أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - جاسم المطير - قراءة في مجلة الثقافة الجديدة















المزيد.....


قراءة في مجلة الثقافة الجديدة


جاسم المطير

الحوار المتمدن-العدد: 2786 - 2009 / 10 / 1 - 08:40
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


من أخطر الأمراض الصحفية ، التي تصيب صحيفة من الصحف أو مجلة من المجلات ، هو توقفها أو توقف هيئة تحريرها عن التجديد الذي يؤدي ، ربما ، إلى تحديد حريتها في التقدم التدريجي بالبقاء في موقع الحفاظ على ما هو قديم من الأهواء الفكرية والرؤى السياسية و على ما هو مقيد ٍ، رافض ٍ لكل جديد ٍ في شكل المجلة أو مضمونها ، خاصة إذا كان الشعب أو الدولة ، يمران بحالةِ تغير ٍ سريع ٍ ، أو بحالةِ اضطرابات ٍ متلاحقة ٍ ، أو بحالة ٍ من المصاعب السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية كما هي الحالة التي يواجهها شعبنا العراقي في المرحلة الراهنة وهو يتطلع إلى حياة ٍ جديدة ٍ والى ثقافة ٍ جديدة ٍ بعد خلاصه من زمرة الحكام الجبابرة الذين سيطروا طويلا ( أربعة عقود ) على أجواء العراق وأوديته كلها بأنياب الحيوانات الضارية .
لأن الدهر العراقي قد تغير ، في نيسان 2003 ، فلا مهرب للنخب الثقافية الشيوعية وحليفتها النخب الديمقراطية من ضرورة تغيير كل شيء ذي حياة ٍ وقوة ٍ وصلابة ٍ تغييرا متواصلا و مذهـّبا بمزيد من نفائس أساليب النضال الشيوعي ، المتواصل ليلا ونهارا ، منذ زمن طويل ، لتكون ثقافة الحزب الشيوعي العراقي ، بالتالي ، مثال العذوبة الفكرية الدائمة ، ومثال الأسلوبية السلسة الدائمة ، مالكة لعيني زرقاء اليمامة في رؤية المستقبل القريب والبعيد .
لعل أول شيء يتمثل كمرآة لحزب الشيوعيين هو روح ولغة وموضوعات وعطاء كتــّابه ومثقفيه كما عطاء أصدقائه ومحبيه المتمثلة في معلقاته الصحفية الثلاث : موقع الطريق الالكتروني ، جريدة طريق الشعب ، ومجلة الثقافة الجديدة . هذه " المعلقات الثلاثة " التي كانت وما زالت شجرة مثمرة لعدد من الأجيال الثقافية التقدمية الساعية لتحقيق التقدم الاجتماعي في بلادنا والارتقاء بحياة المثقفين العراقيين وحياة الناس عموما على اعتبار ذلك كله أجزاء متلاصقة ، من أهداف شعبية متكاملة يناضل الشيوعيون من اجلها .
في العادة ، أثناء المراحل السياسية الانتقالية يحدث الانفصال التقليدي بين ثقافة التغيير المنشودة وبين جمود القيم والأفكار النظرية والتطبيقية ، فهل كانت مجلة الثقافة الجديدة صرعى هذا الانفصال خلال السنوات الست الماضية ..؟
ليس في الأعداد الصادرة من المجلة 2003- 2009 ما يشير إلى غياب ٍ في وعي المجلة ووعي هيئة تحريرها ووعي موضوعاتها مما يعني أن المجلة كانت تتطور بنفس سرعة تطور الواقع العراقي والأمثلة كثيرة محمولة على صفحات الأعداد الماضية .
في ذروة المآسي الحالية ، التي تحيط بشعبنا العراقي من جوانب كثيرة يراد لها أن تغطي الثقافة العراقية ، أيضا ، بالظلام الكبير ، الذي لا يقل حجما عن ظلام العمليات الإرهابية التي تتفجر في شوارع بلادنا بين آونة وأخرى واصلت الصحافة الشيوعية العراقية ، خاصة جريدة طريق الشعب ومجلة الثقافة الجديدة ، تحدي كل الصعاب كي يظل وجههما أغرا لامعا في نور شمس الحرية وفي ظلام الإرهاب لتنهضا بمهمات التنوير والتوعية اعتمادا على مجموعة من أشجع الصحفيين وانجدهم في ما يكتبون ويحاورون .
استلمت قبل بضعة أيام العدد الجديد 331 من مجلة الثقافة الجديدة وقد وجدته بعد قراءتي له حاملا شعاع ضوء ٍ ينير لقرائنا دروبا متجددة في الفكر الإنساني التي يمكنها أن تغير مستقبل حياة الناس في بلاد الرافدين ، كما يمكنها أن تحيي ذاكرة المثقف العراقي أملا في القيام بدور أكبر لتحفيز القوى البشرية العراقية ، والفكرية ، والعلمية ، والمادية ، كي تتجاوز ما خلفته " ثقافة الخوف من الدولة " خلال عقود العهد المباد و" ثقافة تدمير الدولة " التي مارستها ، خلال السنوات الست الماضية ، قوى الإرهاب الدموي في الشوارع العامة وغيرها.
تصدر العدد كلام مختصر برسالة موجهة إلى الدكتور صادق البلادي من مجلس تحرير المجلة حول سرور أعضاء المجلس بنبأ حصول الدكتور صادق على إحدى جوائز مدينة كيمنس للسلام وقد توجه المجلس بالتهنئة الخالصة بهذه المناسبة . أقول بصراحة أنني كنت في غاية السرور ، أيضا ، بهذا النبأ السعيد الذي خص صديقي العزيز وأبن مدينتي ، بل ابن محلتي ، بل أبن نفس الشارع الذي كنا نطلق عليه فيه لقب " الحمامة " لرقته في طفولته ورصانته وحبه للسلام ، باعتبار هذا اللقب من الصفات الحسنة اللائقة بصادق البلادي وبعائلته الكريمة التي كان كل أفرادها يوصون بنصرة الفقراء والدفاع عنهم ، وكنت واحدا من أولئك الفقراء ، فأحببتهم جميعا منذ زمن أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي حتى اليوم . صار شباب هذه العائلة منذ زمن بعيد مثالا لحب الشيوعيين ينشدون شعرهم ويناضلون معهم من اجل السلم والشعب والوطن . ها أنذا ، اليوم ، افتخر بابن محلتي في مدينة البصرة بعد أن لمع في ضحى يوم ألماني بنيل " حمامة " السلام لـــ" جائزة " السلام ، أستحقها هذه المرة من مدينة ألمانية .
كعهدي بها كان العدد الجديد من المجلة عطاء عقليا عرفته متواصلا منذ عددها الأول قبل 56 عاما . يهمني اليوم أن أشير إلى نقطتين رئيسيتين :
(1) النقطة الأولى تتعلق بــ" شكل المجلة " حيث غلافها الأول والأخير حملا سمات التصميم التكنوقراطي الملون ، كما حملا أمنية القراء بتطوير وتحسين العمل الطباعي كله . وقد كشفت بجدارة إمكانيات دار الرواد في بغداد في اختيار الحسن من ورق الطباعة وفي إظهار الصفحات الداخلية وحروفها كعنصر من عناصر جذب القراء نحو نموذج من تعميق العلاقة بين مقالة المجلة وقارئها المتتبع إضافة إلى امتياز نشر الصور الواضحة في صفحاتها الداخلية .
(2) النقطة الثانية تتعلق بسعي هيئة تحرير المجلة ليس فقط للقيام بوظيفتها التقليدية ، بل السعي أيضا إلى تطوير ديناميكية الثقافة العراقية الملحة خلال الفترة بين صدور عددين وذلك باختيار مواد تستجيب أو تتجانس أو تتحد مع حاجة القراء الثقافية خلال هذه الفترة الصعبة التي يجتازها العراقيون .
الربط الوثيق والدائم بين ما تضمه صفحات المجلة وبين الحاجة إلى الكفاح الفكري ضد الانكسار ، مهما كان نوعه وصنفه ، داخل الحركة الجماهيرية ، أي المشاركة الثقافية الشيوعية الفعالة في النقلة الضرورية لحياة الشعب العراقي من حال ٍ إلى حال ٍ و الحاجة إلى استثمار بعض صفحات المجلة في طرح موضوع أو موضوعات لتطوير مستوى الحوار العلمي الرصين لمختلف أصناف الآداب والفنون .
ازدهر هذا العدد من المجلة بكم ٍ من المواضيع ، التي تتيح للقراء والمتخصصين فرص مواكبة النوع الملح من القضايا الآنية داخل المجتمع العراقي .
كان موضوع ( الريع النفطي وأثره في تشكيل المجتمع العراقي ) للباحث ( احمد كاظم حبي ) متعلقا بمدى وكيفية سيطرة العاملين في مجال التخطيط والصناعة النفطية العراقية للسيطرة على طبيعة وملكية وتقدمية الرؤية الدقيقة لأحداث التقدم التقني في ميدان الحضارة النفطية – أن صح التعبير – خاصة في بلد كالعراق ، الذي تخلص للتو من نظام دكتاتوري فوضوي وبشع ، وإذا كان هناك من ضرورة لتحديد المرتبة الأساسية لمستوى تصنيف هذه الدراسة فأعود إلى ما قاله الباحث نفسه من أن موضوعته ترتبط ارتباطا وثيقا بعلم اجتماعيات الاقتصاد السياسي للنفط ، وهي كما قال ، أيضا ، علاقة معقدة ، متعددة الجوانب ، أحيط بها العديد من الضلال والسلبيات منذ أن ارتبط الريع النفطي بالاقتصاد العراقي عند اكتشافه عام 1927 مما قاد الباحث ، وهو يعمل رئيسا للمهندسين في شركة المشاريع النفطية التابعة لوزارة النفط ، إلى صياغة ورقته بتناول الكثير من الحدود والسلطات والقرارات والسياسات المتعلقة بإنتاج النفط وتسويقه ، بما في ذلك الاضطرابات النفطية العالمية في حقبة السبعينيات من القرن الماضي ، التي أدت إلى تضاعف أسعار النفط وازدياد العوائد النفطية العراقية ولا شك أن استمرار الاضطرابات في الأسعار النفطية الحالية تؤكد من جديد ضرورة تكريس جهود الطليعة الثقافية التي تمثلها مجلة الثقافة الجديدة للموضوعات النفطية واعتبارها نقطة الجدل الدائم في الاقتصاد العراقي .
انه امتياز حقا لإعلام الحزب الشيوعي ومجلته الرائدة ( الثقافة الجديدة ) حين تقدم موضوعا يبدو راصدا مهما لقضية عراقية تحمل إرثا كبيرا ناتجا من إهمال سياسة الحكومات العراقية المتعاقبة .
حاول الباحث الدكتور هاشم نعمة بشيء كثير من التوفيق تحديد ( مشكلة التصحر وأبعادها البيئية والاقتصادية والاجتماعية في العراق ) وقد كرس هذا البحث لتسليط الضوء على اكبر مشكلة بيئية يواجهها العراق ، المشكلة المتمثلة بالتصحر ، حيث يتعرض فيها الأمن الغذائي في العراق إلى مشاكل خطيرة . جاء الباحث على أسباب التصحر باعتباره مشكلة بيئية واجتماعية واقتصادية معقدة ومتداخلة مما يجعلها ، بالتالي ، مشكلة متشابكة بين الطبيعة والبشر وبعد أن أشار الباحث إلى تعريف التصحر تطرق إلى تمييز الأراضي المتصحرة وتطور عملية التصحر وأسباب تسارع هذه الظاهرة في العراق ، ثم قام الباحث بوضع بعض الأسس الخاصة بمكافحة التصحر مشيرا إلى أن توضع هذه القضية بمستوى الصدارة في خطط التنمية للحفاظ على سلامة الأرض الزراعية وسلامة الغابات .
من الموضوعات العراقية الملحة في العراق هي قضية التنمية وقد وضعت هيئة تحرير المجلة بحثا مهما في مقدمة صفحات المجلة أعده الدكتور مجيد مسعود ، الحاصل على خبرة واسعة في قضايا التخطيط والتنمية ، وقد تميز بحثه بالتركيز على القوانين الاقتصادية الموجودة داخل المجتمع الرأسمالي ، المتحكمة بتطويره وهي القوانين الموجودة بحالة مستقلة عن إرادة الناس ووعيهم وقد اوجد تصنيفا علميا لجميع القوانين الاقتصادية الموضوعية على ضوء كتابات وتحليلات كارل ماركس في مؤلفه الضخم ( رأس المال ) كما وضع استدلالاته الخاصة في إطار التعددية لأشكال الملكية السائدة في الوقت الحاضر في العراق ، مما أضاف لمجلة الثقافة الجديدة قدرة ومعرفة لمستقبل الاقتصاد العراقي عبر الخلاصة التي اقترحها ووجدها ملائمة لقانون التراكم الاقتصادي التنموي في عراق الحاضر والمستقبل . هذه المقالة الاقتصادية محاولة لدفع الاقتصاديين العراقيين والمفكرين العراقيين للحوار حول القانون الاقتصادي الأساسي الذي يحكم المرحلة الانتقالية من تطور العراق الراهن . أتمنى على هيئة تحرير المجلة متابعة الموضوع ووضع خطة أولية بسيطة قد تكون دافعة لحوار أوسع .
ضمن فكرة أن مجلة الثقافة الجديدة مسؤولة عن مواكبة تشغيل ووظائف قطاعات اقتصادية أخرى في بلادنا فقد احتوت المجلة على دراسة بعنوان ( إطلالة على بواكير التأمين والرقابة على النشاط التأميني في العراق ) للأستاذ مصباح كمال . الحقيقة أن هذه الدراسة ركزت على الجانب التاريخي في ما يخص التأمين في العراق ، خاصة وان القائم بهذه الدراسة خبير من وسط التأمين نفسه لزمن يقارب الأربعين عاما ، عمل خلالها ودرس في العراق وبريطانيا مما يؤهله الإلمام بالجوانب الرئيسية المتعلقة بتاريخ التأمين في العراق الذي أعاد أصوله الأولى إلى شريعة حمورابي والشرائع العراقية القديمة الأخرى . وقد وجدتُ سلاسة في هذا الموضوع الذي يبدو من عنوانه موضوعا اختصاصيا جامدا غير أن الباحث تناوله بطريقة ضمنت علمية الموضوع وتقريب محتوياته إلى القارئ المختص والى القارئ الاعتيادي في آن واحد ، مما جعله يسقي روح الثقافة الجديدة بغزير الأفكار عن قضية لا تشرق إلا في صفوف الاختصاصيين حسب ، وهم قلة في العراق كما اعتقد .
في الصفحة 53 من المجلة تطل صورة تخطيطية لابن خلدون مما أعطى شكلا جماليا لبحث متصل بالتراث العربي وبالفكر الاقتصادي ، معا ، خلال موضوعة عنوانها ( الفكر الاقتصادي عند عبد الرحمن بن خلدون 1322- 1406 ) كتبه الدكتور محمد الأخضر بن حاسين وهو مفكر اقتصادي وأستاذ جامعي وباحث جزائري . هذا البحث الاقتصادي – التراثي تناول أفكار ابن خلدون الاقتصادية وعلاقتها بالنشاط الاقتصادي للناس المنتمين لمجموعات اجتماعية متباينة ، مسلطا الضوء على مخطط ابن خلدون عن التطور الاجتماعي والروابط التي تنشا داخل الجوانب المعبرة عن العلاقات الاجتماعية للإنتاج والتبادل والتوزيع والاستهلاك . في الختام قال الباحث أن المشاكل التي طرحتها هذه الدراسة هي من دون ريب مشاكل يصعب حلها . ثم دعا إلى استخلاص العبرة من تحليل ابن خلدون " للانحطاط الاقتصادي والاجتماعي " ولا بد من القيام بنقد علمي ، انطلاقا من تشخيص موضوعي للانحطاط ، لما تركه من بقايا الوعي الاجتماعي الوطني المعاصر ، إذا أردنا البدء بنضال واسع ، متعدد الأشكال ضد التأخر من جهة والتخلف من جهة أخرى . ربما كان علينا أن نوجه تفكيرنا هذه الوجهة حسب تأكيد الباحث . في الصفحتين 64 و 65 تزيين تخطيطي في الأولى ، تزيين فوتوغرافي في الثانية ، مما منح الصفحتين مأثرة فنية محمودة ركزت انتباه القراء إلى نص مترجم عنوانه ( الأمن في الخليج العربي .. رؤية روسية ) للكاتب الكسندر زاسيبكين الخبير في وزارة الخارجية الروسية قام بترجمته ( الدكتور فالح الحمراني ) الباحث والمترجم العراقي المقيم في موسكو . تناول النص عناصر النظرية الأمنية القائمة على القانون الدولي لتسوية النزاعات والمشاكل بين الحكومات والدول ، التي قد تؤدي إلى النزاعات المسلحة إذا لم تنجح مشاريع التسوية وقد ذكر المؤلف الروسي أن حل المشاكل ينبغي أن يبنى على مراحل باعتبار أن ذلك يمكن أن يكون واحدا من مبادئ بنية النظرية الأمنية للخليج . من أفكار المؤلف ، أيضا ، انه يرى وجوب جعل الخليج منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل باعتبار ذلك واحدا من الجوانب الهامة في قضية إقامة منظمة الأمن .
من الموضوعات الهامة المعبرة عن فضائل هيئة التحرير ما انطوت عليه الصفحة 73 الحاملة لصورة الأكاديمي الفلسطيني ادوارد سعيد حيث ترجم الأستاذ زيد العامري الرفاعي عضو الهيأة الإدارية لجمعية المترجمين العراقيين للفترة 2005 – 2008 الفصل الثاني من كتاب ٍ باللغة الانكليزية عنوانه( ادوارد سعيد وأسلوب المثقف ) وقد جاء في المقال تأكيدا لظاهرة تشير إلى أن ادوارد سعيد يولي في أعماله مقاما خاصا لانشغال المثقفين المباشر ، في صياغة الواقع من حيث مقدار هذا الانشغال ، أو أدائهم دور المشرع الفعلي لأمور الحياة ، وإن لم يعترف ويقر لهم بذلك حسبما يقول شيليSHELLY) ) .وقد ذكر المؤلف أن هناك مشاكل كثيرة تواجه المثقف في عصر ما بعد الحداثة ويجب أن نأخذ بنظر الاعتبار عدة عوامل في التفريق بين المثقف الحداثي كما صوره سعيد وبين مثقف ما بعد الحداثة في أيامنا هذه .
في باب (حوارات المجلة ) كان الحوار الأول مع الفنان نوري الراوي ( ذاكرة تمتد لثمانين عاما ) فالمعروف أن نوري الراوي مولود في ( راوة ) عام 1925 وتخرج من معهد الفنون الجميلة عام 1959 وقد قام بالمحاورة الأستاذ قاسم العزاوي ، الذي وجد نفسه أمام شخصية فنية عراقية قلما يمكن الحصول على عطاء من خزين ذاكرته الغنية لكن المحاور العزاوي استطاع فعلا أن يضيء التاريخ الإبداعي للصديق الفنان نوري الراوي . جذبتني مقدمة الموضوع مع صورة فوتوغراف . ففي الصفحة 88 رسالة من الدكتور صالح ياسر رئيس تحرير مجلة الثقافة الجديدة جاء فيها : نرحب بكم واحدا من أهم أعمدة الحركة التشكيلية العراقية ورائدا كبيرا من روادها الذي تشهد عليها مسيرتكم الفنية ومنجزكم الإبداعي الراقي الذي يقارب السبعة عقود . وإذ نتذكركم نحن الذين عشقنا لوحاتكم المبهرة وأحببنا روحكم الشفيفة لا ننظر إليكم باعتباركم احد القامات الراقية في المشهد التشكيلي للعراق المعاصر فحسب إنما باعتباركم جزء من ذاكرة عراقية عميقة كعمق دجلة والفرات وأور وبابل صاغت على مدى مسيرتكم الطويلة ألوانا من البهاء والجمال جسدتها لوحاتكم المبهرة التي جمعت بين الحنين والأمل والشمس المشرقة. ننتقل الآن إلى الصفحة رقم 96 حيث بداية ملف خاص عن الفنان الراحل قاسم محمد الذي غيبه الموت بالسرطان الصعب بعد أن اجبره فترة طويلة من زمن المعاناة ، لكنه غادر المسرح العراقي في وقت يحتاج إلى إبداع قاسم محمد ، صاحب الذخيرة الكبيرة والواسعة والعميقة في كتابة النصوص المسرحية والغوص في أعماق التراث والذي انتسب إليه مخرجا وممثلا بكفاءة ترك خلالها طباعا ومواصفات متقدمة . كان عنوان الملف ( قاسم محمد وداعا .. غابت النخلة ولكن الجيران لن يتفرقوا ) . لم يكن الملف رثاء بقدر ما كان قد أهاج لدى عدد من الكتاب تعبيرهم وجهدهم لاستذكار تجارب مسرح قاسم محمد التي تركت تأثيرها على مستقبل العمل المسرحي العراقي . كان أول المتفجعين برحيل قاسم محمد هو الناقد الفذ ياسين النصير الذي قدم شهادة دراسية بعنوان ( قاسم محمد طليعي المسرح ومدونه الشعبي ) ناقلا للقراء أجود ما وصلت إليه تجارب المسرح العراقي خلال العقود الأربعة الماضية بمبدعات أعمال قاسم محمد .
في باب شهادات كان عدنان منشد ، المخرج والمؤلف المسرحي العراقي ، قد منحنا مقالا جميلا بعنوان ( سر البهجة الاستثنائية في عروض قاسم محمد ) مؤكدا أن الكثير من مشاهدي قاسم محمد في سن الأربعين والخمسين قد استمتعوا في سني صباهم وشبابهم إلى بعض عروضه التي تركت أثرا عميقا في نفوسهم لا يمكن محوها مهما مر الزمن . ثم واصل الشاعر والناقد العراقي ريسان الخزعلي رحلة الذهاب إلى الديار المسرحية لقاسم محمد فوقف عليها واستوقف القراء على الإضافات الأولية والكبيرة لتجربة الفنان الراحل ودمجها بأهداف تطوير تجارب المسرح العراقي عموما . أما الباحث الناقد محسن الكناني فقد كتب مقالته بعنوان ( الكبار يحلمون ولا يموتون .. والصغار يعيشون ) تابع فيه بعض أعمال قاسم محمد لكي يتفق مع إجماع الرواة الآخرين ممن رووا نقديا خصائص تجربة قاسم محمد الاجمالية في المسرح العراقي .
بإمكاني اختصار القول أن مبادرة تحرير المجلة في هذا الملف قد نجحت في الإحاطة بكم ٍٍ كبير ٍٍ من بروق قاسم محمد وأمطاره الغزيرة على خشبة المسرح وفي صفوف الدراسة الأكاديمية لأجيال الشباب المسرحي العراقي المتتالية العطاء .
ثم كان وجود الشاعر مهدي محمد علي على ظهر الصفحة 114 ليس في قصيدة شعرية ، بل كان له تواصل مع ما ابتدأ به سابقا في كتابة الخواطر تحت عنوان مؤكد هذه المرة : ( خواطر نثرية ) مكرسة لحكايات من تاريخه في البصرة وغيرها من المدن التي كان فيها طريدا أو طموحا ، ليحدثنا عن ( حكايات الهدهد ) الغائب عن حضرة النبي سليمان وكذلك عن مخاطبته للهدهد حين كان طفلا صغيرا تحت ظل ما يشبه الأساطير لتتحول خواطره النثرية المترحلة من مكان إلى مكان ومن حكاية إلى حكاية لتدوين نثر جديد النوع ليكون تمحيصا من نوع جديد لبعض رؤيته في الحياة ولبعض أجناس الناس الذي تمازج بهم ومعهم لتصوير الطبيعة الفطرية الخلابة لعلاقة الإنسان مع الإنسان ولعلاقة الإنسان مع المدينة ، التي كان يتأملها مبتهجا أحيانا ، أو مكتئبا في أحيان أخرى من خلال خاطرته( أهل الثلاثاء ) . على أن مهدي محمد علي في خواطره الشاعرية الجديدة قدم لقرائه مادية نثرية بدت العاطفة فيها واضحة جلية ليس فيها أي غموض .
كان للشعر الشعبي مكان في العدد الأخير من مجلة الثقافة الجديدة فقد جاءت ست صفحات فيها بحكاية عن أدب الشاعر زاهد محمد أفضى بها وعنها رجل السياسة والصحفي المخضرم عبد الرزاق الصافي المعروف بتعدد أجناس كتاباته وباشتقاقها من أحداث الساعة التي تمر على وطننا . غير انه أمّ ، هذه المرة ، صوب الشعر الشعبي للراحل الشاعر الدكتور زاهد محمد حيث كتب رسالة لهيئة تحرير المجلة يقول فيها : ( كان الفقيد الشاعر الشعبي الكبير زاهد محمد يعتزم قبل وفاته في العام 2002 طبع عدد من قصائده الشعبية مشفوعة بلوحات رسم ولذا اتفق مع الفنان التشكيلي ساطع هاشم على رسم لوحات للقصائد ولذا ظل المشروع طي الأدراج واهداني الفنان ساطع هاشم مجموعة القصائد مشفوعة بالرسوم وكان لقصيدة " هب يا نسيم من الضفاف الخضر " التي كتبها الشاعر بخط يده قصة طريفة جديرة بان تروى للقراء .
وقد جاءت الحكاية عن هذه القصيدة التي صاحبت الشاعر في ترحاله بالعديد من مدن الغربة كما روى الصافي تفاصيل كثيرة عن القصيدة وعن مآلها قبل صدورها.
في الصفحات اللاحقة لقصيدة زاهد محمد احتوى العدد على نص للشاعر سمير الهجول تجادل فيه مع نفسه ومع وجوه في شوارع القلب ، ثم كان الموضوع التالي : ( لقاء القاص بمجتمعه .. تصحيح السرد القصصي العراقي ) كتبه القاص والناقد محمد خضير سلطان محددا نقاط القوة الضرورية في لغة السرد كي تكون للقصة هويتها الخاصة وكتب الشاعر مهدي الحسناوي موضوعة ( المنفى في الشعر العراقي المعاصر ) تناول فيه تأثيرات ابتعاد الشاعر العراقي عن وطنه وتأثير ذلك ، أيضا ، على اللغة الشعرية في قصائد المنفى المتميزة باللين في بعض نماذجها وبالآلام والحزن في نماذجها الأخرى ثم انتهت موضوعات العدد 331 من مجلة الثقافة الجديدة بمتابعة واستعراض مهرجان المربد بنسخته السادسة كتبه الروائي والقاص حنون مجيد.
مع خاتمة مقالتي التي ربما أسرفتُ في كلامها أرجو أن تسمح لي هيئة تحرير مجلة الثقافة الجديدة بتقديم بعض الآراء والمقترحات آملا أن تكون نصب عينها ودراستها ، ربما تكون نافعة في تطوير المجلة :
(1) صحيح أن جميع أعضاء هيئة تحرير المجلة يملكون في حياتهم تجارب الحنكة والحكمة في العمل الصحفي غير أن الهيئة يغلب على بعضها عمرُ مــَنْ يستحق الإحالة على التقاعد لكي ينضم بدلاء عنهم ، من الصحفيين الشباب ، ممن لهم خيال الحداثة وعمقها في العمل الصحفي مما يؤدي إلى تعظيم عطاء المجلة ليكسب القراء ، من خلال نشاط الشباب ، وعطائهم إبداعا وثقافة واطلاعا احدث وأوسع .
(2) شاءت المصادفة السابقة أن لا يكون ضمن هيئة تحرير مجلة الثقافة الجديدة ولا امرأة واحدة . لذلك فأنا أدعو بهذه المناسبة أن توضع ( كوتا نسائية ) في هذه الهيئة لكي تكون المجلة ، مستقبلا ، قادرة على مواكبة قضايا حقوق المرأة والعمل المستفيض المخطط بهذا الصدد كي تكون سفينتها مبتهجة بإبداعات المرأة العراقية في الشعر والرواية والقصة والرسم والغناء والموسيقى وغيرها من الفنون والآداب . فقد خالجني شعور ما ، وأنا أطالع العدد 331 من الثقافة الجديدة ، حين لم أجد فيه ولا اسم أي امرأة على وجه مقال أو دراسة أو قصيدة ، إضافة إلى خلو العدد كله من أية قضية من قضايا المرأة.
(3) أصبح أهل العراق الحالي ، خاصة نخبه الثقافية ، هم أهل الحرية والديمقراطية حيث يحلم الناس بمجتمع ٍ مدني ٍ جديد النوع ، يبتكره أناسه التقدميون ، لكنني وجدتُ هذا العدد تنقصه الدراسات الجميلة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ومشاكلهما التطبيقية في العراق الجديد ، أي عن قضيتين من أهم القضايا التي يجب أن لا تغيب عن صفحات أعداد المجلة في عصر الديمقراطية الحالي ، مما يتوجب على هيئة التحرير أن تقوم بالعمل التخطيطي لمواد كل عدد من أعداد المجلة كي لا تغيب عنها موضوعات الأولوية في هذا الزمن .
تحية لهيئة التحرير متمنيا لعملها النجاح المحقق لثروة ثقافية اكبر .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بصرة لاهاي في 20/9/2009
طريق الشعب عدد 30-9 -2009









كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,561,633,499
- سبع مقترحات أمام المالكي عن المسار الوزاري ..!
- حكام من السنة والشيعة كلاهما في النار ..!
- عن الأوصاف المحمودة لصالات السينما المسدودة ..!
- يمكن تجريم كل شيء إلا الديمقراطية ..!
- السياسة تعتمد على تكتيك خذ وهات لكن الطائفيين يأخذون فقط ..!
- خرف الحكام داء ليس له شفاء ..‍‍!
- وراء كل مشكلة عراقية توجد امرأة أجنبية ..!
- تأملات في قمامة المنطقة الخضراء ..‍‍ !
- لا تتزوج امرأة سنية تركية ولا شيعية إيرانية .. !
- في العيد لن يعطس أحد في وزارة الثقافة ..!
- قوات - الحماية - عاهة بغدادية تعايشوا معها أيها الصحفيون ..!
- حوار حول دور المرأة العراقية في - العملية الغذائية - ..!!
- في رمضان يتحاور قادتنا حول دور المرأة في - العملية الغذائية ...
- للدكتور شلتاغ أقول : القرارات الصائبة مفخرة لا تجعلها مسخرة ...
- في عصر الطائفية تعلّم ، أيها الصحفي ، كيف تركع ..!!
- مكتوب على تلال الزبالة العمارتلية : هنا ترقد بسلام ..!!
- الثقافة في البصرة لم تصبح حيوانا أليفا ، بعد ..!!
- المشروبات الكحولية أقوى أسلحة الصمت الشعبي في البصرة ..!
- شوشرة فساد أضعها أمامك يا رئيس الوزراء ..!
- نوري المالكي خارج على القانون ..!!


المزيد.....




- قراران لمصر بعد -قيادة- محمد رمضان لطائرة إلى موسم الرياض في ...
- السعودية تنوي تأجيل الطرح العام الأولي لأرامكو للاكتتاب لضما ...
- تركيا ستعلق عمليتها العسكرية في شمال سوريا شرط انسحاب القوات ...
- السعودية تنوي تأجيل الطرح العام الأولي لأرامكو للاكتتاب لضما ...
- إطلاق صواريخ -كاليبر- من الفرقاطة -الأدميرال غورشكوف-...فيدي ...
- بوتين يفتح -الحقيبة النووية-
- بعد ضريبة -واتساب-.. راغب علامة يوجه رسالة لـ-فطاحلة- لبنان ...
- قصف على محيط بلدة رأس العين شمالي سوريا بعد ساعات من إعلان ه ...
- بعد تعليق عملية -نبع السلام-.. حمد بن جاسم ينتقد موقف الجامع ...
- صحيفة أمريكية تتحدث عن -سلاح يوم القيامة الحقيقي-


المزيد.....

- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - جاسم المطير - قراءة في مجلة الثقافة الجديدة