أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جورج فارس - حول وجود قوة ماوراء كونية واعية...















المزيد.....

حول وجود قوة ماوراء كونية واعية...


جورج فارس

الحوار المتمدن-العدد: 2938 - 2010 / 3 / 8 - 20:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ما أشبه الحوار بالزورق! إذا تجمّع الناس في جانب واحد منه انقلب و غرق بهم جميعاً. (مارشال غولد سميث)

دائماً ما تدور الحوارات بين الإلهيين واللاإلهيين فتتكرر الأسئلة وتُعاد الأجوبة بين أخذٍ ورد ورغم ذلك يبقى كل واحدٍ منا في مكانه والقليلون هم الذين يغيرون ولو طريقة تفكيرهم.
لست هنا من أجل إثبات وجود إلهٍ ما لهذا الكون وإن كان هذا ما أؤمن به ولكني أحاول الخروج عن المألوف والتطرق إلى نقاط ربما لم يتم مناقشتها من قبل وتقديم بعض التساؤلات والآراء القابلة للنقاش علّنا نصل معاً إلى آفاق جديدة. والآفاق الجديدة لا تعني أن نقتنع جميعنا بنفس الفكرة ولكن أن تبقى حواراتنا في حركة مستمرة وتتميز بالحيوية والتجديد، وأرجو أن أكون قد وُفقت في طرحي البسيط المرتكز على ثلاث قضايا أراها محورية وفيها جدلاً واسعاً.


القضية الأولى: حول انتشار فكرة الإله.

إن كانت فكرة وجود إله لهذا الكون هي من اختلاق إنسانٍ ما أو مجموعةٍ ما، فكيف انتشرت هذه الفكرة في أرجاء العالم القديم ولاقت رواجاً منقطع النظير علماً أنه لم يكن هناك وسائل اتصالات كالهاتف والانترنت ولا حتى وسائل مواصلات سريعة؟
حيث أنه يكاد لا يخلو مكان في العالم دون وجود عبادات لآلهة ما بغض النظر عن اختلاف هذه الآلهة وطريقة ممارسة طقوس عبادتهم وهو ما يحتم علينا التساؤل حول إمكانية انتشار فكرة وجود قوة كونية واعية تتحرك وتفكر وتقرر وتتحكم في الكون. فهل من المعقول أن الجهل أو الخوف أو أباً كان السبب هو المحفز على جعل كل البشر في الكثير من أصقاع العالم على أن يفكروا بطريقة واحدة تقودهم لفكرةٍ واحدةٍ بوجود قوةٍ ماوراء كونية واعية؟

ألا يمكن اعتبار سعي الإنسان الحثيث في بحثه عن الإله ما هو إلاّ نتيجة ما يمكن تسميته دليل داخلي (فكرةٌ من نوعٍ ما) في قلبه على وجود هذا الإله؟ ربما.....
ولابد أن نتساءل هل استطاع هذا الدليل أن يقود الإنسان للإله الحقيقي دون أن يدعه يختلق الآلهة ويتفنن في صفاتهم وأسمائهم؟ أي هل أدى هذا الدليل دوره على أكمل وجه؟
وحتى نجيب لابد أن نحدد ما هي مهمة هذا الدليل بالضبط.
فهل هو مسؤولٌ عن قيادة الإنسان للإله الحقيقي؟ أم يمكن اعتباره مؤشراً على وجود شخصية واعية من وراء الكون وإدراك بعض صفاتها المطلقة وقدرتها الفائقة؟
وشخصياً أرجح الإحتمال الثاني لأن هذا ما يمكن تأكيده من خلال الأساطير التي آمنت بها الشعوب باعتبار أن الآلهة موجودة ولها كيان وهي ذات صفات خارقة فوق طبيعية ومطلقة ومسيطرة ومهيمنة. ففي كل مرة اكتشف فيها الإنسان نقص صفات إلهه قام بابتكار إله جديد ليضيفه إلى مجموعة آلهته كي يعمل الجميع معاً لتشكيل صورة كاملة مطلقة عن الإله بما يطابق الصورة المرسومة داخل الإنسان عنه.

إذاً أين تكمن المشكلة؟ هي تكمن في أسلوب تعامل الإنسان مع هذه الشهادة الداخلية وفي طريقة بحثه. فهو ولأسباب كثيرة بحث عن آلهة استعبد نفسه لهم بدلاً من أن يعبدهم. فالعبودية والإستعباد تنتج عن الخوف والجهل والضعف أو حتى عن المصالح النفعية المتبادلة، في حين أن العبادة هي علاقة محبة ولا يوجد فيها عبد وسيد وهذا ما لم يدركه الإنسان في بحثه عن هذا الإله.
وهنا نعود للوراء لنتساءل هل الخوف من قوى الطبيعة الغامضة والناتج من الجهل بأسبابها هو السبب كي يقوم الإنسان بتأليه هذه القوى؟ ولن يجيبنا على هذا التساؤل إلاّ تساؤل آخر وهو أنه لو كان الخوف هو السبب الأكبر فلماذا إذاً أوجد الإنسان آلهة للحب وللخصوبة وللجمال وللحكمة وللصيد وللزراعة وغيرهم الكثيرين؟ فهل أمثال هذه الآلهة يمكن إرجاعها للخوف أم لأسباب أخرى؟
وإنطلاقاً من إجابة هذا التساؤل يمكننا التأكيد ولو بصورة بسيطة أنه ليست كل الآلهة التي اختلقها الإنسان تتعلق بالقوة والحماية والحرب والسيطرة بل إن فكرة الإله عند الإنسان كمجمل مرتبطة بالقوة والجمال والكمال والمطلق وإمكانية التواصل وهذا ما تُجمع عليه الكثير من حكايا آلهات الشعوب.
وبالخلاصة يمكننا أن نطرح قيد الدراسة فكرة أن بحث الإنسان عن إلهٍ ما ليس إلاّ انعكاساً لما يمكن تسميته شهادة داخلية على وجود هذا الإله بصفاته المطلقة، ولكن إبداع الإنسان في اختلاق كافة أنواع وأشكال الآلهة جاء نتيجة سوء إدراكه لنفسه ولما يحيط به.


القضية الثانية: حول تفرّد الإنسان ومفاهيمه الإنسانية.

لست هنا بصدد مناقشة نظرية التطور ولكني أتساءل أنه إن كانت الحياة قد تطورت من أبسط أشكال الكائنات الحية الوحيدة الخلية إلى هذا التنوع الكبير من الكائنات الحية فلماذا لا نجد كائنات حية هي على مستوى تطور الإنسان؟ لماذا الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي تطور فكرياً وعاطفياً ونفسياً ومهنياً وعلمياً وفنياً وأخلاقياً؟ لماذا ما زالت باقي الكائنات تتحرك عبر غرائزها بينما تخطى الإنسان هذه المرحلة وأصبح مسيطراً على غرائزه بفكره ووعيه؟
لماذا لا توجد حيوانات تهتم بالعلوم المتنوعة؟
لماذا لم تبنِ الحيوانات حضارات وتمتلك ثقافات كالإنسان؟
أين هي الكائنات الأخرى التي طورت تكنولوجيا شبيهة بعلم الحواسيب والإتصالات؟ وصنعت لنفسها وسائل مواصلات وسافرت إلى القمر؟
لماذا الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يتميز بفكره دوناً عن كل الكائنات الحية؟
ولماذا اقتصرت عملية التطور هذه على الإنسان فقط وتم الإغلاق على جميع الكائنات الأخرى في مراحل تطور غير متطورة؟
هل هذا يعني أن الإنسان بكل تركيبته المعقدة والتي تعمل بانسجام هائل قد تطور بمحض الصدفة؟ أم أن هناك قوة واعية ماوراء كونية أرادت للإنسان وللإنسان فقط أن يكون كذلك؟
فمن المنطقي لعملية التطور أن تصل بالكائنات إلى تنوع كبير وتطور يختلف في أشكاله بين هذه الكائنات بحيث نصل في النهاية إلى ثقافات حية مختلفة باختلاف النوع والشكل لنجد حضارات لا تخص الإنسان فقط ومخترعات تعود لكائنات غير الإنسان تطورت معه وشاركته الحياة جنباً إلى جنب، ولكن عندما نصل إلى وضع يكون فيه الإنسان هو الوحيد في ذلك فلابد أن نتساءل لماذا؟

وعندما نتحدث عن الإنسان علينا ألاّ ننسى بعض المفاهيم التي ينادي بها اليوم كالعدالة والحرية والمساواة والحق، فهل تطورت أيضاً هذه المفاهيم مع تطور الإنسان؟ وهل يعني هذا أنها وليدة التطور ونتيجة الحاجة فقط؟
إن كانت الإجابة بنعم فهذا سيفتح أمامنا جدلاً كبيراً في أنه هل وباستمرار تطور البشرية سيأتي اليوم الذي تتغير فيه الحاجة لهذه المفاهيم لتظهر حاجات لمفاهيم أخرى مما سيؤدي إلى اختفاء الأولى لنقول وداعاً للعدالة وللحرية وللمساواة وأهلاً بما هو جديد؟ أي هل يمكننا القول أن الحاجة هي التي تعطي القيمة لهذه المفاهيم وأن قيمتها ستنتهي بالنسبة للإنسان عندما تنتفي الحاجة لها؟
أمّا إن كانت الإجابة بلا فهذا سيعني أن هذه المفاهيم هي ثابتة ولا تتغير بمرور الزمن وأنها مرتبطة بشكل أساسي بوجود الإنسان على مر العصور ومختلف الأماكن والعوالم بغض النظر عن مرحلة التطور التي يعيشها بحيث أنه لن يكون له مستقبل إنساني بدونها، أي أنها -أي هذه المفاهيم- ليست وليدة الفراغ ولا الحاجة في حياة الإنسان بل أنها تستمد وجودها وقيمتها ليس من الوجود الإنساني بل من شخصية ما وراءكونية ثابتة تمثلها كمفهوم مطلق للحرية والعدالة والمساواة والحق، حيث أن هذه المفاهيم ليست هي التي تعطي القيمة للانسان فقيمته موجودة فيه ولكنها تعمل على احترام هذه القيمة والمحافظة عليها. وهنا لابد أن نتساءل ما هي إمكانية تحقيق هذه المفاهيم على أرض الواقع في غياب شخصية مطلقة تمثلها؟
وبصيغة مبسطة يمكننا التساؤل حول أنه هل اخترع الإنسان مفهوم العدل لحاجته له؟ أم أن مفهوم العدل هو موجود أصلاً ومتمثل في شخصية مطلقة تفرضه كقيمة للحياة بدونها لن تستقيم حياة الإنسان ولن يكون إنساناً أصلاً بدونها؟ ويمكننا قياس هذا التساؤل على باقي المفاهيم.


القضية الثالثة: تساؤلات كونية.

في معرض النقاشات الدائرة ومحاولات إثبات أو نفي وجود إله ما لهذا الكون هناك أسئلة منطقية تتعلق بالكون نوعاً ما يتم طرحا في سبيل نفي وجود هذه القوة الماوراءكونية، ولكن قلة من الناس تنتبه إلى أن نوعية هكذا أسئلة هي عاجزة عن النفي أو الإثبات، ولنناقش بعضاً منها:

التساؤل الأول: إن كان هناك خالق ما لهذا الكون فلماذا خلقه كبيراً جداً جداً؟ أي لماذا لم يخلقه بما يتناسب مع حجم الإنسان؟ لماذا لم يكتف بمجموعة شمسية فقط أو مجرة واحدة فقط؟
وللرد على هذا السؤال دعونا نفترض أن الكون هو صغيرٌ جداً وأنه عبارة عن مجموعة شمسية واحدة أو حتى مجرة واحدة فقط، فهنا سيسألون التالي: ألم يستطع هذا الخالق أن يخلق كوناً أكبر بما يناسب قدراته التي تتكلمون عنها؟
ومن هنا نرى بأن حجم الكون صغيراً كان أم كبيراً لن يوقف المعترضين على وجود الإله من التساؤل واستخدام حجم هذا الكون كحجة لنفي وجوده، مما يدلنا على أن حجم الكون ليس دليلاً على نفي وجود الإله رغم أنه قد يكون مؤشراً عن قدرات هذا الإله في حال اتفقنا على وجوده.

التساؤل الثاني: إن كان الإنسان هو محور الحياة التي أوجدها مهندس الكون فلماذا يبدو كغبار أو كلاشيء في هذا الكون المترامي الأطراف؟
ويبدو هذا التساؤل منطقي جداً ولكن في الحقيقة ما هو الرابط بين حجم الإنسان مقارنةً بالكون وبين وجود خالق للكون؟ فهل لو كان الإنسان بحجم كوكب ما مثلاً كان هذا سيثبت وجود إله خالق؟
كما أن قيمة الإنسان ليست في نسبة حجمه إلى الكون بل هي في ذاته، وبالتالي فإن حجمه ليس دليلاً على وجود أو عدم وجود خالق من وراء هذا الكون.

التساؤل الثالث: إن كان الإله موجوداً فلماذا سيقوم بتدمير الكون في النهاية؟
ولا أعرف ما شأن هذا التساؤل بوجود إله لهذا الكون؟ فما هو شأننا إن هو أراد إبقاء هذا الكون أو إنهاءه وإيجاد غيره؟ وهل يثبت هذا الموضوع عدم وجود هذا الإله المزعوم؟ لا أدري.....

يكمن الإشكال في هكذا تساؤلات في كونها تُستخدم في غير موضعها، فهذه التساؤلات يمكن استخدامها لمناقشة طريقة تفكير هذا الإله (لماذا خلق كوناً كبيراً لإنسانٍ صغيرٍ جداً) أو مناقشة مدى قدرته في حال اتفقنا على وجوده، ولكن لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال استخدامها في نفي وجوده أو حتى إثباته أيضاً.


قول أخير:
هل يمكن أن توجد مخلوقات بدون خالق؟
البعض يجيب بنعم والبعض يجيب بلا ولكني أريد القول هنا بأنه من الممكن في مكانٍ ما أن توجد صخرةٌ لها شكلٌ جميلٌ نحتتها الريح عبر سنين طويلةٍ ولكنه من المؤكد أنه لن توجد لوحة فنية رائعة حية بألوانها وتفاصيلها في معرضٍ ما دون أن يكون قد قام فنانٌ ما برسمها، فلا إبداع بدون مبدع.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,274,225,594
- إلهٌ ما... وحقائق...
- قصة الحياة والموت...
- الصليب... وأفكار...
- يسوع المسيح... ومجرد تساؤلات...
- أيها الإله.... أين أنت من زلزال هايتي؟
- صورة إلهك...!
- المعتقدات...(الخروج من الزنزانة)...
- المعتقدات...(النسر الحر)...
- المعتقدات...(القطار البشري)...
- إلى المبجّل أبيقور... حول صلاح وقدرة الكائن الأسمى
- لماذا لا نحيا معاً؟...!
- ما بين المحبة والموت...
- صلاة أم شريط مسجل....!
- منطق الإله... وعقل البشر
- يسوع المسخ أو كما يقولون عنه.....
- ماذا لو لم يكن هناك إله...؟!
- حقيقة وجود المسيح بين التساؤل والبحث..
- معادلة المساواة....
- حوار مع الإله
- المرأة ليست نصف المجتمع...!


المزيد.....




- هل لتحريض قادة عرب على المساجد علاقة بمجزرة نيوزيلندا؟
- إسرائيل تغتال منفذ عملية سلفيت بعد محاصرته قرب رام الله
- حماس تنعي عمر أبو ليلى: عملية -سلفيت- تربك منظومة الأمن الإس ...
- -فتى البيض- حر طليق.. ويعتزم التبرع لذوي ضحايا -مجزرة المسجد ...
- مقتل منفذ عملية -سلفيت آريئيل-
- مراسلتنا: الشاباك يعلن رسميا مقتل الشاب الفلسطيني منفذ عملية ...
- الطيب.. شيخ الأزهر الذي جعلته الثورة زعيما سياسيا
- سواريز يثير جدلا بعد نشر صورة مع صديقته داخل -المسجد الكبير- ...
- كنيس يهودي يجمع تبرعات لضحايا -مجزرة نيوزلندا-
- -آي-دينار-.. أول منصة إلكترونية إسلامية لتبادل العملة الرقمي ...


المزيد.....

- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جورج فارس - حول وجود قوة ماوراء كونية واعية...