أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زياد صيدم - رحلة العمر 7 (الأخيرة)















المزيد.....

رحلة العمر 7 (الأخيرة)


زياد صيدم
الحوار المتمدن-العدد: 3049 - 2010 / 6 / 30 - 00:54
المحور: الادب والفن
    


ح7 / الاخيرة
فزع عندما سمع ارتطام جسد حليمة خلف الباب مباشرة.. تريث في قرع الباب للحظات حتى فتحه بشار ابنه الاكبر.. وقد تعثر بوالدته المتكورة خلف الباب مباشرة.. فكان العناق طويلا ودموع الفرحة من كلاهما قد أغرقت وجنتيهما.. لحظات مرت كأنها عمر بأكمله.. ابعد ابنه والتفت إلى حليمة التي لا تزال مغمى عليها.. طالبهم بماء على وجه السرعة ..اخذ يغسل وجهها ورأسها، ثم حملها إلى غرفة النوم، واخذ يربت على خديها هامسا لها: أنا عدت يا حليمة ..عدت لكم ولأهل القرية ولكل البلد.. استفيقي زوجتي الغالية .. أخذت ترمش بعينيها غير مصدقة أهو علم أو حلم جميل لطالما راودها في سنوات غيابه.. ارتسمت ابتسامة هادئة على محياها.. مدت يدها إليه.. فقبضها بكفه والصقها إلى قلبه...
دلف جيرانه.. اكتظ بهم فناء الدار.. كانوا أول الغيث.. يهنئون ويباركون سلامته..اندفعت الجارات إلى أم بشار، يقبلانها وهن يزغردن.. وقد امتلأ البيت بالفرح فكانت الوجوه ما بين التصديق والتكذيب لما يرونه من سلامة أبو بشار وعودته .. تهامست بعض النسوة: لون بشرته قد تغير ! حركاته ونظراته ليست كما السابق.. لكنه أكثر هدوء واتزانا!...
توافدت جموع القرية.. تجمهروا على مقربة من بيته .. لحظات وإذ بالمختار ووجهاء القرية قد وصلوا.. أفسحوا لهم الطريق بصعوبة بالغة.. استطاع المختار ومرافقيه شق الصفوف بشق الأنفس.. حتى دخلوا إلى صحن الدار.. فأدخلهم بشار إلى المضافة، وقام بإعلام أبيه..
كان اللقاء حافلا..تبادلوا معه كلمات الترحيب وحمدوا الله على سلامته.. كانت نظرات المختار لا تفارقه.. يرقبه.. يتابعه .. ويهز برأسه بين الفينة والأخرى، في كل مرة ينطق فيها أبو بشار بعضا من جمله وكلماته.. مر وقت قليل، حتى استأذن الجميع ليفسحوا له المجال بان يرتاح ويلم شمله إلى أسرته.. فنادوا في الجموع الغفيرة بالعودة إلى بيوتهم.. وقبل أن ينصرفوا، همس أبو بشار للمختار بان لديه الكثير الكثير.. ولابد من لقاءه غدا وعلى وجه السرعة! فهز رأسه بالموافقة.. فقد شعر بهذا منذ لحظات.. وأحس بان أبو بشار يحمل بشائر كثيرة، وكلام لا ينتهي! فهو المختار صاحب عقل راجح، وبديهة لماعة..
في المساء التأم شمل الأسرة من جديد.. تحدثوا بما فيه الكفاية.. فرحوا بعودة أبيهم.. شكروا الله كثيرا.. طمأنهم بأنه عاد بالخير للجميع.. وانه ينقل بشائر الخير والمجد للقرية وكل القرى وللناس أجمعين.. انبهرت زوجته بما يقول.. وكذلك أولاده تهامسوا.. تمتموا.. بوجوه ملأها الإعجاب والاستغراب والاستهجان.. استأذنوا والدهم بالذهاب للنوم.. وبقى هو مع حليمة.. فانهمرت دموع الفرحة.. ونظرا إلى السماء من فناء الدار، فكان القمر مكتملا ..بدرا ساطعا.. فتعطلت لغة الكلام بينهما..وفاضت الأشواق لتسحبهما إلى غرفة نومهم، التي أعدتها ورتبتها خلسة، وعلى عجالة بينما كان يتحدث مع الأولاد...
عصر اليوم التالي توجه إلى ديون المختار حسب الاتفاق.. حيث كانوا جميعا بانتظاره على أحر من الجمر.. ينتظرون كل جديد..يتشوقون إلى سماع أخباره وماذا حمل لهم؟ وماذا سيقول لهم ؟ وصل الديوان ..دخل والعيون ترمقه بإعجاب واستهجان! جلس جوار المختار.. عم صمت غير عادى.. وساد الهدوء والسكينة الجمع، وأرخوا آذانهم صاغية..
استأذن أبو بشار من المختار بالحديث: يا أهل قريتي.. جئتكم بكنوز لا تقدر بثمن لو اتبعناها؟ احملها لكم هنا.. وأشار بيده إلى مجموعة من الأوراق رتبت في حزم متناسقة بأغلفة جلدية ناعمة.. امتعض الجمع، وتعالت همهمات الرجال.. اصمتوا..اصمتوا جميعكم ..نادي المختار فيهم بصوته الجهوري المعروف.. ثم التفت إليه قائلا: أكمل حديثك أبا بشار...
يا أهل قريتي.. عدت لأجلكم ولأجل كل الناس.. احمل هنا كنوزا مكتوبة بماء الذهب.. إنها مذكراتي التي سيحملها أمانة رجال منا .. يتصفون بالصدق والجد..لا تعادل اى كنوز تعلمونها.. إنها نهج حياتنا القادمة.. قوانين التآخي والرحمة فيما بيننا.. دستور الحكم وشرائع تنظم كل حياتنا.. ما لنا وما علينا تجاه الحاكم الذي نعينه نحن ولا يفرض علينا..تجاه أنفسنا.. هنا معادلات واختراعات وابتكارات.. بحاجة إلى عرق وجهد وعلم..إنها صناعات متطورة.. وخطط لكل صغيرة وكبيرة.. ابتكارات ستحيلنا إلى عالم متطور في الزراعة والصناعة.. ستغنينا عن الحاجة لأعداء البشرية.. سنمتلك زمام أمورنا.. سنكون رقما متقدما بين الأمم.. هنا اختراعات دفاعية متطورة..سنغلق سماء بلادنا أمام الغربان.. وستسقط محترقة لو فكرت في الاقتراب!! هنا تطوير حقولنا ومنتجاتنا الصناعية التي تقوم على زراعة متقدمة فالخضروات تزرع على مدار العام !! هنا في هذه الأوراق كيفية الاستفادة من المياه و الحفاظ عليها.. واستخدامها في الصناعات المختلفة وحتى ما لا يخطر على بالكم؟! هذه هي الكنوز الحقيقة التي جئتكم بها يا أهلي وأحبتي.. عدت من أجلكم انتم وباقي القرى والحضر في بلدنا العزيز..كما واليكم بشرى أخرى!! فانتبهوا لها: حملت لكم كنوز تعلمونها من الجواهر والماس والذهب.. لكنها ستبقى أمانة ووديعة نستخدمها في تنفيذ كل الخطط التي بحوزتنا الآن.. ليعم الخير والعدالة الجميع دون استثناء...سنطبع هذه المذكرات لتوزع على من هم جديرين بالأمانة وحملها من أشراف القرية والقرى الأخرى والمدن في بلدنا.. بل في كل بلاد العرب والمسلمين.
تعالت أصوات التكبير... هللوا جميعا.. اندفعوا إليه.. رفعوه على الأكتاف.. انه زعيم القرى بلا منازع .. طافوا به القرية.. الجموع هادرة.. مصممة على تطبيق كل ما جاء به أبو بشار...
في الصباح..استيقظت أم بشار.. سارعت إلى المطبخ تعد الفطور.. وقد أرسلت بشار لإحضار خروفين لذبحهما، وعمل وليمة للأحبة والأصحاب والجيران واعيان البلدة.. عادت فرحة وجهها يشع نورا وضياء لإيقاظ أبو بشار .. تناديه.. لا يجيب ؟.. تحركه لا يستجيب !.. تلطم صدره لا حياة ولا مجيب.. مات أبو بشار حدثت نفسها.. صرخت.. خرجت إلى فناء الدار تصرخ ..تستغيث..تلطم على خديها..تمزق ثيابها.. لكن هذا لن يرجع أبو بشار.. فقد فاضت روحه إلى السماء...
إنها إرادة الله .. " وكل نفس ذائقة الموت"..كانت كلمات الآية الكريمة التي تلاها شيخ القرية قبل تغسيله، والصلاة عليه، دفن صاحب البشارة لاحقا في جنازة مهيبة.. لم يروا مثلها من قبل..شوهدت مذكراته تحملها سواعد سمراء قوية، شريفة واعية.. عاهدت الله والوطن على المضي قدما في نشر الأفكار.. وعمل وتنفيذ الأمانة التي جاء بها أبو بشار.. معرضا نفسه للخطر.. وقد نجح هو في إرساء اللبنات الأولى لها .. أنهم امنوا بحتمية التغيير نحو المجد والعزة والكرامة ..هكذا حملوا أفكاره على اكفهم ..بينما كانت تسير جنازته وقبل دفنه.. تعبيرا على الوفاء والعهد..فان كان أبو بشار قد مات.. فالأفكار والحلم والعهد لا تموت .. أرادوها رسالة إلى الناس..كل الناس. بل إلى العالم اجمع..انفضت الجموع الهادرة..ولاذت السواعد السمراء حاملة الأفكار إلى عقد مؤتمرها الأول.. بكل إصرار وعزيمة وأمل..لتزف البشائر للعيون المشرئبة.. والقلوب المنتظرة يوم الخلاص لانعتاقها من براثن الجهل والتأخر وعبث العابثين.. هناك من خلف شجرة.. كان رجلا يرقب مراسم الدفن.. كان يبكى بحرقة.. قبل أن يتبخر مختفيا.
-انتهت -





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,104,901,300
- رحلة العمر6 (قصة قصيرة)
- هرولوا إلى قاهرة المعز 3 - النداء الأخير-
- رحلة العمر5 (قصة قصيرة)
- الجرائم الصهيونية والفيتو الأمريكي إلى متى؟
- رحلة العمر 4 (قصة قصيرة)
- رحلة العمر 3 (قصة قصيرة)
- رحلة العمر 2 ( قصة قصيرة )
- مستر تريمال وأنفاق الجحيم؟.
- رحلة العمر 1 ( قصة قصيرة )
- صديق الأسرة ! (قصة قصيرة )
- حظوظ عرجاء !! (ق .ق. ج)
- س. ص ! (قصة قصيرة)*
- غزة.. دخان يا كييفي الدخان
- ومضات غزلية (ق. ق.ج)
- حكايات من طوكر!(ق.ق.ج)
- ابتسامات ما بعد الموت ! (قصة قصيرة)
- لحى.. ولكن! ( ق. ق. ج )
- صخب الموانئ 12 (الأخيرة).
- صخب الموانئ 11
- رهان مع الشيطان 3.


المزيد.....




- بوتين يرغب في أن -تتولى الحكومة المسؤولية- عن موسيقى الراب
- وزير الخارجية الأردني يلتقي الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لع ...
- صناعة الأديب الطفل.. كيف نحبب الأدب العربي لصغارنا؟
- سعاد مديني.. حلم مؤجل لعشرين سنة ينبعث على المسرح
- ماتروشكا- أول فيلم روسي - مصري -
- فيلم يحقق أكثر من 35 مليون دولار في أول ثلاثة أيام لعرضه
- الكشف عن الممثلين الأكثر بحثا على -جوجل- لعام 2018
- هذا ما قاله العيناوي في اختتام مؤتمر حوارات أطلسية بمراكش
- زعماء شباب يتناولون الكلمة في اختتام مؤتمر حوارات أطلسية بمر ...
- الفنانة أصالة تفتتح الدورة الـ15 لمهرجان الإسكندرية الدولي ل ...


المزيد.....

- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - زياد صيدم - رحلة العمر 7 (الأخيرة)