أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف بمناسبة 1 أيار 2010 - المعوقات والتحديات التي تواجهها الحركة العمالية والنقابية في العالم العربي - هشام الطيب الفكي - بمناسبة عيد العمال.. العم -كوكو- عامل النظافة .. ابتسامة لغد أفضل














المزيد.....

بمناسبة عيد العمال.. العم -كوكو- عامل النظافة .. ابتسامة لغد أفضل


هشام الطيب الفكي
الحوار المتمدن-العدد: 2996 - 2010 / 5 / 5 - 10:22
المحور: ملف بمناسبة 1 أيار 2010 - المعوقات والتحديات التي تواجهها الحركة العمالية والنقابية في العالم العربي
    


بينما كنّا جالسين مع "فطومة" ست الشاي، بشارع المك نمر بالخرطوم وفي تمام الساعة الواحدة بعد الظهر شاهدنا رجلاً طاعنا في السن.. يرتدي أبرولاً أخضر كتب عليه "هيئة نظافة ولاية الخرطوم"، وجدناه يجرُّجر في أرجله و"درداقته" المليئة بالأوساخ وبمعدات عمله، ويحمل على كتفيه مكنسة كبيرة. لاحظنا أنّ ذلك الرجل قد تجاوز سن العمل، فمن هُم في عمره الآن نجدهم يحظون برعاية أحفادهم، بعد أن أخذت حياتهم منحًى آخر.. بعيداً عن أجواء العمل الشاقة، وجميعنا شاهد بعض كبار السن؛ وهم يضعون الجرائد علي ضل النيمة، بعد أن صنعوا لهم مقعدا بجوارها تتراص فيه فناجين القهوة أو الشاي، وهم يتبادلون الضحكات فيما بينهم. لكن كما اتضح لنا فإنّ حظ العم كوكو، ليس كأولئك الذين ينعمون الآن برعاية أسرهم؛ لأنّه مازال منهمكا في جمع الأوساخ، ومن بينها أوساخ النيمة التي جلس عليها (عبدو المكنيكي). تحت نار الشمس الخرطومية الحارقة؛ لازال العم كوكو.. يواصل كفاحه.. ويمارس مهنته كعامل للنظافة. توجهنا نحوه.. وألقينا عليه التحيّة، وبعد أن تعرفنا عليه، قدّمنا له دعوةً لتناول الشاي الذي تعده "فطومة" في ظل عمارة رحيمة كنّا نجلس بها، وبالفعل، لبى دعوتنا، بمجرد فراغه من نظافة الشارع ـ أو هكذا ظن العم ـ فالمارة مازالوا يرمون قاذوراتهم على الطريق.. أصدر كوكو آهة طويلة قبل أن يجلس على بنبر فطومة؛ ليبادلنا الضحكات والونسات بالرغم من مرارة الحكاوي التي قصها على مسامعنا. عرفنا أنه يعمل في كل الأوقات، يقف هنا، وهناك، يمسكُ مكنسته بيده بعد أن يترك "درداقته" علي بعد خطوات منه؛ ويشرع في (لملمة) الأوساخ المتكدسة علي الشوارع وجنباتها، ورغم الجهد الشاق في جمع الأوساخ إلا أنه لم ينسي أن يمازح صاحب الدكان ببعض الحديث، ثم يبتسم مع عبدو الماكنيكي وست الشاي. للعم "كوكو" ابتسامه عميقة، ينثرها في وجوه من هم حوله، ويخفي بها ألف حزنٍ وألم. أخبرنا "كوكو" أنه بدأ كعامل في النظافة قبل أكثر من عشرين عاماً؛ ذلك بعد قدومه من جبال النوبة وفق ماقال:( أنا من جبال النوبة، نوباوي، وجيت الخرطوم لي ثلاثين سنة) ويضيف قائلا: ( لمن جيت من الجبال اشتغلت لي كم شغله كده لكين لقيتها ما نافعة، وبعد داك، اشتغلت عامل "نضافة"، ويا هو ده الشغل الفي)، سكت العم كوكو لبرهة ثم قال: (ما لقينا يا ولدي شغل تاني.. أول بديت شغل في جبل أولياء، وتاني مشيت اشتغلت في السوق المركزي، بعد داك اشتغلت في السوق الشعبي كم سنة كده، وهسي ياهو زي ما أنت شايف).
وصل "كوكو" إلى الخرطوم قبل أكثر من ثلاثين سنة، استقر بمنطقة مايو، لكن استقراره لم يدم طويلاً، فقد قامت الحكومة قبل وقت من الآن، بهدم بيته في تلك المنطقة، وتركته نائماً في العراء مع قليل من الأواني التي يمتلكها، حدّثنا بحسرة عن فاجعة التكسير التي أصابت منزله، فقال: (الحكومة كسر بيوتنا جت، وفي واحدين عوضوهم، ونحنّ ما عوضونا)، سألناه لماذا عوضت الحكومة البعض وتجاهلت البعض الآخر، فأجابنا بامتعاض شديد: (الأسباب دي بعرفوها هم، حكومة ده أنا عارفه كويس.. بيدي زول دايرو، وبخلي زول ما دايرو) تنهد كوكو وواصل حديثه قائلا: (هسه انا عايش في راكوبة، وما ح امشي من أرض بتاعي، إلا وأكون شلت حقى أو شالوني في كفن). انتبهنا حينها أنّ العم كوكو قد ارتشف الحديث الساخن بدلاً عن الشاي الذي كاد ان يبرد، أخبرناه أن يكمل الشاي.. وبعد أن أخذ رشفة كبيره، تحدثنا بعدها عن أسرته وأوضاعها، فعلمنا أنه أب لخمسة أبناء، البعض منهم يعمل، والبعض الآخر عاطلٌ عن العمل. سألناه هل تلقى أبناؤك تعليماً في المدارس؟ أجابنا سريعاً: (ما في زول فيهم دخل مدرسة، وهسي هم قاعدين في البلد)، واستدرك وكأنه يستخف بسؤالنا قائلا: (يدخلوا مدرسة كيف.. وأنا ما عندي ليهم قروش). بعدها عرفنا أن العم "كوكو" يتقاضى أجراً يتراوح ما بين (200ـ 300) جنيه، وعلمنا أن ذلك الأجر يتبدد فور استلامه له، وخاصة أن كوكو عدّد لنا جملة من الأشياء التي تزيد عما يتقاضاه من أجر: كالمواصلات التي يركبها من مكان سكنه إلى مكان عمله، وهي جنيهان يومياً، إضافة إلى تكاليف معيشته، والنقود التي يرسلها شهريا لأبنائه.. أبناؤه الذين لا يستطيع زيارتهم، لأنّ تكلفة الذهاب والإياب من الخرطوم إلى كادوقلي أكثر من (140) جنيها، فضلا عن المواصلات الداخلية، والأشياء التي يجب أن يحملها معه، واستمر كوكو في سرد معاناته قائلا: (الشغلة دي متعبة شديد ـ قالها بحرقة ـ أنا بشتغل ورديتين، وأحدة من الصباح لحدي بالنهار، والتانية من قبل العصر لحدي بالليل). وواصل حديثه حول ارهاق العمل وتعبه ومعاناته مع هذه المهنة فقال:( ياخي ديل ما بدونا حق المواصلات.. ديل ما بدونا أي حاجة .. أنا في الشهر بدفع لمواصلات مايو ستين جنيها؛ والله زي مابقول ليك.. الراتب بنتهي حق مواصلات ساكت). وأضاف متهكما: مابدوك قروش ولا أنت عيان (اذا مرتك ولدت، ولو حصل ليك أي حاجة إلا تتصرف براك، وبعد ده كلو لو غبت يوم بدون أورنيك بخصموا منك حق يوم). وواصل ساخطا: (النفايات والقروش البجينا منو ده.. فيهو ظلم كبير، والوضع ده ظالم.. والسودان كمان ظالم)، معللاً ذلك بقوله: (لو ما ظالم ليه الناس الشغالة في النفايات ديل كلهم من جبال النوبة).
سكت العم كوكو لبرهة بعد أن أصدر آهة طويلة، وضعنا حينها عدة تساؤلات عن دواعيها، فقررنا أن نسأله عن سببها فقال:( ياولدي أنا الحاصل علي ده هين) وأضاف:(أنا عندي وجع ضهر.. كل يوم ضهري ده قاعد يوجعني). أدركنا حينها أن الحديث قد يتعب عمنا كوكو وقد ينطبق ذات الأمر على السكوت، فقررنا أن نتركه ليواصل عمله.. قام العم كوكو من بنبره بعد عناء، توجه نحو "الدرداقه" وضع فيها مكنسته وأحلامه وآماله، وذهب يواصل عمله في تنظيف الشارع، شارع الوطن.. ذلك الوطن المليء بالأوساخ وبالتفاصيل النتنة، دحرج العم كوكو درداقته للأمام، وهو يتشبث بخيوط من الصبر ومن الأمل؛ إذ لم تستطع قسوة المهنة وشقاؤها وظلمها طيلة العشرين عاماً الماضية أن تأخذ ابتسامته العميقة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الإنتخَابات.. جِيل بأكمَلِه يتعرَّضْ لعملية نَهب وإحتيَال
- المَنسيُون فِي هَوجة الإنتخَابات السُودانيّة
- حِين سلكنا دَربْ النَجمة ! قِصَّة
- دور الشباب في تحقيق الوحدة السودانية..
- الجوع كائن مُفترس بلا رحمة .. !
- الفراشَة التي هَاجرتْ معَ سِرب الأُمنيَات
- المطر .. !
- معاً لإيقاف العنف ضد المرأة
- على نهج الحوار المتمدن - صحيفة سودانية إلكترونية - خطوة في ط ...
- (ستنا) إمرأة بحجم الثورة قصة .. أشبه ما تكون واقعية !!
- ماشين في السكة نمد.. في عيد العمال العالمي .. فلنكن فرساناً ...


المزيد.....




- سامويل لـCNN: نعتبر القدس الشرقية محتلة.. ندعم التحالف ونقف ...
- الهند مستاءة من الصين ومنزعجة من روسيا
- واشنطن: نسعى لتشكيل تحالف دولي ضد إيران
- بحث ملف -الإسلاموفوبيا- في منتدى بأبوظبي
- آمال بعودة السياحة الروسية إلى مصر
- أوروبا تمدد العقوبات على روسيا 6 أشهر
- أين قتل أكبر عدد من الصحفيين؟
- جنود إسرائيليون يعذبون شابا فلسطينيا
- سفير روسيا لدى ليبيا: موسكو لا تدعم حفتر
- أقوال ومواقف مضيئة من المؤتمر الصحفي السنوي الموسع لبوتين


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ملف بمناسبة 1 أيار 2010 - المعوقات والتحديات التي تواجهها الحركة العمالية والنقابية في العالم العربي - هشام الطيب الفكي - بمناسبة عيد العمال.. العم -كوكو- عامل النظافة .. ابتسامة لغد أفضل