أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - أحمد الناجي - من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق 10- 8 حركة الجهاد ج1















المزيد.....


من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق 10- 8 حركة الجهاد ج1


أحمد الناجي
الحوار المتمدن-العدد: 876 - 2004 / 6 / 26 - 08:19
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


ليس خافياً على أحد التغيب المقصود الذي تعرضت له حركة الجهاد أو مقاومة العراقيين للاحتلال البريطاني، ولعل توارث انصياع الحكومات المتعاقبة والنخب السياسية العراقية لما ترغب به سلطة الاحتلال ومن بعدها سلطة الانتداب هو الذي أسس سنن اجتزاء تلك الحقبة من تاريخ العراق، وفرض على الذاكرة الوطنية تلك القطعية مع حدث مهم وفعل جماهيري منظم، ولولا سفر الوردي الخالد لمحات اجتماعية من تاريخ العراق، لطمر هذا الموضوع، وما كانت تكفي نتف الحوادث المتناثرة هنا وهناك لسبر غوره بالشكل الدقيق والصادق والحقيقي، ومع كل هذا تبقى هذه الفترة من تاريخ العراق بحاجة الى جهد أكاديمي مثابر يعيد لذاكرة العراقيين ما حاول البعض ركنه جانباً.
إعلان الجهاد
*********
لقد جرى إعلان الجهاد من قبل الدولة العثمانية على مراحل ثلاث، الأولى في 7 تشرين الثاني 1914، حين أصدر خيري أفندي شيخ الإسلام فتوى الجهاد، والثانية في 11 تشرين الثاني فقد أعلن السلطان باعتباره خليفة المسلمين بلاغاً حض فيه على الحرب من اجل الدفاع عن الدولة العثمانية، والثالثة في 23 تشرين الثاني حين أصدر بيان للعالم الإسلامي موقع من قبل ثلاثين رجلاً من كبار رجال الدين في الدولة العثمانية كان في مقدمتهم خيري أفندي شيخ الإسلام، وعلي حيدر أفندي أمين الفتوى.
كان الأتراك والألمان علقوا أمالاً كبيرة على دعوة الجهاد، إذ هم كانوا يتوقعون أن يثيروا بها المسلمين على الحلفاء في كل مكان، ويروي مورغنتو سفير أمريكا في الاستانة إن السفير الألماني فون ونغنهايم ذكر له صراحة (إن المانيا كانت ترمي الى إثارة العالم الإسلامي على المسيحيين، أي إنها كانت تنوي تسعير حرب دينية للقضاء على سلطة إنكلترا وفرنسا في مستعمراتها الإسلامية كالهند ومصر والجزائر وغيرها، وان تركيا بحد ذاتها ليست شيئاً مهماً، جيشها صغير وضعيف ولا ننتظر منه أعمالا مجيدة في ساحات القتال).
لقد كانت حركة الجهاد في نظر الحكومة البريطانية شيئاً مخيفاً الى حد الخشية من تعرض وجود الاحتلال في وهلته الأولى الى الزوال، وظلت هواجس الخوف تلك قائما بعدما ظهر وجود الاحتلال في أيامه الأولى داخل البصرة محفوفاً بالمخاطر، لاسيما إن الحرب العالمية الأولى كانت في بدايتها ونتائجها لا زالت مجهولة، وقد جاءت جهود السير برسي كوكس ومساعدوه لمواجهة تلك المخاوف بشكل حثيث من خلال استمالة العراقيين بتأسيس العلاقات الشخصية، وإقامة الصداقة مع المواطنين من ذوي المكانة الاجتماعية والمتنفذين، وكذلك استخدام أسلوب الاستمالة المالية، والتقريب من السلطة، إضافة الى التلويح بالقوة، ومن دون شك كان التركيز والاعتماد على النشاط الاستخباري والإشاعات يأخذ مدى واسع، وقد لعب دوراً كبيراً في تخطي الكثير من المخاوف والعقبات تلك.
مراحل الجهاد
************
يمكننا تقسيم حركة الجهاد الى مرحلتين استناداً الى المشاركة الجماهيرية الواسعة أي إنها كانت بإطار تنظيمي معين، يلاقي اهتمام ورعاية من لدن الحكومة التركية، ومساندة من القطعات العسكرية، تلك الأطر التي ساهم بقيادة المجاهدين بالإضافة الى نخب من الشخصيات الدينية ورؤساء العشائر، جهات يتم تعينها من قبل الحكومة تؤمن المستلزمات الضرورية للمجاهدين التي يمكن تأمينها بحدود الإمكانيات، وتعمل على إدامة زخم الحركة وإنعاشها كي تأخذ دورها المأمول، كان الأتراك يعدون له، ويأملون أن يكون مؤثراً بشكل كبير.
المرحلة الأولى: من بداية دخول القوات البريطانية الى نهاية معركة الشعيبة، أي الى حد الانتكاسة المريعة التي أدت الى تفرق وتشتت المجاهدين
المرحلة الثانية: كانت مختلفة عن الأولى بطبيعة الدعوة التي انعكست على المشاركة فيها، لأن الحكومة التركية جعلت دعوتها الثانية ذات صبغة شيعية.
وهذا لا يعني على الإطلاق إن فعاليات وأنشطة حركة الجهاد كانت مقتصرة على هذين المرحلتين، بل كانت هنالك على امتداد مدة الحرب فعاليات مقاومة للقوات البريطانية، ومساندة للقوات التركية، تنهض بها تلك المدينة أو تلك العشيرة أو تلك المجموعة من منطقة معينة لمهمة محددة، وبعض تلك الفعاليات كانت ذات طابع فردي من دون إشراف الحكومة أو دعمها.
بث وإشاعة دعوة الجهاد ومدى الاستجابة لها
*****************************
بعدما صارت القوات البريطانية على مشارف مدينة البصرة، بعث البصريون ببرقيات الى علماء الدين في العتبات المقدسة ومختلف المدن العراقية يعلنون فيها الخطر المحدق ويطلبون مساعدة العشائر. تزامن ذلك مع الإعلان عن الجهاد في الاستانة، مما جعل الحكومة في بغداد تسارع بإرسال وفود الى النجف وبقية مدن الفرات الأوسط، ( وربما مدن أخرى عراقية لم ترد الإشارة لها) لتهدئة الناس، وحثهم على الجهاد ضد الإنكليز، وكان الوفد المرسل الى النجف مؤلف من محمد فاضل الداغستاني وشوكت باشا والشيخ حميد الكليدار وآخرين، وعقد اجتماع حافل لهم في جامع الهندي، حضره الكثير من العلماء والوجهاء ورؤساء العشائر، وخطب فيهم السيد محمد سعيد الحبوبي والشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ جواد الجواهري و مبدر الفرعون رئيس عشيرة ال فتلة، حيث ذكروا في خطبهم وجوب مشاركة الحكومة في دفع الكفار عن بلاد المسلمين، وبعد ذلك التقوا كبير المجنهدين السيد كاظم اليزدي الذي حث الناس على الدفاع عن البلاد، وأوجب على الغني تجهيز الفقير، وأرسل ولده محمد في استنهاض العشائر العربية للجهاد في الاحواز.
وقد كان الوفد المرسل الى منطقة الفرات الأوسط مؤلفاً من السيد محمود النقيب أبن عبد الرحمن النقيب، والشخصية الوطنية المعروفة جعفر أبو التمن، ورؤوف الأمين، واختاروا مدينة الحلة مركزاً لهذه المهمة، وعقدوا عدة اجتماعات فيها، ومنها انطلقوا لزيارة عدة مدن، لغرض حث الأهالي والعشائر على الجهاد ضد الإنكليز.
أن الاستجابة السريعة من قبل كبار علماء الشيعة لدعوة الجهاد، قد جعلت صدى حركة الجهاد واسعا بين مختلف العراقيين، ويقول حسن العلوي في كتابه الشيعة، كان بإمكان علماء الشيعة أن يخلدوا الى صوامعهم دون أن يوجه اليهم لوم، حينما دخلت الجيوش البريطانية البصرة، حيث لديهم الكثير من الحجج السياسية والفقهية لتبرير موقف القعود عن الجهاد.
وقد كانت الاستجابة لدعوة الجهاد سريعة أيضاً من قبل بعض رؤساء العشائر، فقد ظهرت متحفزة من الأيام الأولى لصد الغزو، ويتبين ذلك فيما تورده المس بيل في كتابها فصول من تاريخ العراق القريب ص 7 – 8 ، ويبان كذلك نظرة المحتلين الى تلك المشاركة، باعتبارها مقابل ثمن، وبالنص ( في يومي 16 و17 تشرين الثاني 1914 جرت اشتباكات في الساحل وكوت الزين، وكان عجمي السعدون في معية القوة التركية العشائرية العربية الأجيرة، كان يقود مئتين وخمسين من الخيالة غير النظاميين، إلا انه كان يحوم حول ميدان المعركة من دون أن يساهم فيها، وقد انفض عنه قسم كبير من رجال القبائل قبل بدء العمليات، وبعد الاندحار الذي مني به الأتراك في يوم 17 ت2 تراجعوا الى القرنة تاركين البصرة وراءهم، بينما انسحب عجمي الى الزبير وتركت البصرة تحت رحمة العشائر الفارة، والى الكثير ممن كان حراً فيها من القتلة الذين انهمكوا بقابلية محلية معهودة في نهب الكمرك والأسواق).
كان لاستجابة علماء الشيعة الكبار أثر كبير في تمتين ودعم حركة الجهاد، وخصوصاً بعدما راحوا هم بأنفسهم وطلابهم وممثليهم يقومون بإعلاء الهمم الوطنية في سبيل مناهضة الاحتلال البريطاني للعراق، بل يتقدمون صفوف المجاهدين في مسيرتهم الى جنوب العراق لمقاتلة قوات الاحتلال، مع القيام بتحشيد رؤساء وأبناء العشائر والمواطنين من خلال الخطب وإرسال الدعوات، وحتى الزيارات عندما يمرون بالقرب من ديار بعض العشائر في تلك المسيرة الطويلة، ولعل ما ساند دعوتهم وأضاف لها زخماً كبيراً العلاقة الدينية التي كانت تربطهم بالعشائر والناس بشكل عام، وبالذات مع مقلديهم، فهي من دون شك وطبيعي أن تحكمها الطاعة والاستجابة.
إن من أهم العوامل التي سهلت وساعدت علماء الدين على النجاح في حشد الأعداد الكبيرة من المجاهدين هو طبيعة الخطاب الديني الذي استند الى ركون المظالم والخلافات جانباً لكون الدفاع عن البلد هو دفاع عن الإسلام ضد الكافر المحتل، وبذلك يتوجب الوقوف مع الحكومة المسلمة التي لم تتواني في تقديم الدعم المادي الكبير لأولئك العلماء والقادة من رؤساء العشائر، وما يبين ذلك قول محمود شكري نديم في كتابه حرب العراق ص 29 -30 وبالنص ( اثبت الواقع إن الخصومات التي كانت بين العراقيين أنفسهم في أمور عنصرية أو طائفية أو بين العراقيين والإدارة العثمانية لم تكن أكبر من خصومات جانبية عديمة القيمة والأثر عندما دق ناقوس الخطر، ودعا الداعي الى الجهاد).
بدأ العلماء والمجتهدين والأهالي يغادرون نحو جبهة الحرب، وكانت دفعات المجاهدين تواصل المسير بشكل متتالي الى جبهات القتال، فكان السيد عبد الرزاق الحلو أول المجتهدين الذين وصلوا السماوة ومعه تسعة من أتباعه، وبعد مغادرته أخذت تتوافد قوافل المجاهدين عليها من الشامية وأبو صخير والنجف، كما وصلت إليها قوافل المجاهدين الأكراد وعل رأسهم كاكا احمد خانقاه، ومن ثم وصلها السيد هادي مكوطر وأتباعه، وشكل أهل السماوة الغربيون سرية مجاهدين برئاسة الشيخ بربوتي السلمان، وأخذت كل هذه الدفعات تواصل مسيرها الى جبهة القتال.
وقد أطلق أهل السماوة حينها هوستهم المشهورة
ثلثين الجنة لهادينا وثلث لكاكا احمد وأصحابه
وشوية وشوية لبربوتي
وقد استجاب الكثيرون من رؤساء العشائر الفراتية وأبنائها لدعوة السيد محمد سعيد الحبوبي الذي كان أشد المجتهدين حماساً للجهاد، وقد اضطلع بدور قيادة المجاهدين في معركة الشعيبة، حيث خرج عصر يوم 15 تشرين الثاني 1914 من النجف بموكب مهيب بصحبة جماعة من أصحابه المقاتلين، نحو البصرة عن طريق الكوفة، ومن ثم بالسفن نحو السماوة، وقد وصلوا الناصرية في أواسط شهر كانون الثاني 1915، وقد قام السيد الحبوبي بزيارات عديدة للعشائر القريبة من مسار موكبه، وصاروا ينزلون في المدن والعشائر الواقعة في طريقهم بغية تحريضهم على الجهاد، واخذ بإرسال أعوانه وطلابه كمحمد باقر الشبيبي وعلي الشرقي الى العشائر البعيدة، وكان لهذا العمل دور كبير في حث العشائر، وبالتالي انضمامها الى حركة الجهاد، وقد وضعت الحكومة تحت تصرفه أموالاً طائلة لينفقها في تجهيز العشائر، فاجتمع اليه منهم خلق كثير، وفي 19 شباط 1915 غادر الحبوبي سوق الشيوخ متوجها نحو الشعيبة يتبعه الكثير من المجاهدين، ورؤساء وأبناء العشائر، بالسفن الشراعية عبر هور الحمار.
أعلن السيد مهدي الحيدري وجوب الجهاد للدفاع عن البلاد، الذي كان يعد في ذلك الحين كبير علماء الكاظمية، قام الكثير من علماء الدين والمجتهدين بدور كبير وحماس لا نظير له في استنهاض الهمم والدعوة للجهاد، وفي 30 تشرين الثاني خرج السيد مهدي الحيدري وهو المثقل بثمانين سنه، ومعه مجاهدي الكاظمية بموكب مهيب، ودعهم أهالي الكاظمية الذين خرجوا عن بكرة أبيهم بالأهازيج والهوسات
حجة الإسلام طالع للجهاد محصن بموسى بن جعفر والجواد
وسار الموكب بشوارع بغداد، لبث الحمية وتحريض المسلمين على الجهاد فهتف له البغداديون
نمشي للجهاد وياه وندوس العدى بحذاه
ونزل الموكب من شريعة بغداد( جانب الكرخ) وكان عددهم ثلاثمائة، حملتهم باخرة اسمها (حميدية) وسارت بهم باتجاه القرنة، والتحقت بهم سفن جديدة من أبناء العشائر حتى وصلوا قرنة البصرة بعد مسيرة ستة أيام.
وفي بغداد أيضاَ، قام الحاج داود بن سلمان ال أبي التمن، جد جعفر أبو التمن، وهو في الثمانين من عمره بدور كبير في الدعوة الى الجهاد وتأمين احتياجات المجاهدين الذين كانوا يتوافدون الى مسجد في محلة صبابيغ الآل، من أجل إتمام تجيزهم وتسهيل ذهابهم الى جنوب العراق.
في عصر 9 كانون الأول 1914، كانت ضفاف دجلة على الجانبين قد أمتلات بالجماهير حين ركب مجاهدوا بغداد باخرة اسمها ( الموصل) وكان على رأسهم الحاج داود أبو التمن والسيد صادق العطار والسيد عبد الكريم الحيدري، ثم عبرت الباخرة نحو جانب الكرخ حيث كان ينتظرها عدد من علماء النجف وكربلاء، كان من بينهم الشيخ فتح الله الاصفهاني الملقب بشيخ الشريعة، والسيد علي التبريزي، والسيد مصطفى الكاشاني، والمرزا مهدي الخراساني، والمرزا محمد رضا الشيرازي، والشيخ علي القطيفي وغيرهم، فحملتهم الباخرة وسارت بهم نحو القرنة بين تكبير الجماهير وتهليلهم.
رغم كل تلك الاستجابة والهبة الشعبية التي أوردناه في ما تقدم، فأن التقاعس والوقوف موقف المتفرج كان أمر موجوداً أيضاً لا يمكن تجاهله، حيث يورد الأستاذ حسن العلوي في كتابه الشيعة في العراق، ذلك الأمر بشيء من التفصيل، ويذهب الى تبيان الدور السلبي لبعض من الشخصيات والأسر ورؤساء العشائر وكذلك المشيحة في بغداد، أولئك ممن كان يعول عليهم النهوض بحركة الجهاد قبل غيرهم لما لهم من علاقة وطيدة ودعم سخي من الدولة العثمانية، ويتطرق ايضاً الى إن البعض منهم كانوا قد اتصل بالإنكليز وقدم لهم خدمات أمنية وعسكرية مقابل أجور وامتيازات ورواتب.
لقد شارك العراقيون بمختلف مكوناتهم العرقية والمذهبية في حركة الجهاد بمرحلتها الأولى، غير أن هذا لا ينفي من أن طائفة معينة كان لها الدور الأكبر، أو القيادي في عمليات التعبئة والتحشد الجماهيرية، أو على مستوى العمليات القتالية، لقد شارك الأكراد والتركمان مثلما شارك إخوانهم العرب، وكان من رؤسائهم، ضياء بك نائب ازميت، وعبد الله بك اليعقوبي نائب كركوك، والسيد محمد علي قيرادار، والسيد احمد خانقاه، والشيخ محمود الحفيد، ونامق بك الهماوندي، كما شاركت عشائر السعدون مثلما شاركت بقية العشائر الفراتية.
لقد تجاهل الشيخ خزعل أمير المحمرة البرقيات والرسائل التي أرسلت اليه من قبل الكثير من علماء الدين، وأخرها من قبل الشيخ عبد الكريم الجزائري الذي تربطه علاقة وثيقه معه، ويعد من مقلديه، يأمره فيها بالاشتراك في الحرب الى جانب الدولة العثمانية، فأجابه الشيخ خزعل يعتذر القيام بذلك شارحاً موقفه من الإنكليز، وقد تألم الشيخ الجزائري من هذا الجواب، وقطع علاقته معه، ويقال أن الشيخ خزعل حاول إعادة علاقته القديمة مع الجزائري، ولكنه رد عليه قائلاً ( فرق ما بيني وبينك الإسلام ).
وعندما قامت حركة الجهاد في العراق كان صداها في عربستان قوياً، بفعل الدور الذي قام به كبير العلماء وعلى رأسهم السيد عيسى كمال الدين، حيث تحمست بها معظم العشائر العربية هناك، وانتهزت الفرصة للانتقام من الشيخ خزعل والثورة عليه، بسبب بغضها له لشدته في جباية الضرائب.
وقد كان الشيخ مبارك الصباح أمير الكويت وفياً لمعاهدته مع بريطانيا، فقد ساعدها منذ بداية حملتها، وكذلك ساند صديقه الشيخ خزعل عندما تحرج موقفه في الاحواز، وعاضده في مسعاه للتصدي للعشائر العربية التي وقفت مع حركة الجهاد، وكان في الكويت يومذاك اثنان من رجال الدين محمد الشنقيطي وحافظ وهبة، يحرضان الناس على نصرة الدولة العثمانية، وقفوا ضد مساندة الشيخ خزعل، وقد تتبع الشيخ مبارك المحرضين على الجهاد الذين عصوا أوامره في مساندة الشيخ خزعل، فعاقب بعضاً منهم وعفا عن بعض كما فر من الكويت آخرون، وكان من جملة الفارين الشنقيطي حيث التحق بالمجاهدين في معركة الشعيبة.
لقد توزع المجاهدين في قتال القوات البريطانية في جنوب العراق وعربستان على ثلاث جبهات
* الجبهة اليمنى : قاطع الشعيبة السيد محمد سعيد الحبوبي
* الجبهة الوسطى : القرنة بقيادة العلماء السيد مهدي الحيدري، في الجانب الأخر من النهر، شيخ الشريعة ومصطفى الكاشاني وعلي الداماد وعبد الرزاق الحلو
* الجبهة اليسرى : الاحواز الشيخ مهدي الخالصي
لا بد من التنويه الى أن معظم المصادر تركز في حديثها عن حركة الجهاد عندما خاضت المعارك النظامية الى جنب القوات التركية، وقليلا ما تسبر غور المواجهات أو الفعاليات التي قامت بها الأشخاص أو المجموعات على انفراد ضد قوات الاحتلال، وبذلك فأن هنالك كثير من التفاصيل لم يجر توثيقها، وللأسف غلفت بالنسيان مع رجالها الأبطال.
مشاركة المجاهدون في معركة الشعيبة
*************************
كانت المهام المناطة بالمجاهدين في معركة الشعيبة، وحسب خطة الهجوم الموضوعة من قبل القائد التركي سليمان عسكري بك فكانت كالأتي:
الجناح الأيمن: يقوم بالهجوم باتجاه الزبير متجها نحو الشمال الغربي ويكون هدفه القاطع الجنوبي الشرقي من موضع الشعيبة وكانت القوات مؤلفة من مجاهدي المنتفك بقيادة الشيخ عجمي السعدون وعشائر حجيم ويساندهم خيالة المجاهدين الأكراد بقيادة ضياء بك نائب ازميت، واحمد خانقاه
الجناح الأيسر ويقوم بالهجوم من اتجاه مزار الإمام انس متجها نحو الجنوب الشرقي ويكون هدفه القاطع الشمالي الشرقي من موضع الشعيبة بقيادة السيد محمد سعيد الحبوبي والشيخ عبد الله الفالح السعدون والشيخ خيون العبيد
المركز: يتألف من القوات النظامية التركية التي تهاجم جبهة موضع الشعيبة زاحفة نحوه من الغرب
وقد أوردنا في فصل سابق سير معركة الشعيبة، ونهايتها بعدما حصل الارتباك واستغله البريطانيين ليحصدوا النصر فيها لهم، وقد اشتهرت معركة الشعيبة عند الإنكليز باسم معجزة الشعيبة، وهم يعتقدون إن انتصارهم فيها أنقذهم من عواقب وخيمة، فلو أنهم كانوا قد انكسرو فيها، لما تمكنت قواتهم من القيام بانسحاب منتظم الى البصرة لوجود مياه الفيضان والأوحال الواسعة بينهم بين البصرة، ولربما أدى ذلك بهم الى هزيمة منكرة.
لقد بلغ عدد المجاهدين في أواخر كانون الثاني زهاء 12000 مجاهد عربي و2000 مجاهد كردي وتركماني، واستمر عدد المجاهدين بتزايد حتى وصل الى 20000 كما ذكرت المصادر التركية، وروى البعض من المجاهدين إن العدد كان يزيد على ذلك بكثير، وقد قدروه بخمسين الف مجاهد، ولا شك إن فترة مكوث المجاهدين الطويلة، قد ولدت حالات من التذمر، وقد شرع بعضهم بالعودة الى ديارهم فقد سئموا الانتظار بسبب ذهاب القائد التركي الى بغداد لمعالجة الكسور التي حدثت في ساقه نتيجة إصابته في معركة الروطة في ( 20 كانون الثاني 1915)، وان طول هذه المدة زاد من عناء المجاهدين بسبب سوء التدابير الإدارية التركية، وخشونة الرسمين الأتراك، فقد كان المجاهدون يعيلون أنفسهم، ويصرف رؤساؤهم من مالهم الخاص لتأمين الطعام لهم والعلف لحيواناتهم، وبذا أخذ عدد المجاهدين بالتناقص، وكان المتبقي من المجاهدين لا يزيد عن 14000عندما وصل القائد التركي أخيراً في 9 آذار 1915، وهو طريح على نقالة، حيث لم يكِ قد شفي تماما، وبقي كذلك الى يوم انتحاره في 14 نيسان 1914، وان فترة الانتظار الطويلة قد ساعدت البريطانيين على استكمال تحصين مواقعهم، وأمدوها بالجنود والاعتدة والمؤن الكافية.
لم يستطع المجاهدون التأثير على سير المعركة بصورة جدية، ولم يك من المتوقع أن ينجح المجاهدون في اقتحام مواضع حسنة التحصين ترابط بها قوات نظامية جيدة التسليح، تتفوق بمدفعيتها على القوات التركية، التي تعاني أصلا من نواقص في لوازم الهجوم على المواقع المستحكمة، مثل الأسلحة الرشاشة، ومقصات الأسلاك.
كانت البون الشاسع في التسليح بين البريطانيين والقوات التركية له تأثير في حسم المعركة، بالاضافة الى أن إداريات الأتراك كانت خلال أيام المعركة مفقودة تقريباً حيث كان الجنود يقاتلون دون أن يصل اليهم طعام أو ماء.
وقد انعكست أثار هزيمة الشعيبة على قائد المجاهدين السيد محمد سعيد الحبوبي، وأجهدته الشهور السبعة التي أمضاها في الجهاد، فانسحب الى الناصرية، ونزل في دار لأسرة ال العضاض، وقد اشتد عليه المرض حتى الزمه الفراش، وفي يوم 16 حزيران 1915 فاضت روح ذلك المجاهد البطل الى بارئها وحمل الجثمان الى مدينة النجف الاشرف، ودفن في أحد أواوين الصحن الحيدري الشريف. وقد قال عنه الجواهري في كتابه ذكرياتي الجزء الأول ص 76، كان أول شاعر ومثقف يقود حرباً شعبية ضد احتلالين تركي وإنكليزي، ويكفيه أنه مات أشرف ميته، سقط في محراب صلاته في معركة الشعيبة، وهي السد الأول بوجه القوات البريطانية الزاحفة، ولعل شاعرنا الجواهري الذي أدرك العلامة الحبوبي وعايشه عن قرب، يعرف جيداً ما خفي من دور لهذا الرجل في مقارعة الأتراك، ذلك الذي تجاوزه ووضعه جانباً، وذهب الى الشعيبة يقاتل البريطانيين الى جانبهم.
مشاركة المجاهدون في قاطع القرنة
***********************
يركز الوردي عند تناوله لدور المجاهدين في قاطع القرنة على مواجهة الروطة التي حصلت بتاريخ 20 كانون الثاني 1915، والتي أصيب فيها القائد التركي سليمان عسكري بك، ويورد تفاصيل مشاركة المجاهدين بقيادة السيد مهدي الحيدري في صفحة 138 الجزء الرابع، مأخوذة من مخطوطة ترجمة السيد الحيدري بقلم كاتب سيرته، ويمكن إيجازها، بان هنالك دور كبير للسيد مهدي الحيدري في رفع همم المقاتلين لصد الهجمات البريطانية، وتثبيت القوات التركية في مواقعها دون تراجع لعدة أيام، عبر مشاركته الفعلية في ساحة الميدان، وما كان تصدع الدفاعات يحصل في هذا القاطع لولا خيانة القائد التركي، ويعود الوردي أيضا يأخذ من نفس المصدر ليفرد حيزاً كبيرا، يبين فيه تشتت وتفرق المجاهدين بالشكل العشوائي بعدما حصلت الانكسار في القطعات التركية، ذلك الذي تسبب في تشبث أحد المجاهدين المنسحب سباحة للصعود الى قارب (البلم) الذي يقل السيد مهدي الحيدري وأصحابه، وبالتالي انقلاب البلم، وتعرض السيد للغرق، لولا نجدة أولاده الذين كانوا معه وتمكنهم من إنقاذه، وقد غرق من كان مدججاً بالسلاح.
مشاركة المجاهدون في قاطع الاحواز
*************************
وفي أواخر كانون الثاني 1915 وصلت العمارة قوة تركية، عسكرت على ضفاف نهر الكرخة على بعد عشرين ميلاً من بلدة الأهواز غرباً، ثم جاء عدد من علماء الدين كالشيخ مهدي الخالصي وابنه محمد، والسيد محمد بن السيد كاظم اليزدي، والشيخ عبد الكريم الجزائري، بالاضافة الى السيد عيسى كمال الدين، الذين كان لهم الأثر الكبير في التحاق مجاهدون كثيرون من العشائر العراقية كبني لام برئاسة غضبان البنية، وبني طرف برئاسة عوفي بن مهاوي، وعاصي بن شرهان، وربعة برئاسة عناية بن ماجد، والزرقان برئاسة قاسم بن علي، وقد قامت تلك العشائر بعدة تعرضات على البريطانيين ومصالحهم في مدينة الأهواز، وقد استطاعوا قطع أنابيب النفط، بعد أن أشعلت النار فيها، وحرق نهب مخازن الشركة أيضا، وقد كان لذلك الجهد دور كبير في جعل الوضع حرجاً في المنطقة بالنسبة للإنكليز، واعترف الشيخ خزعل بأنه فقد سيطرته على العشائر، ورغم وضعه المحرج، إلا انه قاتل عشيرة الباوية، ومن ثم عشيرة بني كعب، وجعل المنطقة تذعن لسلطاته في الأخير.
وعند الوقوف أمام تجربة مرحلة الجهاد الأولى ففترتها البالغة ستة أشهر، منذ بداية دخول قوات الاحتلال الى الفاو ولغاية انتهاء معركة الشعيبة، نجد بأن التعبئة الجماهيرية كانت واسعة، ولكنها لم تستطع محو كل التراكمات والشوائب في العلاقة بين الأتراك والعراقيين، بل استطاع المراجع وعلماء الدين أن يجعلوا مساندة التركية تخضع لنوع من التقبل الجماهيري، وإرجاء التنافر والهوة الكبير ة بين الحكومة التركية وسائر أبناء العراق بسبب ما تفرضه اللحظات الحرجة الذي تمر بها البلاد، وتمكنوا من الوصول الى حالة من غض النظر والتغاضي عما اقترفته السلطات التركية اتجاهم عبر زمن طويل، وهم بذلك تمكنوا من دثار تلك الجمرات تحت الرماد، وربما لمدة محددة.
وبهذا الخصوص يورد الأستاذ هادي طعمه في كتابه الاحتلال وصحافة العراق صفحة 193 مثالاً يوضح مدى كون تلك العلاقة متوترة رغم كونها في خندق قتال واحد، حين اتهم الضابط التركي أحمد أوراق بك العشائر بأنهم خونه، أمام الشيخ بدر الرميض رئيس عشيرة بني لام، فرد عليه الاتهام نفسه، وزاد عليه بان خيانة حكام الأتراك للإسلام دليله التحزب على العرب، وأنتم أولى بالحرب والقتال ممن نحارب، ولولا فتوى علمائنا لما وجدتمونا في هذه الساحات التي نقاتل فيها، ولم يذعن بدر الرميض للاحتلال أو يهادنه، رغم شتى الجهود التي بذلت لإقناعه واستمالته سواء بالوعد أو التهديد، وظل يحارب قوات الاحتلال، ولبث على موقفه حتى بعد انسحاب الأتراك من العراق كله.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,045,258,785
- اضاءات على معاناة الشاعر والانسان موفق محمد
- من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق سنة 1914 - 10- 7
- وقائع ندوة الملتقى الديمقراطي المشترك عن الديمقراطية في مدين ...
- ( 10 -6 ) - من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق سنة 1914
- ( 10 -5 ) - من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق سنة 1914
- من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق سنة 1914 - 10- 4)
- من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق سنة 1914 - 10- 3
- من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق سنة 1914 - 2 - 10
- (10 - 1) - من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق سنة 1914
- بياض الوجه حصاد مجلس الحكم في عشرة أشهر ونيف
- خطوة ستكون يوماً ما إرثاً في سفر التاريخ
- لن نغفل عن مناهضة الاحتلال بالفعل الشعبي السلمي واللاعنف ـ ر ...
- المتاجرة بالصور الفواضح وعذابات العراقيين
- صرخة تذكير باغتصاب الوطن الذي أودى الى اغتصاب البشر
- الشاعر سعدي يوسف بين ذاكرة العراقيين وطقوس النضال الجديد
- هوامش في يوم العمال العالمي
- العلم العراقي بين وشاح للأموات وكرامة للأحياء
- الإرادة العراقية بين الأسود والأخضر ومجلس الحكم
- ضبابية المواقف... من زمن الولاء المطلق الى زمن الولاء المبطن
- المقاومة... حاجة أم إسقاط فرض


المزيد.....




- انقسامات بين الليبيين والدول المنخرطة في النزاع تطغى على مؤت ...
- أمريكا تفرض عقوبات على شبكات حزب الله في العراق ونجل زعيم ال ...
- ميلاد تحالف سياسي جديد باسم “نادى الأحزاب المدنية الديمقراطي ...
- بيان كتلة نواب 25 -30 يؤكد لا نهضة منتظرة ولا تقدم مأمول بدو ...
- 6 قتلى من القوات الحكومية بكمين لـ-أنصار الله- جنوب شرقي الح ...
- في حادثة هي الأولى من نوعها... مصرع 3 أطفال يمنيين بسموم بطي ...
- العاهل الأردني يبحث التطورات في غزة مع بومبيو في واشنطن
- بالفيديو.. ركاب -إير إفرانس-عالقون وسط سيبيريا
- الكشف عن تلف 7 مليارات دينار عراقي بسبب الأمطار!
- مؤتمر باليرمو حول الأزمة الليبية.. هل تترجم النتائج على أرض ...


المزيد.....

- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - أحمد الناجي - من أوراق الاحتلال البريطاني للعراق 10- 8 حركة الجهاد ج1