أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - محمد شرينة - ماركس والأنبياء















المزيد.....

ماركس والأنبياء


محمد شرينة

الحوار المتمدن-العدد: 2937 - 2010 / 3 / 7 - 16:58
المحور: كتابات ساخرة
    


قال لي أنه يعرف ماركس من خلال لينين وستالين وماو، وأكمل حديثه قائلا:
" كنت أجلس في السيارة التي لا أملكها بل أقودها عندما مر طفل في العاشرة يحمل خبز. توقف بجانب السيارة وقال لي:
شيء لله، أريد أن أشتري حليبا لأمي.
رفعت حواجبي بالرفض آليا بينما يعتمل في قلبي تناقض.
أنا مفلس أكثر منه ولكن عشر أو عشرين ليرة وحتى خمسين لن تزيد وضعي السيئ كثير سوء. وعندما قررت أن أعطيه كان قد صار خارج المشهد. لم أجده. "
هل جعلنا ماركس وكل الأنبياء، هل جعلوا الناس يتحررون من أقسى عذاب في الدنيا: الحاجة.
لعله حاول، لكن لما صار الجشعون يستغلون عدالة النبي ماركس وهذا الشيء الذي لم يتوقعه؛ يا له من نبي هو والأنبياء من قبله ما أكثر الذي يعجزون عن توقعه!
صار الجشعون يأخذون أعطياته كما أخذوا كل هبات النبيين من قبله ليراكموها ثروات.
بالتالي قيد خلفاء ماركس ذلك على الناس. فاضطر الناس في موسكو ودمشق إلى الاصطفاف صفوفا طويلة ليحصلوا على ما يسد حاجتهم مما أنعم به الرب.
ثم ماذا؟ المحتاجون الذين هم المحتاجون على طول الدهر لأن عندهم مصيبة في قلوبهم تمنعهم من إذلال أنفسهم، عجزوا عن الوقوف في الصفوف الطويلة التي تذلهم مرتين:
مرة في الوقوف ومرة عندما ينهرهم الملائكة الذين ينظمون الصفوف. وعاد هؤلاء الشرفاء جوعى وناموا جوعى.
هذا صعب، لكن أطفالهم ظلوا جوعى وهذا لا يُحتمل.
لذلك كفروا.
الجشعين هم وحدهم من لا يهمهم شيء. لذلك وقفوا في الصفوف المرة تلو المرة وأخذوا كل شيء. أخذوا ما لا يحتاجونه وباعوه بثمن مضاعف لمن يقدر على الشراء من المحتاجين وهكذا أثروا.
مما اضطر المحتاجين لأن يكفروا بكل الأنبياء وكل الآلهة.
ولكن ما البديل؟
بكل صراحة ليس هناك من بديل.
أيها الشريف الذي بين جنبيه إباء عليك أن تنحني.
لمن، لا يهم، لأحد الأرباب، المهم أن تفعل.
وحتى هذا فانه يقربك من رحمتهم ولا يضمنها لك، فلا يأمن مكر الأرباب إلا الفاسقين.
أو عليك أن تكون منافقا لتكون في المكان الذي يضع الأنبياء فيه أقدامهم فتصيبك بعض بركاتهم. ويأتيك بعض الرزق أو حتى الكثير من الرزق أحيانا بحسب القدم التي تكون لها حذاءً. وكل ذل يصبونه عليك بعد أن تبتل به ويدخل إلى فمك وعينيك وأذنيك وأنفك تصب الباقي منه على الأحذية التي تطأها قدماك.
إن لم تكن قادرا على ذلك كمعظم الشرفاء. ليس هناك حل، يجب أن تموت. وهذا بسيط.
ولكن أن يموت أمامك أطفالك، هل تحتمل ذلك؟
تحمله هذا ما يجب. إن لم تقدر ليس لك إلا أن تتعذب.
تحمل العذاب، وانتظر الثواب فهم يعدونك بجنة وسعها السموات خاصة لك تدخلها في يوم لن يأتي.
وأخرى وسعها الأرض تعمرها لهم ليسكنوها منذ الآن.

لقد تركت الماركسية آثارا كثيرة لكن أهمها أنها أعادت غسل الرأسمالية فإذا هي بيضاء ناصعة لا شائبة فيها ولا كدر، هكذا هي بدت خاصة للذين سبق وأن تمركسوا، فأنت تحتاج إلى المال لتسد حاجتك إذا كنت رأسماليا فإذا صرت اشتراكيا على مذهب ماركس فأنت تحتاج إلى المال أيضا، وكسب المال هنا أصعب لكن ليس هنا ينتهي البلاء فحتى لو عانيت الصعاب وكسبت المال بل الكثير منه فللحاجيات هنا أثمان مضافة إلى المال، فلا بد أن تدفع ثمن المادة وأجر الوسيط وترضي الولي والقائم وكله يحتاج مال وتملق.
قالوا في بلاد الرأسمالية تكسب مالا على حساب كرامتك هذا ما كان مكتوبا في "المجلة" التي كانت تطبع بكل اللغات في برلين الشرقية وتوزع في كل العالم. ما شاهدناه أنه في بلاد الاشتراكية تحتاج لكرامة أكثر لتبيعها فأنت حتى لو كان عندك مال وهذا مستبعد، فان المال لا يفي بالحاجة.

ولكن أكثر الأشياء عجبا ومدعاة للذهول هو أننا نحن الذين نعاني الأمرين من عذاب الحاجة ولا نقدر على النفاق ولا على الاستجداء، أو نقدر ونفعل دون أن نجد رب يرحمنا، غير قادرين على تخفيف عذاب أنفسنا!
ننجب المزيد من الأطفال ليعانوا المزيد من العناء بعد أن يزيدوا كثيرا بلوانا التي هي أصلا لا تطاق.
من أجل ماذا نفعل ذلك؟ هل من اجل أننا نحب الأطفال؟ ما أغربه من سبب أن نجلب إلى العذاب ما يمتعنا قليلا ويعذبنا أكثر ثم للعذاب نترك هؤلاء الذين نحبهم!!
أم نحن ننجبهم لأننا لا نستغني عن النساء ونسائنا لا يقبلن إلا أن يكون لهن كثيرا من الأولاد الذي يزيدون ذلهن ويجعلونه أبديا، فقد طال الزمان عليهن كثيراً للحد الذي صرن يعشقن الظلم – أن يُظلمن - والعذاب!!
لعل ماركس النبي ليس هو المسئول ولا الأنبياء من قبله عن عذاباتنا كلها!

ولكن ما أعجب أن يعجز نبي عن معرفة أهم خواص البشر الذين أرسل إليهم، فقد عرف نبي جاء قبله ذلك معرفة كاملة.
الناس من لم يقدر منهم على أن يكون ظالما يحب أن يكون مظلوما، إنها الطبيعة التي تكره الفراغ؛ والحياد فراغ.
ربما واحد من كل مائة أو على أكبر تقدير واحد من كل عشرة من الناس هو من يقدر ويحب أن لا يكون ظالما ولا مظلوما، فهل إلى هؤلاء بعث ماركس ومن قبله الحسين؟
حتى الذين كانوا على مذهب الأخير وثاروا من أجل دفع الظلم تفننوا في ظلم الناس عندما أقام الفاطميون إمبراطورية تمتد من الجزائر إلى اليمن عمرت قرونا.
هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالأحرار نسبة ضئيلة من الناس كما أنهم قليلي الفعالية فالفاعل والمفعول يشكلان سلسلة متصلة حتى لو كان الفعل الظلم بينما المتاساويات لا تشكل أي فعل متصل. وهم ما أن يتمكنوا من القوة فإذا بهم أسوء من غيرهم من الظالمين.
لقد أدرك بعمق النبي الذي جاء قبل ماركس والحسين ماهية نفوس البشر الذين أُرسل إليهم فشرع لهم شرعا يقنن كيف يظلم الأقوياء منهم الضعفاء ولكن بحكمة والحكمة ليست أكثر من الطريقة التي إذا تمت بها الأمور آتت ثمرا واستمرت زمنا.
أليس هذا نبي وماركس مدعي؟

ومثل ذلك النبي فعل منظري العالم الحديث المسمى بالرأسمالي لكنهم لم يدعو مثله ومثل ماركس النبوة.
إذا كان البشر هم هكذا، فما الذي يمكن فعله؟ لعل على الذي يشعر بنار الحرية تتقد حول قلبه وتملأ صدره وينتفث لهبها من فمه بعد أن يغلي به رأسه وتضطرب به روحه وتطرب؛ أن لا يثقل حمله في هذا العالم. أن يجعل أكبر همه ومعظم جهده هو المرور في هذا العالم خفيفا بحيث يسهل عليه الحركة ويظل قادرا على الرقص. لأن هذا العالم مصمم أو ربما صممه الأشخاص الذين يحبون البيع والشراء، كل شيء عندهم يباع ويشترى، ألا ترى أن الجنات والمراتب في السماء والفراديس هي الأخرى لها أثمان وبورصة؟

قالوا: ليس في ستوكهولم ولا باريس ولا لوس أنجلوس ولا طوكيو جائع بالمعنى الحقيقي، ربما كان هذا صحيحا فإليها تجبى خيرات المعمورة. بل حتى الأرض الخراب غير المعمورة إلى هناك تجبى خيراتها، فقد جاء يوم لم يكن في بغداد ولا دمشق ولا القاهرة ولا البصرة جائع حقيقي - اللهم إلا العبيد من الزنج الذين كانوا ثلث السكان فقط - عندما كانت تجبى إلى هنالك خيرات المعمورة والخربة من الأراضي والبحار.

فبعد ألف عام لم يأت أحد بجديد ولا نجد أفضل من أن نقف ونقول: أينك يا معري؟ فليرحم الله أبي العلاء.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,564,610,943
- حرية بلا ثمن
- المرأة والدهقان
- عفوا يا رب، أنا لست جميلة
- لقد أفقت من جديد
- حول نشوء الإسلام
- نحن نعاني لأننا نتطور ( وحدة الوجود)
- العلم والدين تحت مظلة المصلحة البشرية
- حول تقرير التنمية البشرية العربي الخامس
- يا بُني
- الحاجة إلى تحديث العلمانية والإسلام العربيين
- هل البيض أم السود هم أهل النار؟
- الإيمان والوهم
- العوامل الحاسمة في تقدم الغرب والثورة الصناعية
- العرب والطيران
- تحرير جسد المرأة بل أجساد النساء والرجال
- حيرني البوذي
- أنا والله
- الضمير والشبق؟
- المسلمون والغنائم
- تقييد حرية المرأة الجنسية


المزيد.....




- بالصور.. نجمة مصرية في ضيافة -الهضبة- والشربيني
- موسيقى الصحراء في موسكو
- أخنوش: لا حل لمعضلة تشغيل الشباب إلا بالرقي بمستوى المقاولة ...
- أغنيتين جديدتين لعملاق الاغنية اليمنية عبدالباسط عبسي
- بعد وفاته بساعات... والد الفنان أحمد مكي يظهر لأول مرة
- استثمارها ماديا أو فكريا.. هكذا تحدث الفائزون بجائزة كتارا ل ...
- ظهير تعيين أعضاء الحكومة ومراسيم اختصاصات ست وزارات بالجريدة ...
- أحمل القدس كما ساعة يدي.. وفاة شاعر -الأمهات والقدس- التركي ...
- شاهد.. زفاف نجل هاني شاكر يجمع نجوم مصر
- الفنانة قمر خلف القضبان


المزيد.....

- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم
- التكوين المغترب الفاشل / فري دوم ايزابل
- رواية ساخرة عن التأقبط في مصر بعنوان - البابا / الصحفي الراحل في جريدة البديل اليسارية المصرية/ محمد ربيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - محمد شرينة - ماركس والأنبياء