوان شعر مكابدات السندباد / د.رمضان الصباغ
- رواية -الصراصير- محمد عبد الله البيتاوي / رائد الحواري
- رواية -شهاب- صافي صافي / رائد الحواري
- جملة في تبجيل الفنان وردي / جابر حسين
- قلم وفنجان / بشرى رسوان
- جملة في تبجيل الفنان وردي / جابر حسين
- ما بعد الجنون / بشرى رسوان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سرمد السرمدي - بين الجليل والجميل في الفن