أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد أسويق - الشعر الأمازيغي القديم جمالية البلاغة وسؤال الهوية






















المزيد.....

الشعر الأمازيغي القديم جمالية البلاغة وسؤال الهوية



محمد أسويق
الحوار المتمدن-العدد: 2775 - 2009 / 9 / 20 - 11:44
المحور: الادب والفن
    


الفصل الأول: الشعر الأمازيغي من طقس الفرجة إلى سؤال الهوية
- مدخل تاريخي
- الشعر رؤية حداثية
- الشعر الأمازيغي بوح وجداني
- الشعر الأمازيغي تاريخا وإنسانا
- الأدب الأمازيغي في أتون المحرقة
- الشعر والهوية وجهان لعملة قديمة
- الشاعر الأمازيغي ناطق رسمي للقبيلة
- الشعر الأمازيغي من الطقس الفرجوي إلى البعد المعرفي
- ثلاثية الخيل والشعر والبارود
- الشاعر الأمازيغي بروميثيوس الأرض
- الشعر روح وجداني :عند المماليك الأمازيغية القديمة
- نكور الشعر والشعير
- الموحدين وشعر العقيدة
- المرينيين والتصوف الشعري
- النزعة الإنسانية في الفكر البرغواطي
- غياب المشهد الثقافي الأمازيغي عند المؤرخ العربي
- مظاهر الحضارة الأمازيغية عند المؤرخ الكولونيالي
- شعر التصوف
- السعديون: ومظاهر التصوف
- المرابطون: شعر الفقه والأمداح

مدخل تاريخي
إن مدخلنا للأدب الشعبي الأمازيغي الذي ما زال تحتفظ به الذاكرة الجماعية. وبعض النصوص التاريخية القديمة .يؤكد لنا وبالملموس على أن بلاد تامزغا .عرفت منذ فجر التاريخ حركة أدبية وازنة. ونهضة فكرية متقدمة. تركت مداد أصابعها في الثقافات البشرية الأخرى. عبر عامل المثاقفة والمصاهرة. أو بالاحتكاك كما تشهد على ذلك العلاقات التجارية البرية منها والبحرية...
وقد نالت إعجاب كبار المهتمين والباحثين القدامى أمثال: هوميروس وهيرودوت اللذان. انبهرا حيال ما أبدع فيه العقل الأمازيغي في مختلف جوانب الحياة السوسيوثقافية، حيث نجدهم يقران بأن أغلبية الآلهات اليونانية. ليبية الأصل ويؤكد هذا الأخير: الحقيقة أن الليبيين هم أكثر قدسية من بين كل الناس الذين نعرفهم والقول هذا. يبين بالبت والمطلق على أن الأمازيغ لم يسبق لهم أن عانوا الفراغ الثقافي والإبداعي. بحبهم للمعرفة وتمجيدهم للعقل .الذي اعتبروه بداية المعرفة. لفهم فلسفة الكون حسب منظور ديكارت. وهذا ما يزكيه أشهر شعراء الإغريق قائلا: كون جميع الآلهات اليونانية ولدت في بلادهم .
وقد مثل هذه الصحوة الفكرية مثقفون أجلاء ساهموا في إغناء التراث الإنساني: كأبوليوس ويوباІІ وتيرتيليون والقديس أوغسطين مؤسس الفكر المسيحي الديمقراطي، الذين أخذت عنهم الحضارة الفرعونية والإغريقية والرومانية... وعززت بها تراثها... نظرا لما تأويه من خصائص الفكر التحرري والقيم المثلى كقاعدة خلفية لمفاهيم الحداثة والإنسانية
مما يستوجب علينا الأمر. الإطلاع على هذه التجربة والتعريف بها؛ إلا أننا صدمنا بالحرقة والإهانة. حينما لم نجد أثناء نبشنا مؤرخا أو مفكرا نزيها. يحاول رصد تطور هذه الخصوصية الثقافية. التي لها ما لها من انعكاسات إيجابية على مستوى التاريخي والتراثي والهوياتي...ننتفع به ونغني بمزاياه باقي جوانب الفكر البشري
لكن وبالرغم من هذا التحامل اللاأخلاقي واللاأدبي، تبقى التجربة التي نحن بصددها: بقلتها وقليلها .أهم مرجعية تؤسس لفكرنا الحداثي ومستقبلنا الثقافي .برؤية عميقة نابعة من صرح الذاكرة الشعبية الجماعية.. ولو في حالها الشفاهي المتناثرالمهمش والمقصي.......
وستبقى على مر العصور صرخة تسكن عمق التاريخ الوئيد، صرخة أدبية تستقي مضامينها. من شرعية البحث الإبداعي بكل تضاريسه المادية والروحية .
مكرسة لحظة ذهنية أساسها العقل /الذاكرة/ المنطق/ الذي يتقاطع فيه الواقعي بالتاريخي. والرمزي بالجمالي. لتفعيل صيرورة تراثية كعربون على سلامة الوجود المادي والمعنوي. وهو الدليل القاطع عن مدى الوعي بالهوية .التي تشكل وجودنا الأسمى وحضورنا الأبدي داخل صراع الحضارات.
إنه الأدب الأمازيغي بقلته القليلة- بعد الضياع والتخريب- والذي سيمكث مؤسسا بفعل جدية عبقريته. لنوع من التواجد التاريخي. مكرسا شرعية الحضور الاجتماعي..؛ ولو في غياب التواجد المؤسساتي والتدوين، بقوة ما تقدمه المجايلة من تضحيات جسام، تفاديا لشر الشفوي، مما اعتبرناه وبكل افتخار رافدا أنطولوجيا يعيش في الخلد اللانهائي.
لأن الإبداع عند الأمازيغ سؤال مصيري مقلق، دافعه الفكر وغايته الهوية والإنسان ضمن طابعها الخصوصي .
ويؤكد تودروف أن الخصوصية الادبية ليست من طبيعة لغوية وإنما من طبيعة تاريخية وثقافية (الشعر والناقد سلسلة عالم المعرفة عدد 331 سنة 2006 ص11)
مما دفعنا الأمر لطرح الهوية كسؤال تراثي معاصر . لتصريف الموقف وإشباع الإحساس بالجمال( مصدر نسه ص 282)
فاقتحام الأدب شكل السر المكنون؛ لرصد معقل لا يتزحزح للكينونة الرمزية داخل سوق الممتلكات الرمزية.
وهو يبتدئ بالبسيط جدا والمتواضع والفطري .وينتهي إلى إرث نفيس .نموضعه كبنية دالة داخل بنى المستقبل. الذي نترقب وميضه للتخلص من مهازل الليل البشري.
لأن خارج مجال الأدب المكتوب أو الشفوي.لا يمكن الحديث عن أي نظام حياتي. مفعم بقوانين تخلصنا من متاهات البدائية والفوضى العارمة.
فالحياة لا تصير هادفة ومؤطرة. إلا من خلال منظومة الأدب. وذلك هو تاريخنا في رحابه؛ وهو دوما كان ينذرنا بلبس الموت الرخيص والضياع خارج العنفوان، حتى لا يستقر تصورنا على أنه كان أدبا وصفيا، كما لم يكن ذو نزوع حنينيا ونوستاليجيا، واستقراؤنا له ثبت لنا أنه جاوز الفرجة بالمعرفة، مبرهنا أنه أدب إنساني هادف.أو هو أكثر من البلاغة
وسيظل بدوره موقفا يحرج الضمير كي لا يموت التاريخ، ولو كلف الأمر الألم والعذاب السيزيفي، كما فعلت الأديبة الأمازيغية .وهي توشم جسدها، ليس تعلقا بإله ديونيزوس. بل ضدا على صمت التاريخ وانهيار القيم، فاحتفظت لنا بأعز ما يمكن التباهي به اليوم .وهي حروف تيفيناغ وجداننا العريق، لأن المؤرخين تحاشوا التطرق لها بطغيان الميز الفكري ..، فمن عمق الألم صاغت موقفها المجدي. وهي تذرف دمع السؤال في شكل هندسي جمالي غيرة على وجودنا الإنساني
فطوبى لوشم التحدي…..
لوشم القيم/ لوشم الإبداع الواع ........
والأديبة هذه لم تكن أبدا سادية. بل حاولت أن تصون الأدب من غي الإكراهات؛ ومهما كلفها الأمر من ثمن. لكونها فهمت التاريخ في شكله الأسطوري فهي المبدعة /الباحثة عن المكانة في المكان.
والأدب عامة لازم الإنسان الأمازيغي طول حياته الاجتماعية. إما عن الوعي المعرفي أو الحسي، ليس باعتباره سلوكا لممارسة الرغبة..بل وعيا منه بأن التاريخ يبدأ من عتبة الأدب الذي عقلن الغريزة.
وخارج الأدب ذاته لا يمكن النظر إلى الحياة إلا في صيغة وهمية؛ واستمر يراكم عبر مراحل العصور دون عناء، حبا له للمعرفة وإدراكه لدور القيم الثقافية في الحياة العامة.تجاوزا لكل نظرة استخفافية بالادب جمالا وفكرا
إلا أن المؤرخين ولسوء الحظ .التزموا الصمت تجاه الحياة الأدبية الأمازيغية، وهو ما نعتبره تآمرا من صنف خاص. ومن الجرائم المنظمة
ولو لم تكن المكتبات تحتوي على أجود الأدب.ومنه أمتع النصوص لما تألمنا لإحراق مكتبة تاهرت من طرف الشيعة الإسماعيلية على يدي عبد الله الشيعي وغيرها من مأساة نهبت تراثنا. حتى لا تقرأ إلا كتب نحلهم بقول ليون الإفريقي.
وأما ما نأسف له ثانية: هو إجماع المؤرخين على نفي مراحل ما قبل الإسلام .وهي مراحل كانت غزيرة الإنتاج الثقافي والحماس الإبداعي. نظرا لطبيعة المرحلة وقت ذاك، ولولا بعض الباحثين الأوروبيين –ولو بمنهجيتهم الكولونيالية- الذين تطرقوا لهذه المراحل الغابرة- لظل ذلك وصمة عار في جبين البحث التاريخي الرسمي، وهو ما يقف إشكالية كبرى في درب كل باحث يود قراءة جوانب من التحقيب التاريخي لعامة شمال أفريقيا، لتبقى ذاكرة الجدات والأجداد هي الوحيدة التي حاولت قدر الإمكان أن تعرفنا بما أتى عليه النسيان والتهميش، وأن توصل إلينا شيء من ذلك الماضي التليد من شعر وغناء ورقص وأمثال...
ولو في نماذجه القصيرة والمحرفة بفعل عامل الزمان. الذي كان حافلا بالصراعات السياسية التي عمدت تخريب الهوية. وهنا تعد الذاكرة الجماعية .الوجدان المحلي لهوية الأدب، مما لا يمكن للبحث أن يستغني عليها. انطلاقا من أهمية وظيفتها في صيانة التراث.. وربط جسور التواصل بين الأزمنة والحقب والأجيال، الشي الذي يحتم علينا الأمر أن نعتني بها أكثر من المستطاع .خصوصا وأنها تكون قد بلغت من الكبر عتيا؛ فما أحوجنا إليها لأنها ما زالت تملك ثروة غنية ومعطيات تنكر لها البحث التاريخي المؤدلج.
إنها أقوى ذاكرة وأعظم مخيلة .عرفت كيف تصون الأدب الشعبي وتقيه شر الضياع خارج طقوس التدوين والإحتضان المؤسساتي .
وأن ما عانى منه الأدب الأمازيغي .حقيقة سابقة خطيرة في ثقافة الشعوب؛ من تاريخ يعد بالقرون إلى فراغ مقصود ...لا نعثر فيه عن أي مرجع يثبت ذلك .وهو أبشع اضطهاد في حقنا اليوم. بقدر الصراعات الإيديولوجية التي استهدفت حضارتنا وغيبت ذاكرتنا وشوهت رموزنا... وما تبقى سرق وانتسب قسرا لهوية غير هويتنا، ويعد النصب و الاحتيال خطة اعتمدها كل من الرومان... والعروبيين الذين استهواهم سبي النساء وسفك الدماء ..خصوصا إبان مرحلة الأمويين والعباسيين الذين اعتبروا شمال إفريقيا دار حرب اسلموا أم لم يسلموا .....على حد قول محمود إسماعيل، فصدق من قال أينما حلوا حل معهم الخراب.
لأن ما استهدف من جوانب الأدب يعود إلى 5000 سنة قبل الميلاد على أقل تقدير، ولم نتمكن من مشاهدته وقراءته .وهو غني المضامين والحكم، لأن الثقافة الأمازيغية كما عودتنا.. لم تنشأ عبثا أو صدفة، بل ظلت دوما في خدمة الإنسان المهمش في ركام النسيان، مما نقر بأنها ثقافة قيمة؛ ثقافة نابعة من صلب الإلتزام والعقل والضمير. التي باتت تتأرجح دوما. بين فعل المقاومة ومبدأ الهوية، الشيء الذي جعلها تنفخ روحها في كيان شمال إفريقيا برمته .تاركة صداها في ثقافات الحوض المتوسطي .ولو في شكلها الميتولوجي على الأقل، مستغلة عدة مزاياها، باعتبارها ثقافة الوجود والحداثة النابعة من صلب تجربة كفاحية أحبت الإنسان والحياة، وناشدت الإنعتاق والتحرر؛ إنها تجربة الصدق والمصداقية والكلمة الهادفة...
لكن ولسوء الحظ لا نجد أي خطاب نزيه يشير إلى إرث هذه التجربة الثقافية التي عمرت قرونا طويلة، والتي من الممكن أن تغني مستقبلنا بكل تطلعاته وطموحاته، وأسباب تحاشي ذلك هو التشبع بالثقافة التزمتية والمواقف الانغلاقية... مع غياب الاعتبارات الاندماجية والاجتماعية التي استعدأت الآخر بدون مبرر موضوعي أو علمي.
لتعلل هذه الإبادة التاريخية بمعطيات وهمية لا أساسها من الصحة:
مرة بالردة ومرة بالجاهلية... لإفراغ الهوية من مضمونها الشرعي، إلى درجة أن هذا الموقف الشوفيني قاسموه كل من المؤسسات العسكرية ومؤرخي البلاط ...ولأن الحصيلة الفكرية وما أنتج في مجال المعرفة’ لا تكفيها إشارة عند البكري، وجملة عند ابن عذاري وفقرة عند المقري وتلميح عند ابن زرع و المسعودي... سيما وأن إعادة الاعتبار لذلك سيرفع لا محالة من معنويات تراثنا وهويتنا الحضارية .
ولحفظ الذاكرة الأدبية في شتى تجلياتها لا بد من دراسات معمقة يعتملها مبدأ الأمانة العلمية والتاريخية، وليس البدء من المرجعيات القريبة العهد فقط، بل الأمر لا يستثني كشف النقاب عن الفترات الغابرة. وعن ما دمرته الحروب البونيقية وما استهدفته غزوات الفاطميين والسنيين... الذين أحرقوا الدواوين وخربوا الملك، سواء ما تعلق الأمر باستهداف تاهرت و الدولة الرستمية أو بما لحقها حسب ما أورده عثمان الكعاك في إشارة قليلة وهي كلها خراب وتدمير وعنف شمل المادي والروحي لإستئصال الوجود الأمازيغي ,. وهكذا غاب وغيب عنا الأدب الأمازيغي بكل تنوعاته الغنية . وشاءت الظروف أن تنفلت بعض أسماء الأدباء رغم غياب ما أنتجوه, لتبقى شاهدة على مراحل الإبادة التي عبثت بمنطقة تامازغا. وهو ما يفضح سر المؤامرة المفتعلة ضد أدبنا القديم. وخيرة هؤلاء الناس عبد الله بن أبي زيد النفري وابن عرفة الورغمي والونشريسي وتميم بن المعز الصنهاجي... إلى غير ذلك من الذين ألفوا في مجالات أخرى سنأتي عليها لاحقا.
إن الوضعية التي عاشها و يعيشها أدبنا جد مقلقة .وتنذر بمخاطر كارثية وعصيبة. يجب الالتفاف إليها باقتراحات عملية تجنبا لموته الإكلينيكي، وتفاديا لما عانى منه الجانب الإيكولوجي درجة انقراض الفيلة من الشمال الإفريقي. لأن حنبعل بوحده هاجم روما ب 4000 فيل ، نشير لمثل هذه الوقائع حتى نوضح بشكل ملموس، على أن الحضارة الأمازيغية استغلت واضطهدت إنسانا وفكرا وحيوانا ومجالا.
ولهذا وأمام المصاب الذي اعترى ثقافتنا. لا يسعنا إلا أن نشيد بالدور الريادي الذي ساهمت به الذاكرة الجماعية -ككيان تأريخي -.. حيث أنقذت بأعجوبة وبقدرة خارقة. ما يبرهن عن تطورنا الحضاري وصرحنا التاريخي...، والإنسان الأمازيغي تاريخيا ولد ليقاوم، وهذه الأخيرة هي التي أكسبته الشهامة على مر العصور. لكونه شعب متدفق الحيوية مفرط النشاط المتميز بحب أرضه والمتفاني في خدمة تربتها (عثمان الكعاك البربر ص: 9) وهو ما مكنه من مواجهة احتلال بشع مثلته روما بعشرة قرون وحدها.
وانطلاقا من هذه الظروف المتأزمة. والتي يغلب عليها اللااستقرار والتوتر، اضطر الأديب والمبدع الأمازيغي إلى الإبداع في ظروف قاسية ودامية مع نكران الذات في محراب التضحية، لأن هذا الأخير شكل عنده سر الكينونة وجوهر الوجود الدال .
ولم يقتحمه لمحاكاة الطبيعة . أولتصوير الواقع بل تعامل معه كإحدى آليات المقاومة... ضدا على كارثة الغياب، فتوجه نحو البوح الحضاري والاحتجاجي للتلاقي باللقاء كما يصفه "مارتن هايدغر".
ليس الأمر في منتهى البساطة كما سيتخيله البعض. لكن مع عزيمة الإبداع الأمازيغي كل شيء ممكن ووارد... وهذا من شيم أدب التحدي لإثبات الذات من داخل الحياة، تجاوزا لكل اعتباطية وتنظيم الفوضى. لاستشراف التكينن في العشق المقلق، قلق السؤال/قلق الضمير والهوية...
فضد الإقصاء وتطويق المراتع مارس الفكر المقاوم. عبر الأدب المتنوع لتخصب كل مراكز الهوية في أشكالها الحداثية.
وماهية الأدب عنده هو المصاهرة مع اللامفكر فيه. تفاديا بالذات الباطنة فداحة الغياب وسؤال المهزلة، وتفعيل هذه السيرورة هو ملامسة الوجه الأخر. المقصي لهذا الكون، وتأسيس له ضمن زمن المنظومة الإبداعية. وعلى قاعدة السجالات العقلانية. لتأكيد مبدئية الرأي والرأي الأخر. قبل أن توصى بذلك العهود الدولية.
إنها حرقة السؤال الإبداعي في الأفق الممكن، من المونولوج إلى الارتجال والعفوية. فنعانق سويا الهوس الجنوني للقبض على الماء والنار معا، كعناصر لتخمير الحياة.كما عودتنا الشاعرة وهي في الحقل تنشد "إزران" مجدا وتحديا.
وعلى هذا المنوال نطقت الذاكرة قبل القلم.. وسيدت للتراث أعظم المكان .لعله يحس بالزمان الوجودي المتفاعل مع باقي المكونات الحياتية، تفاديا لخجل السؤال وتفعيل معركة الالتزام الأدبي بل الأبدي،ولنحت صوت الضمير كتداعيات تقولب المعيش من أقصى البداية إلى آخر عمر السنة، باسم عتاد اللغة، لإسقاط اللامرغوب فيه. باللغة ذاتها. حتى تثبت بدورها الكوجيطو الديكارتي.nec ssawalagh nec jjegh
إن الأدب الأمازيغي في نزعته الإنسانية يتجاوز في بساطته وموضوعيته ووضعيته خطاب اللغة والسرد الحكائي، كما أنه أكثر بكثير من أي تعريف يذكر.
فبيقظة الأنا الشعورية المتمردة. تناسل هذا الأدب الفني والنثري خارج مدار المواسم والطلب. مؤسسا قبل الموت حداثة الاستباق.
وجرأة هذا الأدب هو البحث عن الممكن ضمن ردهات المستحيل. إسعادا للبؤس الذي أفسد القيم وأهان الإنسان.
إنه الأدب الأمازيغي المثخن بالجراح. وجودنا الإنساني الذي يريد أن يتكينن في اللاوجود.
الشعر رؤية حداثية
يعد الشعر الأمازيغي من أرقى مراتب الهذيان الروحي والهمس الوجداني، فهو ليس لغة ممعيرة ومقبولة فحسب تفيد المعنى والغرض، بقدر ما هو سمو النفس المطمئنة في شتى انفعالاتها وتموجاتها... لبلوغ منتهى سلالم الإلهام على إيقاع الهيرمينطيقيا الصوفية.
فهو الراح الذي يريح الروح، والكأس النديمة المسكرة بالبيان بلغة التصوف ، مطبوع بالإحساس الصادق في ضوء جملة تشكيلية .وصورة بهية فياضة التعبير والدلالات، دلالة المعنى والرؤية الشاعرية، معتمدا الاختزال الإنشائي والاقتصاد اللغوي. في اقتناص لحظة زمنية جنونية شعرية نابعة من عمق أسارير الوجدان العاطفي، فتؤطر الصدمة عن طريق المخيلة وقرميد القواميس، فيغتني التراث الأدبي الشعبي كرافد هام في ثقافتنا الشعبية. معززا باقي جوانب أدبنا الشفوي. على نغمات الموسيقى والرقص الجماعي... كسمة اقترن بها الشعر الإفريقي كله الذي لا تكتمل القصيدة عنده. إلا إذا كانت نشيدا كما يقول ليوبولد سيدار سنغور .
والبعد الموسيقي هنا مثل الروح السارية في مختلف الرموز التعبيرية .وعيا منه بأهمية الوجود الفني الساحري .الذي يتفادى ملل اللفظ وعري المفردة. ضمن هيكلها اللغوي الجمالي لإخصاب النفس في جنان العشق اللانهائي، كما ترينا ذلك مدرسة التحليل النفسي.
والشاعر الأمازيغي قد استلهم تجربته هذه من وحي الفطرة .ومن داخل معهد الطبيعة في أجمل التعابير الجمالية، مبرزا ملكته الفكرية وقدرته الفائقة في الإنتاج الإبداعي والإجتهاد المعرفي. لتأسيس حركة حداثية يتمخض عنها التمدن والحضرية التي ستستنطق كل الإشكالات المطروحة.
ومن جراء التفكير تولد جرأة الأسئلة. فتتشكل لديه لحظة الإبداع الشعري توهج ومغامرة. تعتمد التلقائية المكانية مخلفة خلف وقع خطاها جمالية مستظرفة.. تغوي العين والأذن معا. خصوصا حينما تصير "الشاعرية" من العيار الثقيل كما ينظر لذلك الشكلانيين الروس.. والخطاب المكرس للفكر والواقعية كما يرى "غولدمان" هو عين التراث الذي يعي الهوية قبل أي آخر، ومهما كان الجنس الأدبي المعني.
أكثر من ذلك .نجزم على أن أدبنا يشكل وبامتياز أهم وثيقة تاريخية لإستقراء حياتنا الفكرية ولو في شكلها البسيط للغاية.
ولأن المسودات الشفوية هي القادرة بوحدها على تبيان الحقيقة والبراءة خارج عن كل تشوهات والندب.. التي كرسها المؤرخ الرسمي لإسقاط صفة الشرعية والمصداقية. عن كل ما من شأنه أن يجذر المرتكزات التراثية في هويتنا الإنسانية..
إلا أن القريحة الإبداعية مصرة بأن ترقى بكل الأشكال الفنية إلى مستوى الخلد ومنها الشعر، وباعتباره صوت لا بعده صوت، مارس الوعي والتواصل لإبراز حركية مجتمعية تناشد المقدس؛ ومن عمق هذه الدينامية كان يكسب تجربة شرعية. دالة بفضل الجدلية القائمة بين الأبعاد الأنفة كما يرى "باختين".
وهو ما يؤكد من صلب التجربة النقدية .على أن الإبداع الشعري يمارس عن طريق الوعي وفي حمولة ذكية تصارع الصمت والموت من أجل مجتمع غير فولكلوري. الذي يعكس التوازنات الاجتماعية على حقيقة صفاتها الموروثة . حتى يتسنى لنا التأمل بدون توصيات مكرهة أو تعليمات مستفزة؛ فنرى ما لا يرى ونسمع ما لا يسمع على حد تعبير "ما لارميه".
لأن من لا يحب الشعر لا يمكن أن يحب الآخرين .
ونافلة القول في هذا الصدد هو أن استمرار الأدب الأمازيغي عبر ربوع تامازغا ليومنا هذا بمختلف أشكاله وأنواعه ..تأكيد رسمي على أن الأمازيغ لم يعيشوا قط عبر مسيرتهم الوجودية فراغ أدبي او ثقافي ,وما رواية أبوليوس وهوأول عمل روائي في الفكر الإنساني .لخير دليل على غنى المراحل الماضية والعريقة للشعوب الأمازيغية .

الشعر الأمازيغي بوح وجداني.
انطلاقا مما رأيناه في تقديمنا المتواضع يتبين لنا وبجلاء على أن المرحلة التي نجتازها راهينيا. تفرض علينا استغلال جميع الإمكانيات المتاحة لإعادة الاعتبار للوضع الإنساني في شموليته وكونيته: اعتبار بشري- جغرافي- حضاري- هوياتي- تاريخي... ثقافي- فني وأدبي دون تأجيل إحداهم.
عسى أن يندمل جرح أدبه الجريح لأن الخبز والماء والجنس غير كافيين بوحدهم لإسعاد البشر الذي ثبت أنه كائن بيوثقافي. مارس الإبداع تفاديا للتفكير في الموت المؤجل.
لذا فما علينا إلا برحلات استغوارية أركيولوجية أنثروبولوجية.....لإنقاذ ما يقدر عليه البحث العلمي. من معالم أثرية وفنية جميلة ، والحد من تدمير الذاكرة وتخريب آثرها. بفضل طغيان النزوع الإيديولوجي الذي لا يخدم فلسفة الاختلاف وأدبية التعدد التي تضع الأخر نصب عينيها أخا وصديقا وليس خصما أو عدوا....
وطبعا هذا لا يستوعبه إلا التفكير المنهل من العقل والحكمة والذكاء؛ إن شئنا فعلا وقف نزيف الاستهتار الذي يجرف بتراث الشعوب إلى فم الهاوية باسم التوتاليتارية. التي تدجن تصريف الحمولة الذاتية للآخر من أجل تقعيده عن أية حركية اجتماعية، علما أن الفعل الإبداعي هو الرهان التاريخي بامتياز.
وهذا يدركنا بكل وضوح يذكر. بأن كبت الجانب الثقافي في السيرورة البشرية هو ضمنيا إعاقة لإبيولوجته، وقمع لوجدانه النفسي ودعم للعولمة الثقافية. التي تتنكر للخصوصيات المحلية، مستغلة قوتها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية. لإخضاع ثقافة المغضوب عليهم إلى أسفل الهرم التراثي، وهو ما ترفضه العلوم الإنسانية والأبحاث التاريخية المعاصرة التي تقر بأن التراث المحلي هو المؤسس للوطني والعالمي.
لذا فبدون إخضاع الأول للإذلال والمس بكرامته. وحتى لا يترب عنه ما لا يحمد عقباه أمام خلاعة الصورة المستشرية. كما لا يمكننا حصر الثقافات الشعبية في ما هو جيوثقافي فقط أو في بعد إثنولوجي. بل يجب أخذ ذلك في شكل بنية متناسقة ذات مغزى ودلالة هوياتية وحضارية، فإشكالية المركز والهامش لا وجود لهما إلا في الطرح الإيديولوجي المنغلق ليبقى الإبداع حرا وبدون وطن.
فبعد كل هذا وذاك. لنا مع شكل من أشكال الثقافية الأمازيغية رحلة عسيرة في بعض مقصورتها ألا وهو الشعر: ذلك الإنتاج الروحي والإبداع الفكري والحس الإنساني والبوح الوجداني الذي يستلهم جذوته الجمالية من رومانسية الطبيعة التي رفع سموها إله أطلس ومعه بناته كما تروي الميتولوجيا القديمة.
فنظرا لعبقرية لغته وصوره شاء أن يكون أكثر حظوظا وتداولا في المعيش اليومي، مقارنة بباقي الأجناس الأدبية الأخرى.
إن اخترناه فلنبرته الإيقاعية؛ وجماليته الأخاذة وبلاغته المرصوصة وعفويته الصادقة وبساطته المتواضعة...
ولم يكن اللقاء بيننا صدفة. بل وعيا منا بأنه يشكل أهم مخزون رمزي يجسد قيمنا الثقافية وجوانب من حضارة وعينا المتجذر في القدم.
فهو مجال عذري vierge يشعرنا بالإستنطاق تجاهه ليدلنا عما من شأنه أن يغني أدبنا وموروثنا الثقافي.
فإذ يعد أهم مرجعية تراثية للإقتحام الذاكرة وللإطلاع على الجوانب المنسية والمقصية .
فهو الرافد الأساسي الذي أثث في زمن الشفاهي موطننا الثقافي ولم يدعه ينبطح ترفا حتى لا نفتقد معه آناتنا الجماعية.

الشعر الأمازيغي تاريخا وإنسانا
هكذا ظل الشعر الأمازيغي وما يزال: هوس الأمازيغ استلهم أولى ارهاصاته من معهد الطبيعة الفطرية بقوة الإحساس الرهيف والحدس المتقد .بجمالية الكون الثري بالشاعرية، وهو على صهوة حركية تسقط عليه السكينة لنسمعه بالحواس الراهفة قبل عملية الأذن .
فهو خمرة قداسه حين يصير الشاعر راهب محرابه.حسب بعض النقاد
وحين تصغي إليه أنت... في هدوء السكينة عبر حنجرة رقيقة ناغمة. وفي أبهى لوحات معبرة يوحي إليك أنه وحي يوحي، شكلا وتشكلا وليس شعرا بوزن يزهى أو بالقوافي فيقوى فقد صدق من قال:
»...في لغة أمي
بحت إليك حبيبتي بسري
كيف يفعل ياترى
من يجهل لغة الأمازيغ
أبكلمة حب أبدا لا ينطق « .
وفعلا إنه نظم لا ينفصل عن سر الوجدان. ولو بلغة رمزية انزياحية بحكم بلاغة اللغة وفياض الصورة بالعاطفة الصادقة وإيقاع اللفظ كجرس يناغم كلية البنية التركيبية.
فمن سمات هذا التعبير الممعير فنيا في بنية الثقافة المحلية .وعلى امتداد خريطة تراب شمال إفريقيا .هو تعدد مصطلحه في تعدد شكله وتشكله الفني والجغرافي، تفاديا التقوقع على الذات وحصر الأطياف في بعد ضيق.
فكما يراه الشاعر رؤية فلسفية تتفرع عنها أنساق معرفية متنوعة بقوة التناص فهو قد يتجاوز مفهوم الغرض والفكرة النصية من داخل الرؤية الحداثية.
فالبرغم من صفة النوعية التي تميزت بها التسمية وفقا للبعد الجغرافي والتنوع الغرضي الذي هو [إزران- أمراك- أسفرو...........-]
يبقى الثراء الصوتي المتفجر من فضاء التركيب البلاغي. ينهل من صميم لغة أمازيغية واحدة موحدة البنية والمخيل. مهما تعددت عوامل الإيكولوجيا أو سوسيولوجية النص، وقد تولدت عن هذا التنوع الخصب أنماط فنية في خطاب شعري يغني الوظيفة الأدبية. من خلال الرؤية الشعرية ولو في اختلاف المستويات التركيبية والمعجمية والدلالية والإيقاعية... الذي لا تأثير له على النسق البنيوي اللغوي العام.
ويصطلح على هذه الأشكال الغرضية الشعرية التي هي فروع من الأصل [تقسيست- تماوايت- ثيفارت- تزرزات- العيطة- تاميدولت أحواش- أحيدوس- أهنقار أعيوع.....]
وتشترك في الوظيفة التواصلية بين المرسل والمتلقي. بنية القاموس الوحيد وبالمرادف المتعدد، ونظرا لما تجسده هذه الشاعرية المتنوعة من عظمة الفكر الشعبي في جوهر إيداعه وقوة لغته وهندسة جماليته.
لا نعثر على ثمة التأريخ له. في مضامين البحث السائد، وهو ما يشكل نسف بنيات فكرنا لاستبعاد كل من شأنه أن يغني البحث العلمي،
ونحن بصدد هذا النبش لم نجد مرجعا يسعفنا في ذلك. علما أنه كان ذي حمولة ثقافية إنسانية عريقة. مليئة بالحكم المعرفية والملاحم التاريخية. كلها كانت باللغة الأمازيغية أو- بأوال- أمازيغ كما يؤكد ذلك حسن الوزان والإمبراطوريات الأمازيغية على مر العصور كان لها ما يوازيها من أدب إمبراطوري.ومازلنا نلمس بعض نبراته القليلة المنفلتة من مؤرخي الغرب.
فقولنا في الشعر المتعدد الأغراض والإصطلاح هو تجسيد لفسيفسائية البيئة الأمازيغية بخصوبتها وعذوبتها.... وهو تعبير عن تفتح ذهنية الأمازيغ التي تنبذ الرأي الوحيد الذي يحرم على الفرد حريته ومشيئته. وقد عبر عن ذلك بكل ما خالج وجدانه أو راود ذاكرته دون تكلف أو تصنع او زيف ...
والتجربة الشعرية هذه. بقدرتها الفائقة وكمها وكيفها التي سمت هي الأخرى بالقيم التي قدرت الشاعر الأمازيغي كونه ذاكرة تغني التراث وتؤسس التاريخ . كما كان أدرى بحنكته الخاصة كيف يكسب اللغة سلطتها ومقومات جنسها الفني من خلال تجربته الطويلة في مجال الأدب المرتجل .
الذي هو رافد لا ينضب في جسم الثقافة الوطنية جنب باقي الأجناس الأخرى التي مازالت تشهد لها الثقافة المتوسطية والإفريقية.
فمن رقة الشاعرية وهندسة البلاغة على إيقاع متموج. مثل تشكله الهلامي في النفس أولا قبل انبثاق القصيدة كما يرى كمال أبو ديب.
فمن مولدات صوتية إلى تناغم الإيقاع. كان يتشكل الخلق الشعري الذي سيصير أكثر تداولا مقارنة بالجوانب الإبداعية الأخرى.
بعفوية بسيطة وتلقائية مذهلة ونبرة حنونة، وشأن هذا الشعر طبعا من شأن شاعر عرف كيف يخلص لفن هادف وطموح مضحيا من أجله دون أجرة أو مقابل، إيمانا منه بأن الشعوب تعرف بآدابها وبقوة فكرها وإبداعها. ووفاءه للرسالة الأدبية الفنية، جعلته بأن يعيش دوما إنسانا بسيطا متواضعا ينتمي إلى الطبقات الشعبية المسحوقة.لان الأدب ما انبثق يوما من القصور
وشعوره بالمسؤولية في تطوير التجربة الثقافية و الفكرية. ما جعلته يستقيم موقفا صائبا. دون أن يكون أبدا لاهثا خلف شهرة أو جاه كما يقول محمد مستاوي ولا اتخذ الشعر يوما أداة للاسترزاق والتهريج والبهرجة خدمة للقيم الاجتماعية واحتراما للتقاليد الفنية.
التي تربينا في كنفها، وهي أول مدرستنا عملت على تطوير وعينا وتوسيع خيالنا بفضل أمهات شاعرات عرفن كيف يربين فينا الذوق الفني عبر السماع الصوتي بأجود ما جادت به قريحتهن، فليس في الأمر من مبالغة إن قلنا بأننا كنا ننام ونستيقظ على تقاسيم IZRAN الآتية من الحقل أو الأعراس أو إدارة الرحى وطهي الطعام. لأن الحياة الشعرية هي الحياة الوجودية لعامة الأمازيغ. مما لم يفارقها سمعنا ونحن أجنة في بطون أمهاتنا، فلم نشعر معه أبدا بالابتذال أو بالسخافة .لأن حدسه كان ينبعث من العقل كما يقول "برجسون" مما كان شعرا حكيما وبليغا؛ وكونه لم يكن يكتفي بإعكاس الواقع فحسب بل الأكثر من ذلك كان يتوخى إعادة خلقه من جديد يقول "فيشر" ومبرهنا على أن الشعر فعلا أكثر بكثير من اللغة المعجمية.
وهو ما ينطبق على جل موروثنا الشعري بدون استثناء. مهما اختلفت ظروفه وأزمنته، مكرسا فكرة لا شعر خارج التاريخ؛ لأن الأمازيغي تعامل معه وانطلاقا من ظروفه العصيبة كشكل من أشكال المقاومة المسلحة في بعد رمزي هدفه التحريض والحماس وصون الارض والحرية...
إنه صوت احتجاجي وتعبير نضالي ضد كل ما سيمس بشرف الذات والكيان، وهذه المهمة لم تكن بالنسبة له ظرفية أو موسمية. بل مسألة مبدأ بقضية إنسانية ، لأن علاقة الشاعر بالفكر لا تنبع من إدراكه لبعض القضايا، بل من اتخاذه موقفا سلوكيا وحياتنا منها كما يرى "صلاح عبد الصبور" حياتي في الشعر ص: 48"
حتى لا نقول بأنه ولد كفن يمجد اللذة ويبجل النشوة كما تعتقد مدرسة التحليل النفسي التي اعتبرته مجرد إفراغ للمكبوت وتصريف للذات المنفعلة والمتوترة. علما أن الشاعر الفرزدق يقول- إن قلع ضرس من أضراسي لأهون من نظم بيت شعري ..-

بقدر ما هو مبدأ ذاكرة نضالية تتحرك في ا تجاه تكسير العزلة عن الدينامية التاريخية لضمان مرآة الوجود المجلوة.
الشيء الذي جعله يعنى كمكون ثقافي بمكانة هامة داخل المجتمعات الأمازيغية.
وقد زاد الاهتمام به كلما عكس روح الحياة اليومية بتجلياتها الاجتماعية والنفسية والعاطفية.
إسهاما منه في تفعيل حياة حضارية متطورة. تؤكد على أنه شكل دوما نمط حياة في المسيرة الإنسانية التي تفاعلت مع الوجود عن طريق الحس الشعري الجمالي .
وكانت النشأة التاريخية الأولى يوم أن أحس الإنسان أنه في منتهى الرغبة للتعبير عن ما يخالج وجدانه الفطري ويخامر وعيه الحسي، وقد مثلت مصدره في ذلك الظواهر الطبيعية بقوتها وجبروتها ورعبها أحيانا أو بحبها أحيانا أخرى. والتي سيتعامل معها الشاعر بشكل مقدس، فالاندهاش والحيرة في ذلك سيؤديان إلى ظهور الأسطورة باعتبارها قمة العقل البدائي لدخول معترك الصراع مع القوى الغيبية.
فوجد الشاعر في إنسان الكهوف والأغوار يرتاد جلود الحيوانات ويقتات من ثمار الغابات...
ووظف الشعر بدوره للوهلة الأولى لشفاء الأمراض. وكانت القصيدة تتضمن وصفة طبية كما يشير عبد الكبير الخطيبي -الإسم العربي الجريح ص32منشورات عكاظ -وإبعاد الجن وفي الأضرحة وهو يقدم القرابين والأضحية..وهذه التهاليل هي التي ستتحول مع التاريخ إلى شعائر دينية بلغة وجدانية وإلى أناشيد للصلاة بلغة روحية وكما يقول "جون بيرس" تولد الدينات نفسها من الضرورة الشعرية (أصوات معاصرة/91) وهو ما تنطبق عليه أغاني المسرح اليوناني.
فهكذا بدأ الإنسان شاعرا إلى أن صار الشعر أكثر الأجناس الأدبية توسعا وانتشارا.
غير مقتصر على المناسبات والمواسم والصدف .لأنه تاريخيا ارتبط بالأرض والحقل والعمل والكدح؛ وقد يعكس الحياة في أكثر من تيمة وجمالية ,فهو إنتاجات هائلة قديمة غمرها النسيان والضياع، مما يفرض أن لا تستكمل أية مغامرة باحثة قراءتها الشمولية في المجال.
وفي غياب هذه الوثيقة الشفوية لا يمكن فهم تاريخ حضارتنا بإحاطة شاملة.
ولأجل تدارك ذلك.يتطلب منا شق مزيد من البحث عن الوثيقة الأثرية. ومنها الشعر الأمازيغي الذي يصعب الاستغناء عليه، أكثر من ذلك فهوشيء مقدس يكن له كامل الاحترام باعتباره أسمى شكل تعبير إنساني صادق، يجسد عشق الكينونة من لغة مسترسلة تتخذ أقدميتها شكل الوثيقة لأجيال قادمة ستتعرف من خلالها على المؤهلات الفنية والقدرات الفكرية والظروف الإبداعية ... لفترات كانت سباقة لها بالعصور، لأن الشعوب تقاس بآدابها ومن خلال تعابيرها تدرك مدى نهضتها ، وتاريخ الأمم كما هو وارد لا يعد بالقرون بل بالموروث الحضاري والمعرفي والأدبي و الإنساني.
ولسوء حظ ثقافتنا في تعابيرها المثلى التي استفادت منها الثقافة اليونانية والإغريقية والفرعونية... لا نجد اليوم –أمام مؤامرات الردم والطمس- شيء يدلنا عن تلك الإنتاجات القديمة الزاخمة بالعطاء.
فأين نحن من عهد الليبيين النوبيين والموريين والنوميديين فنا وأدبا وعلما ...
والمرحلة الأدبية عند عثمان الكعاك هي كالتالي:
• العصر البربري الأول (قبل احتلال الفينيقيين 12-20 ق.م)
• العصر البونيقي
• عصر الاستقلال البربري
• العصر الروماني فالوندالي فالبيزنطي.
ولم يصلنا من ذلك إلا منقوشات أضرحة أو أدب وطني باللغة البونيقية أو اليونانية واللاتينية ، يقول نفس الكاتب دائما، ولأن غياب التدوين للشفوي سيضعف لا محالة من حظوظ موروث نتشوق إليه في حسرة من فن المعمار إلى الموسيقى والرقص والتمثيل والرسم .كما بينت اللوحات الأثرية الحاملة لصورة الحيوانات والعربة وقرص الشمس... والأدوات البرونزية
والتصوير فوق بيض النعام والجدران والنوافذ... وهذا غيض من فيض فلأن تعدد مثل هذه المظاهر الثقافية في المجتمعات الأمازيغية هي التي أثارت انتباه هوميروس ليتناول الشعب الأمازيغي في ملحمة "أوديسا"، فلعظمتهم ومجدهم وجدنا تحكي سيرتهم أيضا التوراة في سفر التكوين . وفي سفر الملوك عن الملك شيشونغ الذي وصل بجيشه إلى ارشليم.
إلا أن مصيبة غياب التدوين. هو الذي حال دون تداول كل ذلك بيننا اليوم، وهذا لا يجب أن يدفعنا إلى اليأس والانزواء، بقدرما الامر سيحفزنا إلى التنقيب أكثر عن الوثائق المنسية. والتعجيل بتدوين كل ما هو موكوث في صيغته الشفوية. حتى تصير حياتنا الفكرية في مستوى المظاهر الكونية الأخرى.

الأدب الأمازيغي في أتون المحرقة
لقد ساهم الأمازيغ في انتاجات أدبية غزيرة انطلاقا من حبهم للمعرفة وعشقهم للإبداع المتنوع والأصيل. ولأن القيم الإنتاجية هي التي جعلت تاريخهم لا ينقطع على مر العصور؛ والتي ظلت شاهدة في الفكر البونيقي الذي انفلت من همجية روما وفي الفكر اليوناني واللاتيني، كونهم كما يقول "مصطفى أعشي" «كانوا سباقين في مجالات حضارية عديدة كمعرفة الزراعة وتدجين الحيوان والمعادن والكتابة والفكر الديني والنظام السياسي» إلا أن الأخطاء الإيديولوجية والمغالطات المذهبية ألقت –ومع عامل الزمن المتسم بالشفاهية- بكل الثروة الفنية الأدبية في غياهب النسيان ودهاليز الموت المجاني.
فضدا على هذه المؤامرات الممنهجة لتحريف المسار الطبيعي لمفاهيم الوجود والكينونة يقول الشاعر عمر أمرير «مرت قرون على وجود الشعر الأمازيغي إلا أننا لا نجد مرجعا يفيدنا حول نشأة هذا الشعر» .
فتبقى الأسئلة عالقة والأجوبة إما غائبة أو خجولة ومراوغة؛ لأن التخريب الذي أتى على شمال إفريقيا عامة والغرب الإسلامي خاصة والذي هتك المجال والعمران والإنسان لا يمكن أن تستسيغه أية حضارة تذكر.
وتعتبر ما شمله الإتلاف والضياع خصوصا ما تعلق بالإنتاج الفكري القديم في مختلف مظاهره التاريخية والاجتماعية والحداثية بحكم الغزوات المتتالية خسارة لتراث البشرية جمعاء.
وتعد الخصوصيات المميزة والخصبة معا للمناطق الأمازيغية ولشمال إفريقيا عامة من خيرات الثمار والكمثار وعذوبة المياه ورطوبة الجو...
مما فتحت شهية المحتل فنهب وخرب وأفسد واغتال شريرا عدوانيا؛ وخير مثال في ذلك حيث كانت تسوق روما ممن عثر عليه إلى حلبة المسرح فتطلق عليه الحيوانات الضارية فتمزقه إربا إربا. والإمبراطور يتلذذ يقول "الكعاك"، أضف إلى ذلك ما لم تنقله الأخبار والتراجم. فإن كان الإنسان الأمازيغي مهدد في كيانه وروحه، فكيف للأدب أن تكتب له السلامة والعافية .ففي نفس الصدد يقول المؤرخ ابن خلدون: حينما أطلق الفاطميون قبائل بني هلال وبني سليم على شمال إفريقيا خاصة في تونس والجزائر ألحقوا بمعالمها الحضارية خرابا ودمارا ، وعنفوا كل المظاهر الاجتماعية وعملوا على نشر الفساد والفتنة التي أملاها التزمت والتحجر الذي يعمي البصيرة إزاء السبي والغنائم. مما حتم على البلاد أن تعيش ولقرون طويلة بدون استقرار سياسي واجتماعي وأمن اقتصادي .والذي ستعقبه فترات الخمول والنكوص التي ستضر بالبنيتين الفوقية والتحتية .سيما وان بعضها تزامنت مع سنوات عجاف وقحط.
فانطلاقا من كوارث الفتوحات العسكرية يصعب علينا العثور على شيء يستحق القراءة ويؤرخ لذاكرتنا الجماعية، لأن اعز ما كنا نملك قد ألقي به للتهلكة من شعر ونثر ... عسى أن تفرغ الهوية من محتوياتها التاريخية ليعقب "كاهن" «واجتاح العرب الهلالية بلاد المغرب فأصنعوا قتلا ونهبا وخرابا وانتقلوا بالبلاد إلى طور من أطوار البداوة» بعد أن كانت تسودها حياة الرقي والازدهار والرخاء؛ فتفككت البنيات والروابط وتراجعت معه عمليات الإنتاج الرمزي ليعيش القلق والفصام الشخصي. ولم يكن التفكير وقت ذاك إلا في البحث عن الملاذ خوفا من بطش الروم والأمويين، ففعلا صارت البلاد والعباد تتخبط في متاهات البداوة العروبية. التي لم يسبق لها أن عاشت أو رأت ذلك. انطلاقا مما تشهد عليه الدراسات التاريخية. وهذا يتناقض مع وضعية وحياة المماليك الأمازيغية التي كانت حداثية بامتياز بفضل العلم والمعرفة واعتماد أساليب الديموقراطية في تسيير الشؤون الحياتية ككل؛ ولم يقتصر نشاطها المتعدد على مستوى دون آخر، فكونها لم تعرف المجتمع الاستهلاكي ؛ على مختلف الأصعدة
وتأكيدا لما نقول يؤكد عبيد الله البكري «بورغواطة أعلم الناس بالنجوم وأخذهم بالقضاء؛ كانوا أجمل الناس رجالا ونساءا وأشدهم أيدا» فهذا الاجتهاد الفكري من شيم الأمازيغيين قديما وحديثا والذي شكل الإطار المرجعي لبعده الهوياتي،وهذا الإكتفاء الذاتي مادفعهم يستغنون عن المشرق .
إلا أن جشع الولاة الأمويين لم يقف عند إحراق الدواوين الشعرية . بل امتد إلى كل المعالم الحضارية والوجوه النسوية الأخاذة فهلكوا الأرض بالجبايات والرقيق ، ومثل هذه الممارسات الدنيئة هي التي أضعفت الحركة الأدبية وأشعلت الفتنة المذهبية . ولم يعد الشاعر يفكر إلا في جلدته منذ أن شاع بين المشارقة أن هذه البلاد أغنى بلاد الله طرا فزحفهم كالجراد جعلنا اليوم نعيش فراغا ثقافيا قاتلا ؛ علما أن الإنسان الأمازيغي عمر هذه الأرض 130000 سنة ق.م و 10000 سنة منه ظهر على مسرح التاريخ وتكونت لغته وثقافته (مصطفى أعشي ص: 80 جذور بعض مظاهر الحضارة الأمازيغية خلال عصور ما قبل التاريخ).
فما يمكن فهمه من هذا هو أن الغزو كان أشد ضراوة ووحشية. وهو ما يؤكده حسن الوزان بالبت والمطلق حين يستطرد قائلا: في الوقت الذي كان حكم إفريقيا بيد المبتدعة الفارين من خلفاء بغداد أمروا بإحراق جميع كتب الأفارقة حتى لا تقرأ إلا كتب نحلهم ، والأمر كان مقصودا ومخططا له لإضفاء صفة العروبة على جل بلاد تامازغا وإشاعات أساطير القومية بين ثناياها. وأن ما مورس من تصفيات جسدية هو في حد ذاته قتل للذاكرة لإيقاف الإنتاج الإبداعي الثقافي الذي ظل يستبعد النسيان بقوة حركيته عن ذاتنا النموذجية.
إنه الوعي بالهوية، والتاريخ شاهد على أن الخزانة الموحدية كانت تعادل مكتبة الخليفة الأموي كما يصفها أحد الباحثين مما يدل ويبرهن بحجة دامغة بان المغرب الكبير خاصة وباقي بلدان تامازغا عامة. عاشوا نهضة فكرية عظيمة وانبعاث ثقافي أغنى الثقافة المتوسطية كما كان له حضور وازن على امتداد العصور دون انقطاع أو تراجع. خصوصا ما تنبئ به خزانة السلطان يوسف الموحدي والتي يصفها المراكشي في المعجب بأنها حوت ذخائر الأندلس والمغرب والتي كان من شأنها اليوم أن تغني خصوصياتنا وتعزز عضد مقوماتنا التاريخية. لولا الصراعات التناحرية التي كبحت جماح الحرية الفكرية؛ وكنا وقتها سنعيش أقرب بكثير إلى إرثنا وثروتنا دون الاستعانة بهذا أو ذاك، ولأن ما أنتجته الذاكرة الأمازيغية سابقة في تاريخ الفكر الإنساني مستلهمة ذلك من عمق بنياتها الرافضة لكل الأساليب الشوفينية التي اعتمدت البطش والتنكيل بأهل المنطقة ، مبررة ذلك بذرائع مهزوزة مرة باسم الفتح والذي يعني بالأساس اعتراف السكان بسيادة الخليفة كما جاء على قول عبد الله العروي ، ومرة باسم الإعجاب بالجمال النسوي .. فتسوق النسوة كما يساق البعير إلى النحر، فها هو ياقوت الحموي يفتخر بالجنايات حيث يقول تزوجوا في نسائهم ولا تؤاخوا رجالهم.(الأغالبة محمد الطالبي) إلى غير ذلك من الجنح التي تحاشت الكتابات التاريخية الحديث عنها لاعتبارات إيديولوجية محضة، فهل يا ترى ستسمح كل هذه المجازر الدامية بتطور عامة الأدب؟؟ وهل هذه الظروف الدامية تشجع الحرية الفكرية؟؟
أليس الاستقرار بتعدد أوجهه هو الضامن الأساسي للحرية الإبداعية؟؟
أليس ما تبقى من أدبنا وفكرنا انتسب إلى غيرنا؟؟ لأن جل المؤرخين كانوا تحت وصاية البلاط، فلم يكتبوا بالنزاهة؛ ولكن بالنزعة والنسب والانتماء إرضاء للسلطان وتجنبا للمقصلة، لكن رغم هذا ما زلنا نمتلك ما يؤهلنا بكثير لإغناء تراثنا وتجذير هوياتنا بالنسبة للمستأصلين ، سيما وان الوعي الجمعي أرخ لحقائق هامة. ولو هي تبدو بسيطة في أشكالها. لكن إن امتلكنا أدوات البحث والتحليل والتشريح و ستصير لامحالة ذات أهمية قصوى ؛
بحيث يبقى تطوير الأركيولوجية كجانب مهم وهو ما سيشفي غليل كل الأسئلة العالقة وسيدحض كل الترهات العنصرية ..
حتى يعود الأدب إلى محيطه الطبيعي . مما يفرض علينا الانكباب على كل التعابير المتاحة: الخزف/ القصة/ تنظيم الزراعة/ الحناء/ الألعاب....، لأن ذلك قيم تحمل أبعادا دلالية يجب تفكيك ألغازها وجردها عن اللبس والضياع غيرة كما تغير باقي الشعوب عن كيانها وحضارتها الرمزية والمادية.
فالإنسان سيبقى نتاج حضارته من خلال أصناف إبداعاته.بحيث لا مفر لنا من الفن والشعر الذي لا تنضب حنجرته ولا تمل. والشاعر الأمازيغي مثل عنده هذا الفن الجميل السلوك الفكري والتاريخي وأسلوب حياة، وهو المرجع الفني المتجذر في التراث الشعبي الشيء الذي يجب أن يتقوى هذا الإحساس لنفض التهميش والإقصاء...
وطبعا بقوة الكلمة الشعرية الصادقة والمعبرة من داخل نمط مرجعيتها الثقافية واللغوية.

الشعر والهوية وجهان لعملة قديمة
إن التجربة الشعرية –إزران- التي نحن بصدد التنقيب عنها تفيدنا من خلال تيماتها الهادفة وهندستها المتراصة. على أنها ليست شعورا مترجما أو نزوة حماسية ظرفية. بل هي فكر تبليغي عبر الأداة اللغوية؛
والشاعر المنشد يعي جيدا ما يقوله ما دام أنه يتميز بخاصية التفكير كما يرى "ديكارت".
إذن فلا شيء يوحد بين اللفظ والمعنى الشعري غير الحمولة الفكرية المتطورة من صلب القواعد الأخلاقية والاجتماعية. للرقي بكيانه الفردي والمجتمعي إلى أبعد حد، لأن وجوده كما يعبر عنه "جون بول سارتر" ليس فقط يتمثل في الحرية. بل هو كذلك مشروع يتجاوز كل الاعتبارات المصنفة، وهي الصفة البادية على القصيدة الأمازيغية التي تمجد قيمة الوجود الإنساني. من أجل الكمال في الوجود؛ كاشفة للصراع بين القضايا والقوى الاجتماعية بوظيفة اللغة كما يرى "باختين". إلا أن ما يشدنا من حرقة تجاهه.هو أن النسق الفني الثقافي الذي يوطد بنية البيئة الأمازيغية والتشكل عبر قرون الإمبراطوريات والمماليك –إكليدن- تم إهماله قطعا من لدن المؤرخين ونسفه من طرف الأجهزة العسكرية. بسبب حسم الخلافات المذهبية التي كادت أن تغيب حضورنا الرمزي. سيما وأن الغرب الإسلامي أوى دولا قامت جلها على اعتبار إيديولوجي مذهبي جعلت معها تاريخنا المعاصر يعيش في ذاتيته حلقات مفقودة نكست على إثرها جانب مهم من حضارتنا التي وجدت ما قبل التاريخ وما قبل الإسلام. والأمر مذهل للغاية حين لا نعثر على ما يدلنا عن إبداعات المفكرين والأدباء والفنانين الذين كتبوا بالإغريقية واليونانية والفينيقية... وأن المغرب الحضاري الثقافي هو المتأصل في الجاهلية أي ما قبل الإسلام كما يؤكد ذلك عباس الجراري. والتي مثلت وعن جدارة فترة الثورات الفكرية والإنتاجات الأدبية والدينية، وعيا من المفكرين الأجلاء بدور الثقافة في صيانة الهوية، فانغمسوا في حب المعرفة ليحيى التاريخ في فلك طبيعيى ودون وصاية المقص، فلم يتوانوا عن المسرح والغناء والشعر. الذي لم يقتصر عن المحاكاة أو الترويح عن النفس أو البحث عن لحظة سعادة .وإنما ظل يفكر حتى يسعفه الخلود المقدس الذي ستتمأسس عليه الشخصية الاجتماعية من خلال اقتحام بوابة الفن الشعبي. ولولا المأثور الشفوي عبر الذاكرة الجماعية، لما تعارفت الحقب فيما بينها بخط رفيع. والقصيدة هنا أولى من مارس التأريخ وتواصل المجايلة .خارج عن أية حسابات ضيقة، وقبل أي باحث يذكر. لأن الإبداع الشعري كما همست لنا به أعز الجدات وأحن الأمهات خزان ممتلئ الحكم والعبر والأحداث والمواقع؛ في سياق روائع بديعية؛ وجمالية فاتنة وفتانة؛ مرة بعبقرية اللغة ومرة أخرى ببراعة القرض عند الشاعرة أو الشاعر. المغرم درجة الهلوسة بالهوية والأرض والشرف والكرامة .وهو ما عبر عنه الكاتب والروائي أبوليوس قائلا [لم يتملكني في يوم من الأيام أي نوع من الشعور بالخجل من هويتي ومن وطني....].
لنؤكد جازمين على أن الثقافة الأمازيغية وطنية مقاومة؛ وجدت لتتحدى من يقطع عليها الانتماء إلى شرعيتها الآصيلة والأصلية. أمثال عبد الله المرادي الذي خمس البربر وعبد الله الشيعي الذي أحرق مكتبة سجلماسة تدميرا للمعرفة وتشريدا للهوية التي انبنت على قيم سامية نبيلة، لأن الأمازيغيين كما أتى على حد تعبير المؤرخ التونسي محمد الطالبي تحلوا تاريخيا بأخلاق عالية وجمال وبسالة مما أثاروا انتباه جميع المؤرخين القدامى ، فمثل هذه الخصال الدالة لم يثرها غير الباحثين النزهاء الذين أخلصوا للأمانة التاريخية والعلمية ولم يستثن في هذا الباب العلامة ابن خلدون الذي أثار أهمية ودور الثقافة الأمازيغية في الحياة الاجتماعية.

الشاعر الأمازيغي ناطق رسمي للقبيلة
وعودة بنا إلى موضوع الشعر IZRAN الذي اكتسى أهمية بالغة في حياتنا الاجتماعية كما يشهد على ذلك الواقع المعيش يقول العلامة ابن خلدون: [وكذلك زناتة من أمم المغرب، يتقدم الشاعر عندهم أمام الصفوف ويتغنى، فيحرك بغنائه الجبال الرواسي، ويبعث على الاستماتة من لا يظن بها ويسمون ذلك الغناء "تاصوكيت" وأصله كله فرح يحدث في النفس، فتنبعث عنه الشجاعة كما تنبعث عن نشوة الخمر بما حدث عنها من الفرح والله أعلم] والقول هذا ينم على أن الشعر الأمازيغي. كانت له مكانة مقتدرة ضمن مشهد الثقافة الشعبية، فظل يتأرجح غرضا بين مبدأ المقاومة والإنسان والأرض، فلم يهمل بدا مستقبل القضايا المصيرية؛ شأنه شأن باقي المأثور الشفوي الملتزم، والالتزام هنا لحظة وعي ضرورية حضارية ثقافية تستهدف بناء الذات لمواجهة الإكراهات المحتملة. وهو العهد الذي قطعه أدبنا منذ بداية تشكله على نفسه.كونه منتهى الوعي في نهاية المطاف.
والشاعر الأمازيغي بانخراطه الوجداني في تفعيل سيرورة القصيدة .كان يتوخى بلوغ أقصى مشارف الكون للتخلص من مآزق الشر البشري؛ مما نجده دوما سباقا للصفوف المقاومة باللسواعد المقاتلة حبا للأرض وعشقا للحرية و الانعتاق، لأن الشعر مثل عنده أكثر من رغبة وموهبة..، مما دفعه الأمر إلى تبني مواقف تاريخية من خلال أدواته الفنية؛ وقد تحمل بكل صدق مهمة المثقف العضوي كما يحدده غرامشي، ولم يتوان لحظة تاريخية عن قضاياه المصيرية من خلال فن الادب.
ولم يثبت عنه أبدا أنه كان يصف المعارك ويمجدها من بعيد.. بل شارك فيها ومات وقاتل حبا وطواعية. ولولا ذوي حنجرته لما تحمست الجنود ولما أطلقت الفرسان صهيلها الحربي مربكة العدو. وهذا دليل على أن IZRAN أسمى وجوده الحضاري لكونه يشكل ارتباطا وثيقا بين الإنسان والأرض لأن من لا أرض له لا وجود له حسب العرف الأمازيغي، فنجده يفتح رصاصه الشعري الوهاج والمتحمس على صفوف النازح. فيكبده أفضع الهزائم، لأن الصوت الشعري هو الذي لا يفقد الصواب في الشدائد كما علمتنا التجارب.
وبكل افتخار يشكل هذا الأخير لسان حال قبيلته التي كانت لا تتباهى إلا بوجوده الجمالي والفني والأدبي، منتدبة أبرع شعرائها للدفاع عنها في المحافل والمنتديات التي كانت تنظم في مواسم خاصة ، ويفترض في المنتدبين أن يكونوا سجلات حية للأحداث التاريخية لقبائلهم وأمجادهم وبطولاتهم. دون أن تخفى عليهم خافية. ومع امتلاك قدرة خارقة على الارتجالية وفي أبهر الصور الشعرية التي تهز الخصم وتربكه، وهاهم يباشرون عملهم الديبلوماسي.. حيث تراهم يذكرون الأبطال المغاور ويبرزون مكارمهم ومناقبهم أمام الخصوم برقة البلاغة وحسن الصورة وحنكة النظم وجمالية والإنشاد. لأن اللغة الأمازيغية لغة الإبداع تاريخيا. فهي تحتوي على قدرات فائقة للسمو بالأحداث إلى أعظم مكانة في فلك الفن الجميل، معتمدة في ذلك المفاهيم الدلالية والتركيبية والمعجمية...المتاحة من داخل عبقرية اللغة . وهذا ما نلمسه في شعر "رمراح" أو في ملحمة دهار أبران وباقي أشعار الأطلس المتوسط وبادية سوس العالمة. ومن هنا حرصت بان تتعايش التيمة والبعد الجمالي في معادلة موضوعية تربي ذوق السامع وترهف حسه الفطري، للتعلق بالأدب كمفهوم إنساني مثل عبر الأزمنة موسوعة فكرية تحمل بين مضامينها قيم إنسانية معتبرة. كما يبين ذلك وعن قرب التراث الشعري الأمازيغي. الذي ظل يشكل جوهر الثقافة الشعبية التي يرجع لها الفضل في تقنين الحياة الاجتماعية عبر وسائل العرف وآليات القيم: كاحترام الأخر وتقسيم العمل- والتعاون واحترام الأقليات الإثنية والدينية .
لذا فإن كان الشعر الأمازيغي خطابا أدبيافنيا سماعيا. فإنه كان يسمع واقعيا ويترجم سلوكيا وموقفيا. لأن وجوده في تجليات البنية التحتية يعكس مدى ارتتباطه بالحداثة والتمرد عن كل اعتباطية.
مما مكننا القول بان المغرب الأقصى وباقي مناطق شمال إفريقيا أعاروا اهتماما بالغا للتعابير الثقافية منذ أول استقرار بشري فيها، فأنتجوا فكرا وثقافة تعبر عن وجودهم وتميزهم ، إلا أن قول هشام بن عبد الملك [والله لأغضبن لهم غضبة عربية ولأبعثن لهم جيشا أوله عندهم وآخره عندي...] تعدم الإطلاع على هذه الثروة الغنية والمعبرة والتي لقت حتفها بغلو النزعات الإيديولوجية التي أجهضت البحث العلمي والاجتهاد العقلي مخضعة التاريخ للمفاهيم الميتافيزيقية. حتى يستعسر فهم الحقائق الواقعية وقرائتها في سياقها الطبيعي.
إذن فمن المنطق جدا أن لا يدوم وجودا للشعر. سوى في الذاكرة الجماعية إن انفلتت من الإبادة الجماعية هي الأخرى، وشمال إفريقيا شاهدة على مجازر الاستئصال والإقصاء الهوياتي الذي نهجه الولاة لإرضاء الخليفة بسبي النساء والإستلاء على الجواهر والأصاور كما فعل موسى ابن نصير... فكيف أن يعيش الشعر والشاعر يقتل؛ فهذا حفص بن ميمون غالب بن تمام ففضل مصمودة على العرب فضربه غالب بالسيف فقتله (الأمازيغية في خطاب الإسلام السياسي، أحمد عصيد: ص: 31).


الشعر الأمازيغي من الطقس الفرجوي إلى البعد المعرفي
لقد أعطت القصيدة الأمازيغية أهمية قصوى للبناء الفني تأكيدا للرؤية الجمالية في مشهد الفرجة وتكريسا للطابع الاستقلالي للجنس المتوخى عبر ألفاظ ومعاني مفرطة بالشاعرية.
إلا أن المبدع هنا لم تدجنه الهندسة المعمارية والإيقاعات الرنانة، بقدر ما أعطى للموضوع أهمية بالغة. مما جعله ينال حصة الأسد في العملية الإبداعية. مما ظل يجسد طول مسيرته الفنية علاقة الشعر بالواقع الذي يعكس روح التوازنات الاجتماعية والتراثية والنفسية ، أي بنفس نظرة "جورج لوكاتش" وجدليته بعناصر البنية الاجتماعية أغنت المعرفة السوسيولوجية. ممازاد تجذره في وجدان الشعب الذي عانق قضاياه من خلال جوانب الادب، واتسع أمامه مخزونا ثقافيا .عرف بدهاء الإبداع كيف يعبر بصدق عن قضايا مجتمعية. فظل وبدون منازع موجودا مكان وجود القضية؛ غير آبه بالإكراهات أو سابح في المثاليات حتى اتخذت القصيدة الشعرية الأمازيغية من الواقع مسرحا لها منذ أن حسمت في انحيازها للإنسان تجاوزا لكل النسيان، وتطور هذه الرؤية الفكرية جاء نتيجة تطور الوعي ذاته، في شكل وعي فردي حدسي إلى وعي جماعي هادف تصبح معه القصيدة ملك لكل من يحتاج لها حسب تعبير "بابلونيرودا".
فتجاوزا لكل تقنيات الكتابة الأدبية الجمالية عموما، برهنت القصيدة الأمازيغية على أن المجد الشعري لا تصنعه التعابير ولا الكلمات، فهو أخلاق أدبية قبل كل شيء كما سلفت الإشارة. وهذا ما يزكي طرح "باختين" الذي يلحق كل نص شعري ببعد إيديولوجي، متجاوزا مفهوم الشكلانيين الروس الذين اعتبروا السلوك بنية لا غير.
وتم استقراء التجربة الأدبية عموما على ضوء المنهج المادي التاريخي. كما تراوح الغرض دوما ما بين الالتزام السياسي ومنطلقاته الاجتماعية خاليا من كل ميوعة أو انحراف أو انسلاخ أو إباحية لأن IZRAN معبد مقدس، يؤمه كل الذين يريدون الصلاة ولو كانوا حفاة يقول "شاندو بيتوفي".
وهذا ما جعل الشاعر [أمذياز أو أزراوي] بان يكون صادقا في مشواره الأدبي. لأن الصدق جوهر التراث الذي استمد منه تجربته الفنية، فكونه لم يأت لهذا المجال من باب التدلل والغنج. لكن من باب العهد والإيمان بقضايا الشعب والوطن، مما نجد جل أشعاره تتجاوز الفرجة والفولكلور والتكسب، لأن الشعر ليس مرآة تعكس واقعنا بل مطرقة يجب أن نغير بها واقعنا يقول "تروتسكي".
فنظرا لبعده الفكري الذي أسهم في التأطير والتنظير والتحريض نجد أغلب الثورات العالمية الفرنسية والروسية... كانت دائما تنبعث من رحم الأدب الذي زعزع كيان الديكتاتوريات.كما الأمر في عصر الأنوار.
مما يحذو بنا الحذو بأن نتجاوز البنية الفنية-للحاجة الواقعية - التزاما منا بما يفرضه الصراع الاجتماعي-الطبقي لأن الأسبقية أحيانا تكون للتقريرية. فلم يثبت وجوده من الفراغ ولا بالصدف والظرفيات.. بل هو نتاج لوعي تاريخي إنساني يحتكم للوعي والعقل، وقد ساد على امتداد جغرافي واسع. فلم تخل أية قرية أو قبيلة من شعراء عشقوا الحياة فعشقوا الشعر، كموقف ردعي فيما قاله "هايدغر" (الإنسان موجود للموت) لأن الشعر امتداد كياني لا تلحقه الموت أبدا فيبقى هذا الفن جدير بالاهتمام لكونه حامل لما يعزز الكينونة ضمن صيرورة التاريخ. وفي مقاربة سوسيولوجية يجوز لنا تصنيفه كنمط إنتاج داخل بنية المحيط .ما دام يعكس لنا حتى مستوى العلاقات الاقتصادية... فإن كان يحمل جل هذه الإشارات السوسيوتاريخية والإقتصادية. ولم يرتبط أبدا باللهو والعبث والإغتراب ،وظل الشاعر الأمازيغي يهتدي للحياة الجميلة بالحواس.
لكن من المؤسف جدا أن تعاني مضامينه القيمة اليوم الإهمال والتجاهل والاستبعاد من المؤسسات التربوية؛ أهو بحث عن مقبرة للأدب كما عبر عن ذلك "جان جونيه" (محمد شكري، الشحرور الأبيض ص:48).
أم تكريس للميز الفكري والثقافي وتكريس الإستعلاء الإيديولوجي
وأخيرا نجزم قائلين: بان المشهد الشعري ظل دوما وعبر مختلف الحقب التاريخية يتفاعل مع محيطه ويتعارك مع تناقضاته. ليستمر التاريخ البشري المرهون باستمرارية التعبير والبوح. لأن كل تعبير style من أجل التواجد الفعلي، تأكيد للحضور ونفي للغياب وتأسيس للنهضة وتكريم للأعلام، وهذا لن يتأتى إلا إذا آل الإبداع في نهاية المطاف مآل السلاح كما ورد على قول "مايكوفسكي".
ونافلة القول ومهما يكن من أمر. فإننا لا نلغي أي مستوى من مستويات المشهد الأدبي ولو أننا كنا ميالين للموضوع على البعد الفني. لأننا تطرقنا لذلك من خلال ما تفرضه المرحلة في مختلف تحدياتها، والنص الإبداعي عندنا يأتي متزاوجا بين الجمالي والفكري وهذان الأخيران ضلعان لجسد الإبداع ولايمكن لأحد أن يلغي الآخر.
فإن كان الغرض واجهة أمامية للنص فإن الفني يعتمد الرؤية من الخلف حسب "تودروف" أي أن الجمالية تحضر من حيث لا ندري ولأنها هي الأداة التي يمر عبرها حمولة الوعي. وبدونها لا يمكن أن تستدرج الأذن لتحمل ما احتشد به وعاء الفكر. فإن كان الموضوع فاتحة الإبداع فإن الإستيتيقيا بسملته.
ثلاثية الخيل والشعر والبارود
بين جدلية هذه الثلاثية كان يتموقع الشاعر الأمازيغي لتستزيد الصداقة الشعرية متانة وقوة. بعد أن أضحى وجودها الرمزي يشكل مستوى آخر من عتاد المقاومة جنب السيوف والسهام والمجانق والفرسان، مما يثبت أن الشعر ولد من رحم المخاض. يحمل الهدف والمعنى. كما حمل معه الشاعر على صهوة الخيل وليس على غنج المنصة؛ كما تروي المصادر التاريخية وتؤكده بعض المظاهر الثقافية في ثقافتنا الشعبية السائدة، خصوصا إن أمعنا النظر في مشهد الفروسية أو الفانطازيا أو التبوريدة... مستقرئين تقاسيمها السيميولوجية: طلقات البارود الدالة عن نشوة الانتصار والحرية، ومواويل الشعر التي تحفظ الذاكرة وتنسج خطوط الملحمة؛ والخيل المسرج والمسومة. والذي يخطو على إيقاع شعري محض مع قوة الصهيل التي تحول كل الأوزان إلى إيقاع حربي.
وهكذا صار الامازيغي الفارس يرتجل على ظهرiksan الفرسان الشعر الحربي والإحتفالي..
ولئن سألنا الشاعر الأمازيغي في فوائد الخيل لما أحصاها .و لقال : ولي فيها مآرب أخرى ..
إذ يقول الله تعالى :
(زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطيرة المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث, ذالك متاع الدنيا,والله عنده حسن مآب)
لنقول بأن الشعر ليس وحده من كان يؤنس الشاعر الأمازيغي بل الخيل أيضا كما سنرى في عدة شواهد تاريخية، ومفهوم الخيل في رؤية الشاعرتجسد القوة والشهامة والثروة والانتماء حتى أضحى يشكل تراثا عميقا اقتصاديا وثقافيا...
حتى كان يخاف على هذه الجياد من عين النحس فكانوا يكتبون لها الحجاب ويعلقون لها التميمة (هارت ايت ورياغر ص 224 صورة دالة )
فأن تكون شاعرا... أن تكون فارسا مقاوما لأن الشعر ولد ليقاوم، وهذه مهمة صعبة لا يتحمس لها إلا الصادق المؤمن الذي لا تستهويه ملذات الحياة أمام قضايا وطنه. والشاعر عندنا لم يكن يتفرغ للنظم وعجن اللغة كتسلية ، بل كان يفني حياته في الذود عن الهوية والكينونة. لأن الشعر خارج الانعتاق والتحرر عقيم التعبير والعنفوان، فامتطى الصهوة باحثا عن الحرية برمح اللغة وعبق البارود.
حتى ذاع صيت الخيل البربري في شتى بقاع المعمور، فبفضلهم وبفرسانهم كانت تتحقق انتصارات روما ضد القرطاجيين. لأنهم قاتلوا في صفوفها لاسترداد العرش المنتزع منهم... لاعتبارات سياسية. وهكذا ظلت روما تستنجد بالفرسان ومرة بالفيلة [تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية في ظل الحضارة الأمازيغية/ أحمد زاهد/ ص:31].
وكما يؤكد ذلك محمد التازي سعود: لولا هذه الخيالة لتغير ما نعرفه من نتائج الحرب البونيقية (نفس المرجع ص: 32).
أي بفضل الفرسان الشجعان حافظت روما على توازنها بفضل التحالفات التكتيكية مع الأمازيغيين نظرا لما كان يمليه الوقت آنذاك. إذن فالشاعر الذي اختار الخيل كان صائبا في قراره لأنه عرف كيف يصمد ويقاوم ويشرف أهله. حتى ابتلي به الشاعر والأمازيغيين عامة وشارك به في مبارزات دولية، ومنهم "مسطنبال" ابن مسنيسا الذي شارك في مسابقة بأثينا وفاز في سباق الخيل.(نفس المرجع ص 18)، وهذا ليس بالأمر الهين. وكل المكاسب كانت تنال عن جدارة واستحقاق، ولولا الشجاعة والمغامرة والجرأة على التحدي. لما امتطى الشاعر صهوة فرسه ولما قاتل ببسالة ضد كل المخاطر التي تهدد موروثه الحضاري.
فبين الكر والفر و نقع الغبار كانت تطلق الصيحات الشعرية المفعمة بالشاعرية. وعلى إثرها تجيئ طلقات البارود فيجعلها الخيل صهيلا محنحنا رافعا رجليه الأماميتين إلى أعلى السماء بغضب لايرد أو يقهر حتى تكسب المعركة إيجابا أو الموت حتى الشهادة.
وحتى عرف النوميديين بمستوى عال من الفروسية حيث يقال عنهم أنهم كانوا يركبون الجياد دون سراج أو لجام (نفس المرجع س ص17) بقوة الحنكة والتمرس والتجربة الطويلة التي تشكل استعدادا قبليا لخدعة الحرب التي تأتي مباغثة.
مما جعل الشاعر يهتم بتربية خيوله كما يهتم بشعره الذي ينظم على حسب الوقائع و المستجدات. فقد قيل عن هذه الخيول أنها كانت نشيطة وقوية وهذه الأخيرة لا تكسبها من أعشاب البر بل بكثرة علف الشعير. وما ماثلها من قمح وذرة وشعير وهذه الأخيرة لاتكرم بها الجياد إلا إذا حقق الإنسان اكتفاءه الذاتي وادخر ما يكفيه للسنوات العجفاء، مما يدل على أن بلاد الأمازيغ كانت غنية اقتصاديا قبل أن يلحق بها الخراب. وهي العلة التي فتحت شهية المحتلين الغزات لإستغلال خيراتها. التي لم تترك ما تروي به الخيول رمقها وبالأحرى الإنسان. فنظرا للدور الفاعل والهام للخيلة في حياتنا الإجتماعية التي كانت تختصر المسافات وتحسم المعارك كانت تحصى المواشي بما فيها عدد الخيول كل سنة من طرف الملوك نظرا لدورها العسكري (نفس المرجع ص74) وكانت هذه الخيول تتبادل في الهديا. كما هو الشأن عند أبي يعقوب يوسف المريني الذي بعث إلى الملك الناصر بالمشرق بأربعمائة جوادا من عناق الخيل برسم الجهاد (مفاخر البربر ص43 تحقيق عبد القادر بوبابة) والتمسك بالخيل شعراءا وملوكا هو تمسكا بالأصالة والموروث. وهو ما دفع الملوك عبر الممالك الأمازيغية إلى إصدار وصك عملات تحمل صورة الفرس والخيل تكريما لهذا الأخير على دوره الريادي في الشرف والمقاومة "كمسينيسا" والملك "سيفاكس" وابنه أورمينا (نفس المرجع ص:18، تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية في ظل الحضارة الأمازيغية).
إلى أن ظلت البلاد يعمها الخير والخيل والشعر. ليست باعتبارها عناصر اللهو واللذة، بقدر ما هي مكونات رئيسية للتنمية السوسيواقتصادية التي تستبعد كل الركود والفقر عن منطقة شمال إفريقيا الشاسعة الأراضي والمترامية الأطراف .والتي لا يقطعها غير الفرسان الأشاوش.وهذا ما دفع بالتأكيد الباحث ألبير عياش للقول بأن إمازغن كانوا يرتدون الحلي ويجدلون الشعر كما كانوا يقضون أغلب اوقاتهم في ركوب الخيل ورمي الرماح (histoire ancienne de l’afrique dunord..lbert ayache p.19) ونحن نضيف معه حتى قراءة الشعر الذي كان يتلوه الشاعر من فوق صهوة جواده والظاهرة إلى يومنا هذا خصوصا إن استحضرنا البوادي في واقعها المعيش.
ولم يتوان الشاعر الأمازيغي بدا من إكرام الخيل بأعز ما يملك من حب الأرض، وتعامله بهذا المستوى يبين على أن الأمازيغي كان يعيش دوما تحضرا وتطورا فكريا وثورات ثقافية كبرى. لو تم تدوينها والاعتناء بها لما حاصرنا اليوم فراغ تاريخنا القديم الذي نشتاق لرؤيته وملامسته، لاستشراف المستقبل بكل توازناته القديمة والحديثة .
وفعلا وانطلاقا من بعض الملامح والإشارات الموجودة في كتابات الباحثين الغربيين وفي تناولهم لبلاد وحياة البربر. ندرك جيدا بأن شمال إفريقيا عرفت نهضة فكرية واقتصادية وسياسية وعسكرية، فليس هذا مجازفة بل مناصفة وليس مبالغة. ودون مقارنة مع باقي الشعوب الأخرى، ففي الوقت الذي كنا فيه نكرم الخيل كانت الأعراب تدفن النساء وهي حية ؛ والنساء الأمازيغيات وقت ذاك كن يصنعن المجد والثورات من ديهيا وتينهينان؛ إلا أن استبداد الحكم ببلاد تامزغا سيحجم عنا كل الحقائق التاريخية محاولا إفراغ هويتنا من شرعيتها التاريخية كما سلف القول ، كما استساغ الأمر لمعاوية ابن أبي سفيان ولأمثاله، لكن المواجهة كانت عنيفة باسم حب الأوطان فحال الأمر في البداية دون ذلك. فكان طعم الهزيمة مرا للنازحين العرب واعترف الفاتحون المسلمون بكثافة المجد البربري: فيكتب عقبة بن نافع إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن بلاد البربر ((ملوكها كثير وأهلها عدد عظيم وأكثر ركوبهم الخيل)) فأمر عمر رضي الله عنه القائد الكبير أن لا يزج بجند المسلمين في حروب مع البأس البربري ما دام عمر حيا (حوار مع صديق أمازيغي ص: 210).
إن مسألتين اثنتين تهم في هذا الاستشهاد:1* اعتراف الخليفة بالشرعية التاريخية لإمازيغن في شمال إفريقيا والخوف من قوة بأسهم.
أما النقطة الثانية2* فتتعلق بموضوعنا السالف هو الخيل الذي ظل يميز حياة إمازيغن عبر ممر العصور.
مما يفهم بأن الخيل الأمازيغي أصبح عالميا في شهرته.. فتجاوزه لحدوده القومية جاء نتيجة التطور الحضاري الأمازيغي الذي اخترق الأمصار بعد أن أبهرت به الشعوب واشتاقت له .فاتخذته مسلكا يخلصها من مآزقها اليومية، لأن حياة هذا الشعب المظفر كانت تؤطره الاستقامة والأخلاق والاحترام. فيختلفون في الوظائف والمسؤوليات ويجمعهم حب الحرية والاستقلالية والأرض. والخيل الذي كنا بصدده لم تقتصر علاقته بالفارس والشاعر والمسافر بل عمت جميع الطوائف وأصناف الطبقات مما يثبت قولنا السالف بأن جميع الناس كانوا قريبين لبعضهم البعض في الحياة والعادات [فهذا يوغراطة بقوة ملحوظة وجمال عجيب وعلى الخصوص متانة أخلاقه فلم يخلد إلى لذة ولا انصرف إلى ترف، بل تعاطى جميع الرياضات الجارية في بلاده. من رباط الخيل ورماية الحراب ومنازعة أترابه جواز السابقات...] (عثمان الكعكاع ص: 31).
والقول هذا يجعلنا نستنتج على أن الخيل ليس وسيلة حربية بل رياضة الجميع. وموهبة الكل. يقاس به الغير على مدى استعداده أو تحمله للمشقة والصعاب وركوب الأهوال والمخاطر، فبروح المقاومة لإرساء دعائم الإستقلال والحرية . ما انتكست خيول أو انهزم الفرسان.
وهذا ما شد حنين امرؤ القيس بأن يصور حصانه البربري في بعض قصائده
*على كل مقصوص الذنابا معاود
بريد السرى بالليل من خير بربر.
(معارك فكرية حول الأمازيغية، ص:99).
وفي هذا السياق نحتاج لتفسير دقيق لنرى بأن استدراج امرؤ القيس من طرف الخيل البربري هو التشكيك في كل ما يقال عن حاتم الطائي بأقوال مبالغة فيها.
فيستطرد قائلا امرؤ القيس لحاتم قسطنتينة- سوزان- إذا أردت أن نتقابل فسأكون على الحصان البربري مما يستشف من وراء هذه التعابير على أن الانتصار والشهامة لم تكن تترائ له إلا من أعلى الخيل البربري الذي أعطى نماذج حية في وسط معارك ضاربة، إلى أن شكلت في المخيال الشعبي كائنات إلهية طائرة بقوة عظمته وهي خيول بأجنحة في سماء الله، كتلك التي كان يمتطيها المسيح عليه السلام (الاسم العربي الجريح/ ع الخطيبي، ص: 63).
فانطلاقا من هذه العظمة والقدرة الفائقة لتجاوز كل المصائب والمكائد ما زالت الثقافة الشعبية تولي للخيل/ عبر الصفيحة/ مفهوما رمزيا مقدسا لكونها تقي ابن أدم من شر العين وحقد النفس .وهو ما يعكس تعلق الإنسان بهذا المخلوق
لذا فالخيل لم يطء المخيال الشعبي وحده، بل ترك أثرا بليغا. في مجال الطبونيميا: كبوكيدار –عين اسردون -عين عودة- أذرار ءكسان= (جيل الفرسان) جوج بغال- كما ترك بصمات موشومة في العادات والتقاليد كزف العروس إلى بيت العريس وهي على صهوة متمسكة باللجام. ولم يكن هذا الاحتفال يجري نظرا لانعدام وسائل النقل. بل أيضا لما يشكله الخيل من قيم رمزية جليلة مقدسة،لان البلاد التي تعج بأمثالها يفهم على أنها بلاد الخير والخيل وكانت الشعوب الأمازيغية سباقة للرفق بالحيوان ؛ لذا فالخيل في المعتقد الامازيغي هو الخير والعطاء والخصوبة والإنتصار...
والى حدود اليوم وحتى نبرر قولنا في هذا المضمار مازالت الملوك في الداخل والخارج تستعمل الخيول في كثير من احتفالاتها الرسمية،مما يدل على أن المسالة ليست بسيطة بل حاملة لمعاني ثقافية كبرى في جدلية مع التراث الثقافي.
إلا أننا نفاجأ في الأخير وحين نجد بان الحيوانات الامازيغية هي الأخرى مستهدفة من طرف الخطابات القومجية بعدما كنا نعتقد في السابق على أن الإنسان هو وحده ضحية ذلك. لنجد الخيل بدوره تستهدفه الحملة المسعورة لتردد على مسامعنا أثناء دوريات الفروسية اسطوانة الخيول العربية وهي أكبر أكذوبة لا تستسيغها الثقافة المتجذرة في بلدان المغرب الكبير شكلا ومضمونا
وعودة بنا إلى تيمة الموضوع الذي هو asfro الشعر كإحدى مقومات الثقافة وكأدب قديم جسد حداثة الإنسان من خلال وعيه الذاتي. فالبرغم من هذا وذاك سيستمر صهيل الشعر IZRAN كرئة تتنفس به الثقافة الامازيغية عبر مختلف مراحل التاريخ وفي يدها شهب البارود حاملة إصرار التحدي و الانعتاق.
كما سيستمر ركض الخيل في معارك الشرف دون توقف او ردع من طرف إيديولوجية ما,وسيظل يستبق الزمن على إيقاع شعري بصهيل يملأ المدى ويرجع الصدى صاعقة.والذي اتخذه الامازيغي عبر مختلف العصور سلاح للمقاومة والتأريخ للبطولات والملاحم. ولدوره الريادي وهدفه النبيل .نجده شكل أولوية الأولويات عند الملوك المتحاربين كما عند عامة المواطنين فهذا كسيلة بن لمزم الأوربي حين علم بجيش عبد الملك بن مروان الزاحف نحو إفريقية حاول أن يختار المكان المناسب لهزم العدو وكل ما حاول أن يضعه نصب أعينه كمعدات حربية للفوز بالمعركة وتفادي الهزيمة يقول: [أن تكون الجبال منا قريبا والشعراء فنتحصن بهما...] (أحمد الطاهري المغرب الأقصى ومملكة بني طريف البرغواطية ص: 51).
وهذا يبرهن بأن الشعر كيان حضاري وحاضر دوما في مسيرة الإنسان الأمازيغي.و ليشكل الشاعر بصفته مقاوما ومقاتلا من أجل الأرض وهو أولى بقيادة المعارك كما يصفه ابن خلدون وهو ينشد تاصوكيت
وعلى هذا المنوال ظل الشعر عند عامة الأمازيغ الأداة الوحيدة للتعبير عن اليومي والتاريخي والإجتماعي والسياسي ... وبالفعل كان مؤثرا في وسطه وموجها له . كما كان يفعل لوركا وبابلو نيرودا وناضم حكمت وفيكتور خارا والذين كانت لهم شعبية واسعة ويعدون أولى المدارس في التوجيه والتكوين السياسي . وعلى غرار ذالك استهدفتهم آلة القمع الأمريكية بتحالف مع الأنظمة المحلية الإستبدادية
فهذا حمادي مونا الشاعر الأمازيغي الريفي بدوره لم يكف عن رسالته الشعرية في بعدها التثويري والتحريضي ضد غلات التطاول على اهل الريف وخيراته و شعره كله صور تاريخية ومشاهد لمقاومة باسلة تعكس مدى مقاومة الريفي لكل اعتداء يود استرخاس ذمة بلده. وهي تأتي ضد بعض المممارسات التي كانت تمارسها السلطة المركزية بفاس وعلى بعض أبوابها هناك كانت تعلق رؤوس المتمردين من شعراء ومجاهدين والرافضين لتادية الضرائب...
والقصيدة التي نوردها كنموذج صغير على حد ما سمعناه عند حسن تيذرين يرجع تاريخ ميلاده إلى سنة 1914 والذي نقلها عن جرمان عياش - les origines de la guerre de rif
يقول الشاعر : حمادي مونا
شوفث أيارجواذ
أعذاو مين ئيخدام
يقزاي ثيسفين سبع ؤوسبعين قدم
ئيرف وتينطو
ؤوشن وتينجام
ثندويت رل مونا
سجوارو ذو زكام
تسريغ ئيرباز ئيهيام
ذك جنا ينهم
ؤوشيغاس ثمزوغث مذيديفهم
يو شايد يئيج نثيثي
أوور ئينو ثقذم
سبارا وثفيغ
أذيخر ذكواي الدم
مري وكيذغ إبريغن أذينغان
أثخذماغ ثمسرايث ؤوتيخدام ؤومسرام
أذوشغ ثي مسي ئيفاس أتنهذام
أذقيمن ئيكشوذن
ئيفظمة أثنثزذام
إن النص الشعري يعكس الخلاف القائم بين الريف_ كمجالم ستقل ومنظم –والسلطان الحاكم الذي يسعى لإبتزاز المنطقة بكل ماتملك
ومباشرة بعد قتل هذا الشاعر والمقاوم سيحمل أهل الريف السدرة- تزوكاث – لإحراق فاس وهذا ما جعلنا نفهم لماذا كان السلطان يحيط مدن العاصمة بأسوار كبيرة وعالية كالتي بادية في فاس مثلا لانهم كانوا يهاجمون من طرف القبائل المتمردة

الشاعر الأمازيغي بروميثيوس الأرض.
على مدى العصور والأعوام ظل الإزري –الشعر- يدوي بقوة شعرية لا تنضب؛ عاكسا مجد المقاومة والشرف النبيل؛ باحثا عن قيمة الوجود الإنساني.
فعلى هذا المنوال الفكري ظلت تامازغا تفور شعرا موازيا لكل فترة على على حدة بكمال وتمام تجلياتها الاجتماعية، مبرهنة كيف ارتبط الأمازيغي بالأرض من خلال الأدب الذي حاول أن يجسد به حضوره التاريخي جنب الأمم السامية.
مصرا على تثبيت فكرة بديهية مفادها أن الأدب والشعر خاصة لم يولد إلا للمقاومة وليس لمتعة واللذة ...؛ لأن الغزو الذي كان يأتي على شمال إفريقيا لم يكن يستهدف العمران والمجال فحسب بل الأمر كان يذهب إلى أبعد من ذلك .وهو المس بالكيان الثقافي واختراقه درجة الإستئصال من شرعيته النموذجية وإبقائه على حافة الهاوية، حافة الفقر والضياع الحضاري. مما كانت جميع جوانب الأدب الأمازيغي هادفة ومتضمنة لقضايا مصيرية .
لكن الشاعر الأمازيغي كان على دراية تامة بالمؤامرة ، فانخرط مع معشر الأدباء في تأسيس جبهة، ثقافية لرد الردع حفاظا على الإرادة التي تمثل المناعة في جسد الأصالة والهوية.وهي temozgha
فاختار الإزري IZRI لتجنب الموت الحضاري كما اختار السيف والبندقية تجنبا للموت الجسدي/ وهذا الأخير قد يكون عابرا وقد يعوض مع تطور الأيام بكثرة النسل.
لكن الأخير لا يمنح ثمة فرصة للتواجد ثانية لأن المسخ الثقافي هيكل منزوع الإرادة .وهذا ما جعل عدة ثقافات تنقرض من هذه البسيطة وهي التي نشير إليها أحيانا بثقافات الشعوب القديمة كأنها لم تكن يوما موجودة؛ والشاعر الأمازيغي قد تفطن لهذا منذ القديم انطلاقا مما كابده مع مختلف الحركات الاستيطانية التي حكمته بالحديد والنار.
مما دفعه الأمر ليملأ الأرض والسماء شعرا وهاجا وبرقا مومضا لتفادي التدمير الكلي.
لأن لا قيمة له إذا انتصر بالسيف وخسر الكيان الثقافي ينبوع القيم.
فانصرف معانقا الإبداع الشعري الذي يذكي الحماس في النفوس ويشد على عزائمها صنعا للملحمة، والبطولة من أدب الشعر الذي لم يبدع فيه للاستهلاك أو للترف والمجون كما عند قبائل العرب. فظل مرتبطا تاريخيا بكل التساؤلات المصيرية بنزوع إنساني تواق، بأن تبقى إفريقيا للأفارقة كما صرخ ماسينيسا.
فلم يكن يتوخى الشاعر الأمازيغي قط من أشعاره نبرة موسيقية أو شهرة يتباهى بها.. بل ترقبها قنابل مفخخة في وجه المخاطر المحدقة وفعلا كانت جلها تذعر العدو بقوة الصنعة والدقة وعبقرية اللغة عينها.
إحركد ؤرومي ئيحركد غ-تمسمان..
.تمسمان مذهوناك متغيرذ ذ-بنعمان
والله مار تمسى ئيبباك...أم شاك أم بوجروان
وهي نفس الصورة التي يتحدث عنها الباحث الكولونيالي "هنري باسيه" حيث يشبه تلك الأناشيد الحربية التي يتغنى بها في منطقة الريف بالصواعق التي تنبعث من أعماق المتاحربين أثناء الإنشاد وهم ينقضون على العدو وهذه الأناشيد موغلة في القدم إلى درجة تصير معها الآن عسيرة الفهم لبعدها عن المعنى الأصلي .
وهذا النص التاريخي يؤكد قولنا السابق في الشعر الأمازيغي الذي ارتبط أشد الارتباط بمفاهيم المقاومة والأرض .. وقد تشكلت إرهاصات ذلك منذ غابر العصور والباحث نفسه يؤكد على أن ذلك موغل في القدم أي أن الشعرقديم و وظف في جيهات المعارك كتقليد وكعرف أجمعت عليه الأمة؛ للتخلص من كل استعمار ترامى عليها
والأخيرة هذه ما اجتمعت على شيء إلا استقامت موازينه.مما جعلها تعي دلالة ووظيفة الشعر في حياتها الإجتماعية من منطلقين اثنين:
1- محكها مع التجارب التاريخية الطويلة التي أدركتها أن الأدب سرنا الحضاري بمقاومته الثقافية في سوق الممتلكات الرمزية
2- تقديرها للشعر والفن عامة باعتباره بنية تحتية لكل تشكل يبحث عن المعاصرة التي لاتطيق التعبد في محراب احادي
مما سيصبح الشعر عندها شعر العامة وليس النخبة
وذاك ما يفسر أن الشعوب الأمازيغية لم تعش تراتبية ثقافية أو الثقافة الطبقية النخبوية بفعل وحدة المصير والهوية .
وأن الأناشيد الحربية التي كانت تنظم خصيصا لصنع البطولات والأمجاد كانت يراعى فيها طبيعة العدو بعدته وعتاده .والتي كانت تبلغ وتذاع للناس أجمعين عبر الشاعر الجماعي ذاته، الصوت الإعلامي الصادق، وجريدة القبيلة بدقة فائقة .مربكة الآخر أو عائدا بخفي حنين
وكلما زادت شرارة الحرب زادت الأشعار اشتعالا وتوهجا.
وعليه فالشاعر مجبر أن يؤرخ شعريا لكل الأحداث الجارية بكل معادلة أدبية موضوعية ..حتى تأتي قصيدته متضمنة لكل جوانب المعركة بتفصيل دقيق على إيقاع شعري تهتز معه الضمائر والنفوس فيقيح (يصيح).
** دشك ئيرينان .أدزويغ أسويث ورياغل أخسنتكماغ أمان
رومي تغضخذراذ غ-الجمعة ثكيذ رغنيماث ئيييطان
ومرة أخرى يعيض ومنه أتت العيطة (النداء) الصارخ.
**حركند آيث ورياغل أمزيان أمقران
كيناس ئيبوجروان ام نتا أم ئيسرمان
أليس الشاعر الأمازيغي هنا يختلف مع شعراء البلاط والأطلال في مقاومته الثقافية . ألا يحق الإقرار بمقاومته وببسالته ..لان من عمق أشعاره IZRAN كان ينهل التاريخ الشعبي الحقيقي الذي لم تأت عليه أقلام المؤرخين والذي هو مليئ بالحكم والعبقرية . فلم يسعفنا الحظ للاطلاع على شيئ من هذا الشعر القديم. حتى نغتني بجماليته ونغرف من حوض شاعريته وعذوبة تموجاته وخلاصة تيمته ذات العلاقة بالواقع الإجتماعي . لكن وحين لم نجد ما سيشف غليلنا في باب الإستشهاد .اضطررنا اعتماد ملحمة -أدهارأبران- كوثيقة شعرية تاريخية وتأريخية وحيدة التي يمكن العثور عليها في مجمل تناصها و التي تنطبق مع مانحن بصدده شكلا ومضمونا .
مما يجعلنا نقول بأن الشعر الامازيغي. شعر تاريخي هوياتي/سياسي /فهو لا يهمل الزمن بل يتسلق عتباته لسد كل الفجوات في وجه مأزق التيه .
فقد كان يترائ دوما فنا ساعيا إلى تعزيز الشخصية وإثبات مقومات الهوية عبرتفعيل الحياة السوسيوثقافية .ومن أجل ذلك كان ينبعث صواعقا باحثة عن معنى للوجود الإنساني . عبر صوت الشاعر المغامر الذي رفض استرخاص الحياة . ليظل الشعر اولى محرابه .
لذا تعد اللغة الجمالية التي مكنته من التحول إلى هذه الصور المذهلة فنيا. تستحق الوقوف عندها هي الأخرى ,فربما تخفي لأسرار نجهلها أو لمزايا ننتفع بها، لأن جوانب أدبها برهنت على مدى عبقريتها وقدرتها على تفعيل دور الإبداع الذي لا يقل شانا عن الأدب العالمي. فكيف لهذه اللغة الحية في هذا المستوى أن تقتلها اليوم المؤسسات الرسمية الإيديولوجية أو تتهجم وتتحامل عليها الكتابات الإستعمارية.
وهي لغة لها كامل الشرعية التاريخية وتتميز بالحيوية والاستقلالية والعبقرية كما يقول محمد شفيق وتم الإبداع بها في شتى المجالات بمستوى راق في بعدها الجمالي والتركيبي والصوتي والبلاغي... إلا أن ذلك انحصر في إطار الشفوية. ولم ينقل إلينا في بحوث وكراريس أمام ما تعرفه الثقافة المدونة من هيمنة واسعة، ولو أنها لا تضاهي الأولى في القيم الثقافية والصدق الإبداعي، حتى نصحح المعطى "لإيميل لاوست" القائل بأن الأحاسيس الكبرى التي تحرك الروح البربرية أحاسيس شعب بدائي .وقد لجأت الدراسات الكولونيالية إلى هذه الأوصاف منذ أن يئسوا من كسب ثقة الإنسان الأمازيغي الذي رفض الانصياع لجبروت الغزات الذين قاتلهم قتالا عنيدا. فلم يبق أمامهم سوى تشويهه في كتاباتهم اليتيمة التي لا تزكيها العقول العلمية والنيرة.
وهذا حسان بن النعمان رحل بمن معه من السبي والغنائم إلى عبد الملك بن مروان. وكان معه خمسة وثلاثون وألف راس من سبي البربر وكان معه من الذهب ثمانون ألف دينارقد جعلها حياطة عليها في قرب الماء (المجتمع العربي الإسلامي عدد319 ص 110 عالم المعرفة 2005) كما يستطرد في نص آخر فقد عجب العرب الفاتحون من الثروة الذهبية التي غنموها من إفريقية( نفس م رص) وكما يقو الليث بن سعد: لم يسمع قط بمثل سبايا موسى بن نصير في الإسلام( نفس م ر ص) ووحدها انتفاضة الخوارج من حاولت وقف السبي بعد قيام ميسرة
.ومن العجب أن يستمر الشعر والإبداع في ظل هذه الظروف التي تأتي على الإنسان كله إما تقتله أو تهجره أو تأخذه في دفع المغرم: فهذا أو عبد الله الشيعي الفاطمي الذي حار ب بلاد البربروحارب صدينة وزناتة وقتل الرجال وأخذ الأموال وسبي الذرية( نفس م ر ص 215) وعودة بنا للكتابات التي كانت تسخر من لغتنا وهويتنا وتعتبرها دون مستوى
ومن بين هؤلاء "أندري جوليان" القائل بأن اللغة المحلية ضعيفة وعاجزة على أن تكون أداة التأليف الأدبي والعلمي ناسيا أو متناسيا بأن اللغة التي يستخف منها أغنت الثقافة الغربية. عبر أدبائها الأجلاء الذين كتبوا الأدب الأمازيغي ياليونانية والإغريقية واللاتينية خصوصا إن استحضرنا الفكر الديني الذي يحيلنا مباشرة إلى "أوغسطين" ويوبا الثاني....والمفكر العالمي أبوليوس في روايته الشهيرة الحمار الذهبي
مما يؤكد لنا وبالملموس بأن اللغة الأمازيغية تم التواصل والتفكير والتبليغ بها. لقرون شهدت على فوران ابداعها... وظلت مفتاح الهوية والخصوصية المميزة لها .إلى أن صار الفكر الأمازيغي لا يدرك إلا بواسطتها؛ لأن اللغة كما يقول اللسنيين هي الفكر ذاته. وهي مايميزنا عن الآخرعلى مستوى الثقافة و الأدب، وهذا ما يدفع الفرد للتمسك بها بقوة الفطرة. نظرا لعلاقته الوطيدة مع البسيكو-سوسيو، فهي شرط وجودنا الإجتماعي إنطلاقا لما ساهمت به من إنتاج العلاقات المتعددة.
والشاعر الأمازيغي لم تشف اللغة وحدها غليله. فأبدع في الشعر كنمط تفكير خاص به وهذا سمو باللغة التي تأويه ذاكرة اللغة نفسها.
فهذه القدرة الإبداعية والحيوية والنشاط المميز للغة الأمازيغية هي التي حافظت على نسبة مهمة من التراث الذي لم يشمله المسخ رغم حملات الرومنة والتعريب والإحراق والنسف والديماغوجية العقائدية .
وكل ما ما وفد عن الهوية كان يتسم بالعنف والقسوة.وهو المسؤول عن ضياع ترثنا الثقافي ... .رغم أن بعض المؤرخين يحاولون تغليطنا بدعوى أن ذالك كان يقبل عن طواعية للتخلص من عقدة الجرم ...
ومهما حاول البحث المؤدلج والمسترزق أن ينفي عنا كل الفنون والأداب وما صنعه الأمجاد من معالم وتحف .فإن الأركيولوجية شاءت أم أبت ما زالت وستبقى تمدنا بنقوش صخرية بالحرف الليبي القديم في الكهوف والأضرحة والأهرام الفرعونية.لتدركنا بأن الثقافة الأمازيغية مجال أوسع. فإن النقص الحاصل هو في البحث العلمي وليس في أدب ولغة الشعوب بطغيان الهاجس السياسي. كما حال الأمازيغ اليوم
والشعر الذي هو تيمتنا لن يقعد محنطا بل سيزحف ماردا متمردا عبر تجربة اجتماعية جمالية تعكس مدى علاقة الفن بالوعي الاجتماعي أو جدلية الجمالي بالواقعي.

الشعر روح وجداني : عند المماليك الأمازيغية القديمة.
وبينما نحن نتصفح بعض الكتب التاريخية الجريئة الطرح نسبيا، نستنتج وبسرعة فائقة على أن شمال إفريقيا ابتليت بمؤامرات عدوانية غير رحيمة، حبا في أراضيها الخصبة وطقسها المعتدل ووديانها العذبة، فعاشت منذ غابر العصور تصادما فكريا وثقافيا سياسيا وعسكريا. مع قوى الشر التي كانت تأتي على الأخضر واليابس، من أجل زعزعت عروشها ونسف نهضتها الفكرية. والإستحواذ على خيرات اقتصادها التي كانت خمسها تبتز خراجا لبيت المال بالمشرق، فواجهت هذا الإبتزاز بمقاومة مستميتة ستبقى مرجعية للشعوب التواقة للحرية.
كما حافظت على جميع مستويات خصوصياتها، سيما الثقافية ، نظرا لما لها من دور بارز في إغناء التراث المجسد للهوية .وبفضلها ستعزز قوميتها وتعيش في ظل استقلالها السياسي. معبرة عن نزعتها الوطنية التي يشير لها الدكتور محمد الطالبي رافضة تقديم أبناءها للجندية ومعترضة عن الضرائب. بحيث ظلت مناطقها المعزولة خاضعة للأعراف المحلية وليس الولاة والسلاطين .لينعتها ببلاد السيبة
وأن ما كان يفرقه السياسي يجمعه الفني-الشعري- موضحين بأن الوعي النقدي في الشعر أكثر بكثير من الخيال فيه .مما ظل هذا الأخير مرافقا لها في الرحيل والترحال وحتى خارج أوطانها، لأن تاريخ الشعوب تاريخ الثقافات وليس الاقتصاد والعسكر .....
فهذه مصمودة التي مثلت رائدة الحركة العلمية البربرية في الأندلس ومن تبعهم من الزناتيون إلى غير ذلك من الأسر التي توارثت شيم العلم حتى أغنت التراث الأندلسي بمساهماتها المتواضعة كما يشهد على ذلك المؤرخين أمثال محمد حقي.
وبفعل المظاهر الاجتماعية التي كرست عبر القرون ستصبح الثقافة الأندلسية أمازيغية –إبيرية .
وكل ما يهمنا في هذا المسار التاريخي هو مدى ارتباط الإنسان الأمازيغي بحقل الأدب والعلم حتى خارج تخوم بلاده.لأن من هذين الأخيرين كان ينبع وجوده الحقيقي. فلم يمض غازيا أو عابثابل عالما مثقفا لأن الإبداع شكل عنده سؤال مصيري يبعده عن الموت حسب المدارس النقدية، فلم يتعانق معه خارج بلاده حتى شكل عنده الطوطم والمقدس . لأنه موطن في اللاشعور يصعب إهماله. ولأن طبيعة ظروفه التاريخية شدته إليه فتأخذ بيده هو الأخر.
في اتجاه ملحمي يروق إحساسه الذي هو في طبيعة اللغة الأمازيغية ذاتها التي أنتجت أدباء وشعراء راح يذوي صوتهم في شبه الجزيرة الإبيرية وفي بلاد فارس والمشرق.. وظلوا نماذج في الأدب والأخلاق والسياسية.
فنظرا لما مثله الشعر من روح وإحساس دفين على مدار اليومي . كون عامة الأمازيغ لم يسطيعوا الكف عنه ولو لحظة واحدة . بل الأكثر من ذلك كانوا يحاولون اسطاحبه حتى أثناء الممات. كما كان ذلك مشاعا إبان فترة بني مرين بحيث كانت تنقش على القبور أشعار الحكمة التي توحي للنفس بأنها حية ترزف مما يؤكد بأن الشعر يعادل الحياة والاستمرارية، وهذا التجاسر بين الفن والموتى هو الرفع من الشعر باعتباره أكثر من أي وصف أدبي، وبقدرما هو الخلود وسمو النفس المتعالية عند المتصوفة الذين يرون بأن نموت قبل أن نموت والموت هنا تعني الحياة بمفهومها الحداثي الولادة/ التجديد/ الصيرورة الأجيال .
وما يمكن فهمه من هذا هو أن الشعر شكل بعدا حداثيا داخل التراث الأمازيغي وليس ترويحا عن النفس كما تجزم مدرسة التحليل النفسي.
وهذه الخاصية في التعامل مع الفن عموما عند معشر الأمازيغ. لم يقتصر على ما هو شعبي وجماهيري بل شمل ما هو مؤسساتي ورسمي أيضا. لأنه كان مشاعا بين عامة الناس الذين هم الشاعر- الجماعي- لأن الشاعر الفردي لم يلج تاريخ الشعر إلا مع صعود وطهور ما يسمى ب"تقسيست" فكان للشعر هوية جماعية جغرافية وليس فردية. كوننا نعرف موطنه وقبيلته ولا نعرف قائله. وفي فصول قادمة سنتعرض لهذا بالتدقيق.
فعودة بنا إلى ما سبق فإن المماليك الأمازيغية هي الأخرى أعارت للفن الشعري دورا رياديا كما سجعت على صنعته لأنه كان يرفع من قيمتها وقيمها ويعزز مكانتها. والشاعر البليغ الفصيح هو حامي حماها، فهذه إمارة بنو صالح في بلاد نكور جعلت من بين مؤسساتها مؤسسة تدعى ديوان الشعر الملحق بخدمة الإمارة الذي جذب إليه المتنافسون حتى من طليطلة حبا في مايزخربه من فنون ومجالس للأدب والشعر ، ولم تستقم هذه المؤسسة حتى كانت نكور تعج بشعراء كثيرين باعتبارها أول حاضرة في الغرب الإسلامي كما يؤكد المؤرخ أحمد الطاهري. ومن خلال جذورها سيتأسس الأدب المغربي بعد ذلك. وفي نفس المضمار يؤكد البحث التاريخي على أن قرض الشعر قد كانت له سوق نافقة في بلاد نكور كما أنه شمل حتى المراسلات الديبلوماسية. أن استحضرنا تبادل المراسلات بين الخليفة الفاطمي بإفريقية وسعيد بن صالح فنجدها مذيلة به وهذا يعكس مدى تأثر أمير الإمارة بالحياة السوسيوثقافية السائدة حيث كان الناس يوظفون الشعر كلغة للتحاور فيما بينهم وهو ما يعرف بالشعر الحواري خصوصا وبعض سيماته مازالت بادية للعيان في البوادي حيث الشاعرات يتحاورن عبر الشعر أو في بعض المظاهر الاحتفالية كأحيدوس وارايس..... ورمراح واتويزا.
1*تازيتونت وبريذ ويكيذم يتاحن
ماراذمامي لعزيز ئيناس أذيعاين
2*مامي لعزيز ئينوميمي ثكسيذ رهام.
...أبريذ ن- بوعرم الحسيمة يخذام
فلولا استقامة الأمانة العلمية في البحث التاريخي القديم لا نبهرنا أمام تجارب غنية ومعبرة التي هي من رحم أدبنا المتميز، إلا أن وصايا الموالي والمستبدين عملت على تخريب كل المجال الإفريقي عسى أن يسود الفكر القومجي لاسيما ماعرفته حملة موسى ابن نصير، فلم تستثن كل ما من شأنه أن يخدم تراثنا الإنساني بنكهته المتميزة الذي مثل ذاكرتنا الجماعية وخزاننا الفكري .
فلم يترتب عن النهب الاقتصادي والتقتيل والتخريب الثقافي. إلا التهجير والهروب إلى أعالي الجبال. واجتياز الحدود الجغرافية تفاديا لكل انتقام. مما نتج عن كل هذا.. نوع من الوهن الأدبي. والضعف الفكري. وهو ما سيعمق إشكالية الثقافة حين نطرح الراهن الثقافي كسؤال . خصوصا بالمنطقة الريفية التي لم تنفلت من شراسة الإجتياح العربي هي الأخرى. إن عدنا إلى بلاد نكور التي تسلط عليها موسى بن أبي العافية؛ فبعدما كانت يتقاطر عليها شعراء الأندلس والمشرق أصبحت في ظل الأوضاع المزرية والرهيبة يغادرها شعراءها عابرين العباب هربا من القتل الجماعي مؤجلين الإبداع إلى وقت لاحق بعدما تحط الحرب أوزارها، إلا أن يدهم العريضة في الشعر وكافة فنون الكتابة جعلت أمراء بني أمية يستعينون بخبرة أهل نكور في أمسياتهم وواحتفالاتهم...
وحتى لا يفوتنا القول فإن نكور كانت تقيم لشعرائها الراحلين ذكرى الإحياء نظرا لما أسدوه من أعمال جليلة من خلال فن مقدس ألا هو الشعر، مما ينبئ أن نكور احتضنت أولى الثورات الفكرية والثقافية في الغرب الإسلامي. إلا أن أهم جذور هذا الأدب ظلت مقصية في البحوث التاريخية؛ والأمر لا يعدو أن يكون مؤامرة ليس إلا؛ وإلا كيف سيحفظ البكري لشاعر كبير وهو إبراهيم أيوب النكوري بأربعة قصائد يتيمة ، كما لم تأت أقلام المؤرخين عن حضارة بورغواطة ونكور اللتان عمرتا أزيد من خمس قرون. لكن نجدها أولت إهتماما مبالغا فيه درجة الخرافات والترهات المزيفة وهي المتعلقة بادريس الأول الذي فر من بطش العباسيين بدعوى أن نسبه من أهل البيت لاستمالة رضى القبائل الأمازيغية ، وهذا ما يؤكد على أن تاريخنا لم يقرأ بعد لأنه لم يكتب بعد وهو ما ينسجم مع طرح الحركة الأمازيغية ، وما هو قائم هو تاريخ رسمي يغلب عليه النمط الإيديولوجي الأرتودوكسي .والذي تغيبت فيه كليا الأمانة العلمية والموضوعية التاريخية والتحليل النزيه للأحداث والوقائع.
نكور الشعر والشعير
إن نكور العظمى كما وصفها اليعقوبي.. عرفت أيام زمانها ازدهارا ثقافيا مثله خيرة أبنائها الذين ظلوا مهووسين بالفقه والشعر والأدب العامي مما كثر عليها السفر والإطلاع من أهل الأندلس حتى كانت تعج مراسيها بالوافدين عليها كما تروي المصادر التاريخية.
ولا شك أن طبيعتها الخلابة ومناظرها الأخاذة ووديانها الرقراقة ربت ذوق ساكنتها بقوة الطبيعة الرومانسية .ومنها سيستلهمون مخيلتهم الشعرية وقولهم الروحي والشاعري وموهبتهم الفطرية. والتي ما زالت تحتفظ به المنطقة خصوصا عند الشاعرات المرتجلات اللواتي لا يعرفن البياض ولا المداد حفاظا على موروث تقليدي قديم يمثل مرجعيتها الأدبية والثقافية
وهنا نستحضر بعض النماذج لا لبعدهاالمعرفي بل للصورة الفنية وجمالية البلاغة
*ثزيات ومان ثشو غ وزكان....
أيالليف ئينو ابوفورما ثوزان

*راحغ أذقيماغ أكيثيري ن رخوخ..
.أكيذك غ قيماغ أون ذيوين رموخ
وللأسف كان نصيب هذه التجربة الثقافية ومنها الشعرية- هو أن تطوف بني أمية برؤوس بني صالح في مدينة القيروان (أحمد الطاهري ص، 78 مرجع سابق) ودون نسيان ما ألحق بها من أضرار من لدن النورمانديين وكل هذه الهجمات ستدفع أهل المنطقة للهجرة والذين سينتهي بهم المطاف إلى عبور البحر نحو الجزيرة الإبيرية فارين من الأمويين والعبيديين. لأن العلم لا يزدهر والعلماء لا يتوافرون إلا حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة كما يقول ابن خلدون.
ومن بين الشعراء المهاجرين الذي سيغادرون نكور نحو الأندلس لتكاثر الغارات والانتقام والسبي وانتشار الجور والظلم هو: واسكين من بني يطفت من نفزة ويحيى بن يحيى الوسلاسي المصمودي من قبائل اغمارة(أحمد الطاهري المغرب الأقصى ومملكة بني طريف البرغواطية ص92).
فكثيرا منهم ظلوا مجهولين تفاديا للانتقام سواء تعلق الأمر بنكور أو غيرها فظل مسار الأدب الأمازيغي مصيره الإحراق والتلف.. كما وقع للديوان الشعري الذي ألفه بالأمازيغية، سهل الفارسي النفوسي حفيد الإمام عبد الرحمن رستم مؤسس الدولة الرستمية بمدينة تاهرت بالجزائر (عثمان الكعكاع ص 50-51) ففي الوقت الذي كان فيه عامة الأمازيغ منكبون على الإبداع والأدب إبمانا منهم بقيمته المثلى في الحياة، كان العرب النازحون منشغلون بالإتلاف والإحراق والسبي وهذا مادفع البطلة ديهيا تنهج سياسة الأرض المحروقة ، فحدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عمرو بن العاص كتب في شرطه على أهل لواتة من البربر من أهل برقة أن عليكم أن تبيعوا أبناءكم ونساءكم فيما عليكم من الجزية.(الدعوة الإسلامية وأزمة القدوة ص 15).
فتستغرب كيف كان يصادر الإنسان من ملكه ومملكته وبالأحرى الأدب الذي صار صاحبه يعيش في اللااستقرار، ومن الطبيعي إذن أن لا نعثر على مرجع يشفي غليل البحث والنبش في ثقافتنا الشعبية .وكله جهل لمصير مدونة ابن غانم المكتوبة بالبربرية والمدونة للفقه الإباضي في عهد بني رستم (حسن السائح ص 65 دفاعا عن الثقافة المغربية).
و رغم ذالك فنحن على علم بما ألحقه موسى أبي العافية ببلاد نكور. مما سيدفع بشعرائها وكتابها.خارج حدودها المعلومة . وبالضبط في بلاد الأندلس وفاس بحيث سينتعش المثقفون والشعراء النكوريين ويؤسسون تجربة أدبية رائدة تشمل شتى المجالات الفكرية. ويصعب علينا ضبط تلك التجربة بأسمائها وروادها. لأن أغلبهم كما تؤكد الدارسات والبحوث لم يحتفظوا بأسمائهم الأصلية. وقد تم استبدالها بأسماء مستعارة لاعتبارات متعددة وتفاديا للإنتقام منهم. ويعتبر مؤلف (المنار المنيف في التعريف بعلماء الريف) للباحث توفيق الغلبزوري .مرجعا هاما في هذا الباب حتى لا يستهان بدور الريف عموما ونكور خاصة في ميادين العلم والمعرفة. ونقول جازمين بأن التراث الأندلسي والمغربي ذات هوية أمازيغية صرفة بالرغم من الدخيل الذي وفد على المنطقة. لأن هجرة الأدمغة التي شهدتها الأندلس وفاس، لم تكن بالقليل وكانت لامعة ونشيطة في شكل موسوعة .ومع مرور الوقت تأثرت هي الأخرى بالثقافة المحلية التي ستغربها . ولم تعد يربطها بالوطن غير الحنين والتذكر ولم يسعفها الحظ للعودة إلى أصلها ، لأن المنطقة عاشت ظروفا غير مستقرة سياسيا وايكولوجيا واستغلت الدولة الأموية هذه الظروف العصيبة فنسبت هذه الثلة من المبدعين والمثقفين إلى ما هو عربي كما فعل لابن خلدون والشريف الإدريسي...وغيرهم
فعودة بنا إلى شعراء نكور والأهمية القصوى التي أولت لهذا المجال الفني كشكل من أشكال المقاومة والذود عن الشرف والهوية. فقد تبين من عدة مصادر تاريخية أن أهل النكور ارتبطت حياتهم على مدار القرون بالعلوم والمعرفة وما كثرة الفقهاء بها لخير دليل وحجة ، فرغم هذا الإقرار والإشهاد يبقى الأمر صعب علينا للتأريخ لهذه التجربة لأن جل الدراسات المنجزة أنجزت بنزعة عروبية وما تبقى ضاع وأنسي عمدا.
لتبقى الحركة العلمية والأدبية بالريف .رغم الحيف الذي تواجهه .من المساهمين في تنشئة وتطور الفكر المغربي بجدارة مايسمى بعلماء الريف
الذين نبغوا في مختلف علوم المعرفة ,والذي اخذ عنهم كبار رجالات المشرق والشام
-كخلف بن مسعود الجراوي الذي قتل ذبحا ,حين أثار حسد البعض الذين يكرهون الأمازيغ(المنار المنيف م س ص 30 )
-الشاعر أبو الحسن علي بن يحيى بلقاسم البطوئي الصنهاجي الجزيري (نفسه ص35)
-عبد الر حيم بن ابراهيم اليزناسي توفي ذبيحا بمدينة الدار البيضاء (م س ص 72)
-محمد بن أبي بكر كان فقيه المزمة (نفسه ص37)
-أبو إبراهيماالأعرج الورياغلي الغلبزوري الذي ذكره المدرع في منظومته فقال :
بقربه الورياغلي إبراهيم غناه لا يحتاج للدراهيم
(نفسه ص45-50)
-الشاعر علي الجزنائي (نفسه ص 67)
-عمر بن علي الورياغلي الذي قال عنه ابن زيدان :إنه أضاعه ومؤلفه قومه وعشيرته من معاصريه . فمن بعدهم و أي عالم يفخر به المغرب على المشرق أضاعوا.*...)( نفسه ص 54)
-أبو عبد الله ابن أبي منين النفزي الذي كان يقرض الشعر ويجيد صوغه (نفسه ص 22-19)
-أبو الحسن البطوئي الذي أخذ عنه ابن عاشر (نفسه ص 87)
لكن ورغم الحرف العربي الذي استعان به معشر هؤلاء الكتاب في كتاباتهم. يبقى الامر انهم كتبو بمشاعر ووجدان أمازيغي .
وحتى المؤرخين لم يهتموا ولم يعيروا ثمة اهتمام لإبداعاتهم وكتاباتهم الأمازيغية لان ذالك كان يقلق السلطان
لكن ورغم النزعة الشوفينية لا أحد ينكر الأهمية العظمى التي أولت بني صالح للشعر والشعراء عامة: من نخبة و رجال دين وسياسين وفلاحين ورعاة.
وحتى وإن كتبوا بلغة وحرف غريب عن ثقافتهم. فذلك لم يمثل عندهم غيرأداة ليس إلا، دون أن يغير من الذات شيئا ومن العقل الباطني ثمة .. مما نلاحظ على أنهم كتبوا بالوجدان والتراث الشعبي المحلي.. فهذا ابراهيم بن أيوب النكوري نقلا عن البكري يقول في إحدى قصائده:
* وقد جبت المهامة من نكور
إليك بكل ناجية أمون
مما نستشف على أن الشاعر يعيش ذاته ووطنه وجغرافيته ومتأثرا بهم بحثا عن الأمل والاستقرار في الوطن الصغير موصفا في باقي القصائد حالة الصراع والتوتر الذي تعيشه نكور والذي لا ترتاح له نفس اهلها.
وإن أراد هذا أن يعبر عن شيء فإنه يعبر على أن الحياة عند النكوريين ليست عبثا وترفا بل قيمة وحياة وجودية مقدسة . وهذا المستوى من الوعي قد سوى بين جميع الشرائح الاجتماعية دون استثناء وقد نلمسه في الشعر وفي غير سواه من الطقوس والعادات.
فالشعر عند أهل نفزة تحدي وعناد وصمود. فعبد الله الشيعي حين دعى صاحب نكور للدخول في طاعته والخضوع لأوامره والإنخراط في سلك الدعوة العبيدية قائلا:
*...... فإن تستقيموا أستقم لصالحكم
وإن تعدلوا عني أرى قتلكم عدلا
وأعلو بسيفي قاهرا لسيوفكم
وادخلها عفوا وأملؤها قتلا
......................
و المرسل إليه هنا هو سعيد ابن صالح حاكم إمارة النكور. كونه رفض الدعوة وواجه الأمر بالعناد والتحدي . ولم يخضع لأدنى مساومة تذكر مهما شاء ذلك ان يكلفه من ثمن . لانه أسرته ورثته النضال والعزة. وجابه أكثر من تسلط خارجي .سبق هذا الوعيد الأخير. فإن التهديدات الأموية عاش معها أهل المنطقة تجربة مريرة. بل الأنكى من ذلك وتجسيدا للعناد الورياغلي فإن امبراطور نكور حاول أن يرد عليه وأن يجاريه بنفس الأسلوب.حتى على مستوى الشكل. فرد عليه شعرا وليس خطبة أو بيانا أو نثرا. لتبيان مدى تجذر الحركة الأدبية الشعرية في الريف الأمازيغي الذي ليس قاصرا أو ناقصا بل يفور أخلاقا وإبداعا فكرا ووعيا وتحديا .
فكلف حاكم المدينة كما تروي المراجع التاريخية إحدى شعراء الإمارة للرد على عبد الله الشيعي .وهو من ديوان شعراء آل صالح ويقال أنه من أهل طليطلة كان يقيم بنكور ويدعى الأخمش. والرواية مشكوك فيها لحد كبير
ومن ثبت أنه غير نكوري او بربري بالوطن كم يقول ابن خلدون
لماذا لم يعين الأمير أحد الشعراء النكوريين.. وكيف استوعب هذا الشاعر اللغة بهذه السهولة وهومجرد زائر..
ولما لم يكن سعيد ابن صالح هو قائل هذا البيت.
كذبت وبيت الله لا تحسن العدلا
ولا علم الرحمن من قولك الفصلا
وما أنت إلا جاهل ومنافق
تمثل للجهال في السنة المثلى
وهمتنا العليا لدين محمد
وقد جعل الرحمان همتك السفلى
إنه فعلا كان شاعرا على مستوى الفن والموضوع .بحيث لم يوظف التهديد ولا الهجوم ولا لغة العنف و القذف ..لأن القيم عند أمازيغي النكور كانت أكثر من كل شيء. فحاول أن يربكه فنيا. انطلاقا من الإسلام الذي هو دين العدل والحق. وليس كما عبثت بني أمية بالغرب الإسلامي و التي تدعي نشر الدين في رحاب المنطقة . وأنها في الأصل ومنذ البداية لم تنشر غير الفساد والظلم في المغرب الأقصى خصوصا .وطبعا ستشن حملة شعواء من قبل الفاطميين على نكور. وسيلحق بها دمارا وخرابا إلا أن أهل نكور لن يستسلموا قط للأمر.وسيظلون يقاومون إلى أن ينتزعوا حقهم ويستردوا مملكتهم وملكهم فقاتلهم قتالا شديدا وتم صدهم وتشتيت جمعهم وقتل زعيمهم (إمارة بني صالح في بلاد نكور ص 192).
وحين يطردون خارج أسوارها مندحرين منهزمين يأتي نوح الشاعر :
....................ربي إن نكور صارت دون معقلي
لأن المواطنة التي دفعتهم للقتال شكلت عندهم الوجدان الجماعي واللاشعور الأبدي، فالمجال السياسي هنا له قيمته الخاصة والمميزة. لكننا سندعه إلى حين؛ للإشتغال على الفعل الفني الأدبي .الذي بدا لنا من خلال اطلاعنا على بعض الدراسات على أنه غني ومتجذر بخصوصيته الهوياتية . عند أهل المنطقة التي عاشت تفتحا واسعا على ثقافة الأخر. لنعتبرها بكل جدارة . أنها ساهمت من جانبها في إغناء وترسيخ الثقافة المتوسطية. وتعد حصيلة مجموع القيم السائدة إلى اليوم في الحوض المتوسطي هي إسهامات أمازيغية محضة،
فإن ما تبقى من ذاك الموروث إلى الآن هو الدال على أن نكور وأحوازها البعيدة والقريبة شهدت عبر مساراتها التاريخية ثورات ثقافية وانتاجات أدبية شعبية خصوصا إن استحضرنا(ثنفوست- إزران كشعر شعبي يشكل عبره المحكي اليومي ) ولولا العقلية الإنغالقية والمتزمتة لاستفادت الأجيال منها خدمة للتراث العالمي والإنساني.
فإن المؤرخين الذين آتوا على التأريخ لنكور أدبيا لن يرق أبدا إلى المستوى الحضاري الذي عاشته المنطقة فعلا.
والإشكال الذي مثل جوهر العلة التاريخية هنا هو عدم التأريخ للتراث الأدبي الذي كان متداولا بالأمازيغية. والذي مكث على نفس المنهج والسيرة إلى حدود اليوم، وبالأحرى وقت ذاك الذي كانت فيه المنطقة لم تتعرض للاختراق المشرقي الذي نلعق اليوم تبعاته ومهازله.
فياليت لو دون بالموضوعية ما تناوله المؤرخين .فالبكري لم يأت إلا بما يضعف شخصية الأمازيغ ويهينها. وفي كتاباته كان دائما يبحث عن الهفوات في تاريخهم .خصوصا إن استحضرنا قصيدة سعيد بن هشام المصمودي الذي يهجو البرغواطيين (الأدب المغربي من خلال ظواهره وقظاياه ص 77 عباس الجراري)، ونحن نتساءل لماذا ركز على مثل هذه القصائد دونها مثل التي تمجد وتعظم وتثني.... هل هي مغمورة أم متؤامر عليها .
إن تحامل المؤرخين على بلاد الريف خاصة. أمر بين للغاية. وقد سبق لمحمود اسماعيل أن أثار هذه النقطة بشأن البكري حول بورغواطة ذاتها والذي كان يتلذذ بكل ما يجرح أو يسيء لها خصوصا في قصيدة من شعر عبد الله الكفيف في حاميم الغماري. الذي تنبأ في اغمارة والذي يقول عليه في إحدى الأسطر: فما هو إلا عاهر وابن عاهر (نفس المصدر عباس الجراري، ص: 781).
ولم يشر قط لأي شاعر اغماري في رده على الشاعر السفيه لأن اغمارة كانت تعج بأدباء وطاقات وهاجة ولا أحد منا قد ينكر عليها تقاليدها المعبرة خصوصا المظاهرة المميزة لشعرائها كاستدال الشعر واتخاذ الظفائر وتطييبها (مرجع سابق أحمد الطاهري ص: 38.) أليس هذه التلميحات المتخلقة تؤكد بقوة الحجة .على أن جبال الريف كانت تعيش وتنتعش أدبا وفكرا وقيما، ونفس التعتيم مورس إذن على جل المناطق التي استقر فيها الأمازيغ. ومنها نكور التي نحن بصدد الحديث عنها والتي تحاشى التاريخ الرسمي الحديث عنها. وحاول قدر الإمكان تغييبها من كل الأبحاث والدراسات، وتعد الدراسات التي قام بها بعض الأجانب هي الوحيدة التي حاولت أن تلامس بعض الحقائق الثقافية والمظاهر الاجتماعية. التي كانت تعيش أوج عطاءاتها أما التي تجاهلت علاقة التراث بالتنمية/والسيكولوجية/والديمقراطية؛ فلا يعول عليها أي انتقال ديمقراطي أو مجتمع حداثي. لأن علاقة الإنسان بهذين الأخيرين. علاقة صراحة وموضوعية واعتراف. فهل حان الوقت لإعادة كتابة تاريخنا بكل حقائقه. وأول إرهاصات الديمقراطية .هي دمقرطتة البحث العلمي. وتمكينه من التعبير عن رأيه بكل حرية .وهذا حلم الجميع لامتلاك نظرة شاملة ودقيقة حول المشاهد الثقافية ببلادنا, بحيث لعبت دورا بارزا في تفعيل مسارها الحضاري .وقد امتد ذلك حتى خارج حدودها الجغرافية .أن استحضرنا مرحلة ملوك الطوائف لا سيما حين يؤكد ابن الخطيب عند حديثه عن "باديس بن حبوس" في قوله (وجعل يراطن أخاه بالبربرية فالحفاظ على اللسان البربري هو الحفاظ على إبداع وأدب أمازيغي ذاكرة ولغة ووجدانا.
وتشبثهم بهويتهم لم يفلتهم من العنف الذي مورس ضدهم من قبل الأمويين الذين استغلوا المنطقة وارجعوها قرونا للوراء. ولولا معاملاتهم العنصرية والرهيبة لما نفي ابن رشد إلى مراكش من طرف السلطان حين نعت يعقوب المنصور الموحدي "بملك البربر" وكان الإضطهاد يلاحق كل ما هو أمازيغي ..خصوصا حينما تبلورت الحركة الأمازيغية في قرطبة وباقي المدن الأندلسية .والفضل في ذلك راجع للدهاة الأمازيغيين مبدعين وعلماء وشعراء. الذين بلغ صيتهم إلى حدود المشرق وذاع صيتهم في العراق (محمد حقي مصدر سابق ص: 262) وتعد تجليات هذه الصحوة الفكرية .من دفعت الرازي ليقول [توجد في قادس أعمال جميلة يقال أن البربر هم الذين حملوها إليها عندما عبروا البحر ونزلوها وعمروا الجهة القريبة من البحر] (نفس م.س، ص: 79).
ولم يكن الذين نزلوا إلى قرطبة واشبيلية بالضبط غير أهل نكور الفارين من بطش الأمويين مثل حسين بن فتح النكوري الاشبيلي (ف م ص 259) وآخرين الذين تعرضوا للتعريب وبدلت أسماءهم.وادعت أنهم من أسر الخليفة وتلقوا تسجيعا من الموالي لزيارة المشرق والشام من أجل العلم، فكثيرا منهم من زاروا .و لم يعد.. أوعاد فقيها معربا.. حتى اختفى أثر المصموديين والزناتين والصنهاجين الذين لعبوا دورا هاما في الثقافة الأندلسية التي هي أمازيغية إسبانيا.
لكن ما نتأسف له هو أن الكتابات التاريخية حتى وإن تطرقت للتواجد الثقافي في الأندلس فإنها لم تأت إطلاقا على الثقافة الأمازيغية في شتى تعبيراتها قبل مرحلة التعريب.
وهي تجربة مهمة كنا سنقرأ فيها بعد الجمالية والمعرفة الفكرية والأخلاق ومفاهيم الهوية والاستقلالية عن الثقافة المشرقية. التي لم تكرس غير العسف ومعاملات العنف الدامي. ويعد مثل هذا السلوك ساريا حتى في الأشعار التي قيلت وهي تهين الأمازيغي. والتي منح لها التاريخ الرسمي أهمية كبرى. وذلك ما يبين أن في الأمر من إساءت وشطط كبير وإن هذا التغيب القسري للأدب الأمازيغي هو ضياع لمرحلة ذهبية عاشها المغرب الكبير . كان على الأجيال القادمة أن تتطلع عليها وتعمق فيها بحثها لتعي جيدا قيمة تراثها . لكن مع طغيان الهاجش القومي الرافض لكل تعددية . حال الأمر دون ذالك . مما صار المؤرخ النزعوي يلعب دور الجراح والجزار معا.
علما اننا نعلم جيدا على أن الشعر عند هذه الأمة الأمازيغية مثل وجدانها وذاكرتها الجماعية وقيمها المثلى، وظلت تنظر إليه برؤية مقدسة، لأنه هو القادر على تمثيلها أحسن تمثيل والتأريخ ليومياتها ولأحاسيسها وسوسيولوجيتها... كما لاتقل باقي جوانب الأدب اهمية بالموضوع. فبصدد هذا السياق .يمكن القول في نكور التي كانت شاعرة وصارت شاردة وشائخة.ليس بقلة المادة الإبداعية لكن بالتعتيم الإيديولوجي السائدالذي استهدف الإنسان والتراث والهوية ....
أخميني وذا نخريق...=كأننا لم نولد هنا
كما يقول الشيخ علال استهزاءا بالوضعية المزرية والمنحطة
لكن وبالرغم من كل الإجحاف الصادر في حق الثقافة المحلية
يبقى بوح الشاعر يتفتق من عمق جبال الريف وهويسري رذاذا وسلسبيلا معبرا عن روح المواطنة وعشقه للأرض :
أماني ماراحغ ويهني وور ئينو...
أياريف اياريف
ثني تمورث ئينو


الموحدين وشعر العقيدة.
شهدت الدولة الموحدية بزعيمها ابن تومرت ثورة ثقافية نقدية وحركة أدبية دينية وازنة. وصل صيتها إلى تخوم الأراضي الإسبانية -الأندلسية وإلى باقي تخوم شمال إفريقيا. ويعود المد النهضوي هذا. إلى اعتماد النخبة الثقافية خصوصيات التراث المؤسس للهوية التاريخية والفكرية تجاوزا للاغتراب الذي ما فتئ ينهش إرثنا وموروثنا، وهو منطلقا كان صائبا بكل المقاييس، انتقد المشرق بغية التحرر الفكري الثقافي .بعيدا عن أية تبعية تذكر، لأن التاريخ كما علمتنا التجارب. لا يمكن قراءته إلا من داخل منظموته المستقلة .وإذ يعد الأدب الثقافي والفني أهم ما من شأنه أن يدعم التجربة الموحدية في بعدها الاستقلالي والتحرري من أي استلاب يمسخ الهوية .
وعودة بنا إلى موضوعنا الأصلي. نجد أن الموحدين وضعوا الشعر في خدمة عقيدتهم الدينية.وفي مرتبة أسمى. مما يحيلنا على أنهم إعتنوا بالفن قدر الإمكان مانحين له وضعية مقتدرة .لأن الشعرezran . قبل كل شيء فكر وإبداع وفلسفة مادام يهتم بقضايا الناس كما يرى تودروف. إلا أن كل ما راكمته هذه الفترة الذهبية. لم تأت عليه أقلام المؤرخين ولا الباحثين نظرا لطغيان البعد الايديولوجي عن ما هو فكري وإنساني، فظل كل ما إدخرته الذاكرة الجماعية .في غياهب النسيان والضياع. فابن تومرت لم يطرد الشعراء من بلاطه كما فعل أفلاطون بل كان يدعوهم إليه. لإسماعه أعذب ما جادت به القريحة وخصوصا. أن المجتمعات الأمازيغية أدمنت على هذا الفن البلاغي المرتبط بالحرية واختلاف الرأي الذي لا يمكن أن يعكس غير الحداثة والإنفتاح وحب المعرفة.
وفعلا أثبتت لنا الدراسات التاريخية أن ابن تومرت اعتمد الشعر لإنجاح الدعوة. وكان هو ذاته يلجأ إلى إنشاده كلما أبصر صاحبه عبد المومن وكله كان يتمحور حول التوحيد والإمامة، كما كان في عهده يدعوا الشعراء في مناسبات عدة ويقيمون مجالس لإنشاد الشعر وكان الشعراء يقفون لتسجيل البطولات والانتصارات...
وبرز منهم في الأندلس من الشعراء :ابن دحية صاحب كتاب( المطرب في اشعار أهل المغرب ) ت 633 ه
و الأمير أبي الربيع الموحدي صاحب اختصار الأغاني :ت 604 ه
وطول هذه المرحلة التاسيسة الممتدة حتى الأندلس مرورا بطول شمال إفريقيا .واكبت حركة الشعر التطورات العقائدية ,
مما كان يطلب من الشعراء مواضيع تخدم دعوتهم .ونبغ في الأمر أبي عمر بن حريون …..
ومن أنواع الشعر الذي ساد المرحلة في عمرها الأخير : الرثاء على الأندلس السليبة
وشعر الزهد والتصوف والأمداح النبوية ومن أشهر شعرائها :ابو العباس محمد ابن العزفي السبتي المغربي
كما كانت الملوك المتعاقبة على الحكم بالمغرب . تولي إهتماما بالغا للشعر. حيث كانت تسهر على تنظيم المسامرات والمجالس الشعرية أو ما يسمى- بأقصى akssa- التقصيث – فلان إسقسا :يمتع- والمصدر هو الترويح عن النفس مع شيئ جميل قد تكون فرجة فنية أولقاء مع محبوب ... كما هو ساري و متداول في الريف في رمراح والاطلس والجنوب مع أحواش وأحدوس .وقد عرفت هذه المسامرة akssa خصوصا عند المرابطين والموحدين والمرينيين والنكوريين ....
ولايزال أمر الظاهرة سائد. وهو يبدأ من مجالس akssa العائلة. إلى مجالس الشعر في البوادي. التي لم تخترقها بعد ثقافة العولمة
فعند يوسف ابن تاشفين. اجتمع له من الشعراء ما لم يجتمع لأحد..(المناهل اكتوبر 2006عدد79ص 49)
فيعقوب المنصور الموحدي. كان له مجلس للأدباء وارباب المعارف والفنون .........( المناهل نفس م و ص)
كما الامر سيان عند ابي عنان المريني .الذي كان بدوره شاعرا . ومجالس المنصور السعدي المشهورة .
وفي الريف كما في سوس .كانت تعقد المجالس الادبية . كلما حضرت فرصة . كالعرس أو أي شكل احتفالي آخر ....فيتحول منزل المعني إلى منتدى ومسامرة شعرية. يحجوا إليها الناس للاستمتاع بلذة الكلمة الجميلة ..
وهذا مايبين مدى وعي العامة و الخاصة بالأدب وفنونه في حياتهم الشخصية والإجتماعية، وعلى الاقل ما يمكن تأكيده في مجالس الشعر. هو الحفاظ على استمرار اللغة وتجديدها .لكن ما نعلق عليه رغم ان لكل منطقة ومرحلة... شعراءها وأدباءها هو عدم إهتمام المؤرخين بالمجالس الامازيغية ..التي كانت تتحول أثناء هذه اللحظات إلى سوق كما يقول المختار السوسي بحيث القصيدة كانت تتلى في جموع( المناهل م س ص 64)
وما يمكن لنا أن نستشفه من كل هذا. هو أن البلاد كانت ذواقة للشعر والفن عموما. كما كانت تعج بالشعراء وتتحاور شعرا وكانت دوما تحاول تجاوز السلفية التي ثاروا ضدها الموحدين مع المرابطين مشرعين باب الاجتهاد لتطوير الحياة على تعدد مستوياتها، وهذا الإنفتاح المتنور هو الذي سيؤبد الطريق نحو التأليف والترجمة...التي نشطت في عهدهم جاعلين من القصيدة مرجعا ثابتا ودليلا ثقافيا لقراءة المستقبل. مانحين لها صفة الذاكرة والوعي الذاتي بشتى خصوصياته ومستوياته.
وهذا الشعر الذي كان جله ملحمي. لم يقتصر على مجال دون آخر بل تطرق لجميع المظاهر الحياتية بقدرة بارعة في النظم والبيان والإتقان. وهو ما يعكس ضمنيا قدرة اللغة الأمازيغية في تشيد الصرح الثقافي الأمازيغي. نقول هذا لأن أغلب القصائد كانت تزيد عن 300 بيت ك...الشاعر ابن مروان
فهذا أبو بكر الصيرفي شاعر لمتونة يمدح يوسف بن تاشفين يذكره بأمور الحرب في وصايا وتحذيرات وتنبيه. على معرفة سياسة الحروب لأن الدولة المرابطية بدورها جعلت من الشعر ما يعلن ويبرز هممها ويستطرد الشاعر السالف.
** يا تشافين أقم لجيشك عذره
بالليل والعذر الذي يدمـــع
أهديك من أدب السياسة مابه
كانت ملوك الفرس قبلك تولع
فانطلاقا من هذين البيتين يتضح جليا أن الشعر عند الامبراطوريات الأمازيغية. لم يقل شأنا بأمور الدين والدنيا لكونه كان يشتمل على النصائح والإرشاد لاكتساب المعارك وهزم الخصوم، وهذا الشعر الحربي والمقاوم كان ينظمه الشاعر بلغة بلاغية أقوى من صدى الرعد. منسجمة الإيقاع والهندسة والمضمون والقاموس اللغوي .وهذا ما أدى بكثير منهم أن تجاوزت شهرتهم حدود الأندلس ؛ وبلغت المشرق .وذاع صيتها في العراق. كعباس بن ناصع المصمودي الجزيري وابن عبد الرحمن الثاني الذي كان عالما شاعرا واعتبره الثعالبي بالمتنبي وكثير منهم لا يسعفنا الحظ بذكرهم وهم من فحول الشعراء الذين لا يستحقون هذا الغياب وهدا الإعدام الثقافي .
فغياب نص مكتوب بالأمازيغية في هذا المجال خصوصا إبان مرحلة الموحدين والبورغواطيين الذين منحوا اللغة الأمازيغية مكانتها في شتى المجالات. وحتى المجال الديني عندهم كان دوما يؤخذ في خصوصيات محلية كما ورد في جذوة الأنساق. لشيئ مؤسف للغاية
و يذكر أن الموحدين حين استولوا على فاس أقالوا جميع الخطباء الذين لا يتقنون اللسان الأمازيغي ومن بينهم الخطيب "المهدي بن عيسى" الذي كان أحسن الناس خلقا وخلقا وحل محله الشيخ الصالح أبا الحسين بن عطية إلى أن توفي وأن في هذه الفترة بالذات كما جاء في روض القرطاس بدلت أحوال بأحوال ورجال برجال وكان لا يخطب إلا من يحفظ التوحيد باللسان الأمازيغي، فتمزيغ المساجد هذا يجعلنا نتيقن بأن الإبداع الذي كان سائدا ومنتشرا وقت ذاك ومنه الشعر. كان يؤلف باللغة المحلية الأمازيغية العريقة وليس بالثقافات الواردة علينا، وإلا كيف يصر ابن تومرت للنداء للصلاة باللسان الأمازيغي. ويهمل باقي المظاهر الثقافية .لأن تكون في نفس المستوى، لذا فلماذا تم استبعاد الشعر الأمازيغي من الدراسات التاريخية؛ وكل ما أتى عليه الباحثين شذرات متناثرة مكتوبة بالعربية؛ خصوصا أن الشعر بشكل خاص عند الموحدين دعامة أساسية وروحية لدعم الفكر وصيانة الهوية القومية.
وبما أننا نسائل التاريخ القديم .أمام هذه التجاوزات نؤكد مع بعض الباحثين أن الأمازيغ وقتئذ كانوا يجهلون اللغة العربية . كما نجهل لحدود الآن بأية لغة كان يمدح الشاعر سابق بن عبد الله البربري عمر عبد العزيز كما نفتقد كل ما كتبته الذاكرة الشعبية الجماعية.التي لم تصلنا منها إلاالنزر القليل وهذا الضياع هو ما يجعلنا نلح على إعادة كتابة تراثنا بصفة خاصة وتراث شمال إفريقيا بصفة عامة. الذي تعرض لهولوكوست مسكوت عنها
فهذا عبيد الله حباسة بن يوسف سنة 301 هجرية خرج على رأس الجيش الفاطمي ببرق فقال : من أراد العطاء والرزق الواسع فليأت. فاكتتب عنده جماعة وأمر العرفاء من كتامة بأن يعرفوهم بأعيانهم ويرقب كل واحد منهم رجلا من أولائك المكتتبين عنده .ثم أمرهم أن يحضروا بالغداة لأخذ الأرزاق. فلما حضروا قتلهم جميعهم .وكانوا نحو من ألف رجل فامر بجمع جثثهم ووضع عليها كرسيا وجلس فوقهم ,ثم أدخل وجوه اهل البد فنظروا إلى ما هالهم من كثرة القتلى ومات منهم ثلاثة من الخوف والرعب فلما مثل أهل البلد بين يديه سبهم وقال (إن لم تحضروني غدا مائة ألف مثقال قتلتكم أجمعين فأحضروه إياه) (المجتمع العربي الإسلامي م س ص 215)


المرينيين والتصوف الشعري
بدأالمرينيون حياتهم كمتطوعة في الجيش الموحدي. لكن وبعده سيشكلون قوة عسكرية تطيح بالموحدين نفسهم في نكورفي أواخر انحطاطهم. منطلقين من الجنوب الشرقي –النجود العليا – مستغلين طرق القوافل التجارية الآتية من السودان .. نحو فاس بعدما كانوا يفدون بدورهم على الريف كرعاة. فاعتمدوا على قبائله وعلى شخصياته القوية –إمغارن-لتحويل عاصمتهم من مراكش إلى فاس.وبعد ذالك ستجمعهم بالريف علاقة القرابة والمصاهرة والثقافة. فهم ممن تركوا فيها ثقافة معمارية باقية لحدود اليوم. ويتمثل الأمر في المنازل ذات رمراح- الفناء- الواسع أو باللغة المحلية أزقاق
إنهم من سلالة أمازيغية ومن الدول التي تعاقبت على الحكم بالمغرب وساهمو ا في تكريس وتطوير الحضارة المغربية وعامة شمال إفريقيا آمنوا بالتعدد والإختلاف واحترموا الأقليات وفي عهدهم بنوا لليهود الملاح دون اضطهادهم أو إقصائهم وأسكنوهم جوار قصورهم تجنبا للأذى وهذه هي إنسانية الأمازيغ في تعاملهم مع الآخر .
وعلى مستوى الترابط العائلي المشار إليه. فإن زوجة عبد الحق المريني ام أبي يوسف يعقوب المريني هي ريفية الاصل من قبيلة أيث توزين من فرقة أيت علي أصهار المرينيين على حد قول ابن خلدون (هارت أيت ورياغل ص282)ويعد الفقيه الورياغلي شخصية مهمة في إسهام تأسيس المعالم الفكرة للدولة المرينية. والذي سيقع في منازعة فقهية مع أهل فاس وكان الصواب فيها حليفه.فتعصب عليه أهل فاس وأبلغوا السلطان أن طلبة البربر يريدون الخروج عليه وفي مقدمتهم الفقيه الورياغلي فأمر السلطان يعقوب عبد الحق المريني بإخراجه من فاس (الظل الوريف ص 33)
ففي هذه المرحلة بالذات ستعرف جل المناطق الأمازيغية شعر التصوف بالأمازيغية أو تصوف وفق الخصوصيات المحلية .وهم يقيمون المجالس في الزوايا .للأذكار والأمداح . رغم أن مرحلتهم الأخيرة كانت بداية لتعريب المغرب .لإعتبارات دينية وإيديولوجية كمستويين لشرعية السلطان وقت ذاك .وهو ما يناقض موقفهم في بداية تشكل دولتهم .حينما كانوا لا يسندون مدارسهم إلا لمن يعرف الامازيغية .والأمر سيان في مشيخة الزوايا كذالك . ويعد الريف من المناطق الأمازيغية التي تأثرت بتجربة الفكر المريني .حيث انخرط في تصوف محليي .مازلنا نلمس تجلياته في إزران النساء المسنات .وفي تجربة محمد موذروس الدينية وهذا التصوف مارسه عامة الناس دون الفقهاء موظفين في هذا المجال باقي المعتقدات الشعبية السائدة كما هو الشأن ليوم المولد النبوي الذي يتميز بطقوس محلية صرفة ومستقلة عن ثقافة واردة أو شرقانية باعتبار التصوف في بعده الديني والثقافي وجدان شعبي خاص من كل شوائب مدنسة
إن المتصوفة الأمازيغ كانوا يفهمون الدين في بعده الشعبي خارج عن الطقوس الرسمية للسلطان إلا أن مع التدهور الذي ستعيشه الزوايا سيبدأ مخزنة الحقل الديني (بركة السلطان ص م س 90)
وهذا الشعر الديني المرتبط بالتصوف مازال حاضرا في بادية سوس وباقي المناطق وحتى في الريف. لكنه ظل منحصرا في صفوف النساء بكثرة من جهة ومن جهة أخرى ظل مغيبا ومقصيا مما يسر له الأمر بالإندثار والضياع
ويعد هذا الأخير-شعر التصوف الديني - من الإسهامات المهمة التي فساهمت بدورها في حفظ التراث وتجديد اللغة والحفاظ عليها
1*سيدي عري الحساني ثخذميث ئيقضعن
مذكمرغ خ ريض متجاغ ذك زكان
وعملت مختلف الزوايا بالريف على تكريس هذا الوعي الديني ذات الحمولة الشعبية كزاوية تيقيت ببقيوة (الظل الوريف ص36 م س) وكل هذا الزخم الفكري والأدبي خصوصا لم يأخذ بمحمل الجد كما يقول هنري باسيه فضاعت معه معطيات مهمة , وكثيرا من الباحثين لم يجدوا تفسيرا لكثير من معاني ثقافة التصوف في بعدها الروحي والإجتماعي واللغوي والبلاغي ,وقد وردت في ترجمة إبن حرزهم لفظة - ترفرافت -وكلمة أمازيغية - وهي حالة مصاحبة للتجربة الصوفية ولم يهتدي الباحث إلى معناها (المنهل م س عدد84) وهنا يتجلى الإهمال المقصود الذي تعرض له الأدب الأمازيغي بمختلف توجهاته ومراحله. الشيئ الذي استعسر علينا الأمر بأن لا نجد في الريف شعرا دينيا يستحق القراءة . وهذا ماجعل كارسيا مركيز يقول: ليس بالموت وحده يموت الإنسان بل بالتهميش أيضا









النزعة الإستقلالية في الفكر البورغواطين
إذا كان الموحدين قد تميزوا إبان مرحلتهم السياسية بالإستقلال الفكري عن المشرق. فإن البرغواطيين سباقين لهم بكثير وهم أولى من أخذوا المبادرة تكريسا لنزعتهم الوطنية ولم يكن الصراع بينهم والأمويين دينيا، وكما تروي بعض المصادر النزيهة.بأن السبب هو جمال نساء تامسنا التي أصبحت سلعة محببة لدى الخلفاء في المشرق وعمالهم بالمغرب وأن كل ما لفق من تهم وافتراءات لإبن ظريف في مسألة القرآن أمر لا يتعدى قراءته باللسان الأمازيغي وهو ما يركز عليه كل من "محمود إسماعيل وأحمد الطاهري". لنؤكد أن كل أشكال الأدب الأمازيغي كان متداولا بلغته الأصلية .كما هو الأمر اليوم وبالأحرى سابقا
ونفس الشيء يثير دهشتنا. كما رأينا في الفقرة الأخيرة عند الموحدين هو أنه رغم الإهتمام اللغوي والثقافي المحلي لم نعثر على شيء يستحق القراءة والإعجاب؛ علما أن المرحلة عمرت زمنا ليس بالقليل، ولم يحمل إلينا مؤرخي البلاط. سوى ما يسيئ ويشوه تاريخ هذه الدول المتعاقبة . كالتركيز على مقاومة برغواطة للموحدين ولا هذه الأخيرة للمرابطين ولا المرينيين للسعديين وهو تحامل يسعى إلى طي قرون من الزمن وكتم ما كانت تزخر به من أدب وسياسية واقتصاد.
فإن كانت برغواطة عمرت أزيد من أربعة قرون. فإننا لم نعثر مع مؤرخينا على الشعر الملحمي الأمازيغي الذي مجد الانتصارات والمعارك ضد الأمويين الذي جاؤا لسبي النساء، فأن يكون صالح بن ظريف ضليع بلغة البربر يفهم غير لسان من ألسنتهم كما ورد عند ابن حوقل.
فهذا كلام ضمني يؤكد بأن الفترة كانت ضليعة الأدب والثقافة الأمازيغية وأن جل الفئات الاجتماعية لا تتواصل ولا تتحاور. إلا عبر لسانها الأم. فكيف أن يغمر النسيان كل هذا عن محض الصدفة، فكيف سولت نفسه للبكري أن يدلي لهذه الفترة إلا ببعض أبيات يتيمة. نظرا لما تحمله من نقد ومهاجمة للبرغواطيين على حد قول الشاعر سعيد بن هشام المصمودي وهو ينتقد صالح بن طريف في موقعة بهت.
قفى قبل التفوق فأخبرينا // وقولى واخبرى خبرا مبينا
هموم برابر خسرو وضلو // وخابوا لاسقواماء معينا
الايم أمة هلكت وضلت // وزاغت عن السبيل المسلمينا
يقولون النبي أبو عفير // فأخزى الله أم الكاد بينا
ألم تسمع ولم تريوم بهت // على آثار خيلهم رنينا
رنين الباكيات بهم ثكالى // وعاوية ومسقطة جنينا
سيعلم أهل تامسنا إذاما // أتوا يوم القيامة مفظعينا
هناك يونس وبنو أبيه // يقودون البرابر حائرينا
ءذا وريا ورى رمت عليمه // جهنم قائد المستكبرينا
فليس اليوم ردتكم ولكن // ليالي كنتم متميسرينا
إن معركة بهت التي كانت ضد الأدارسة هي التي تتحدث عنها الأبيات التي أوردها البكري متهمة صالح بن ظريف بالعنف والتقتيل الجماعي دون أن يشير ذلك لطبيعة الصراع ولا لخلفياته. وهذا ما يطرح أمامنا عدة تساؤلات مشروعة ونحن نعرف ما إذا كان يمثل سهل تامسنا لباقي الخصوم على مستوى الاقتصادي والفلاحي والمعيشي. وهو الأمر الذي يركز عليه محمود اسماعيل وينفي عنه أية جوانب دينية، حتى يتسنى لنا الفهم بأن الصراع مع الأدارسة كان مصلحيا ونفعيا. وليس للدين دخل في ذلك ولكنه مجرد مطية .لهذا فما جاءت به الأبيات السالفة تحتاج لقراءة نقدية موضوعية مع استحضار سياقها التاريخي بكل مستوياته، لأننا نستغرب كيف تجاهل البكري بطش الأمويين في المنطقة وتخميس أهلها وكيف ثار ضد ذلك ميسرة المطغري. وبالتالي لم يسبق أن ورد على سمعنا بأن صالح ابن ظريف عامل قومه بما تصفه الأبيات السالفة. ونعتبر هذا تحاملا من نوع آخر على ما تعرض له هذا الأخير. من تهجم فيما يخص إشكالية النسب والعقيدة. لينتهي الأمر بكل هذا إلى الزج بشخصية فيما هو ذاتي وأخلاقي. حتى نتناسى جرائم بني أمية التي لا يمكن نسيانها حين قاتل مسيرة المطغري هشام بن عبد الملك وقطع عليه الخراج.
وارتباطا بمجال الشعر نسائل البكري على غرار باقي مؤرخي البلاط كيف لم يعثر على شعر مكتوب ومنطوق بالأمازيغية علما أن أهل المغرب وقتذاك. كانت قد أولت اهتماما بالغا للغة وثقافة الأم. والتي يصفها الباحث محمد الطالبي بالنزعة الوطنية كما وصفها المشارقة بالبدعة،وحتى اسم صالح بن طريف الرجل الأول الذي وصل إلى TARIFA بإسبانيا فاتحا لها. كان يتداول عند قومه بأصليته الأمازيغية. وليس كما جاء معربا في الكتابات التاريخية وهي[وريا واري] بمعنى أن ابسط الاشياء كانت تقرأ باللسان المحلي وبالأحرى الأدب والشعر .وهو ما يؤكد اعتناء البرغواطيين بالثقافة الأمازيغية حتى على مستوى الأسماء ...وعلى المستوى الرسمي وليس الشعبي فقط وهذا ما نلمس فيه التناقض الصارخ مع المؤرخين الذين لم يكلفوا نفسهم عناء ثقافتنا المغربية. والبحث في الجوانب الحضارية للثقافة الأمازيغية التي شكلت عقدة للآخر.
أم البكري لم يفتنه غير الرمان السفري والتين الملقي الذي قال للنكوريين حين زارهم كبوه في حلقي- بنوا صالح في بلاد نكور-
فإن ما تعرض له البرغواطيون هو مصير كل الشعوب التي سعت تاريخيا إلى التحرر من السيطرة والتبعية المطلقة. وهو تحامل مقصود كما يرى أمثال محمود اسماعيل. خصوصا في اضطراب المعطيات واختلافها وهو الحال عند كل من ابن زرع وابن الخطيب والبكري على وجه الخصوص .
لذا فالمرحلة التي نحن بصدد الحديث عنها دون شك كانت غنية شعرا ونثرا وإبداعا.. وهذا ما نلمسه اليوم في الذاكرة الشعبية الجماعية عند جيل الأحفاد. خصوصا عند المرأة. سواء تعلق الأمر بالشعر أو بالوشم أو الزربية،... لكن ومنذ أن رفضت المنطقة التعامل مع الهيمنة المشرقية لإثبات استقلال تفكيرها وتوجهاتها . بدءا بمحاولة قراءة الدين بلسانهم المحلي...إلى غير ذالك من الإعتبارات الأخرى.
ولهذه الأسباب أبت الدراسات التاريخية المشرقية الشوفينية . أن لا تمدنا بالمعلومات الهامة حول الشاعر البورغواطي وهو ثامن ملوك هذا البلد المتمثل في "صالح بن عيسى بن أبي الأنصار" الذي كان شاعرا فصيحا فأطاعوه حتى جعلوه نبيا (أحمد الطاهري المغرب الأقصى ومملكة بني طريف البورغواطية، ص:207).
والشاعر هذا دون شك كان ينظم باللسان الأمازيغي ولم تصلنا قريحته. ما دام أن كل الشعائر والطقوس كانت تتم بلغة الأم .من صلاة وآذان انسجاما مع رؤية البرغواطيين في قضايا الحياة من دين وثقافة وسياسة واقتصاد.
وهذا الحرمان والغياب لتاريخنا خسارة لمستقبلنا ولتراث الإنسانية جمعاء.
وقد طال مثل هذا الشطط الأموي كل ما له علاقة بالهوية والحضارة الأمازيغية .لإفراغها من محتواها التليد. كما وقع لكتب ابن مسرة أيام الخلافة حيث أحرقت كتبه واستبيحت للخرق بحيث غدا الأمر من المستحيل الحصول على مجلده (نفس المرجع السابق، ص: 198).
كما كان بفاس وحدها من الفقهاء الأعلام والأجلة اعيان الأنام ما ليس في غيرها من بلدان الإسلام...[مفاخر البربر، ص: 172 تحقيق عبد القادر بوباية] فتم إهمال أعظم الكتابات المتنوعة . التي أفنت شبابها في سبيل المعرفة والعلم . وفي نهاية المطاف يزج بعامة موروثنا في فراغ قاتل تنفيذا لتوصيات ولأوامر الخليفة والولاة.
لكن وطنية الشاعر لم يزحزحها السوء المستشري ,لتظل ثابته رغم الإجحاف السياسي
*نشين نكور أن زوى ودنجي بو ثزواث
...أثسينو ثمورث ئينو زون ذايم ثزواث
*أغربو نمريتش متياضور سنج
أثسينو ثمورث ئينو ويغيراحن أشم يج
وهذا التعتيم والطمس. ما زال ساريا إلى اليوم في مجموع المناطق الأمازيغية كطوارق الصحراء الذين يتعرضون للإبادة الجماعية كل يوم على سبيل المثال لا الحصر.
وإن كانت كتاباتنا في هذا المجال. لم تقتصر سوى على طرح مجموعة الأسئلة فقط .دون استحضار المادة التي نحن بصدد الحديث عنها. وهي الشعر و ذلك راجع إلى غياب المراجع وأزمة التدوين بسبب طغيان الطابع الشفاهي على ثقافتنا منذ التاريخ القديم.
ورغم التاريخ النزعوي الايديولوجي. فإن فترة البرغواطين عرفت شعرا متطورا وشعراء نموذجين لأنه لا يعقل أن تعرف المنطقة شعرا باليوم دون ذلك بالأمس. وليس الشعر وحده من كان ضحية. بل كل المجالات كانت للإيديولوجية فريسة شهية .وهذا مفضوح النوايا . حين نجد أنه يتم استثمار كل ذرة لتشويه وإفراغ التاريخ الأمازيغي من محتواه التاريخي.ولو بتعبير شعري بسيط. فاسمع ما يقال في حميم الغماري مثلا واسوة بورياواري الذي يعتبره كافرا وساحرا وعاهرا عبد الله الكفيف:
فقلت كذبتم بدد الله شملكم.
فما هو إلا عاهر وابن عاهر .
فهو كلام سخيف يفتقد للمعايير الأخلاقية والأدلة الموضوعية وكل مايهم قول الشاعر سوى النيل من قيمة الإنسان الأمازيغي ..فكان كلامه لغو عنيف لا تؤطره ثمة انضباط..وهو نفس المسار الذي نهجته كل الكتابات المشرقية ولو اختلفت شكلا .

غياب المشهد الثقافي الأمازيغي عند المؤرخ العربي.
رغم عراقة تاريخ هويتنا ووجودنا الحضاري في هذا الربع الإفريقي ومساهمتنا المتواضعة في إغناء التراث الإنساني. لا نجد أثناء تصفحنا لأعمال الدارسين والباحثين، شيئا يشفي غليلنا في هذا الشأن. نتيجة الخلفيات المذهبية والعقائدية .التي طوحت بكل تراثنا إلى منافي اللامفكر فيه، ولم ينج من هذا الشعر الذي نشد عليه بالنواجد. إلا شعيرات قليلة جدا. وقلة قليلة من الشعراء .كجماعة روى لهم البكري بعض قصائدهم لأغراض دون أخرى. كالنكوري وسعيد بن هشام المصمودي. وبكر ابن حماد .ويحيى بن يحيى الليثي الذي كان عالما بمعاني الشعر. وملحان بن عبد الله بن ملحان عالما بالعروض .
مما يؤكد أن المجتمعات الأمازيغية كانت تعتبر الحياة بدون شعر صامتة وميتة. ممااعتنوا بهذا المجال. وكانت ملكتهم غزيرة فيه. نظرا لبعده الاجتماعي. والإنساني .والجمالي .حيث كانت الحياة عندهم كلها شعرمرح ومرح. فمنه السياسي والعاطفي والوجداني والأخلاقي .وهو ما يسمى اليوم بالشعر الحواري الذي ما زال نلمسه في البادية المغربية. والذي يمثله أحيدوس بامتياز والروايس في الأطلس المتوسط أو بالريف. وربما يمتد هذا على طول الساحل الإفريقي.وهنا نرد بعض النماذج للبعد الجمالي والبلاغي ,وليس للغرض
1*أخدام ن جورني اللطاش ميتعنياس
ركشيفث خ الشفوذ الداج يسغياس
2*ؤوتويغ ابناي ميخاف ديوتا وزرو
أذويغ ميكانيك ئيخدم ئيزهو
3* أنناي ذكياف يتكياف السبسي
..كياف امامينو محاند عاذ ذعزري
4*تسريغ دراو دراو أتغيرغ ذا رعوذ
أزيعنت توساث أثوذاد زي كما
ورغم شح المادة التاريخية. والمراجع البحثية .فإن ثلة شعراء ذاع صيتهم حتى خارج الجغرافية المحلية. لحسن نظمهم .وأهمية ما كتبوا فيه. بقوة بلاغية تستلهم النفوس. والأنظار. فأثنت عليهم بعض كتب التراجيم. كالشاعر أحمد بن محمد بن العاص الذي يشهد له بقوة الإبداع والنظم البارع والمتوهج.
إلا أن ما كتب بالأمازيغية .كان يعتبر عند البعض انحراف ثقافي لا يتماشى ومفهوم العروبةقديما وحديثا. وهذا ما جعل الباحثين كما أشرنا من قبل –تتفاداه. وتتركه للضياع .وكانت عملية التعريب والاختراق الثقافي. تتم بالقسوة في المعاملات التي نهجها بني أمية والفاطميين. مما اضطر مجموعة من الفئات إلى استبدال أسمائهم الأمازيغية بالعربية خوفا من الانتقام منهم. وهو ما يشير إليه الباحث محمد حقي في كتابه البربر في الأندلس. حتى يتسنى لنا الأمر فهم مجموعة من الحقائق. التي لم ترد في كتب التاريخ الرسمي ، وهو أن الإبداع بلغة أجنبية .كان قسرا وليس عن طواعية .مما يحيلنا الأمر على التعرف على مجموع الشعراء الذين يعتبرهم أغلبية الناس عرب بسبب ما أبدعوه بالعربية .وهذا خطأ قاتل وينطبق على الإمام البوصيري الأمازيغي صاحب البردة. إلى غير ذلك من العلماء والمفكرين أمثال. ابن خلدون والشريف الإدريسي...الذين أبدعوا ما يستحق الإهتمام والعناية به ولو بلغة غريبة عن تراثنا.فذالك لن يخلو من الذاتية الأمازيغية ومن اللاشعور الأمازيغي الذي يجسد من حين لآخر ملامح الهوية رغم التدجين والتعريب.

مظاهر الحضارة الأمازيغية عند المؤرخ الكولونيالي.
ومهما حاول المشارقة التنكر لأبعاد هويتنا الفكرية والتاريخية وطمس حقائقها المشروعة. حتى لا نعثر على شيء اسمه الثقافة الأمازيغية التي يشهد لها التاريخ على مستوى الذاكرة الشعبية .
فإننا نجد ذاتية هذا الخطاب في بعض الكتابات الكولونيالية التي دونت شيء من أدبنا الجريح ليس حبا في التأريخ له بل في ما كان يقتضيه أنذاك البحث الأنتروبولوجي الاستعماري، مما تسنى لنا الأمر بالعثور على بعض القصائد في المتاحف الأوربية كقصيدة "أمحضار" التي سجلها دولابورت سنة 1840 وكتاب شتوم 1895 في أشعار أمازيغية. وإميل لاووست بما فيها قصيدة- أتاي- التي تحتوي على 400 بيت تقريبا . أضف إلى ذلك ملحمة دهار أبران التي مازالت قيد البحث والجمع إلى غير ذلك من الدراسات الأجنبية في الموضوع كدفيد هارت وإميليو بلانكو...
لذا فكيف تناسوا المؤرخين.العرب. جمع ما جمعه الباحثين الغربيين. ولم يرد على ألسنتهم شيء من كل ما تم تدوينه .علما أنهم لم يلتحقوا بالمنطقة إلا في بداية القرن التاسع عشر. وهذا ما يبين أن الخلفية الإيديولوجية لسحق الهوية الأمازيغية هي الخلفية التي كانت حاضرة بقوة. كما كانت تحث الولاة على ذلك. إرضاء للخلفاء في الشام والمشرق. الذين يطلبونهم بالوصائف البربريات والأردية العسيلة الألوان حتى كانت الصرمة من الغنم تهلك بالذبح لاتخاذ الجلود العسيلة من سخالها ولا يوجد منها مع ذلك إلا الواحد وما قرب منه .
ففي الوقت الذي نجد فيه الدراسات الاستعمارية التي تحتاج إلى قراءة نقدية هي الاخرى.بحيث تقر بالمشهد الشعري الأمازيغي في الأطلس والريف والجنوب. لا سيما عند الدارس بيارني... والآخرون مع كل ما يميزالتجربة الإبداعية شكلا ومضمونا عن باقي التجارب الكونية. لنجد الباحث العربي يتحاشى الكلام والتطرق لها.اويتجاهلها عن قصد. حتى تتم إماتتهابصفة نهائية . وهذه هي سلبيات التاريخ الرسمي الذي لم يعتمد إلا على الخرافات والترهات .التي تخدم مصالحه الذاتية. وهذا ما يؤكد بالبت والمطلق قول الباحث لويس عوض: إن أسطورة العروبة العرقية خارج الجزيرة لا تقل شططا وخطورة عن النازية .
إذن فوجود حركة شعرية قديمة لها ما يبررها ويدعمها. ولو لم يشملها البحث المؤدلج حسبنا ما ذوقتنا به ذاكرة الجدات ولو في حالته المتواضعة.ولا أحديسقط عنه جماليته كما سنرى
1*ؤجي ذشاك ئيعيبغ ابوثداث ؤوشار
.عيباغ يماك ني مينتي حازن ثسوار
2*اثساينو ثفيروت ئينو ني سيحن كي رمراح.
.ؤوثعدار ئيوجماع ؤوثعدار ئيوسماح
وأن إطلاعنا مستقبلا. على الفكر اليوناني والروماني والفرعوني... هو ما سيؤهلنا إلى الإطلاع الحقيقي على حقيقة تاريخ أدبنا المقصي. وهذا لن يتأتى إلا بتوفير ضمانات الديمقراطية وتكريس مبدأ الحريات وإسقاط الميز .عسى أن نعثر على ديوان "الأزاهر" لأبوليوس الذي لم يصل إلينا منه غير الاسم "وليبيكا" ليوباII التي ما زالت تثير تساؤل كبير للبحث الأركيولوجي.

شعـــر التصوف.
إن تهميش الروافد المؤسسة للأدب الأمازيغي. أثار انتباه الباحثين الغربيين بدل المؤرخين العرب. سيما عند هنري باسيه وقد ورد على لسانه بأن مصنفات التراجم أهملت الأساطير الشعبة المنسوبة للصوفية . ونحن نعلم بأن نوع هذا الشعر عرفته كل من الدولة المرينية والمرابطية والسعدية .. التي عرفت بدورها شعرا الزوايا. المتمثل في الأمداح والشعر الفقهي، ولغياب المراجع والمادة التاريخية. سنتعرض لكلا الدولتين في إشارة صغيرة لشح المادة ؛ وأن شعر التصوف الذي نحن بصدده كان موجودا بهوية أمازيغية قبل أن يتحول إلى شعر عربي اللسان أثناء إقصائه؛ فقد أبدع هذا التصوف الأمازيغي في ما كان يقتضيه الأمر والظرف حينئذ. وحركة التصوف هذه أغنت الثقافة عامة. ناهيك عن تنوع خصائص الخطاب. وهو حب الحرية كمقصد للصوفية. ونفس المتصوف كانت مبدئيا ترفض الإكراهات السلطوية. فهي لا تؤمن بالوجود إلا مقرونا بالحرية والإبداع .الذي يجب أن يرتبط بالجانب الروحي والنفس المطمئنةدون قيد المستبد.
. 1ثاعشاث أواح أنعبذ أنتوب إربي
مارا ثوسيد رموث أناف من غ نيني

وبروز ظاهرة الشعر الديني نلمس ملامحها في بسملة الإزران وأمداح النساء في البيوت ومع شعر إمذيازن المقترن بظاهرة إمرابظن والألياء .كالمتصوف سيدي شعايب ؤونفتاح الذي مات عازبا وسيدي بوخيار أكبر الأولياء بمنطقة الريف كما يقول دافيد هارت
ونوع هذا الشعر يسمى بأزهيد ببعض المناطق وidonan بمنطقة الحسيمة والذي يعكس ثقافة التصوف بامتياز والتي لم تخرج أبدا عن تمظهراتها المحلية
وبرؤية تعانق المحلي الصوفي.و تم انتاج أجمل ما في الشعر الأمازيغي بلغة جملية ومسترسلة وألحان عذبة مدهشة. وهذا ما نلمسه في الواقع المعاش عند بعض ما تبقى من الصوفية EHARAMAN خصوصا في أدعيتهم وهم يطوفون على القرى والمداشرويقال انهم من زاوية سيدي عبد القادر. . ولم تكن اللغة عند هذه الثلة تشكل أية عقدة تذكر لأنها أصلا تستغني عن أي وسيط؛ وترى نفسها هي الأداة والوسيلة للتوحد بالخالق، ومتصوفة المغرب قد تمسكوا بلغتهم وبها كانوا ينظرون لمذاهبهم وعقيدتهم. ولم يهملوا هذا الجانب إلا مع قمع وعنف ولاة المخزن القديم . الذين عاملوا الأمازيغية معاملة الرقيق وتؤكد بعض مصادر البحث .بأن بعض الطرق الصوفية المغربية كانت لا تولي قيادة مشيخة الزاوية إلا لمن يحسن التكلم بالأمازيغية .عند المرينيين وهذا ما لاينفي على أن المرحلة عرفت توسعا ثقافيا متميزا. وحقبة الصوفية هذه إبان مرحلة المرينين سادها اجتهاد واسع بخلفية أساسية كان مردها صراع الزوايا المتعدد المذاهب الذي أذكى المنافسة؛ وكل ما يهمنا في هذا ليس البعد العقائدي أو الطائفي بل الإبداع الشعري الذي صاحب هذه الفترة الاجتهادية وساهم في ذلك كل من المرأة والرجل حفاظا على العرف الأمازيغي الذي تساوى بين الجنسين تاريخيا خلافا للذين وأدوا البنات في الرمال؛
وللصورة الفنية وجمال الصورة سنعرض نماذج أخاذة
1*أنناس قذتمون مونغ كيذس إولاه
ئينش موجيغ ذبنادم أيا عباد الله
2*أون ذاس غيقضعن ئيوشمس خ ريض
أعاذ أذيجارب حاجة طبيعية

*3أناش طعشيث ئينو امو فيرو نتاج
نوسيد كي الطبيعة نمخط كي ثفراز
4* الزين سبرى رعقر م يتسمى ذا الزين
أم ركاس وتاي يماسن خ كديم
ففي هذا الصدد يقول عبد الحق البادسي صاحب الظل الوريف ..وما رأيت مثله في حياتي قط، ولم أعرفهن من أين هن وقال لي: من قبيلة بني توزين وهو الشاهد على أنه عاين القوم يتكلمون بالأمازيغية. فمن المانع أن لا يبدعن بنفس اللسان حتى لا يأتوننا إلا بما كتب بالعربية. وينفين عن الأمة حق وجودها اللسني والثقافي والفكري. وعبد الحق البادسي الباديسي هذا زائر المنطقة وذكر ما يقرب 46 شاعرا كلهم من طينة أمازيغية لكن تدوينه للأشعار اقتصر على ما كتب بالعربية وهو ما يسقطنا في نفس الطامة والإشكال.
وهذا ما يفسر الصراع الذي كان حاضرا بين العرب الوافدين والسكان الأصليين. ويذكر الباحث على أن العرب يجبرون الناس على دفع مغرم معلوم يأخذونه منه .مما كان الشاعر لا يفكر إلا في التخلص من هذه الأعباء
والظروف الاجتماعية المضطربة كانت تخنق الأدب والإبداع وتحد من حريته ولا تدعه طليقا حرا. وما تبقى كانت لا تأتي عليه أقلام الباحثين. أو تنسيبه لغير هويته. وهنا نريد نموذج للصور الفنية وليس للغرض
1* سيسنايد ئيجرموز أكي زيث تبركانت
أك دسي سناغ ثناين أدوريث ثعفانت

2*اقدين ق يوسيد أذيفورج أطارع ئيوثمان
خ يالله ايبريغن قس ثجام شي ومكان
3*روح ق سمحغاك مار يسمحاك الله.
.ئيمين تسريغ ذوارن أزي عباد الله
لكن مرت مراحل في التاريخ المغربي. وبفضل الاستقرار النسبي الذي عاشه عرف فيه الأدب بدروه مستوى شهامة كبرى . كمرحلة المرينيين الذي عرفوا شعر التصوف والأمداح وهو ما يعرف اليوم "بأزهيد"- فحاولوا تقريب العلماء والأدباء وتشجيعهم بالحظوة المعنية والمكافآت المادية الجزيلة-[مفاخر البربر ص 45 تحقيق عبد القادر بوباية] وقد أولت هذه الدولة التي عاشت بذخا وترفا اهتماما كبيرا للعلم والعلماء وأن مذهبهم الديني استمر ضمن الهوية المغربية. إلا أن الدراسات التي ستثني على الكتاب والشعراء منعدمة تماما وهذه خسارة فادحة لتراث المغرب وعامة شمال إفريقيا. فإشارة قليلة لإبن أبي زرع حول أبي يوسف المريني الذي كان معظما للعلماء ومقربالهم...(نفس المصدر والصفحة).
وقد أهملت كل هذه الكنوز لخصوصياتها الأمازيغية التي كانت تشكل عقدة الشرق ومازالت.
علما واللغة الامازيغية ظلت لغة بلاط الحفصيين والحماديين والزناتين والمرابطين والموحدين...ترى أليس هذا لا يمنح فرصة للباحث للعثور على نص أو ثيقة بالأمازيغية... أم الإجهاز متحكم بقوة حديدية لكتمان الحقيقة.
فلا عيبا أن تدون معالم الثقافة العلمية الأمازيغية بكل مستوياتها وأجناسها لإستثمارها في قراءة التاريخ .
وهذا النقص الحاصل هو ما استعصى على البلاد لولوج قطار التنمية


السعديون ومظاهر التصوف:
إنطلق السعديون من الحركات الصوفية لنشر مذهبهم ودعوتهم الجهادية ,بقيادة محمد القائم بأمر الله, من الجنوب المغربي . وهم من شرفاء سوس كما يلقبهم الباحثين ,لم يكن لهم موقع في تراتبية السلطان المريني الذي جعل الأدارسة في الدرجة الاولى .وهذا ما جعل اهل جزولة يخوضون صراعا مريرا ضد المرينيين وبني معقل (بركة السلطان م س ص34) وهذا يؤكد اختلاف المذاهب التصوفية في مختلف مناطق المغرب .مما ستركز حركتهم المذهبية والسياسية احتجاجا على الإقصاء . على العصبيات البربرية .وهو ما يدخل ضمن صراع الزوايا (بركة السلطان .نورالدين الزاهي ص22) والسعديون لم تنخرط حركتهم في ردع الهجمات البرتغالية إلا بعد انخراطهم في الطريقة الجزولية مع بداية القرن السادس عشر ( دافيد هارت ايت ورياغر ص 295)
بحيث سيظهر مايسمى بالشرفاء الامازيغيين (بركة السلطان م س ص15) وسيولون لشعر المديح بالامازيغية إهتماما بالغا يجعلونه في خدمة قضاياهم الوطنية .
وبدون منازع أن شعر السماع والأذكار كان يتم ويبدع باللسان الأمازيغي مدام أنهم اشترطوا على قيادة المشيخة التمكن باللسان المحلي
وبالطبع شكلت صوفية المصامدة عبر الصيرورة التاريخية تحولا حضاريا في التطور الثقافي البربري(بركة السلطان م س ص58) من خلال بروز شعراء وشاعرات متصوفة بامتياز تمزج قصائدهم بين العقل والروح
وهكذا تميزت المرحلة السعدية بالتصوف الثقافي الذي ساهم في إشاعت الثقافة الأمازيغية عبر الأمداح والتهاليل وكل أشكال التصوف .
بحيث مكث التصوف كبنية حضارية في الثقافة الأمازيغية , بالرغم أن الباحثين والمؤرخين تغاضوا النظر عن هذا البعد الآخر المؤسس لهويتنا الثقافية. لأن المديح والسماع الصوفي الأمازيغي كقيصدة إنسانية كونية .ربما ظلت تقلق السلطان المتشبع بالإيديولوجية العربية




المرابطون وشعر الفقه والأمداح.
إن كانت الدولة المرابطية قوية وموسعة تمتد في الشمال الإفريقي والأندلسي. وهي تسعى إلى جمع كل الإمارات وتوحيدها في خط ايديولوجي ومذهب ديني واحد. مع القضاء على كل المذاهب الصوفية
ونشر زواياهم بزعامةعبد الله بن ياسين. كانت لها نظرتها الخاصة للدين والتي ترفض التجسيم وتفسير الظاهر ,وهو الصراع الذي أفاض نقطة الكاس مع الموحدين
رغم أنهم كان لهم أولياءهم وزواياهم maraboutisme
وبالفعل كانت دولة قوية سياسيا وعسكريا واقتصاديا بقيادة عبد الله بن ياسين لكن النزعويين العروبيين كانوا كما ظلوا ينظرون إليهم كبدو وسذاج أعداء للحضارة العربية .الذي يعني ضمنيا أنهم كانوا مندمجون في حضارة أصيلة هي الحضارة الأمازيغية. وأن التعريب أثناء هذه الفترة لم يشمل غير القيادة الرسمية نسبيا .والتي نشطت فيهاهي الأخرى حركة التصوف؛ فإن كنا تعرفنا فيما سبق على ما يقتضيه التصوف من حرية وتفتح. بمعنى أن الشعر الأمازيغي عرف ازدهاره ونبوغه بلغة الأم. لأنه لا يمكن لأية دراسة أن تنفي وجوده ونحن على دراية تامة بأن يوسف ابن تاشفين لم يكن يعرف اللغة العربية، وحتى ما عرف عند المرابطين من المفاهيم الدينية كانت لها صبغة خاصة محلية. فالفقيه عندهم ليس لحامل القرآن بل هو تسمية للأمير وكبير القوم ومثل هذه المفاهيم الخاصة. نتاج لإمتلاكهم خصوصيات ومميزات اغتنة من الإفريقي و المتوسطي بوحده.
وانطلاقا مما أورده البحث العلمي فإن الحركة الفكرية عند المرابطين شملت مجالات واسعة ومجال الشعر من ضمنها، إلا أن غياب التدوين والشفاهية هي التي حالت دون عثورنا على شئ يغني هذا العمل البسيط.
ومن بعض المشاهير: الشيخ امحمد بن الحسن بن ناصر الفقيه المصلح الذي كان يصلي بالناس الجمعة ولا ينصر الملوك في خطبته, وقدعاش في القرن 12 الهجري
والحاج علي الدرقاوي الذي جمع بين التربية والصوفية ,وألف بالعربية والامازيغية
لكن قول المستشرق (دوزي) الذي يؤكد على أن الحياة الفكرية تدهورت في الأندلس المرابطية بسبب سيطرة الفقهاء .مما نفهم من خلاله هذا أن عامل الدين كانت له تأثيرا على العوائد والأعراف والثقافة المرابطية الأمازيغية. والأفظع من ذلك أن كتابات المؤرخين حاولت تضليلنا بدعوى أن سلاطين المرابطين أهملوا الفنون والشعر. وهذا ما يثير الدهشة والاستغراب في ظل دول كبرى اعتنت بجميع الحقول العلمية والمعرفية. فكيف لا تهتم بالشعر والجمال. ونحن نعلم أنه اجتمع ليوسف بن أعيان الكتاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق اجتماعه في عصر من العصور ..
وإن كانت المرأة المرابطية هي بدورها تعشق وتحفظ وتنشد الشعر وكانت لهن مجالس أدب خاصة. لمعت فيه وجوه معروفة ومقتدرة فلماذا بعض مؤرخينا يحاولون نكران هذا العمل الإنساني الجميل أ لكونه . ينتمي إلى التربة الأمازيغية فيخل كل هذا بالأمانة العلمية ويشوه الحقائق الموضوعية.
فخلاصة القول فيما يخص بروز الظاهرة الشعرية عند كل من المرابطين والمرينيين.... لقت إجحافا من لدن المدونيين والمؤرخين .وتم الافتراء عنها نظرا لما تمثله من العنصر الأمازيغي الذي كان يؤرق النازحين إلى بلاد المغرب. وعلى مثل هذه الجرائم البشعة نجد عباس الجراري يطالب بما نهب من تراثنا الشعبي بأيدي مجرمي الثقافة ولصوصها الذين انعدم فيهم الضمير الوطني والمهني والعلمي . كما يقول وهذه الدسائس ما فتئت تستهدف الممالك والإمارات الأمازيغية وتنفي عن وجودها السياسي أية مظاهر ثقافية وفكرية جادة. وظلت كتاباتهم تشير دوما إلى أن هذه الدول الأمازيغية .عاشت الفراغ والضعف على مستوى الإبداع الفكري والاقتصادي والعسكري، لأن القوة والعظمة لا تأتي إلا من الشرق. وهذا إشهاد ضعيف فالدولة الأمازيغية ظلت عبر مر العصور قوية النفوذ بعضمائها الأجلاء وعلمائها الأذكياء ولولا هذه الشهامة والإمكانيات والمدخرات المتنوعة لما استنجد صلاح الدين الأيوبي بأحمد المنصور الذهبي مطالبا إياه بإمداده بأسطوله الحربي لوقف الزحف الصليببي .فهذه القوة الحربية . لابد أن توازيها عظمة ثقافية وفكرية
ولا أحدا قد ينكر الجميل الذي قدمه الأمازيغ لباقي الشعوب ولوتم تنكرهم.
و المثقف الإفريقي عامة أغنى التراث العربي وساهم في إحيائه وتطويره وأثر فيه. ولأن رائد الترجمة في صقلية في بداية القرن الحادي عشر هو قسطنطين الإفريقي1087م، وعلى المستوى الديني ففتوحات الرجال الذين عبروا البحار والمحيطات لم تقتصر على الأندلس فقط. بل أبت إلى أن تصل إلى جزر الملديف في القرن الخامس الهجري .وسيتولى رسالة إبلاغ الإسلام إلى سكان هذه الجزيرة هو الشيخ أبو البركات يوسف البربري المغربي الأصل عام 548-. إلى غير ذلك من الأعلام البارزة التي لا يمكن للتاريخ التنكر لها والتحامل عليها كما حاول "دوزى" وهو يتهم الدولة المرابطية بالجمود والتقاعس لكونهم منحوا السلطة التامة للفقهاء. فلم يعتنوا بالفن والأداب إطلاقا. علما أن ذلك تم نهجه في البداية نظرا لإنشغالهم بالجهاد ضد الغزاة .وبمجرد حصولهم على الاستقرار السياسي احتفوا بالفن والآداب والطرب كما يؤكد ذلك عباس الجراري في نقد للباحث دوزي(عباس الجراري م س، ص: 111) .
نقول ثمة موجودات وأشياء مهمة عاشتها الدولة المرابطية لكنها أهملت من قبل الباحثين والحاكمين لإغتيال الهوية الأمازيغية في جميع حقول الآداب والمعرفة الإنسانية .
وإن ما ميز المرحلة المرابطية هذه ,هو نشر المدارس القرآنية والحركات الإصلاحية الدينية –التفقه-ذات المذهب المالكي ,عكس الموحدون الظاهريون والسعديون والمرينيون المتصوفون
وأثناء تواجد المرابطون بالأندلس .ظهرت طائفة من الكتاب والشعراء لها اعتبارها الخاص .لم يات عليها المؤرخين العرب ايضا


الفصل الثاني: الشعر الأمازيغي الريفي ألم الإبداع والقضية.
- الريف فضاء الإبداع الثقافي الأمازيغي
- إزران بين الأصالة والتاريخ
- إزران بين المحلي والكوني
- الوظيفة الفنية لمفهوم أيارال- بويا
- المدلول االتاريخي للازمة أيارال- بويا
- الشاعرة الأمازيغية في مرآة المقاومة
- الشاعرة الأمازيغية ودورها في تقسيم العمل
- إزران والتركيب البلاغي
- إزران والمميزات الفنية
- إزري وتشكل الصورة الشعرية
- العرس كمنتدى شعري
- الفرجة الشعرية بين الاجتماعي والطقس الاحتفالي
- إزران شعر الهجاء
- إزران شعر الحناء والرثاء
- .....شعر الزواج بالإكراه
-...... شعر الغزل العفيف
-..... شعر المقاومة الريفية
-...... الشعر الأمازيغي ومرحلة الحداثة.

الريف فضاء الإبداع الثقافي الأمازيغي.
إن الريفيين ينتمون إلى الجماعة العرقية الحامية السامية التي كانت تسكن إفريقيا قبل مجيء العرب *. والريف كمجال جغرافي وواقع لسني وحقل ثقافي.له مميزاته وخصوصياته التاريخية والفكرية والبشرية. نلمس تجلياتها عن قرب وبشكل يومي في شتى التعابير الثقافية الفنية. منها الروحية والرمزية والمادية مثل: العادات والتقاليد والقيم واللباس والخزف والوشم والزربية...
وهذه الحركات المنطوقة بالإحاءات والإماءات .نبضات إبداعية تفور مضامينها بالعمق الحضاري والبعد الهوياتي المؤسس لأمازيغيتنا المتجذرة في التربة الإفريقية والمتشبعة بالحضارة المتوسطية، وهذه المظاهر السوسيوثقافية تندرج ضمن التراث الإنساني الذي يتطلب منا. العناية الفائقة وذلك بطي صفحة الدونية والتراتبية والإقصاء عن التراث الشفوي. الذي لم تسعه الظروف .ليلج المؤسسات التعليمية والثقافية؛ والمراجع المتداولة...... فتحقيره أو الاستخفاف به أو التعامل معه من زاوية فولكلورية. يعد جرما ومسا بالكرامة وتهديد للقيم المثلى. الذي هو تهديد للتسماح والتعايش والاندماج. وهذا ما يتنافى مع المواثيق الدولية بشأن ثقافات الشعوب؛ ولتجاز كل هذه المعيقات لا بد للواقع الاجتماعي. أن يعكس كل توازناته وخصوصياته الثقافية والإثنية والجغرافية....لأن الإقرار بالتعددية هي منظمومة حضارية متفتحة ديمقراطية. تؤسس لإنسان يرفض التفكير القمعي والقهر اللغوي – الثقافي الذي تغذيه أدبيات الفكر الكلياني المنتعش في دهاليز الاستبداد والظلام.
لهذا من شأن الثقافة الهامشية أن تصير عالمة ومتداولة على المستوى الرسمي كمثيلتها. وقتما وجدت الدعم المادي والسياسي والمؤسساتي... لأن كل ما همش. مجرد مواقف إيديولوجية حقودة لا تؤمن بالآخروليس بازمة بنيوية ، وهذه مسلكيات شوفينية تشجع على الإرهاب الثقافي وعلى العدمية .وهذا يدمر كل مشاريع التنمية المقترحة. ما دام الفرد مهمشاوهو يعيش الإنطوائية...
ومثل هذه الإجراءات اللاأخلاقية واللاثقافية .هي التي كانت وراء تدمير عدة مظاهر ثقافية بالريف .حتى لايتسنى للآخر الإطلاع عنها .
نظرا لما من شأنها أن تحمله من قيم إبداعية وفكرية وجمالية... ذات أبعاد إنسانية ومعرفية... تحيلنا على أن العبقرية والذهنية التي صاغتها لها ما يؤهلها لتأطير مدارسنا الفكرية.وهنا وتجدر بنا الإشارة كما سنرى لاحقا على أن الثقافة الشعبية بالريف قد برهنت على مستوى متميز للذهنية المحلية التي حاولت أن تجرب عملية الإبداع بقدرة فائقة وبحنكة راقية تعتمد فصاحة اللغة وجمالية الصورة .والتي صاغت الحياة الجماعية في مستويات متعددة حاولت أن تمنح لكل مجال نكهته الأصيلة. ليثبت لنا على أن الفن عموما ولد من ضلع التاريخ، وهو المتموقع بين المادي والرمزي والروحي معانقا كل قضايانا.
....إلا أن نوعين من هذا الجنس الأدبي. هما اللذان يحتلان المكانة الواسعة في أدب المنطقة وهما (ثنفوست)و (إزران) مقارنة بباقي الأشكال الأدبية الاخرى . واللذان يأخذان من الشفوي متنفسهما الوحيد وهو ينتج نصوصا وتيمات أشد ارتباط بحركية التاريخ .مستدرجة المتلقي على نغمها الرهيف .الذي يستمده من عمق تشكيل الصورة الرائعة والخيال الإبداعي الفواح بعطر الطبيعة المتنوعة، مما نستنتج من خلال ما قلناه بل مما عشناه من حياة فنية مع أسرنا قبل غزو الراديو والتلفزيون والانترنيت.؛ على أن الريف مثل دوما من جانب الأدب الشعبي مؤسسة ثقافية قائمة بذاتها.ساهمت بدورها في تفعيل الوعي بالهوية . وفي توسيع دائرة الفكر الذي مثلته القيم، وكل موضوعاتها. كانت تأتي في صيغة الفن شكلا وفي صيغة المعرفة مضمونا. حتى يتسنى لنا القول بأن تاريخ الفن الأمازيغي الريفي ظل يتقاطع بين الإيحائي والتاريخي. مما لم تمر فترة بدون شعر أو قصة... وهذا ما يحيلنا على النص الإبداعي بالريف. الذي تؤطره مرجعية التاريخ والإنسان بذاكرة عاشقة للإبداع .لا يشغلها عبث أو نسيان، ونحن نلامس بنية نصها المقرون بإيقاع البلاغة. وعنفوان الجمال المانح للنص هويته الفنية .كما هو متعارف عليه في الأدب العالمي.و نتعرف على النمط الذي اختاره المبدع الريفي لينتظم في الحياة الاجتماعية انتظاما ثقافيا ممعيرا. يساهم به في البناء الحضاري الرمزي؛ وبالفعل سيشكل كل هذا. نماذج يحتدى بها خصوصا حينما نستحضر المراحل الذهبية التي مر بها المغرب . وبالضبط فترة عصر الوسيط...
حتى لا ندع هذا المحيط الجغرافي.محطة للتهريب والهجرة السرية والتهجير الجماعي.. الذي يستهدف غياب الاستقرار والإغتراب عن كل ما يمثل مرتكزات هويتنا. للزج بكل الجوانب التراثية في دائرة المنسي السحيق، ونذكر بأن هذا الأخير-الريف- ظل منذ وجوده مجالا للمقاومة الثقافية/ والمسلحة .معيرا كامل الإهتمام للفن خصوصا الشعر كسلاح لا بديل عنه. في ظروف الحرب والسلم ولم يزاوج بين الكلمة والرصاصة حتى تأكد من البعد التحريضي والثوري والتوعوي للفن الذي ربطه بجدلية القضية العادلة على مر العصور.
1*أثوريد طيارة ثكيد أذير اذير
أثوسيد أتواث أكي رحكام وجذير
2أغربو ن ملاغة كي مريتش يترجايي
ُسين ثمورث ئينو عماص ثزرايي
3*سوكاند غري ركنوس يرس ذايي ومنوس
والله غار ما ثقيمذ أبو جروان ذكفوس

وفي هذا السياق ولردع شهامة الريف تأتي مخزنة المنطقة من أجل ريف مشوه ومسموخ. يجتث رأسماله الرمزي والمادي. لأنه غني بتعابيره وفنون المتميزة وقيمه النموذجية . التي لم تلج بعد المدارس الرسمية . نظرا لجرأة تعبيرها ومواضيعها المتسمة بالواقعية . والتي تذكرنا هي الأخرى على أن الريف ذاكرة حضارية خصبة وغنية، ساهمت في تأسيس القيم الثقافية والأخلاقية. التي تشكل اليوم موروثا لا يستهان به.ولو على مستوى الثقافة الشعبية الشفوية ؛ والذي من خلاله يمكن لأي باحث أن يطلع على مستوانا الحضاري والفكري والإنساني . لكن من المؤسف جدا أن هذا التراث الزاخم الذي اغنى بدوره سوق الممتلكات الرمزية . بدأ يلاحقه الموت لأنه لم يأت عليه بعد التدوين .ورياح العولمة أتت على كل ماتبقى من اخضراره . وهذا هو السلبي في الموقف السياسي السائد الذي لم يضع له أدنى حصانة تقيه شر الذوبان والإندثار .
ومجمل القول في هذا المضمار يجزم من خلال رؤيتنا البسيطة جدا تجاه الفضاء السوسيوثقافي بالريف. بتعدد تعابيره وألوان إبداعاته. على أن ذاكرة المنطقة في شكلها الشفوي تشكل وعاء زاخر بثقافة الإبداع العريقة الجذور.والتي ترسخت عبر قرون في التربة الإفريقية . والتي تتنوع حسب الظروف والأزمنة والمناطق...، ولنا فيما يحكونه الطاعنين في السن خير مثال ومبرر،وهو كله مواضيع تحكي عن البطولات والأحداث والشخصيات التاريخية ..مما يدل أن الإبداع ابن شرعي للحرية والديمقراطية، وقد وعوا أدباءنا الشعبين . هذا المبدأ فلتزموا بصدق التعبير الفني في كل المواهب الفنية من فنوننا الشعبية الحاضرة بقوة في آداب المنطقة والتي تعد أكثر من أي وقت مضى ذاكرتنا الجماعية بكل امتياز باعتبارها .رافد هام يؤثث وجداننا الثقافي على المستوى المحلى وفي بعد كوني .

إزران بين الأصالة والتاريخ.
لنا مع فن الشعر "إزران" إطلالة سوسيوتاريخية- وثقافية باعتباره جزء لا يتجزأ من التراث الشعبي المحلي ورافد لا ينضب ضمن المشهد الشعري المغربي. رغم إقصائه مقارنة بالشعر العربي الذي يتصدر الصدارة في المهرجانات والمنتديات التي تمول بملك الشعب عبرخزينة الدولة .
ويعد الشعر الأمازيغي الريفي EZRAN إبداع فني واع ومنتوج فكري غني بالدلالات الثقافية والرمزية المجسدة للأبعاد الحضارية للجغرافية المحلية،
حيث يقول القبائلي :أيذوذ بلا ئيذلاس / أم ورياز بلا ئيلاس تجسيدا لعظمة الشعر الأمازيغي في استقامة العرف والتاريخ فهو الخلد الأبدي الذي يتجاوز الموت الفيزيقي للأشياء. لنتيقن بأن الفن ولد ليعيش خارج الفناء و العدم، وهذا ما يجسده الإزري كرأسمال رمزي داخل سوق الممتلكات الرمزية التي تعكس مرجعياتنا التاريخية. على مستوى هذا المجال الجمالي. والعاكس لمدى تفاعل الإنسان الريفي مع محيطه الداخلي والخارجي. تفاعلا يختزل بين معاني الإيحاء واللغة والجمال في تيمات الحياة.
والإزري/ عند أهل الريف لا يقتصر على زمن دون الآخر فهو تعبير أدمن عليه المعيش برغبة صوفية . بحيث أكثر لغة تواصلية على المدار اليومي.خصوصا في البوادي .. فيتناوله الرجال كما النساء العامة والخاصة والأفراد والجماعات.وفي شتى انشغالاتهم. فكل واحد منهم يجد فيه متنفسة الخاص وكأسمى تعبير للظفر بالحياة .يذهب الوهن ويسعد النفس
فهو لا يقتصر على دغدغة العواطف بمفردات قاموسية المصحوبة بالإيقاع. بل يزن القول والبوح في حجم ما يتطلبه الأمر في شكل سؤال دال.وهو يتفتق من التراث كفكر للحداثة، حتى نجمع على أن الإزري تجربة إنسانية عريقة أحبوه الأمازيغيين حتى لا يكون مجرد كلام عابر. أوموزون ومقفى ، بل سؤال إبداعي - احترافي يعزز قيمة الوجود ويمنح لها بعدها التراثي. الذي يؤثث الوعي الجماعي كمسودة لفهم تاريخنا المنسي والمفعم بالمعاني الدالة،
إنه الوعي الحاضر بقوة اللغة داخل سياق جدلية ماهو اجتماعي.
فهو ذات خصوصيات فنية مميزة عن باقي التجارب العالمية. وتناصيا تؤطرها ثلاث خلفيات أساسية/1* الأولى إنسانية لأن الإنسان محور هذا الكون والأخرى/2* فكرية معرفية باعتبار هذه الأخيرة قاعدة التاريخ البشري والثالثة /3*جمالية باعتبار الجانب الإستيطيقي تمثل الهوية الثابة لجنس الشعر. وهذا لن يتأتى إلا بتأطير بلاغة الإزري داخل فضاء هندسي معماري تركيبي. والتي تجسد الوعي بالذات وبالقضية تفعيلا للدينامية التاريخية وللذاكرة المغرمة بعشق الثقافة الجمالية ، فيظل حضور الإزري كيانا فنيا قريبا من معيشنا اليومي ذاتا وموضوعا لأنه معلمة فننا الحضاري المطل من عدة شرف البياض.
ئيزران بين المحلي والكوني:
إن الإزري بمنطقة الريف رؤية فكرية إنسانية يتعارض مع كل المفاهيم الكليانية لدعم التراث العالمي، وبناء على هذا. لم يبق الإزري حبيس تخوم المنطقة أو رهين بيوتنا وحقولها. بل حاول دوما .أن يعانق جميع قضايا الناس رغم بعد المسافات واختلاف الثقافات. فاستمع لباقي المعاناة وندد بالبؤس الذي ينخر كيان العالم، لأن لا معنى للفن خارج التضامن الإنساني والاممي ومناشدة العدالة والحرية.
فتعدى موضوعه فضاءه المحلي وانخرط في تبني الكوني والعالمي دعما لقوى التحرر ضد سلطة القهر دون أية عقدة قومية، فمن مناصرته للثورة الجزائرية إلى دعمه للثورة المصرية إبان العدوان الثلاثي حيث تقول بعض القصائد:
1* ءاتسوماد –د- فويت، تشعشاع –كي- مصار
يحيى عبد الكريم جمال عبد الناصر
2*ءايا مولاي موحند –وي- ثكيد –ذ- رعشاث
جمال عبد الناصر –بو- تغماس –ن- نوقات
3*الهواري بو مذيان يسقاط أسباسا
الحسن الثاني يغرى السياسة
4*يوضايد ؤومطا يسحقاي ذي فذنين
يسحقاي عبد كريم ميخف دارين ثيفروين
كما عبرت أيضا عن التضامن المحلي و الوطني : خصوصا حينما تعرض أكادير لكارثة الزلزال
1*أثوريد طيارة مين توي زرخبار
أنناك أكادير أماثين ؤونقب
كما تبدي تضامنها مع العراق في ظل الحصار .
2*أيسوضاد ؤوسميض يقساي كي ثغماس
يقساي صدام حسين مو غجين بويثماس
فمن خلال الأبعاد الموضوعية والإنسانية للأشعار التالية: يتضح وبكل جلاء أن القصيدة الأمازيغية كانت تبدع بمنظور حداثي وبفكر معاصر .وكانت دوما تود أن تعيش قريبة من معاناة باقي الشعوب المغلوبة على أمرها. رغم أن تللك الفترة كانت تغيب فيها أدبيات التعدد والإختلاف بطغيان الفكر القطري والقومي .فمضت في تحدي مستمر . إلى أن جعلت من قضاياهم مواضيعها الأساسية كلما أقدمت على فعل الإبداع والنظم . وأن المطلع على أشعار الفنان محمد موذروس ضد الإستعمار الفرنسي بالجزائر ليلمس ذلك بقوة فائقة؛ مما يبرهن على أن الشعر شكل عند أمازيغ الريف خاصة . قيما حضارية غايتها نصرة القضايا العادلة والمشروعة .وهذا نتاج الوعي الثقافي الذي تجذر في المنطقة منذ قرون طويلة، وقد نلمس هذا في كثير من أدبيات أهل المنطقة التي كانت من الواجب جدا أن يشملها البحث التاريخي خصوصا السوسيولوجيا. إلا أننا قد وجدنا هذا الأخير يتحاشى الحديث عنها لاعتبارات تمييزية مخزنية ، وهذا ما أهمل تراثنا المحلي. ولم يأت عليه التدوين حتى تطلع عليه الأجيال والأمم.
لكن وبالرغم من كل هذا الإقصاء والتهميش الممنهج ظل الإنسان الأمازيغي الريفي. إنسانا أمميا في التفكير والمشاعر . تاركا بصمات فنه ومعاركه في سجل تاريخ الشعوب إلى أن صار مرجعية لدى التواقين للتحرر والإنعتاق. لتكون شهادة ماوتسي تونغ في حق الأمير عبد الكريم .خير دليل على ذلك حتى لا يستهان بهذه المنطقة الصغيرة المساحة والوعرة المسالك.
كما يكيفينا فخرا بما أهداه فيديل كاسترو للمناضل الفذ لابن الحاج سلام أمزيان ، مما يثبت بجلاء أن الريف بفكره وثقافته الأصلية. حاول ان يجسد حضوره الأسمى عبر مختلف المراحل التاريخية. متحديا كل الإكراهات الطبيعية والمناخية...
ولو أولت الدراسات اهتمامها للتراكمات الشعرية الشفوية . وأخضعتها لمقاييس النقد الأدبي لا الإيديولوجي. لأذهلتنا تجارب الشاعرات والشعراء العصاميين من جمالية الهندسة إلى مضمون النص.وفنية التصوير المعانقة للنبض السحري وهي تسعى لمبلغ العلم كما يرى جكوبسون؛ والصورة في- الإزري- تكون دائما أبلغ من الجملة والكلمة . ولا تدرك إلا بالحواس لا بالبصر. لكونها مرتبطة بالوجدان أكثر من أي عضو وظيفي آخر والتي تشكل وبدون منازع سيكولوجيتنا الجماعية ، والتي تأتي مطابقة للحدث الموضوعي. مستغلة ظواهر العالم الخارجي. من أسطورة وطبيعة وظواهر اجتماعية لتأثيث لوحة تشكيلية تسقط عن العالم قبحه بالشاعرية التي تجاوزت التعبيرية ؛ معتمدة أساليب البيان من التشبيه والاستعارة والطباق والجناس والتضاد والتكرار الذين يمنحون للإزري جرسا إيقاعا ونغمة مفعمة بالجمالية . التي تمجد وجودية الإزري الذي انوجد كفضاء لا محيد عن كل ماهو إنساني كما يرى بشلار؛ فالصورة الشعرية التي أثرناها سابقا هي نبض ووجدان الإزري المتموقع بين اللفظ والمعنى والذي يأتي مقرونا بلازمة: ءايارال بويا كجملة شعرية وكإيقاع عروضي :
1*ثرقاييد أوبريذ ثناي الليف إعيبيشم
الليف ميشاط أم يار ثينيث ئيشم.
2*أريض كي مكيغ ثفغايي كيوالوا
مونغ كيذم يوماين ذوراغ أم ؤوفيرو
3*اللف ؤومي يوكور وذايني والو
ئعماد ثيطاوين سي مطاون أذيرو
من هنا يستقر بنا القول على أن الإزري الذي حاولنا إثارته في أسطر قليلة .وهو يتجاوز المحلي ليعانق الأممي لأغراض إنسانية محضة، لم يسعنا أي مرجع مكتوب للإ عتماد عليه و لقراءته بالتمام، ما عدا معايشتنا لبعض التجارب الإجتماعية والاعتماد على الروايات الشفوية.
فإن كانت التعابير المحلية المتمثلة في الأدب الشفوي بالريف. جاءت لظرورة تاريخية خاصة. لتعكس أولا الشأن المحلي بكل تجلياته وهو يمثل معنى حقيقة أدب القضية .ولظروف دون لأخرى حاولت أن تتجاوز الذات عبر مواكبتها للتطورات التاريخية . لأن مصداقيتها تتأسس على جوهر الفكر الذي يستهدف إشعاع المعرفة الإنسانية. وليس اعتماد بلاغة الإستعارة والرمز من يصنع الخطاب أو الصورة

الوظيفة الفنية لمفهوم أيارال – بويا.
للازمة الشعرية أيارال – بويا مفهوم الجملة الشعرية ذات الدلالة الفنية الإيقاعية . التي تشكل عبر إيقاعها .وحدة صوتية متجانسة بجرس لفظي متناغم؛ طرزته حنكة البلاغة الأمازيغية في رقتها الهندسية.
لتشكل اللازمة للقصيدة الأمازيغية الريفية وزنا وعروضا قديما. وصل إلينا عبر المحكي الشعري نفسه؛ وهي تتكرر بين كل إزري وإزري ويكون هذا الأخير متبوعا لها في الإيقاع والوزن اللذين هما القالب الفني الذي يصاغ عليهما الإزري الموالي لحظته- بمعنى أن إزران شعر اللحظةبامتياز-. وفي جمالية متماسكة ومنسجمة توحد بين اللازمة والإزري لتجعلهما شعرا واحدا وموحدا في الشكل الفني الجمالي ومتعددا في المعنى والغرض .
والنص الشعري هذا. لا يستكمل جمالية هندسته. إلا في علاقته الجدلية بين جل التجليات الصوتية والترانيم المسوعة أو المقروءة. التي يتداخل فيها النفسي والعاطفي والإجتماعي ....إذ تقول : ميمونت أن سروان
1*روح شواي شواي أم ومان كي رجروف
أذين ثفاث ئيموكان م يشيغ بونجوف
2*روح شواي شواي أم ومان كي ثكساث
أذين ثفاث ئيموكان م يشيغ ثيسناث
مما مثلت اللازمة دوما هرمينطيقية فنية داخل الحقل الشعري الأمازيغي الريفي ومجسدة البناء التشكيلي الروحي. لإغناء شاعرية النص عبر تكرار الترنيمة التي يتقيد بها الإزري في كل الخصائص ما عدا التيمة كغرض معرفي وفكري وثقافي.
فأما على المسوى الإنشائي. يمكن أن نستنتج على أن الإزري: جملة فنية مركبة بلاغيا و في علاقة باللازمة المذكور كتوازن شكلي يوزع التداول الغرضي، و حتى على المستوى الموسيقي والإيقاعي.. يتبين على أنه وحدة مركبة و متزاوجة بين الغنائي والغرضي. لتمكث جملة شعرية تتأسس في الوجدان الفني، وهذا التناغم يبرهن بالأساس على أن عبقرية الشاعرة/ر الأمازيغية ملمة بالخصائص الفنية بدقة فائقة . لكل أشكال واجناس التراث.
والقصيدة- الإزري- التي نحن بصددها كانت سماعية وليست بصرية شفوية غير مكتوبة .لأن اللغة سبقت الكتابة وحافظت على عادتها . وكانت تعتمد الحفظ والذاكرة الجماعية والمواسم الاجتماعية. باعتبارها منتديات للتجربة وصقل الموهبة.
وبهذا ساهمت القصيدة الريفية الأمازيغية بشكل خاص. في حفظ الذاكرة التراثية. من خلال الذاكرة الشعبية الجماعية . التي ضاعت وللأسف مع عامل الزمن والتحريف والتشويه والإقصاء . لأن التدوين استثناها وأصر على أن تبقى شفوية، لأن الشفوي لا يمكنه أن يصون الذاكرة بشكل قح وجوهري . وأن يقيها شر الزمن، وهذا ما جعلنا اليوم لا نعثر على مسودة في متحف أو نص أو وثيقة مكتوبة. مما يعرقل تطور البحث العلمي .
فإن أيارال – بويا إيقاع شعري يتفجر شاعرية بين صخور اللغة القاموسية التي تمثل بالنسبة للمستوى الشعري لغة داخل لغة تؤسس للإزري روحه الوجودي ضمن سيرورة تاريخية ؛ وغياب هذه اللغة الإنزياحية لا تقتله بل ستفقره إيقاعا وفنا وتشكلا ..وتحيل به إلى متاهة الإغتراب . كما بدأنا نلمس في بعض التجارب التي لا تستهدف غير التسوق ربما .
لنقول على أن اللازمة هي ماهية القصيدة الريفية/هي اللفظ المتشكل، خصوصا مع جمالية الإلقاء النسوي الذي سيذهل كل نفس متذوقة للشعر الأمازيغي. والذي يأتي في مجمله. بنية فنية تراثية يتقاطع فيها الرمزي بالواقعي.لتتشكل العبارة الجميلة من توازنات يجنسها التشكل الشعري
لنجزم على أن أيارل – بويا ينحدر ميلادها من صلب تاريخ المنطقة إن عمقنا الروية في المضمار الأنتروبولوجي . فهي ليست جملة أقحمت اعتباطيا.
فهي تعززمكانة التصويرالذي يدعمه التلقي البصري كما يرى paul zumthorأنشودة المقاومة الريفية ملحمة أدهار ابران ص184

المدلول التاريخي للازمة أيارال – بويا.
إن كل ما سلف القول في مفهوم أيارال – بويا آنفا .لم يتجاوز البعد الفني للازمة. وتأملنا لها ركزعلى زواية البناء البلاغي والتصميم الجمالي والشاعري....والتصوير الفني بآليات البلاغة وقرميد البيان
أما تركيزنا على مستواها التاريخي ومرجعيتها الإجتماعية و الحضارية . أكيد أنها لن تبق مجرد مقطوعة شعرية – غنائية وإيقاع لفظي . أو بيت شعري للإستهلال (إزران) أو (رغنوج) إنها كما ورد عند مالينوفسكي: إشباع لا واع لرغبة اجتماعية ، تجذرت في اللاشعور الجماعي بقوة طبيعة حدثها التاريخي .الذي كان له وقع وأثر كبير على المستوى النفسي بالدرجة الأولى ، فتتجاوز مثل هذه الأحداث ذات الشحنة النفسية الإنفعالية الخاصة . إطارها الزماني والمكاني لتظل حاضرة وبقوة في السوسيونفسي والإجتماعي .. تلك إذن مصداقية الحدث ولو في بعده المتولوجي، وهو ما ينطبق على مدلول اللازمة ذات السند الحضاري التي تستمد منه شرعيتها التاريخيةوالفكرية ؛ وقد ارتبطت بمجال الفن الشعري كهندسة لغوية .نظرا للعلاقة القديمة بين الشعر كفن تاريخي لمجموعة أحداث ساهم الشعر في حصنها وتحصينها . والتأريخ لملامحها وملاحمها إلى أن ظل هدا الشعر الأمازيغي . يستوحي أبعاده من التاريخ إثباتا لشرعية النص الفكري والجمالي.
وهذا ما يبين على أن اللازمة هي أكثر من مجرد حدث اجتماعي في تاريخ المنطقة ولاهي عروض تكراري ليس إلا . بل هي تناول لميتولوجية محليةقديمة
فهي تتجاوز الدلالة الإيقاعية والفنية. مجسدة كما سنرى شرعية تاريخ المنطقة .والذي يأتي مرتبطا مع مجموع القيم الأمازيغية التي لا تخرج هي الأخرى عن نفس السياق والتي تستحق القراءة والنقد والكتابة.
فهذا ايمليو بلانكو يقول: إن غناء أيارال – بويا ليس مسألة بسيطة بل معقدة. وأن الرقص الذي يرافقها ليس مجرد تسلية . ففي نفس السياق . ليست بميزة في التراث الشعري المحلي. أو ظاهرة ينحصر وجودها فيما هو فني .حتى لا يقال بأنها مجرد عروض يحافظ على وزن النظم.(هارت ايت ورياغر الدور الثقافي لأيارالا بويا و ص 248-249)
و كما قيل: مؤسسة قائمة ومستقلة بذاتها بالمفهوم العام للأنتروبولوجية. مما يفهم على أنها قد تجسد البعد الفني والإنساني والاجتماعي التاريخي....أو هي نفسها وجه آخر لتاريخ الريف المقصي والمهمش. حينما تعانق بوظيفتها الفلسفية بعد الارض الذي تراهن عليه صيرورتنا التاريخية .
1*اثوريد طيارة كجنا ام موباغر
أياربي حذيت خ وذرار نايث واياغر
فتاريخيا يصعب علينا التحقيب لمفهوم اللازمة لغياب وانعدام الكتابات التاريخية في هذا الصدد.
فكما يرى دافيد هارت: تعود هذه التسمية/ المقطوعة/ إلى تدمير إمارة النكور من طرف السلطان المرابطي يوسف ابن تاشفين سنة 1084 هجرية .حيث لم يتركها إلا كومة نار ودخان. فحين شاهدن النساء أزواجهن وآباءهن يموتون ويحترقون داخل الإمارة. أخذن يندبن ويصحن "أبويا" والتي تعني بالعربية وأبتاه وأن الصراخ هو الذي تحول فيما بعد إلى أيارل بويا.
إن التحليل الذي اعتمده الباحث هارت ضعيف للغاية وأن الجملة المركبة من قاموس أمازيغي ذي الدلالة اللغوية والإصطلاحية . تتنافى مع التفسير الساذج الذي أخضعه د.هارت للقراءة، فمن الصعوبة بمكان أن تكون أسباب وخلفيات هذه اللازمة هي الواقعة التي لم تأت عليها أية رواية شفوية بالمنطقة .
علما أننا حين نتأمل اللازمة . نستشف منها نكهتها التاريخية الحاضرة بقوة .قوة الأنثى-المرأة- الأمازيغية التي صنعت المجد والتاريخ.
وإن كانت الروايات الشفوية أهم مرجع ووثيقة يكتب بها التاريخ. فإن كل ما وصلنا عبر المحكي الشعبي. لا يزكي رأي الباحث "دافيد هارت" ونختلف معه تماما. والتي تصر على ما هو متداول حاليا بالريف .وهو أن أيارال-بويا اسم لشخصية امرأة أمازيغية لعبت دورا هاما في تسيير الشؤون السياسية لبلاد النكور كما هو متداول . والتي يرجع لها الفضل في عدة أدوار طلائعية ذات الأبعاد الأخلاقية والإنسانية كما تحكي الرواية الشفوية بالريف.
فمنها من يقول بأن في عهدها منحت الحرية للمرأة لنظم الشعر أمام الجمهور . بعدما كان هذا مجهزا عليه لإعتبارات مرحلية ، وهذا المكسب هو ما أخلصت إليه المرأة الريفية عبرقرون تذكر. كونها ضمنته احاسيسها وأحلامها وطموحاتها .لتظل بويا مخلدة في أهم سجلات التاريخ الفني الذي هو إزران؛ وهذه الشهادة مقبولة لحد كبير. لأننا ندرك تمام الإدراك كيف ثارت الشاعرات الريفيات حين تدخل عبد الكريم الخطابي. لتقليص فترة العرس مع حذف ما يسمى بالفرجة لاعتبارات أمنية. حتمتها ظرفية المقاومة . ونحن نعرف على ان الفرجة منتدى شعري بامتياز لهاحضوره السيكولوجي والفني معا . وهذا ما يدل على أن الشعر هو أسمى الحرية المرتبطة بالكرامة عند الفتاة الأمازيغية الريفية. التي كانت تتزوج لجمالها ولشعرها التي مثلت به نخبة المجتمع. ضمن النابغات في هذا المجال الفني، فكانت لهن مكانة مقتدرة في رحاب القبيلة؛ وبهن كانت تستقيم الفرجة الشعرية. في اي عرس أو حفل.. فكان يعرض عليهن ويستضفن خارج فضاء العائلة الصغيرة أو الكبيرة. لمقصد الشعر ذاته الذي ارتبط به الوجدان الأمازيغي حد الإدمان عند المرأة عموما.وكان هذا وقتذاك شانا عظيما
كما أننا صادفنا رواية أخرى ترجح سبب الاحتفاظ التاريخي بهذه الشخصية هو عملها النبيل المتمثل حسب ما ورد إلى مسامعنا .هو أن ذات فترة نشب صراع حاد وحامي الوطيس بين بعض قبائل الريف. وكان من شأن ذلك أن يدفع فيه كل السكان ثمنا غاليا، كما كان بمقدوره أن يؤدي بحياة جل الناس للهلاك. لأن المدة التي كان قد يستغرقها كانت لن تكون قصيرة .والكل كان مرعوبا ومتوجسا . لكن تدخل هذه الشخصية الكاريزماتية حال الأمر دون ذلك. لتستمر الحياة في جو من السلم والمصالحة ، وهذا السلوك هو من أرجع الأمل إلى النفوس بعدما كانت تتألم وتتحسر خوفا من جحيم الفتنة الذي عاشته منطقة الريف على مختلف مستوياته خصوصا في زمن الثأر الذي يقول فيه الشاعر:
1*نشين ئيرا نمصبضا نمزواح تيقبار
يوسيد مولاي موحند ئيجمعانغ غ ونوار.
2*ايبريغن ناغ أيوراون ؤومتزي
مارا نمناغ جارانغ, أبارا وانتمسعذي .(اخذا عن هارت م س ص245)
فانطلاقا من هذا شكل اسم بويا في الذاكرة الريفية مجدا وأسطورة وعظمة؛ وكان للحدث عينه وقع على نفس العامة .و الذي من المستحيل نسيانه او تجاوزه بتعبير آخر. ولم يستطع أحد نكران هذا الجميل المتمثل في حقن الدماء. ليصير هذا المتن الشعري الذي سنؤرخ به للأحداث والوقائع. اهم سجل تخلد فيه شخصية رال-بويا.و مهما شاءت أن تكون تحديات المرحلة ، فاختارت الشاعرة الريفية تدوين الحدث القائم على صدر الشعر. مما كانت بالفعل صائبة؛ وبلا منازع .حينما حاولت أن توفي بالشعر للإنسانية لأن الشعر عندها يضاهي القسم والمبدأ.
إن براءة هذه الرواية الشفوية السالفة الذكر . صورة طبق الأصل لنفس الحدث المنتمي لعهد قريب. والذي عاشته منطقة الحسيمة :حيث أقبلت فخذة "إزفزافن" على الاعتداء على شخص ينتمي لفخذة "إزمورن" فاستنفرت كلا القبيلتين قوتها باستعمال مختلف وسائل القتل لأخذ الثأر. وكاد ذلك أن يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه.لكن بفضل تدخل امرأة من إحدى القبيلتين التي حاولت أن تعدل بين المتنازعين بتفاوض سلمي وهدنة تعم كامل المنطقة ، متفادية بينهم الصدام والدماء لينصرف الجميع متآخيا . والحدث هذا مطابق تماما لما روي عن بويا سالفا
وأن ما يفهم من هذه الرواية الشفوية أولا: هو أن المجتمع الأمازيغي عامة والريفي خاصة. كان مجتمعا أميسيا. لم يعرف طقوس العائلات البطريركية. بحيث أن المرأة فيها عاشت جنب الرجل على قدم وساق ولم يقتصر دورها على المجال الفلاحي. والفني بل تعداه .إلى مستويات حساسة. فسيرت الشؤون السياسية:كما هو الحال لدى ديهية وزينب النفزاوية الهوارية والأخريات اللواتي غمرهن النسيان..،وليس كما يفتري ايمليو بلانكو بدعوى أنها لا تستفيد من الإرث
وانطلاقا من هذه النماذج البسيطة لا يمكن استبعاد بويا لأنها لم تكن هي الأخرى حاكمة عظيمة .كما تصر جميع الروايات المتداولة إلى حدود اليوم بالريف وربما كانت قبل إمارة بنو صالح . والتي تتفق ودون استثناء .على أن مكان الحادث هو نكور الذي يعتبر عند المؤرخين .أول دولة عظمى في الغرب الإسلامي؛
فمهما اختلفت الروايات حول طبيعة الحدث في شأن مفهوم أيارل – بويا فإن المستوى الإنساني فيه وتكريس حب الأرض والوعي بالذات الجماعية هو الجامع والموحد بينها . مهما شاء أن يكون الاختلاف الذي يتحمل مسؤوليته المؤرخين والسلاطين الذين عاصروا الفترة التي تعد ذهبيا .
لذا يبقى طرح الانتروبولوجي دافيد هارت الذي اعتبر اللازمة ايارال بويا مجرد صراخ..
أو كما يعتمد البعض مقاربتها بتسبيحة العبريين:
هليلويا هليلويا..........
رال بويا رل بويا................
. الذي لا يجمع بينهم غير النغمة الفونيتيكية. مجرد.قراءات ضعيفة متطفلة لا تثير غير التشويش على الأدب وتاريخ المنطقة .
فأيارال بويا: كلمة مركبة. مشتقة من قاموس أمازيغي محض .والتشريح المورفولوجي للكلمة بسيط جدا .إن استبعدنا الخلفيات الايديولوجية .
فمدلول الكلمة.
- أيا= حرف نداء يفيد الطلب والإستعطاف والإستغاثة
- رال= سيميولوجيا يستعمل لإثبات الشرف والشخصية والشهامة، -رلاك- وهو نفسه لكلمة (رج-رجاك) التي تعني أختك. بحيث ما زالت متداولة في الريف أو (رادج) والتي تعني صاحبة أوربة المكان أو البيت –راج- ن- ثدارث- ربت البيت تعبيرا عن الملكية. وهذه المرادفات تخص النساء دون الرجال على مستوى توظيف اللغة التعبيرية . حتى نستنتج على أن اللازمة منادات للأخت (رج) وصاحبة المكان الشرعي (رادج) التي هي- بويا- التي تعني هي الأخرى اسم أمازيغي عريق في المناطق الأمازيغية.و لم يعد متداولا للغزو الثقافي والتعريب الإستئصالي الذي تعرضت له عامة شمال إفريقيا بصفة عامة .
[فبويا] المؤنث يقابلها [يوبا] في المذكر فمن المؤنث إلى المذكر تنقلب الباء/ياء، والياء باء والاسمين من جذع مشترك، كما أن كلمة جوبا هي نفسها كلمة بويا إلا أنها حرفت صوتيا .
وهذه التسمية لم تكن متداولة في الريف بوحده بل على مستوى خريطة تواجد الأمازيغ، فمازالت تحتفض بها بعض تجليات الثقافة الشعبية كمثل هذا البيت الشعري (ئيناس ميس بويا أثامازيرث نك تنباطين... ئيمدولا الذنب إيكائيغمي نس) ، كما أن هناك من لايزال يحمل هذا الاسم كضريح بويا عمر المعروف بموسمه السنوي. ومنطقة بالسودان تسمى جوبا بمعنى بويا.
ويوبا سيكونا: الأمين التنفيذي لمرصد الصحراء والساحل وهو إفريقي سنة 2008
وهذه اللازمة لا شك أنها قد تكون حلت محل لازمات أخريات كانت متداولة بالمنطقة. تحكمن في وجودهن ظروف تاريخية خاصة كأرحمام ئينو، أذرار ن رمعذان
1**ممي أدرار ن رحمام وار نوفي بو رهنا
أمان ذي صماضن أسرقاحن ثصطا
وعلى منوالهن كان ينظم أو ينسج الإيقاع الشعري أو الغنائي في مختلف الأغراض . فهي مرتبطة بالأحداث التاريخية. خصوصا حينما يكون الحدث ملحمي وبطولي يعكس طموح الإنسان من خلال جيوب المقاومة الباسلة . فتستمر أكثر من سابقاتها وتنال حصة الأسد في من حيث زمن التداول. ليس ذلك بالحدث ذاته بل بقوة دلالاته وحجم تأثيره على مستوى السيكولوجي .
وكل من لا يتغنى بهذه اللازمة فهي قبيلة غير ريفية كقبائل صنهاجة كما يوضح هارت (أنظر هارت ايت ورياغر ص247)
فأيارل- بويا. ليست البداية ولا النهاية في لا زمات الشعر الريفي. فقد سبقتها لازمات أخريات . كل واحدة لها سياقها المرجعي الخاص بها. كلازمة أيا رحمام ئينو...أيا رحمام ئينو. التي كانت محدودة الزمن والتي جاءت ضد احتلال المستعمر الاسباني لجبل الحمام، كما أن هناك لازمات متعددات لم نتمكن من رصدها. نظرا لغياب الدراسات الانتروبولوجي والسوسيولوجي التي تعكس ضعف البحث العلمي الأكاديمي بالبلاد.
لتبقى الذاكرة الشعبية الجماعية المرجع الوحيد لمن يريد النبش في هذا المجال المبهم والعذري.
فإن كان السؤال يطرح نفسه من جديد. لماذا ارتبطت هذه الشخصية بويا بالشعر وليس بالقصة أوجنسا آخر...
فعلى غرار ما رأيناه من روايات، هناك من يقول بأن هذه الشخصية سكنت وجدان الشعر. لكونها كانت شاعرة متميزة أو أحبت الشعر درجة الإدمان. وهذا ليس من باب الغرابة .ما دمنا على دراية تامة بأهمية الشعر لدى جل الحضارات الأمازيغية المتعاقبة.والذي هو جزء منها،
مما لا شك فيه. أن هذه الشخصية التي خلدت في الشعر .أن تكون قد ضحت وأعادت إليه الإعتبار في ظروف مجحفة.لان الشاعرة الأمازيغية كانت تعتبر رد الإعتبار للشعر هو إعادة الإعتبار للمرأة/الإنسان ذاته.
1**نزه أميمونت محند غرم أيثمام
اتفاح وار يوي أربقوق ذ-سمام
وهو ما ينسجم بالبت والمطلق مع الرواية الأولى التي أتينا على ذكرها ؛ لا سيما أننا نعلم على أن شخصية الملوك والحاكمين والأجلاء انفردت بهم في المحكي القصصي. (ثانفوست) وفيها لقوا خلودهم الأدبي كأزجذ...ئيجيس ؤوزجيذ....
ولو لا حب وعشق بويا للشعر لكان خلودها هي أيضا هي القصة القصيرة.ثنفوست إسوة بباقي –ثيزجيذن- الأميرات
ولا نستبعد كل ما ترويه الرواية. لأن الريف إلى حدود الآن يشهد لشاعرات نموذجيات يرتلن القول البلاغي بمستوى عال وأخاذ وجميل .دون أن يعرفن بروتوكول الورق الأبيض والقلم والتنقيح والمنصة والصونو.. وفي صور رائعة تشك أنها لغة توحى، لكن تهميش الثقافة الشعبية .باعتبارها ثقافة التعساء والفقراء والمهمشين. حالت دون أن يطلع مواطنوننا وجيراننا على هذا الزخم الذي لا يستحق الضياع والتذويب في دهاليز الموت الرخيص.
ونافلة القول في هذا الصدد. هو أن رل بويا عند الريفيين تمثل نفس الشعور والإحساس الذي تركته تين-هينان في نفوس الطوراق بجنوب الصحراء.لأن الجانب السيكولوجي أقوى من كل إعتبار آخر .فهي آلهتهم إن شئنا القول



الشاعرة الأمازيغية في مرآة المقاومة.
حينما استدرجت الشاعرة الأمازيغة بموهبة الشعر . حاولت هذه الأخيرة قدر الإمكان .أن تخضع هذا الجنس الفني الجميل. لذوقها وطموحاتها وأحلامها ورؤياها…ولم تنساق خلف هواه عبثا . لا لكونه جنس ادبي يبعث عن الارتياح والمتعة.ويكسر طوق العزلة والصمت أحيانا. بل رفعته تحديا ومقاومة.لأخذ الثار ..ورسالة تاريخية تربوية تفوح بعبق الأرض والقيم التي لاتسترخص الحياة،حيث يقول الشاعر الجماعي :
*فظمة ثواياغش شن مارا ثورو
شن مار ثكاس ئيعمار هلا وعرو
شن مارا ثبياس رحزام ن بعة دورو
فمن خلال هذا الأدب الجميل. كانت ترى الشاعرة . بأنه يمكن أن نمنح لهذا العالم رؤيته الخاصة و سموا آخرا يطل منه عن ماهيته الحقيقية . بعيدا عن الجلبة ، لأن الشعر نمط وعي وتفكير جاء ليصارع بدوره من أجل وجود أفضل. مما مثل عندها هذا الخطاب التثويري الانزياحي. تحريض وتمرد وعصيان على كل تجليات الاستبداد والإستغلال….
والشاعرة الأمازيغية باستقامتها والتزامها. ظلت بعيدة عن شعر التكسب والميوعة والمجون. وكل ما ساهمت في انتاجه يتموقع بين الوقار والعفة والنخوة وفق ما يأمر به العرف وينهي عليه، خصوصا أن هذا الفن التعبيري ملك جماعي. من حق كل فرد. أن يجد فيه ذاته وطقوسه وأعرافه الاجتماعية . اي لاشعر أمازيغي خارج منظومة التاريخ. واستحبه الامازيغ أن يكون تاريخا وتأريخا
فالمرأة الشاعرة بحنكتها وتجربتها الزاخمة. عرفت كيف تنطلق من مرجعية تراثية. لتغني التراث في شكله الحداثي . قبل أي إعجاب بجمالية تذكر أولغة تتجاوز المحكي اليومي.
والشعر مثل عند الأمازيغية الموهوبة. تجربة إنسانية قبل أن تكون فنية .واضعة الآخر فوق كل اعتبار يذكر. دون ميز اللغة واللون والدين؛ وإيمانا منها بدور الأدب في الحياة. هو ما جعل بعض الشاعرات المكفوفات يربكن الاستعمار الفرنسي. بشعرهن الذي كان بمثابة الشرارة التي لا يمكن إخمادها، وكانت هذه الشاعرة تنتقل من منطقة لأخرى لمدح المقاومة وتمجيد الابطال وكان شعرها كله حماس وشجاعة وانتصار...
وحين لم يتمكن المستعمر من استمالتها. بالرغم من كل الاغراءات والوعود. إضطر في الأخيرأن منحها لها وسام العدوة اللدودة وذلك عام 1908،- - ..وما أكثرهن هذا الصنف اللواتي سجلن حضورهن بقوة في معارك متعددة من قبل الإسلام وإلى ما بعده .وطبيعة شعرهن لم يخرج أبدا عن المرجعية الواقعية وعن الجمالية التصويرية ،
1*ايوريد ؤورومي أياس ذي روضا
شيار ايامينة س رمجذور أزيزا
إنه شعر أمازيغي مفعم بالمعاني الإنسانية والدلالات الأخلاقية ومعاني الارض والهوية . وهو ما لم تكسبه الشاعرة سوى من خلال تجربتها المريرة في الحياة التي علمتها بان الأشجار وحدها من تموت واقفة . فعشقت الامر كذالك لنفسها
لذا تعد كل مراحل التطور الفكري والأدب الشعبي الامازيغي التي عرفتها منطقة شمال إفريقيا عامة. كان فيه للمرأة دورا بارزا ومهما لا يمكن الاستهانة به. سواء تعلق الأمر بالفن أو النثر أو الفلاحة أو السياسة أو الدين...

و كما يشهد التاريخ الادبي. كانت الأمازيغيات يقمن مجالس ومنتديات رسمية للشعر . عند أغلب الدول والإمارات المتعاقبة . فحواء بنت إبراهيم بن تافلويت. كانت كثيرة الحفظ والإنشاد الشعري. وكذلك أختها زينب دون أن ننسى تميمة بنت يوسف بن تاشفين .، وهذه المجالس الأدبية ليس كما أشرنا سابقا يقتصر على المرابطين فقط بل شأنهم شأن الموحدين والمرينين وبني صالح...
إلا أن ما اعترانا في هذه القراءة المتواضعة. هو أن جل الذين أتوا على كتابة التاريخ المغربي قد كتبوه بنزعة قومية عروبية مشوهة .تحاشوا الحديث عن كل ما هو امازيغي ولو في بعده الشكلي. وأن مثل هذه التناقضات الصارخة هي الدالة عن ارتكاب جرائم بشعة في حق الادب الأمازيغي على مستوى تامازغا . وهو مايعطي الحق في بروز أصوات احتجاجية تدافع عن صون الهوية بكل ثوابتها
و إلى حدود هذه الاسطر .لا نعرف لماذا لم يمدوننا الباحثين. بنماذج شعرية أمازيغية غير معربة. تنسب إلى الشعراء و الشاعرات السابقات الذكر. علما أنهن تشبعن بثقافة أمازيغية وتربين فيها وتعودن عليها وضاع صيتهن وشاركن المنتديات – وخير نموذج هو تتويج تويزا بالسمر الشعري.
فبنت يوسف بن تاشفين التي ترعرعت في بيئة أمازيغية وأباها تاشفين كان لا يعرف حرفا من العربية كما تؤكد المصادر وكان يخاطب الجند باللسان الأصلي؛ وبالأحرى وسطه العائلي؛ ألم تبدع ابنته باللسان الذي لم يفارقها ولو للحظة واحدة . دون شك فإنتاجاتها باللسان الأمازيغي. أهملت قصدا. سيما وأن أسرتها .امتازت بالاعتدال والتواضع الذي لا يسمح لها بأن تغادر الذات والهوية.
نستدل بهذا التواضع ضد الذين كانوا يعتبرون تاشفين جبارا عنيدا . لكن ورغم إمكانياته المتاحة وقت ذاك . لم يكن يأكل سوى خبز الشعير ولحم الإبل ولا يشرب سوى لبنها .. وفق مصادر الأخبارالتاريخية
فدون شك أن بنت يوسف الشاعرة تواضعت هي الأخرى . أمام أهلها بشعرها الملقى والمنظم بالأمازيغية.. لكن لغياب الأمانة التاريخية في البحث العلمي . هو ما جعنا لم نتمكن من رصد أي قصيدة باللسان الامازيغي .علما أن الإمارات المتعاقبة عمرت أزيد من ثلاث قرون، ولأن العربية إلى حدود هذه الفترة التاريخية كانت محدودة الانتشار ومنحصرة فيما هو إداري. مما يؤكد أن النسف والردم الذي لحق التراث الامازيغي كان أمرا مقصودا
فكما تؤكد بعض الدراسات بقي الشعر الأمازيغي نشيطا وغزير الإنتاج .حتى القرون الأخيرة. خصوصا القرن العاشر والقرن الحادي عشر. . فبالأحرى القرون التي الماقبل التي كان فيها الشعرالحواري هو اللغة اليومية . فالفرق بين القصيدة العربية والأمازيغية إلا إذا عظمنا العربية. كما تروي القصة الواقعة بدار سيدي علي بودميعة بإبليغ. حين مدحه الأديب امحاولوا الأيسي ..ناهيك عن الزخامة التي يعيشها هذا الشعر الامازيغي اليوم
لذا فأدلجة الكتابات التاريخية .هي التي غيبت دور المرأة في الحقل الشعري رغم حضورها الفاعل والوازن. جنب أخيها الشاعر الذي يشهد له التاريخ بقوة العطاء والجودة في المجال. كما محند أوعلي أوزال و محمد بن يحيى الأزاريفي.
فرغم انتشار ثقافة الطمس هذه. لا أحد من الأجيال قد يتنكر للشاعرات الأمازيغيات اللواتي أغنين الثقافة. وسجلن الملاحم ودعمن المقاومة .لاسيما إن استحضرنا الشاعرات الريفيات إبان مرحلة أنوال. وهن يمدحن الأبطال ويهجون المتحجبات القابعات في البيوت باعتبارهن متخاذلات.
1* إفغنت أثينحجاب ءاتوشانت ئوخيوش
ئينبجيون كخام روزيعث يشيث ؤموش
كما أبدعن أشكالا نضالية أخرى لدعم المقاومة كلطم الهاربين من المعركة وعدم إشراك إخوانهم في ماهو مصيري بالحناء حتى يعرفون لدى الآخرين بانتهازيتهم. إلى غير ذلك من الأدوار الطلائعية التي لعبتها المرأة عامة والشاعرة خاصة من طهي الطعام إلى حمل الماء في الجرات وإسعاف المقاومين ونقل السلاح إلى الأماكن الخاصة حيث يقول الشاعر:
1*نشين ئيريفيان ذي مجهذان زي لبدا
-ن- جهاذ –س- فوس نغ جهذانت –را- تينيب
سي قدواح ومان ؤورينتيد أكي صورا
مما يستشف من قول الشاعر على أن المرأة لم تغيب دورها ولو للحظة واحدة مهما شاءت الظروف أن تكون؛ فالمرأة الأمازيغية كان عليها إما أن تكون أو لا تكون، حسب العرف السائد سواء تعلق الأمر بالعمل الشخصي أو الجماعي أو الوطني... وحسب هذه النظرة الحداثية للمرأة هي ما دفعت بهذه الأخيرة بأن تقود الجيش وتسير شؤون السياسية في الوقت الذي كان الآخرون يدفنونها حية،
فإلى حدود اليوم ما زالت كل مداشر الريف وقبائله المترامية تشهد لشاعرات بالكفاءة والمروءة والشجاعة وكثيرات من هن تركن شعرا يدغدغ الوجدان ويشد الانتباه أثناء سماعه وترديده حتى ذاع صيتهن خارج قبيلتهن وكما جاء على لسان إحداهن:مستحضرين بعد الصور الجمالية
1*أذاك تسميحغ أليف ئينو عماص
ثجيد رعقار ئينو أم ثزيزوى –خ- رغاص

2*أذاك تسميحغ أليف ئينو عماص
أوار أج ديتاوذ –م- ثيمزرى عماص
3*روح أويايد أسوكا هاوينايي ومان
أذياوي شو هبو ج أذايي س وادا ريام
4*يوسايد السوكا أيوماين وابريذ
ئيوا ياللف ئيوا موذكتوسي ذرعيب
وهذه الصورة الشعرية يستحيل إطلاقا أن تترجمها لغة إلى لغة أخرى وهي صورة تتجاوز النقد الفني مهما حاولت التأني والرصد، والمرأة الأمازيغية هذه عبر مسيرتها انشغلت بعدة مجالات غير الفنية أيضا في الطب والصيدلية وباقي العلوم فهذه: أم عمر بنت مروان بن زهر أخت الطبيب أبي بكر بن زهر التي كانت متقدمة في الطب ماهرة في التدبير والعلاج وحظيت بذلك عند أمراء بني عبد المومن الموحدي فكانت تلج قصورهم .
والمكانة المقتدرة التي وصلتها المرأة الأمازيغية تعود إلى الرؤية الحضارية التي أكسبها الرجل الأمازيغي حيال المرأة كإنسان أولا وحبه للعدل والمساواة ثانيا .وكما جاء في قولهم حسب الرواية حين سألهم عمر بن الخطاب(نكرم الخيل ونصون النساء ونبعد الغارات) [مفاخر البربر تحقيق عبد القادر بوباية ص:180].
لكن ولسوء الحظ كثيرة هن اللواتي تعرضن للسبي والاختطاف فلم نطلع على ما أنجزن من أدب وشعر: كأخت حاميم الغماري المسماة "دجو" التي كانت من أجمل الناس كما هوجمت عمته "تانفيت" النابغتان في أصول المذهب ذي الأصول الأمازيغية الغمارية .ولم يستطعن ممارسة حريتهن الفكرية والثقافية لا لشيء سوى أنهن تشبثن بلسانهن وثقافتهن المحلية [نفس المصدر السابق، ص: 187] وكثيرا منهن من نساء بربر نفزة وقعن في أسرى موسى بن نصير. وهذا ما جعل عبد الرحمان الداخل يقول أخوالي في نفزة من قبائل البربر لأن أمه "راح" من فعل –ذراح- ذهبت. بربرية من سبي المغرب[نفس المرجع ص: 69]، فكيف لهذه الأم أن تحفظ شعرا وهي تساق كالبعير من سيدة عفيفة إلى جارية حزينة حتى كاد الإنسان ان بنقرض بقوة الغزو المتتالي على بلاد المغرب وبالأحرى أدبه وثقافته.
دون أن ننسى أم الحسن بنت أبي لواءسليمان بن وانسيس البربرية من أشهر الأسر المغربية التي انتقلت للأندلس. وهي من إحدى العالمات في القرن القرن الثالث الهجري (جريدة العلم يوم 18—10-2006-عدد20553)


الشاعرة الأمازيغية ودورها في تقسيم العمل.
وبعبقرية فائقة وقدرة خارقة .على تحمل الصعاب .حاولت الشاعرة الأمازيغية .أن تجمع وتزاوج بين عدة إنشغالات ومهام .تعتبرها مصيرية بالكاد.وهي مهمة صعبة بدون منازع .وهذا يعود إلى إيمانها الراسخ بالتطوروالكدح .رافضة بأن تكون مجرد مستهلكة تكتفي بمن يعيلها كالزوج أ والأخ. مما كان لها دورا فاعلا في الدينامية الإجتماعية والتاريخية .وهذه العبرة طبعا لم تكسبها. إلا عبر مرارة التجربة التي علمتها الإعتماد على النفس. فلم تفارق الحقل والمزارع و نظم الشعر... بالإضافة للتربية والفخار والنقش .حفاظاعلى التوازنات الاجتماعية.والتماسك الأسروي المحتاج لظروف خصبةوخصيبة ..
أولها حد أدنى من القوت اليومي لفسح المجال أمام ذاكرة الإبداع .لأن بين الفن واللرغبة البيولوجية علاقة جدلية ، لايمكن تحقيقها إلا بالإشباع .
1*أعيبنتاي الليف اننتاي ذي مسعي
أياركاس وتاي ذوني ذمنسي
فتقسيم العمل بين الشاعرة الأمازيغية والرجل. ضمن مجالات الحياة هو أحسن إندماج في النسيج الاجتماعي وهو ما برهن عليه العرف العائلي الأمازيغي. لتكريس التنمية ودمقرطة الحياة في شتى أبعادها وأهدافها فكان مصير الرجل من هذا التقسيم الهجرة خارج القبيلة أو البيت .لظروف اقتصادية سياسية....مما كان يصعب عليه الاهتمام بالجانب الفني الذي يحتاج أولا إلى الاستقرارالعائلي والنفسي. فظل للشعر مجرد هاوي وليس محترفا كالمرأة.
مما أوكل الأمر للمرأة الشاعرة المحترفة دور صيانة الفنون المادية والرمزية. والتي ساهمت في خلق اقتصاد محلي يلائم ظروفها وحاجيات مجتمعها. فخلقت لذلك أسواق خاصة بها كأسواق النساء التي يعود تاريخها إلى مئات السنين ، لأن العنصر النسوي عند المجتمعات الأمازيغية لم تكن أبدا معزولة اجتماعيا., فإليهن يعود الفضل في تربية الدواجن وغزل الصوف والزرابي وصنع الدفوف والعطور والتنجيم والخزف... وحاولت في أحلك الظروف بأن تقاوم سنوات الجفاف بمختلف الأنشطة الاقتصادية. وما هو ملاحظ في ذلك هو أنها كانت دوما تزاوج بين الفن والاقتصاد. وحاولت عبر السنين أن توفق بينهما. وهذه الروح الابداعية تعود إلى قوة نشاطها وحيوتها وإيمانها بالعمل ونبذ التقاعس.
وحافاظها وتمسكها بالشعر وباقي الجوانب الفنية الأخرى يرجع لكونها كانت دوما أقل استيلابا من الرجل وأقل اختراقا وانصهارا منه، فهي أولى مدرستنا في الأدب والأخلاق والتربية فيما تبقى من موروثنا الشعبي الشفوي.، فإن ظل الرجل غائبا فهو حاضر في مناجاتها الشعرية. لذا فلنا وقفة مع نماذج من شعر الهجرة
1*- أيا ربحار ومان كاي آبريذ –أذ- اعذيغ
غاري ذين الليف ثرنسنين وثزريغ
2*- ؤذام تسميحاغ ءاطيارة يذوين
ثكسيذاي الليف ثويت ئيذروميين
3*- غارك ئيد سوارغ أيا جذيذ ومان
روح سي وذاس سرام ئي الليف –غ- روليمان
4*وترو بو مطاون وذا يسوف بيبي
أباسبور يتخارس أثيذياوي ليهي
5*أيامسجلة أم غاسغ ئيفران
ثكسيذ أوارن ئينو ثسيزوطان ئيومان
6*روح أهولاندا ويذم يكين شان
7*إكامث ؤوغربو ذام ديعمان ئيمسعان
8*أون ثكسي ثمغاث أتمغتث رنتا
اسماس قندور سيثفامث غكوزين
9*أون ثكسي ثمغاث ميتسمى ثعكاز
أسماس قندور أذي حوك بودكاز
10*إناي أواح أشمكسيغ أكي ميتاين ؤوخمسين
نيغاس يكفايي غ الطوبيس ن لموساكين
فإن كانت لا تنسيه بجنونها الشعري فهو لا ينساها بالهدايا أثناء عودته أو تعبيرا عن مدى ارتباطه بالوطن والحبيبة ، قائلة ومعترفة له بالجميل.
* اشارق ئيعرب يويايد الموزنة.........الهجرة إلى الجزائر
أو . ثعوات –ن- ملاغة.................الهجرة إلى اسبانيا
فرغم الهجو azawar للذين هاجروا المنطقة . تبقى لهذه الثلة نصيبها من المدح والإعجاب في مختلف أشعار الشاعرة. وقبل التطرق للهجرة نحو أوروبا لا بد أن نقف لحظة مع شعر الهجرة نحو الجزائر في الربعينات
1*أسريغ الناضور إقيماي بلعباس
أشخبار يمنا ئي خدوج مالاباس ..... أورده هارت في عمله المترجم ص 258
2*أفونار نالشاق صوان ذايس ئيسرمان
نش تعياغ أكيذم شم ثنيت ئييمام
نفس المرجع والصفحة عند هارت
3*ارقنداث نمرويث أم يوش أربي أرياب
متجاذ مامينو ؤوخم دياركب
ومع إحدى النماذج الواقعية محليا كانت إحدى النساء بالمنطقة تنتظر زوجها بأن يرسل لها من الجزائرمع أحد الذين سيعودون للبلد. ماتشتري به العيد ولوازمه . إذ هو يفاجئها بأن زوجها لم يرسل لها شيئا ماعدا السلام
فانشدت قائلا: خ م
يسوذايد سرام عما ر نموح نعمار ن عري
سرام ئينس مثشاغ مثسغاغ ذي كري
مما يوضح أن التأريخ في الريف كان يمر عبر الشعر المحكي كمجال متمكن لتدوين ما لم يأت عليه الباحثين
وكذالك بعد الستينات ستظهر الهجرة نحو أوروبا الغربية وستواكبه موجة شعرية خاصة مواكبة لكل تفاصل الظاهرة كما سنرى بعض النماذج
1*أيا سحاب الخريج إولا وشينتاكم
يكفى غيجوسري كي الطمبين نكوم
2**روح نداث لكتوب أيا لوستديين
أروخت ثفغاد ضموض ئيليمانيان
إن ما يشد انتباهنا في شان الشاعرة الأمازيغية هو امتلاكها لموهبة خارقة ومتميزة. وقريحة تهز الوجدان المسموع بصوره غير المألوفة في الخطاب اليومي . التي تنبجس من عمق التراث. لتؤسس رؤية واسعة وفي فضاء أوسع لكل الاحتمالات الابداعية الممكنة؛ وهذه الشاعرة كما عودتنا عبر ملايين القرون لا تعتمد القلم والورق وكل ما تنسجه من EZRAN لا يكون معدا من قبل أومهيأ له .ما عاد التهيء النفسي. فهو وليد اللحظة المبتدع فيها لغة وصورا وبناء وقاموسا وتيمة .وكل EZRI يبدع يحفظه الشاعر حينه على ظهر قلب وهذه الملكة نادرة عند باقي شعوب الأمم التي تكسب الشعر عبر مراحل الاستعداد والإختمار الخيالي.
بخلاف أن الازري فهو وليد لحظته بامتياز. والذي يأتي بتعبيرية خلابة وفنية مدهشة، وتشكيل يستهوي عشاق الكلمة المعجبة بها .التي هي من صميم اللغة الأمازيغية،القادرة على مواكبةكل التحديات
وهذا التمرس البلاغي نرجعه بكل بساطة لتجربة الشاعرة في حياتها الاجتماعية وإلى المؤهلات الحيوية للغة الأمازيغية التي جعلت قريحة الشعر الأمازيغي يستغني عن حدود الزمان والمكان.
فالشاعرة الأمازيغية ومنها الريفية تبدع مئات إزران في ظرف وجيز وتحفظهم في ذاكرتها بدون عناء وبامتياز فهوشعر اللحظة ..وبهم يتم التواصل مع الأجيال والحضارات .لنجزم على أن شعرنا، هو حضارتنا... وجزء من ثقافتنااليومية وواقعنا الفني والفكري .
والشعر أيضا مثل عند أمم الأمازيغ ظاهرة شعبية أي أنه يساهم في انتاجه كل الأفراد والشرائح الاجتماعية وما هو حكرا على النخبة فقط ..خلافا لباقي التجارب. ، وهذا راجع إلى طبيعة العبقرية الأمازيغية التي تبدأ مفهوم اشتراكيتها من الفن والأدب، والذي كان لا يخرج عن هويته الفنية. التي ترسمها جمالية البلاغة المتفتقةمن شاعرية تفوق جمللية الواقع الإجتماعي . لنتأكد بان الشعر الأمازيغي له ضوابطه ومعاييره والتزاماته الإنشائية واللغوية إسوة بالعالمي
من صدق التعبير وجمالية النص .وروعة الإلقاء. بتقنية عرفت كيف تأثث البلاغة حتى يصير هذا الجنس الفني تفكير بالصور. والكتابة بالوجدان المطبوع بالعفوية والتلقائية بلغة سلسلة وسليقة.
1*أيالليف قذنغيضاي مثوكيذ أكيذس
أوخ تعواط وذاي توسي خ التص
2*أعوذاغ ثعواط النص ئينو يقسم
أرمراك ؤوهبوج أم ون يشين سم

والشاعرة الأمازيغية ذاتها قد وعت فنية كيانها في هذا التميز في نظم الشعر. مقارنة بأختها العالمية .وربما اعتبرت ذلك هبة إلاهية أووحي طبيعي ....
لتعبر عن ذلك في بيت شعري جد معبر. مقرة بعلاقتها الشعرية وكلامها الفصيح والمعبر.
1* ءاربي ئيذيوشين ءاوار ئينو ئيسكاذ
مرمي منيغد ثجماعث تيري ثنذني ثوجاذ
2-أربي ذا يوشين أوار ئينو يشنع
يتراح ذو كوراون أم وتاي ذا النعناع
وما زالت هذه البراعة في الإبداع سائدة بالرغم من انتشار ثقافة الإستلاب .وقيم الرأسمالية المتوحشة والتعريب المجحف .لكن وحبنا لهذا الجنس الوجداني. مثل نوع من الإرتباط العاطفي به. حتى سكن أحاسيسنا وتجذر في أعماق دواخلنا. من خلال تواجدنا من قرب الأمهات والجدات وفتيات القبيلة في البيت كما في الحقل أو في العرس...أوقرب الرحى ..
إنه شعر ارتبط بالعمل ومواجهة الحياة، تفجرت ينابيعه.من صدق القول والتجربة . فاستمر نهر لا ينضب وسط السهول والأودية.
1*أمان ذي صماذن أكي رعونصار ؤوشار
أكيذك أثنسواغ ماروحذي موحار
نستحضر هذا الصوت المبحوح المتفجر بسحر البلاغة. فنتذكر الصوت النسوي المنبعث من فضاء "رمراح" كمنتدى شعري يختتم به العرس أو العمل الجماعي "اتويزا" حيث الصورة الشعرية التي تبهر السامع ببلاغتها المرصوصة بشكل هندسي رائع... إنه شعر "الرايس" الذي يقطع من أجله المهووسون..مئات الكيلومترات.للإستمتاع به كما هو الحال عند الطوارق (الطوارق ص37 منشورات تامينوت)
1* مسار خير عليكم ءايا بريغن وقسار
ميكا مامي لعزيز ما واغاس بورغبار
2* مسار خير عليكم رايينين رايينا
مسار خير شك وحذاك أهيبي تسطا
3*مسار خير عليكم أيينين تافوسيث
أينين تزرماط أتيدينين أنيث
4*ؤوسيغد أكومينيغ أيبريغن مساكوم
قختيد إليف ئينو مارقث أكيكوم
5*مساكوم مسرخير أيبريغن ؤوقصا
قختيد إليف ئينو أرقارب ن سوكار
ليأتي البيت الأخير في تعبيرشاعري بامتياز. وفي صورة تركيبية بلاغية جميلة للغاية.حيث الشاعرة تحاول أن تاقسم حبيبها عذاب المشاعر التي تجمع بينهم وقد قطع كيلوميترات ليستمتع بشعرها
1* أكسيغ رهام إشك ئيتارين يطارن
منش رهم ئينو ءاثروغ ذي مطاون
2*أثبداد كي ثواث ثنايد ليوم ليوم
ليوم ئيور ئينك ماؤور ئينو ينوم
ولكي تزيد العلاقة متانة وعشقا سرمديا ويزداد هو الآخر تورطا وشغفا تعتمد الشاعر بعض التناقضات . وهو التهديد بالتخلي عنه .للتعلق بها أكثر كديبلوماسية عاطفية
1*أنغاي أيا اللف أقعاذ أشنغاغ
أذويغ شي ن زين ؤوكتاف اشجاغ
2*الليف ؤومو ثغريث اللليف ؤومو ثزويض
الللف ماي غثفاث مليون منزي ذاي غثويذ
وخارج الإطار الجماعي وفي لحظات الوحدة والعزلة، بالذات يبقى الشعر حاظرا على نفس الإيقاع. حيث توظفه الشاعرة أو الشاعر الأمازيغي على شكل المونولوج. للتجريب و للإستئناس به. مؤنسا به وحدته ليتحد به مع كل أحلامه ومتمنياته. دون واسط يذكر.في مكان يغمره الصمت والسكون... فياعنق قمة إلهامه وهو يقتحم التجريب في الطبيعة .
وغالبا ماتذهب الشاعرة الأمازيغية عن نفسها. هذه الوحدة بقوة شعرها التي يستدرج ويغري المهووسين به. إلى أن يترائ لها من يطل عليها من هضبة أو من مكان غير بعيدا. وقد يكون الحبيب ذاته الذي يرقبها من تحت شجرة مظلة قائلة.
1* غاي الليف ذمزيان أرضا أستفهم
ماني مايزراي إري يرا يقيم
2*الحب أيارومي الحب أيا سواس
اون ئيذيجين ؤوخي تا ك بوييضس.
ولا يمكن لنا إلا أن نلمس في هذه النماذج . ما قلناه سابقا من رومانسية فسيفسائية ولوحة لغوية تشكيلية داخل برواز استيطقي يدلل غنج الطبيعة .دون تكلف أو تصنع أو تنميق؛ ونحن نتفحص ونشرج جسد القصيدة الأمازيغية كموروث أصيل. لا يمكن أن يعوضه البارابول وباقي القنوات الفضائية على مستوى الجمالية في علاقتها وفي علاقتها بالذات ككينونة عاشقة للوجود.
لأنه عبقريتة نابعة من وجدان معقلن. يحاول أن يضع نبضه حبقا في كل زايا المجتمع. فيسري على تموجات السنابل وحفيف الرمال الذهبية ووشوشة المياه المنهلة من الشلالات العالية.
شعر لا تقيده الظروف ولا المواسم. رافضا لكل فئوية أو طبقية او أطلالية إن جاز القول
إنه فن شعبي ولد ليقاوم من أجل الكرامة، فأخلصت إليه الشاعرة الأمازيغية. والتزمت بكل ضوابطه حتى تمنح له هويته الخاصة.مقارنةبالجوانب الأدبية الأخرى . وهو ما عايناه في شعر الجدات.. أو رمراح بحيث أن كل بيت شعري عندهن. هو فن في حجم التاريخ. وبالأخص حينما نستعرض شعر الغزل أو المقاومة الفياض بالصورة والبلاغة .
1*ثرقاييد غ وبريذ ثناي الليف ئيعيبيشم
الللف ئينو مايشاط أم يار ثينيث ئيشم
2*ببام ينا مليون م يتغير ذكشكوش
انش مذوشغ مليون أكي مزام قموش
فالشاعرة الأمازيغية هي من يرجع لها الفضل في الابداع وتأطير الحياة عبر أدواتها الفنية ، فقديما كانت هي التي تشرف على مجالس الشعر (آهال) التي كانت تقام في الصحراء. وكان يفضل أن تكون سيدة مثقفة نبيلة تدير تباري الشعراء وتحاور الفنانين(عباس الجراري.م س، ص: 266)، لإعتبارها أم المدارس الشعرية. فشعرها كله معاني الصمود والكبرياء والهوية والشرف والمقام؛- وإزران- الذين نحن بصددهم لا تكفيهم هذه القراءة البسيطة للغاية .والتي لم تلامس غير مستوى الشكل، لكن لا بأس أن نتجاوز التقييم الجمالي لنتوغل شيئا في ماهيته وتركيبيته البلاغية .


إزران والتركيب البلاغي.
إن الوسط الثقافي الريفي خاصة. لم يألف قط نمط القصيدة السائدة حاليا والمكتوبة على نمط مستورد. وهو ما يأتي في إطار التحديث الشفوي إن جاز القول. فكل ما هنالك سابقا وما كان يعرف ب EZRANتتخللها لازمة ءايارل بويا. وكل إزري مستقل عن الآخر.في الغرض والصورة والقاموس...ولا يجمع بينهم سوى الشفوي و تناسق البناء اللغوي والإيقاع الداخلي والخارجي كجرس يحدثه اللفظ بتناغم التركيب البياني الذي يمتد تسلسله على امتداد كل إزري ليشكل مجموعة شعرية EZRAN التي هي وحدة شعرية قد نصطلح عليها بالمطولة الشعرية كمثل هذا النموذج.
*ءايا رال يا رال
ءايا رال بويا
............................
1*يماس ن مامي نو أسينيغ أيما
أستينيغ س و قموم ماش س وور ألا

2*ءيقابر باسيو خبريذ ن طوموبين
ما يتغير أنوبيا أستدياوي رعوين

وهذا النموذج يمثل المقطوعة أو الإزري كما هو معروف والمتكون من أربعة أشطر حسب التوزيع الإيقاعي مصحوبة بنقرات إيقاعية سداسية(6).
والإيقاع هذا قد يحدث بالضرب على الأرض بالأرجل أو بحركة جسدية تتراوح بين عملية الوقوف والجلوس كما يتبن في عملية الرقص والذي يجسدها الحصادون على أحسن صورة.أثناء عملية الحصاد وهذا الإزري المكون من أربعة أشطر –مقطوعة- ويتطور إلى مطولة يعادل تقريبا 24 نقرة إيقاعية حسب رأي الموسيقار الوليد ميمون.

1 2 3 4 5 6
ءايا رال يرال ءايا رال بويا
كانتين ن ميناذور أراي رفروس ئينو
روح مينذاك غارغ ق ثسويتانت ذاربنو
ءايا رال يرال ءايا رال بويا
منوان ئيرا ينان والله ماس ثوكور
قضعاس ئيطو موبين ؤر ثسرنكار موطور
ءايا رحمام ئينو ءايا رحمام ئينو
لهلا خوش اطاس لهلا خوش إطاس

إن النموذج الذي اعتمدناه في إيقاع الإزري يبرهن أن هذا الأخير هو وليد الرباعية المقفاة. حتى فيما يخص اللازمات الأخريات كما هو الشأن
أيا رحمام ئينو..................
ءايا رحمام ئينو..................

إيزران والمميزات الفنية.
بينما نحن نستقرئ الإزري في ماهيته .حتى وجدنا أنفسنا ملزمين بملامسة الخصائص الفنية وفي مقاربتها بالشعر العالمي.
فوجدنا توزيع اللغة الإنزياحية بصرفها وتركيبها ونحوها: تشكل بناء هندسيا في مستوى مفهوم القصيدة الشعرية . التي يضفي عليها الخيال جماليتها الخاصة. بقوة تناغم الصورة والمشهد المعبر عنه .والذي يأتي بتوازن اللفظ شكلا.. وقوة الحدث موضوعا ومضمونا. فلا نلمس غير صدق العاطفة بمفوهها الأدبي والصدق والعفة والوقار والحشمة لنقول أن ezran كتابة تاريخية تبدأ من القيم الإجتماعية وليس من دافع الرغبة بمفهوم علم النفس ...
بحيث لا شيء اسمه الميوعة والتنميق في الشعر الأمازيغي. كما عودتنا مختلف التجارب؛ وصولا إلى جمالية الإلقاء التي لا تضاهيها أية جمالية تذكر. وليس ذلك راجع للبلاغة. بقدرما أن حناجر النسوة هي الخلفية الأساسية في ذلك .وهذه ميزة عند الشاعرة التي كانت تود أن تعانق الشعر من خلال ضوابطه ومعاييره وسوسيولوجية تيمته. فأخلصت إليه تاريخيا.
والتي أذهلتنا بصورها الرائعة والجميلة .التي تقدر بالرؤية الوجدانية.
1* ءايوشاي –ذ- خاثنت تزواغث ءام دام
يناي متسناذ ئي الحب ميني خدام
*أيوشاي ثخاثنت سو فوس ئينس أفوسي
يناي مورو تكسيذ غام الحب مانيشي
2* ءاقساغ فوس ئينو ؤزايس يوزير ءادام
ءاوني ؤذييزرين عاذ أخافي يندام.

وهذا الجنس الأدبي الأمازيغي ظل دوما يستمد جذوره من التراث المحلي دوما دون اغتراب. ومتموقعا بتيماته بين الأرض والإنسان والهوية؛ والرؤية الشعرية في الأشطر الأخيرة. لا شك تعبير بالصورة المحركة لكل صنم متجمد في حدائق العشق، والتعبيرية هذه تنهل من القاموس المرتوي من كل الخصائص الطبيعية التي استغلتها الشاعرة بفطرتها الفائقة .حتى تكسب للتجربة نكهتها الخاصة بها. وفي خصائص مشتركة مع التجربة الشعرية العالمية والقريبة منها، لنبقى مدينين لها وهي تطرز اللغة المختمرة في اللاشعور الجماعي.

إزري وتشكل الصورة الشعرية.
إن ما يميز الإزري القديم هي الصورة الشعرية الملتطقة بآليات البلاغة دون تصنع أو تكلف. والتي هي أبلغ من كل تعبير أو وصف .ولا يدرك سرها إلى بالحواس المدمنة .وهي التي تتسع كلما زادت فيها الشحنة الوجدانية ذات التطابق السوي بالحدث أو التأمل المعني. والذي ينحت كلوحة تشكيلية جاءت لتجمل القبح الذي يمر بها إلى عالم تنعدم فيه الموت.
فعبر التشبيه والسجع والجناس والطباق.... تولد الصورة كإحساس وجداني تمنحنا فرص للاستماع إلى الذات في هدوئها وسكينتها.
والصورة هذه جزء من تقاسيم الروح .مبرهنة على أن الإزري مسكنه الوجدان وطعمه اللغة الأمازيغية .القادرة على نفخ الروح في الجسد الصامت .لتؤسس لتجربة إنسانية. تنطلق من المحلي لتعانق الكوني. بأبسط أدواتها الفنية المستلهمة من أصالتها الشعبية العريقة. ولفهم التجربة على نطاق واسع .لا بد من الإطلاع على عامة الأدب الإفريقي في شكله التقليدي الشفوي ذات الخصوصيات المشتركة بأدبنا الأمازيغي من مالي إلى النيجر . الذي ما زال يأوي في طياته أشياء تغيب عنا بسبب تقادم التجربة وعدم تحصينها وتدوينها.
إن الصورة الشعرية في إزران .والمقرونة بالرؤية الفنية من خلال كل النماذج المعاشة. والذي يتشكل بناؤها من عمق التراث الأصيل المؤسس لمرحلة لها رؤيتها الخاصة للواقع من خلال جسر الفن .والتي تنفجر من جوهر المحسوس للأشياء ومن الواقع المعيش وليس من العدم والفراغ. كما يرى "لوسيان كولدمان" وهو ما يعبر عن جدلية الأشياء داخل منظومة الفكر الأمازيغي.
وطبيعة التجربة الشعرية عند الشاعرة الأمازيغية ظلت في غالبيتها ثورية اجتماعية وإنسانية النزعة.
1* ءاثدارث ثمقرانت وتقارن ئيربني
ءاقارنت ئيبا ب ئينس ئيمار ذا هيمي
فمن الغرض إلى الصورة والإيقاع تتشكل معمارية وهندسة الإزري في تناسق بلاغي جدير. مهما شاء أن يكون الحدث والظرف .فلا يمكن أن نستمتع بكل ما تجود به القريحة. و نرتوي شعرا حتى النخاع سوى إن كنا في حضرة المنتديات المعروفة كالعرس أو "اتويزا" ضمن فضاء "رمراح" أو "إزقاق". أو شعر الرحى

العرس كمنتدى شعري.
تعد "ثمغر" العرس. مؤسسة اجتماعية ثقافية لها من الأبعاد مالها.. والذي يتداخل فيه. المعتقد الثقافي والعرفي والإنسائي والاسطوري والتراثي والديني. وكل ما هو متجذر في البنيات الذهنية الأمازيغية الذي شكل عنده مفهوم المصاهرة انتقال نوعي. لتشكيل الاتحادات Confederation كضرورة تاريخية. من أجل وجود قوي يسود ويحكم في خيراته. وكل ماله علاقة بمجاله وكيانه العام.
إن مفهوم- تمغر- تعني العظمة والجلالة والمشتقة من فعل- إمغار –كبير-نسبة إلى (ثمغارث)التي تصبح عند هذه المحطة الجديرة. أكثر من فتاة –تحموشت- فتنتقل من–تحرموشث- الصغيرة إلى مستوى آخر من المسؤولية المجتمعية والأسرية . وتصير إمرأة-ثمغارث-أي عليها أن تكون كبير في حجم ما ينتظرها من المهام والمسؤولية تجاه مؤسستها الأسروية . فكل متزوجة تكون قد قطعت مع مفهوم الفتاة –تحموشت- فإن كانت هي تسمى – عند العامة -بتمغارث- بعد الزواج أي المرأة فهي أيضا لها –أمغارها –اي كبيرها كما تلقبه.أمغار ئينو وهو أب الزوج الذي صار كبير في عينها تعظيما له والثناء على مابذله من تربية سلوكية حسنة وحسن الخلق الذي يميز زوجها الذي يشكل جزء من حياتها . وإن كان السؤال لماذا توظيف مفهوم الكبيرة-تمغارث- ,فهو دلالة عن الإعتبار الذي منحه الامازيغ لإمرأته عبر مر العصور . و التي تبوأت مكانة مهمة في المجتمع الأمازيغي كما رأينا سابقا جنب –امغار- الذي هو سيد القوم ليؤسسان حياة الخصوبة والسعادة المنشودة؛ ولماذا- ثمغر- المؤنث . بدل أمغار لأن الأنثى هي الأصل حسب رؤية نوال السعداوي .وأن المرأة حسب ما جاءت به الديانات بإمكانها أن تولد وتتكاثر بنسلها في غياب الذكر. كما هو الشأن في قصة مريم ابنة عمران التي قالت (...لم يمسسني بشر ولم أكن باغيا ........). وهذا المعتقد كان سائدا عند الأمازيغ قبل وجود الديانات نفسها مما نجد أن أغلب آلهاتهم مؤنثة كآلهة "تانيت" وكبار من الشخصيات نسبت للأم بدل الأب لهذه الاعتبارات عينها.
وقد أولت هذه الدلالة الكبيرة للعرس- ثمغر- كنمط بياني يتجلى نحو الأعلى وهو يؤسس لنمو العلاقات العائلية وللقرابة وللذرية.-jajgo…azare3 التي كلها حركية تؤسس للتاريخ عبر التكاثر ، ليحظى الحدث بنوع من القدسية والمكانة البارزة ضمن باقي الظواهر الاجتماعية؛ فاغتنمت الشاعرة بدورها الفرصة لتجعل من أقدس فنون الأدب صوتا يذوي على مدار أيام الاحتفال. ولا شيء إذن يحضر بقوة أكثر من EZRAN و قد لا يستقيم الإحتفال بدون EZRAN في بلاغتهم الرائعة وصورهم التي تعكس صدق التجربة الإبداعية. ذات البعد العاطفي والرومانسي . والتي لا تخرج عن الضوابط الفنية الأمازيغية بكل تجلياتها المقدسة.
1* ءامولاي ذ الطاوس ثسريث ذافار ئينس
الزين يازو خ الزين يوفا ءامكان ئينس
وأن مفهوم هذا البيت الشعري في خضم العرس لا يمكن أن يجسد إلا معنى الطيبون للطيبات.
1*ءايا مولاي نغ ئيني شكرا ئينيت
ءانويا كد ثحنجيرث ؤر ذيج مايويت
2*ءانا ناي موذ مركياذ ءاطاوس ئيبراذن
لمليح وديوسيشي زي الطاف ؤكيغ ءاسان.
3*أيامولاي أناغ ميمي كولونيا
يكفى غ الزين ئينك يكفى غ الفطانة
4* أيارميش وزراف ئيترين كيلوميتر
أيامولاي أناغ أزاريعث ن قويت
5*أيبريغن نغ ميخف ذاثكسيم نذا
أجام أتيكسي مولاي نتا غاس ئيتنيا
فلا داعي لاستحضار كل الطقوس والمراسيم التي يتم فيها العرس الأمازيغي الريفي تحديدا؛ إلا أن ما سنركز عليه هو أن ثمغر (العرس) كانت في السابق كما يحكي لنا تتكون من 15 يوما. ثم تقلصت إلى أسبوع ثم إلى يومين بسبب الحروب والمؤامرات التي كانت تحدق بالمنطقة. فكان على عبد الكريم الخطابي أن يصدر قراره في هذا الشأن الأخير. المتعلق بيومين مع عدم استعمال الذخيرة. للاحتفاض بها وقت المواجهة مع العدو. وحتى الفرجة الشعرية التي كان يتوج بها كل عرس أو محفل موازي هي الأخرى ألغيت .تجنبا لكل مباغتة . وللأخذ بالحذر؛ وهنا تأثرت الفتيات بإلغاء الفرجة التي كانت تنظر إليها كمنتدى شعري بامتياز. فلم يستطعن تحمل هذا الإجراء واعتبرن ذالك. صدمة لاتطاق فأنشددن شعرا احتجاجي يهجوا هذا القرار ويطلبن كما يلتمسن التراجع عنه فورا.
1*ءايا مولاي موحند سيدي أنعم موكاس
مارى ونني بويا مينزي –غ- نموناس
2*ءايا مولاي موحند شحارغنك نصبار
فركطازي ثكزيرث طيارة زي ربحار
3* ءايا مولاي موحند مور ئيحن وور ئينك
ءا قارل بويا ثكس زي ثمورث ئينك
4*ءايا ياربي ءاتجاذ ءاذ نيوش ءاتسريح
ءاذا نيوش التسريح –خ- رال بويا ذا شذيع.
*5أيا مولاي موحند أثسطا ننوى
مو شيهذي ربي ءانغ ثجاذ أنعيا
وفعلا ومع مرور الوقت تم رفع هذا الحظر. الذي تحكمت فيه ظروف موضوعية وظلت "تمغر" كلها نشوة وفرح..وغناء وشعر . سواء تعلق الأمر باليوم الأول الذي يسمى (إرحني أمزيان) والثاني (إرحني امقران).
وهناك من يصطلح على الأول- بأمكري- وهو اسم كان سائدا حين كان العرس يقتصر زمنه على أسبوع وكان الأقارب يستضيفون فيه العروسة قبل أن تزف إلى دار زوجها-أنسكر ثسريث- والثاني يسمى ثمغر –ءاي اليوم الأخير-
وفي هذا الفضاء المقدس تتزين الأمازيغية الريفية بمجوهراتها زينت و بها تكون أشبه بفراعنات مصر القديمة وهي ترتدي حليها من الدمالج و ممنطقات ب-ثيسفراس وعلى رؤوسهن ثمراسث وثقشوشث خصوصا المتزوجات وهي كلها اقراص فضية تتدلى على مستوى الوجه
والعازبات هن الأخريات يعتمدن نفس الحلي خصوصا عند أيت تمسمان اما أيث ورياغل فيكتفين بمى يسمى لحميلة و بخنيقة وتيمقياسين وباقي أشكال العقيق .
وأن الشعر الذي يسود طول هذه الفترة كله مدح للعروسة والعريس وفي صور شعرية مذهلة بامتياز مع ذكر محاسن العائلتين.
1*أثسريث ق ثساس رخط ؤوفوس ئينس
أذي سبار ربي الوالدين ئينس
2*رل ثسريث نغ ثوش بيست ؤويور
ثوش بيست ن دهاب أكي جاج ئيتضهو
3* رل ثسريث نغ ميمي ثترو يمام
ءامولاي عاذ ذا مزيان حسبيث أم شي وومام.

وفي بلاغة النظم تكثر الأسماء التالية مولاي= العريس
ثسريث=العروسة / الليف= الحبيب/ ءاريض= الحب.وبالمناسبة فإن العروس والعريس لا ينادونهم يوم العرس بأسمائهم الشخصية بل يكتفون بتسمية مولاي العريس وثسريث العروس
وغالبا ما تبدأ الأعراس في يونيو/ حتى أواخر غشت/نظرا للظروف الصيفية الملائمة لكل نشاط . وبالتالي يكون فيه كل المزارعين والفلاحين قد انتهوا من أشغالهم وجمعوا محاصلهم. وليس لهم ما يغيبهم عن المساهمة في الحضور ماديا ومعنويا ، وفي يوم العرس عند أهل- ثسريث- العروسة أو -مولاي – العريس . يحتاطون من الوقوع في أي هفوة أو سلوك قد يقلق الضيوف enbjewn متمنيين أن يكونوا عند حسن الجميع .تفاديا لهجو الشاعرات الحاضرات. اللوتي لا يمكنهن أن تفوتهن أية إشارة تذكر. وعلى سبيل الذكر يحكى في أحدى الأعراس أن الطعام لم يقدم للضيوف في وقته المناسب لإعتبارات لا إرادية . فأنشدت الشاعرة شعرا هجائيا. وهي تنفي بالقسم على أنها لم تأكل ولم تشرب ولم تذق الطعم في ملحه حينما لم تناوله في وقته المناسب
1* والله ئيما نش والله ئيما نسو
والله ئيم نقسيث كي رمراح موكيكا
مما يبين على أن الشاعرة هنا مثلت. دور الناقدة الإجتماعية .التي تصهر على رد الإعتبار لكل ما يستحق اعتباره .وهذا النقد المصاحب لمثل هذه المنتدايات. هو الذي يجعل أهله بأن يكون دوما في المستوى المطلوب .
مما نستشف من رؤية هذا الفن الأمازيغي. على أن الشعر ليس مجرد البحث عن لحظة فرجة أو متعة عابرة .بقدرما الأمر يصير تفكير بالمشاعر المعقلنة .

وفي نموذج آخر .يتعلق بأهل وأصدقاء العريس. الذين لمحت فيهم الشاعرة نوع من الفتور في تقديم (الغرامة)- رغامث- وهو مبلغ من المال يوضع في (الصينية) وهو ما لا يعكس الحيوية التي شوهدت على وجوه هؤلاء الناس حينما كانوا يتبادلون الابتسامة ويشربون الشاي.
1* ؤمي ذتاين –وا- يسغ ئيوا
ؤمي –ذا- رغرامث –وا- يتخزار كيوا
وهذا البيت يأتي كصيغة تشجيعية وخلق نوع من التباري والتنافس بين الأهل والاحباب . وعلى ذكر التباري. يروى أن أحد العائلات إتفقوا على مبلغ الغرامة في مابينهم .لكن الآخر لم يلتزم. فاهدى مبلغا أكثر مما هو متفق عليه للعريس .لكن الآخر لم يجد ما يجاريه به فاضطر بأن يبيع في تلك الليلة عوده. ويزيده كغرامة للعريس إثباتا لشخصيته وشهامته..
وكلما تقدم أحدهم لتقديم الغرامة. تزغرد النساء وتنشد الشاعرات مدحا يليق بصاحبه
1*أحنجير امزيان اياربي رضا
اسنحضار ثمغر أموك تنحضار ئيو
وأن الشعر أثناء (الغرامة) تنشده الوزيرات عبر ترنيمة خاصة.
ءاناح ءاناح ءانوارذ ارحني
مولاي نغ إخس ئيراض ربي
وهن ملتفات حول العريس.في حفن واسع ومستوي المساحة .وبمجرد ماتنتهى الغرامة يطوف "الرايس" "الوزيرات" بالمكان المعد للفرجة والذي هو ذات شكل دائري الذي يفيد الحركية . لمدح كل من أهدى للعريس شيئا نقدا أو عينا باللازمة التالية.
1*ءاناح ءاناح ءانوارذ أرحين
مولاي ناغ ءاخس ئيراض ربي
ءام اللوبان ذرمجان كيثذري
............................
لينتهي بعد استكمال دورهن بالرزيق الذي يقدم ويؤخر والرزيق الحالي يلقى بالعربية. ويرجع ذلك للتعريب الذي لحق المنطقة عبر الفقهاء
*1سبحان الرزيق
سبحان الخالق
سبحان الباقي مدى الخلائق
............................
أما القديم فقليل ما تم الحفاظ عليه. وفي مناطق محدودة وهو على الصيغة التالية.
1* ءاينورايق سويق سبحاي
ءاينورايق
ءاوذاي
لوهياي... إلى آخر القصيدة
ومباشرة بعد الإعلان عن المبلغ المحصل عليه امام الجمهور من طرف البراح وهو دلالة عن قمة الشفافية والوضوح في المجتمعات الأمازيغية
لتبدأ الفرجة بعد ذلك إلى مطلع الفجر.
ويبقى للعائلتين المتصاهرتين جزء آخر من الإحتفال .وهو اليوم السابع بعد العرس وهو ما يسمى بضضيافث وهو اليوم الأول الذي سيتعرف فيه العريس على حماته ثثكاج ولا يصافحها لكن يعانق رأسها تقديراروتعظيما ..

الفرجة الشعرية بين الاجتماعي والطقس الاحتفالي.
في الفرجة نستمتع بالشعر. ونتذوق عذوبته. وجماليته الساحرة . وهو المكان الوحيد لمن يعشق ألوانه وغزارته. وقد يكون سبب ذلك احتفاء بشيء ما أو بحدث ذي علاقة بالأرض والإنسان: كالعرس و (تويزا) او العقيقة ومكان الفرجة هو فناء الدار أو مكان بقرب العتبة . منبسط وشاسع ومضيئ. يحاط به المهووسين بفن الفرجة. على شكل دائري تكريسا لمعتقدات قديمة .والتي تمثل الشمس في دورانها . أو إله رع.دلالة عن الحركة والدينامية .
وكما يؤكد الباحث أوجست مولييراس:يجلس النساء والأطفال وعازفوا الناي وقارعة الطبل القرفصاء على خطين متوازيين ووسط هذين الصفين ستوقد نار تضيئ المشهد . وتبدأالنساء الشابات والعجوزات بإنشاد أشعار أمازيغية ترتجل في غالب الأحيان لهذه المناسبة .والموسيقيين يرتجلون بدورهم أشعارهم التي توقظ الميت من القبر بنغمات الناي وأصوات الطبول مصحوبة بزغاريد النساءوقعقعات البنادق –(المغرب المجهول ترجمة عزد الدين الخطابي سنة 2007 ص143-)
كما قد تمثل هذه الفرجة الشعرية التماسك والتضامن والوحدة بين أفراد القبيلة. ولا يخرج لإلقاء الشعر وسط الحشد –رمراح- إلا الشاعرات غير المتزوجات وهن سافرات الوجوه. لكن في لحظات تاريخية أخرى سيرتدين النظارا السوداء وهن مغطيات الوجوه حتى يتم إخفاء هوية الراقصة /الشاعرة كما سجل ذالك دافيد هارت بالصورة .ربما ذالك لا يتجاوز الإعتبارت القبلية . وقد يكون هذا المكان المعد من قبل هو (رمراح) أو (ازقاق) والذي يكون له وقت سريان الفرجة. طابع قدسي .تمنع فيه حدث الإساءة أوالفوضى أو كلام غير أخلاقي .... وكل ماليس له علاقة بأخلاق القبيلة . والمتزوجات يختلين في بيت خاص لا وجود فيه للرجال إن شئن الإنشاد. أو إن شدهن الحنين إلى الماضي الشعري. أو لتشجيع المبتدئات ويسمى شعرهن هن هذا( إزران ؤخام) كما تمر فرجة العامة .في جو من الوقار والحشمة والأخلاق؛ ومثل هذه الفضاءات تنتظرهن الشاعرات بشغف ولوعة، ليس كفضاء فرجوي يذهب الروتين اليومي والملل. بقدرما هو محراب قدسي. تظهر فيه الشاعرة الأمازيغية . براعتها الشعرية لإستلهام الآخر. بجنون النظم وعبقرية التصوير التجمالي. أو هو مكان اللقاء بالصدفة ليتعرف عليها نصفها فيتزوجها ليس لمالها ولا لجاهها لكن قد تختار لشعرها وشعرها ووشمها .....كما يقول يقول الشاعر في إثارة التجليات الثلاث:
1*أسيذي عزيزي إينو, راجايي أذكنفيغ
ثيريت إينو ثهرش, ذ تيكاز إيذين ؤريغ
2*موشواف أزيرا إسغوان وانو
أخم أذفاغ رحابس عامين كيوالو.
3*أغانيم أغانيم، يكامن فوذ ذكفوذ
أقام ثنغيذاي أم ثيكاز ؤفوذ
4*أياربي أتساض الليف ؤوديعدي
أذياف تعيارغ ؤوس مين غ ييني

إن الشاعر/ة في هذه الأبيات التي جاءت في بعد جمالي خلاق وتشكل فني يروم خلق صدق الحواس. بلغة بسيطة. لكنها فياضة المعنى والدلالة : يبين مدى افتتانه واعجابه بشعر المرأة .ووشمها وشعرها كثلاثية لا محيدة عنها طبقا للمثل القائل شعر المرأة نصف جمالها
لنقول نحن بان شعر-إزران- المرأة الأمازيغية نصف وجودها وكينونتها بدعواه أنه غير متروك للهو والتسلية بل صيرورته ظلت مرتبطة بالتاريخ والارض كمكمنين للوجود الإجتماعي

وعودة بنا إلى فضاء الفرجة فالشاعرة أوالفتيات عامة يرتدين أجمل اللباس ويتجملن على أحسن طريقة لاستقطاب الخطاب .وهو مكان ظل للتعارف عند أهل القبيلة وتعد الأم صاحبة القرار النهائي في هذا الشان لتجربتها مع الحياة .
وغالبا ما تنال الشاعرة من فضاء فرجة الشعر.رضى الحاضرين. أو تتوج كمحتفى بها وفق ما جادت به قريحتها. والتي تؤخر حضورهم إلى آخر ساعة الصبح. بحيث المتفرجون لا يستطيعون فراق الحنجرة المبحوحة وهي تخاطب فارس احلامها
1*الليف متروحاذ .الليف متسنساذ
فيد قيم أذكسباح أنمون مار ثخساذ
أو يقع عليها بصر من هم مؤهلين للزواج. وتكون الفرجة أكثر من فضاء للمتعة والفرجة. فهذه هي ثمغر اللباس/ثمغر الفضاء/ ثمغر الزمان ثمغر التعارف/الزواج كما استعرضنا ذالك بإيجاز وباختصار شديد.
وكل ما يتلى من الشعر في الفرجة فهو متعدد المعاني والاتجاهات والمضامين والإحاءات .
وما سنركز عليه بكثرة في النماذج التي سنوردها أسفله هي الصورة الشعرية في شكلها وتشكلها الفسيفسائي؛ والرؤية الفنية داخل تيمة النص معتمدة التراث والمنهج الاجتماعي والنفسي والرومانسي...بكل معانيه البلاغية والإيحائية .


إزران الهجاء.
إن هذا النوع الشعري يصطلح عليه في الريف(برمعاني). وقديما كان يسمى "برعرور". كما أورده الباحث الفرنسي بيارني. فيأتي مشحونا بالمادة الشعرية .تأكيدا لدقة المعنى بالصورة البليغة.التي يجب أن تؤكد شخصية الشاعر/ة وأن تربك الخصم/الآخر، فهي أداة صراع في صيغة الفن.
1- روح مون أكيذس عذراس اموني
2- اواح يارفضيحث مار وشم يوي
3- أثقبوت ؤومسمير ؤكراخت أثازيري
4- سوجذاخت يماك مار وكيتوسي
وكانت تتعزز مكانة شعر الهجو بالريف . كلما إزداد الصراع والتوتر بين القبائل. بحيث أن مد الصراع الإجتماعي ظل يوازيه دوما الصراع الثقافي-الفني –
بحيث أن ذات يوم حصل خلاف شديد. بين الشاعرات- أرايس- وهن يواجهن الجمهور في فناء الدار.كونهن اختلفنا في مفهوم العلاقة خارجة القبيلة . ونال منهن ذالك مدة زمنية طويلة وهو ما يفسر بأن الشعر رهين بالتحولات الإجتماعية والعلاقات السوسيو ثقافية ............
إذ تقول الأولى:
1*الحب ن ربارني مان ربارني
الحب ن دشار ئينو أيا فميليا
فترد عليه الاخرى التي تفتخر بالعلاقة خارج القبيلة لإعتبارات ولأخرى
2*الحب ن ربارني أيا ربكياث وتاي
عليك مري ثجيذ كي دشار ئينو أكتاف توا ريذاي
كما كانت الشاعرة لا تدع ادنى إشارة تاتي من المتفرجين إلا وعلقت عليها شعرا.. كما هو الحال في عدة نماذج معاشة:
1- موذا حد زكوم ذبناي ءاييني يتفرجون
إسي حارش ءاقموم ئيون ديساوارن
2- ءاوان ديساوارن قن ءاقموم ئينك
واكدينيغ شي –ن- رعيب اكي قس وور ئينك
3- تسرانت موض موض ءاكسانت ثيكمبوشين
ءاموض كي رعقار ءايا ثيهبوجين
4- الشباب ئييض الشباب مزور
ءاتقبارن السبسي ذوسناد غرصوار
ففي البيت –4- الأخير الذي انتقدت فيه الشباب المتهاون عن العمل. يأبى الشاعر/ الرجل إلا أن ينتقد الشاعرة بدوره نيابة عن الذين استهدفتهم الشاعرة في الشطر الأخير فينشد قائلا.
5- ئيوصايي بابا ئيعذراي ءاوصي
يناي غاك ءاتاويذ ءايجيس ئيمسعي
لتعقبه بشكل هادئ تفاديا للتنابز
6*حيذاس اله يهديك ئيرعيب ؤوقموم
أزوغ ؤوشتزواغ أكي قدا ن رقوم
وحين تصير تجربتها الغرامية أو ما يسمى بالحب العذري عرضة للمزايدات الكلامية في المدشر من طرف الحساد والفضوليين .
ترفض السكوت وتقتحم الرد عل كل من يود الإساءة إليها مبينة براءتها وشخصيتها القوية
*سبع ن تمسايسين كوريشت ذارشم ئينس
سبع ئيشكامن كوريج ذوار ئينس
وفي نفس السياق وردا على الذي تحاول أن تستخف من وضعه ا الإجتماعي فتقول:
1*شكرا ئيجوطية نيجين بانا ذاخس
ءاثجا ءاصحبيو يتبدار موك ئيخس
كما تضطر لنقد – chalala– أو ashbiw التي تحملها المسؤولية في إفشال تجربة حبها مع حبيبها الذي غادرها وتزوج غيرها
2*أشلالة وبريذ أواك ميفنقار
أواك ميوتذان شي يموث شي يدار
لتظل تناجيه في مختلف اللحظات متمنية أن يكون ذالك مجرد مزايدات لاغير
3*مامي لعزيز ئينو أناناي قيمراك
ثسينو الدات ئينو غيقيمن ذهراك
4 أثخاثنت ن النوقاث أكي ثيسي ومان
أيبريغن ييضا وذيكوم بورمان
وفي حمولة سيكولجية تعبرعن شوق مشاعرها .وهي تتأمل سعادتها المثالية داخل تجربة غرامية. متوجة بالزواج كمصير لكل فتاة .
5*الله وييوفين أذيوي أريضا
أذيسو ثمورث أذي غماس سو جنا
6*أعليك وار كيذغ / فيغار أذايي إيقس
أديسيغ مامينو/ زك أخام ماني تطاس



إن كل الأبيات الآنفة لها وقعها الخاص على مستوى السيكولوجي والعاطفي. إن كنا فعلا قد غصنا معها في عمق دلالتها المستمدة. من عبقرية اللغة الأمازيغية في جانبها الفني والجمالي . التي تعكس لنا صورة عميقة وليست عقيمة،لقدرتها الإبداعية على إختراق المجرد والمحسوس في الطبيعة . مما حاولت فعلا: أن تقدم لنا صور خصيبة وفنية مرهفة وتصوير حساس .ولكون النقد الأدبي يتعامل وفق معيار الزبونية والمحسوبية. فلا أحد من الرواد تطرق لعز هذه التجارب المثالية . والتي تستحق النقد والتدريس . وهذا التهميش هو ما يهدد تراثنا ومدارسنا التي ستبقى مجالا لتكريس الفرنكفونية... والفكر السلفي.
وبعد كل هذا. سنأتي على نوع آخر من –إزران-. يمر في جو رهيب وحزين ومؤثر... وهو الشعر الملقى في الأعراس. أثناء خروج العروسة. لتودع أهلها وشباب بلدتها. وهي آخر لحظة عمر تواجه فيه جمهور القبيلة . ويكون الأمر أصعب. إن فقدت أحد والديها.. أو أثناء فترة الحناء حيث الشعر يكون مصحوبا بهشهشة البكاء.. لأن العروسة ستنتقل إلى جو آخر وتترك من رباها واستأنست به لسنوات طويلة .
حيث تأتي كل الجمل بصيغة إنشائية متقاربة
أياسيدي بابا............
ايارال يم...........
تكريما وثناء على والديها الذين ستفارقهم بصعوبة قاسية


شعر الحناء والرثاء.
ففي حناء العروسة يوم- ارحني أمزيان- تتكرر اللازمات
رحني نغ ذاميمون
رحني نغ ذا ميمون
ربي كيت ذيميمان
ربي كيث ذيميمان....
رل ثاسريث نغ أيوذم ن جانث
أيا كولونية ني تمنزان سجمراث
متبوعة بأشعار الوزيرات كلها تبريك لها -للعروسة- ونصائح وافتخار بأهل العروس .
فتقول الشاعرة/العروسة وهي تشكو فراق أمها الحنونة
* وجي ويذاي ئيقسن ئيفغايي غار ئيغص
ءاشتن رال يما ئيذا غجاغ ذا وحذاس
أما فيما يخص الحالة التي تكون قد فقد والديها فتقول مهشهشة بالبكاء وبلحن درامي يهز النفوس والوجدان.
1- ءا ذريغ ءايثران ءاذارغ ءاذ قيمغ
ءاذزاغ رل يم مغاس رخبار مركاغ
2- ءاذريغ ءايثران ءاذشياغ –س- فوسي
اذزاغ رل يم مذترود ءاكيذي
3- فغاغد ءاد عيارغ ؤر ئينو يعجيج
فقذاغ الولدين ؤفيغ يقيماي ئيج
* ئيمطاون وتروغ ءايور ئينو يفنا
ءا يا سيدي رجواذ ميكا رال يم
4- فكل ما يلقي في هذه الأمسية يكون له طابع استثنائي بامتياز وبلغة شعرية حية. توقض الشعور بكل معانيه الوجدانية ، والفضل راجع لناظم الشعر . الذي يحسن الصنع خارج المعاهد والكليات والنشر في الملاحق .
فما تأتي العروسة من الإنتهاء وهي وسط "الرايس" الذي يتكون من أربع شاعرات حتى تنشد شعر الوداع لشباب القبيلة.
5- ءاناش تمسفضاع ءاكو جضيض ؤجنا
معس ذرقوم ئيدحضان ثمغر
6- تمصفاضغ إكذمورث تمصفاضع ءاكوشار
الله ئيتهنيكوم قع ءاموك ذا ذجام
فبعد فسح المجال للعروسة للتعبير عن كل ما يخالج وجدانها .وهي آخر فرصة العمر لتظهر في هذا المنتدى الشعري. تبقى الكلمة لشاعرتين اللتين يشكلن جزء من الرايس.
7- رل ثسريث نغ نصورف ءاوان ئيناس
ؤمي ثوي الليف ثويث ئيوور ئيناس
8- رل ثسريث نغ صوريف ويكفاس
ءازوجيا ثوري رعذور نوقانس
وفي هذه النماذج نلمس شذو اللغة والشاعرية. في تراكيب متناغمة الجرس واللفظ والمعنى. الباعث عن بوح الوجدان. وهو يترقب الخلاص الإلهي من كل معانات سيزيفية.
وفي القصيدة يستوي الموضوع/ الحدث بالتعبيرية. كفن لا يكتفي بالتصوير. والرمز. فيوطن الصورة الفنية في الحواس، وهذا يستحق قراءة نقدية متخصصة ومتمحصة.
وهاهن الوزيرات tewziren يوصلن العروس إلى بيت العريس وحين عودتهن لا يكفن عن إلقاء إزران طول الطريق حتى يصلن إلى بيت والديها .بحيث يتم تكريمهن من جديد برعوايذ
*اربي س مويمن ئيثسريث ذاغيقيمن
حاربنتس لمليكاث ذا الطرب يقارن
.....................................
........................................
أما إن كانت الفتاة قد تزوجت بالإكراه .كما يحدث أحيانا لاعتبارات عائلية أو نفعية وأخلاقية. يكون الشعر المحتفى. به ذو طبيعة درامية أكثر مما رأيناه في شعر الرثاء والحناء . لأن المرأة لا تصمت أمام الزوج غير المرغوب فيه آجلا أو عاجلا سرا أو علانية.
فلظروف خاصة واجتماعية طبعا . كانت تسود فيه المجاعة وضعف العيش –ثزوى- فلم يفوت الأب المتأزم اقتصاديا أي فرصة صادفها في زواج بناته. دون شروط تذكر تخفيفا له من عبءالأزمة الجارفة.وحتى يتمكن إعالة ما تبقى من أولاده .
وهذه بعض النماذج المؤثرةالتي قيلت في رمراح


شعر الزواج بالإكراه.

1** قذا سذينيم ثمراك قذا سذينيم ثنيا
ئينيماس قذهراك ثكسيد بولونصيا
2** ءاقشاغ ثلشينت ءاثفعايد ؤثوي
ذاتا ءاتسعديث ئيذايوش ربي
3**ءايا سيدي بابا مثغريش ميتاين
ميتاين اتقض يجيك ماك تيدارن
4 ** ءايا سيدي بابا ئيري روخ مونشط
مرمي مثسويذ ءاتاي ركاس ئينو ءاذيشط
5*أرال ثمزيذا أثمزيذ نريف
أرمراك سريضا وري تيري بسيف
وبالفعل فإن دل مضمون كل هذا فإنه يدل عن أزمة إقتصادية مر بها الريف .بحيث إضطر الناس كما تحكي لنا الامهات إلى أكل الحشائش خصوصا ما يسمى ب qanoc وهو ما تجسده إحدى الشاعرات في وسط رمراح حين أنشدة
1**مذا حد زكوم ئيتعقار ؤوسكاس ني نزما ن
ؤومي غينقضاع أسرام ذوذاف غ وخام
............................................
لكن مرة أخرى .سنقف عند بعض النماذج الشعرية المعبرة . للشاعر/ الرجل الذي يرى البلاد قد تنهكها الطوى.والفقر وقد ألم بكل الاسروضحى بها. والذي لم يتوان بدوره عن إسهاماته الفنية في إعلان صوته المقاوم الذي يأتي إحتجاجا وفضحا لكل ما يهدد الوضع الغذائي.. وعشقا للخبز والتين الذي راح يؤرق حياته. مما كانت أشعاره جد بليغة . وبصور شعرية جميلة وهو الشاعر الموهوب- أموح ن لهادي- المعروف بشعرف الحكمي الذي يطغى عليه طابع الواقعية والتقريرية حيث يقول :
1*أكيغ أكي فوذار أكسيغ كيذسن ثيطاوين
ينايد ؤوغوداني مين ذاكي قيمن ذين
2*الله وييوفين ئيجن مييا دورو
أتاريغ ذا التهجيج ؤوفران أديذو
3*أنش مارا موثغ أندرماي كي سكسو
أكماي ثيمنزى أسوغوم ؤوبويو
.....................................
ففي كل هذه الأبيات. ناهيك عن الغرض /الموضوع الذي يساوي درجة الصفر في الكتابة كما يقول- سارتر في مفهوم الأدب- نلمس وعن صدق مدى إلمام الشاعرة بتقنيات الكتابة. التي تعتمد أسلوب البلاغة والرمز لتعكس بكل بساطة إجتماعية الوضع بالريف الأمازيغي . وعن مدى قدرتها في ترويض لغتنا صوب جميع أنواع الإبداع. حتى لايقال على ان لغتنا قاصرة.انسجاما مع القراءة الانتروبولوجية لمثل هذه الأشياء .إذ يقول كلود ليفي شترواس [خلال عشرات وحتى مئات السنين ثمة كذلك أناس أحبوا وكرهوا وتأملوا واخترعوا وقاتلوا في الحقيقة لا وجود لشعوب الطفلة .فكل الشعوب راشدة حتى تلك التي لم تكتب تاريخ طفولتها وفتوها] (كتاب العرق والتاريخ ص 23).
إن الشاعرية المؤثثة بالتصوير الجمالي والعفوية . و التي إقترنت بها الأبيات الأخيرة. بينت على أن الشعر عند الأمازيغ. لا يستقيم إلا حين يأخذ كامل هويته من خلال جوانب تشكله الجمالي.المانحة له هويته الخاصة ضمن باقي جوانب الأدب ، فبين الشكل والمضمون تتجلى الصورة الشعرية متأرجحة بين كل معاني الدلالة. لتموضعنا في خشوع وتامل روحاني . على إيقاع جرس البيان .الذي تعشقه الحواس كلما دب فيها روح الشعر لا الكلام، والشاعرة هنا .لا لكونها تعتمد التيمات الحساسة والعاطفية. ولكن سيادتها عرفت كيف تنفخ الروح في المشاهد الصنمية فتعود حية مرة أخرى .
والذي لم تجمعه الصدفة للاستماع للشعر الأمازيغي المرتجل بحنجرة ابتليت بالتجويد. لا يمكن إطلاقا أن نعبر له .عن حقيقة اللحظة التي لا يمكنها أن تعاش إلا بالإحساس المتواجد داخل فضاء رمراح لا بالوصف؛ ومهما حاولنا حكي ذالك .فلن نستطيع اعكاس ماهية التجربة التي نحن بصددها.

شعر الغزل العفيف.
هذا النوع من إزران يسمى عند أهل الريف خاصة: ئيزران –ن- بونجوف......... أو ئيزران –ن- ريضا.
والصورة الفنية ربما في هذا النوع من الازري أكثر بلاغة. كونها أكثر وجدانية وعاطفية. وتأتي جلها في فنية رومانسية تغري السماع وتدمع العين. داخل فضاء مثالي تنجذب إليه النفس العاشقة لجمال الأنثى التي منحت للحياة توازن الجسد والروح.
ومهما حاول الغزل العفيف عند الأمازيغ أن يكون في بلاغته القصوى. فإن ما وصله أو يصله لن يكون أبدا إباحيا أو خليعا أو مميعا...لأن العرف والاستقامة في الإبداع الأمازيغي قاعدة أساسية. ولأن الثقافة عنده صادرة عن العقل لا عن الغريزة. ولتأكيد القول لنا إطلالة عن بعض النماذج القليلة.
1* ءاذ عجناع خي مضران -ون- يموثن ءاديفاق
ثرتسنين نريضا موكس غانك ئيوافراق
2* أناش ذالليف ئينو نوزان خمسن كرام
أنهو غ النضور على دور ثرتيام
3* مشحار سيوش ربي زي الزين ئيمامي ئينو
ءابر سنج وابر ثميوين ءاموفيرو
4*الحب ايارمي الحب أياسواس
ذشك ئيذيجين ؤوخيتك بوييضس
5**يقابر باسيو خ بريذ ن طوموبين
ميتغير النوفية أستي دياوي رعوين
.......................................................
وفي كل هذا نرى الشاعرة تعتمد الجمال عبر بيان اللغة . اعترافا بجميل الحياة . بعيدا عن القبح والشر الذي يهدد الإنسان عينه.والذي يعتقد الفن كتجربة إنسانية واعدة أن يوقف زحفه
فعانقت رسالتها. وضمنتها بعدها التربوي والأخلاقي والفني. لأن الشعرعندها ليس مجرد أن تشعر .بل كيف يقدر لك أن تصوغ حياة جميلة بمعية كل قريب منك ..
كما نعثر على نصوص شعرية ذات أبعاد فلسفية وفكرية عميقة. تعتمد الجدل المنطقي بدل الأسطورة بمفهومها الميتافيزيقي حتى لا تدع مجالا للذي لو يوفي بوعده للحبيبة...معتمدا في تبريراته أساطير خرافية من منظور واقها
1* ءايا سيذي ربي ءايا الله تعالى
* ؤمي رمراك سلمكتاب ميمي ثكيذ أريضا
2*ؤومي تورين ع جبنتاك أكيذي
ؤومي ذرمراك ثنيذ يما ثوكي
3*ثرتسنين ؤوراجي ثنيذ بابا ينا الا
مثني نذاك غيوي متحكام خ الدولة
4*مسلام أيا الليف أم سلام كي رمراك
مسلام ؤومي ثوويذ ثن ذاك ثنى يماك
.........................................................
وفي إطار الشعر الغرامي دوما. نجمع على أن جل العلاقات العاطفية كانت تتوج بما يرضي الطرفين .وهو الزواج
مما نجد الشاعرة في الأشطر الاخير. تلوم صاحبها الذي فارقها ولم يوفي بوعده لإعتبارات لم تقبلها منه. معتبرة ذالك خيانة مبدئية لمسألة مصيرية لا يمكن أن تكون محط مزايدات .
وما يخص الطلاق كان نادرا للغاية لاعتبارات أخلاقية وعائلية وإنسانية.
مما نجد أن الحالات الشاذة كانت لا تغامر على سرعة برق. بالرغم من أمر واقعها. حتى تستشير مع كل ما يمكن الاستشارة معه . كمثل الشاعر الذي يقول.
1- ءايا سيذي ربي ماناي مذرحاق
ون يوين ثعفانت محرار ءاذي طلاق
مما يفيد أن الطلاق كان عيبا عند الأمازيغ. لان الشاعر في البيت الاخير يسأل عن مدى أحقية الطلاق وهو متردد. نظرا لبعده الإنساني والأخلاقي وكلمة -ثعفانت- القبيحة تفيد السلوك هنا وليس معالم الوجه وهو ما يعكس عند الشاعر اختلاف في وجهات النظر
ورغم العزوف عن الزواج وتفشي العنوسة لإعتبارات وأخرى نجد الشاعرة تواصل رسالتها الفنية. في شكل برقية تقي المجتمع بشع الظواهر اللامارغوب فيها
1*أثيبرغين أنغ رمراك والو والو
ق-تندانت أروض ن كانت أتوشنت ذاليغالو
والزواج في منظور الشاعرة الأامازيغية ليس سلوك عابر.بل هو مؤسسة مسؤولة يجب على صاحبه أن يكون في مستوى المسؤولية .بحيث رفضت الزواج بأحدهم-بعد أن تخلى عنها الآخر كما رايناسابقا- وهو يعدها بأنه يملك مطمورة من الفول. تمكنه من العيش مدة طويلة .لكن الشاعرة اعتمدة البيت على مقاس العرف القائل :
ؤوسان ؤوجان ثيبسرن –
وبتصرف :الأيام أكثر بكثير مما هو مدخر
فأنشدت قائلة :
1*أبوهكوسن ذي شمرارن أبو طقشر ذي زواغن
أيا جوع أبركان ئيتيدبعان ئيباون
وهي تحذره من استنفاذ مخزون المطمورة- ثسرافث- في السنوات العجاف التي عرفها الريف بكثرة والتي كانت تهدده كل سنة
كما نلامس ضمن المشهد الشعري الأمازيغي مستويات شعرية أخرى غير التي تطرقنا إليها باقتضاب كأشعار موسمية مرتبطة بالطقوس والعادات.
كشعر طلب المطر حين تخرج الناس في الأيام العجاف. طالبة الرحمة من السماء لترتوي الأرض والأنعام والبشر والشجر. وتطوف حول المسجد سبع مرات
1- ءارال ثمزيذا ءامين ذامغنتار
امنتار ءاجناث ذومان ونزار
2-تنغايث ..تنغايث بها
سدي ربي لحبيب
ياك أتاو دغيا
....................................
كما أن هناك أشعار تخص الأولياء والأضرحة . كالولي سيدي شعيب أنفتاح. والذي سنتعرض له في فصل قادم مع الفنان موذروس.وموسم سيدي بوخيار
وهناك أيضا أشعار دينية كثيرة كنا نسمعها عند الأمهات والجدات في الأعياد الدينية .ولسوء الحظ ورغم قيمتها الفنية والأدبية لم تحظ بدورها بالتدوين والدراسة. نظرا لطغيان البعد الايديولوجي على جميع حقول ومؤسسات المعرفة والفكر. فإذ تقول الشاعرة في مدح الرسول (ص) في عيد المولد النبوي. الذي يعد احتفال ويوم عطلة في الريف. حيث تؤجل فيه جل الأشغال .وتزين كل المنازل بما يسمى bando أو…ta3jjant ن رمورذ. وهي عادة ربما برزت مع المرينيين كمرحلة بلغت أقصى التصوف بخصوصيات محلية مع بعض المؤثرات التي تركها الخوارج في بلاد المغرب على حد قول محمود إسماعيل . وطول هذه الليلة يبيت الفقهاء- الطربة – في المساجد يسبحون ويذكرون , والنساء في بيوتهن يهللن ويسبحن حتى مطلع الفجر وهذا بعض من الشعر الديني بالريف
1*[النبي ؤمي يخراق جار –ن- رعشا -ذ- صحور
صلى الله عليه وسلم ءاجنا قاع تنور
فاحنتاس لملا يكاث
فحنتاس رذ سجور؛
فحناس ئيسرمان أكي رواسط ان ربحو
ثفحاس ثمورث ثناس خفي غيوكور
ءاثفحاس ءاجناث ثناس غاري دغيزكور].
حزنان ئيروميان
قسان رذا شرو
...........................................................
كما أن جل الأشعار سواء تعلق الأمر بالغزل أو غيره كانت تستهل مقدماتها بإطلالة ذات بعد ديني أو بالبسلمة وهوما يبدأ مع دخول الإسلام للمنطقة .
وعلى سبيل الذكر.
1*- باسم الله ءانبذا .......... إمينزي غنبذا
ءانبذا سربي ............ ذرخير ئيغ نرق
*ءابسم الله ءانبذا موك ذاس غانيني
- ءانصلى خالرسول محمد النبي.
- *أستغفر الله العظيم أربي إسمح
- الدنيا أم سوق لابد عاذ أنارواح
لكن ومع انتشار السلفية والفكر الخرافي المعتمد الشعوذة لإبعاد الخصوصيات الأمازيغية من محيطها الطبيعي .وبحيث أن مؤسسة الفقيه-رفقي- لم تكن مراقبة أو منتقدة باعتبار الآخر-العامة- لا يرقى لمستوى إبداء الرأي وبالأحرى النقد مما كانت فتواه كلها تحريم للادب الأمازيغي خصوصا الغنائي إلى درجة صارت الفتاة الشاعرة مع مرور الوقت متشبعة بالقيم الدخيلة مما اعتبرت أن الشعر حرام أو هو من عمل الشيطان بطغيان الإيديولوجي وهيمنته
• شحار غاري زك ز ران ؤورين أم رقرآن
ماشى مري وجين زي رحيزب ن الشيطان
وهذه مغالطة سلفية كبيرة تضرب عرض الحائط بهوية الأدب وبأبعاده الحضارية و الإنسانية كما الإبداعية في نفس الآن ...
وايهام الشاعرة بهذه الإيديلوجية العقائدية. هو استهداف للأدب الأمازيغي كهوية إنسانية . ظلت تعبر عن كينونتنا خارج البروتكول المؤسساتي. فهو من نقل إلينا التاريخ والأحداث والوقائع وسجل الملاحم والأحداث . مما ظل هو السند والمشروعية في التدوين والقراءة لمن سولت له نفسه النبش في ركام هذا الوجدان المنسي عمدا .
لكن الشاعرة ستنتقد هذه الأحكام التي لا أساس لها من الصحة وتزداد شاعرية وشعرا. منتقدة فتوة الفقيه الذي كاد ان يحرف سلامة أدبها وإبداعاها. الذي كان قاب وقوسين من الممنوع. و الذي لا نلمس في تياطه غير الحداثة في تعدد تناصها .
وبالفعل ستكون الشاعرة الأمازيغية وخصوصا الريفية منها .اول من انتقد سلطة الفقيه التي كانت مقدسة وفق كل الإعتبارات السائدة .ولم تنتقده اعتباطيا بل حتى تاكدت من بعض انحرافات هذا الشخص الذي لم يعد في رايها معصوما .
1-أثسينو أشواف ئينو يتمكساين كي رجبوب
ارفقي ان ثمزيذا ازاي ثاويذ أدنوب
ومنذ أن ضبط مالا يستسيغه المجتمع الامازيغي الريفي في خصوصياته العفيفةوالمتأففة .تبين أن الفقيه لم يعد إمام ومعلما للقرآن فحسب .بل توظيفه لكتابات التمائم والتكهن والتعاويذ lahroz لدعمه بها مداخله التي تمكنه من كسب القوت اليومي (هارت ايت ورياغر ص 274)وجب نقده لان لحروز تكتب ضد الغير والآخر . فذالك تأجيج للصراع الفردي والقبلي فكان الفقيه لا يراوح مكانته الأولى واعتبره الشاعر /ة دخيلا عن ثقافتها وأدبها العريق
1-أرباراني بار
أربارني مفروز
أرباراني نجيث
ئيثخياط ن رحروز..............( نقلا عن حسن تيذرين)
ولهذا الإعتبار مازلت تقال في حقهم نكت متعددة او هم مثاروا للسخرية. واعتبرهم الشاعر: ذرباراني بمعنى أن ثقافتهم دخيلة ولا علاقة لها بقيم المنطقة وبالاعراف والقيم الامازيغية
2-خيضايد أيا خياض
رحري خ قرفطان
أيا سيدي رجواذ
لفقراء ئييض ذي طان ........... ( أورده تيذرين حسن )
وهاهي الشاعرة تثور ضد الفتور والتقاعس وعدم شحذ الموهبة الشعريةالتي تنخرط فيها الأمازيغية بكل وجدانها المحسوس . حينما بدا لها الأمر في إحدى المواقف مترهلا لا يرقى لمستوى المشهد المألوف .منتقدة ذالك ببت جميل ودال لغة ومعنى :
1*ؤوسيغد أذاكنتينيغ اللله يخلي ثمزي
أذيبريغين نغ ماذشينت أمتزي
ويبقى الشعر في تنوعه وتعدده أقرب أسلوب إلى الوجدان الأمازيغي .الذي ظل يصاحب ويعقب مثل الظل . كل تحركاته دون استثناء.سواء داخل البيت أو خارجه... بإيقاع متناغم يعكس مدى هوس الأمازيغ بالجمال والفن . وكأسلوب فني عمر طويلا حتى صارأهم وسيلة للتحاور به مع الآخر .كما تفعل الشاعرة في الريف .وهي في الحقل تكد ولا تكف عن الشعر الحواري وهو ما يعكسه أيضا فضاء أحيدوس .حيث الصفان يتحاوران عن بعد وعن قرب واقفين أو جالسين حين نتأمل المشهد
ورغم ما أشرنا إليه من مستويات شعرية ومن نوعيتها . تبقى هناك أشكال أخرى لم نشر إليها. كشعر الرعاة/شعر الرحى... والتي تقول عنها إحدى الشاعرات :
/ثقطياي ثزوايث ؤوذيقطين إزران
وشعر تنويم الطفل والذي تقول لازمته:
[لهلا خوش ءاطاس/ لهلا خوش ءاطاس]
.......وشعر ئيشوارن/الحصادون كفئة موهوبة التي تجسد فكرة: الإيقاع يسبق العمل الجماعي
وأشعار لعب الاطفال:
حيدة ./..ميدة ../..ثنقب ./..جيدة ../...ثارو ./..ماما ./..
.... .... .... ..... .... ... ..... ... .. . . . . . . . . .
فإن كان الشعر عند الأمازيغ أكثر من الرؤية الجمالية في خضم الصراع مع الحياة فلا بد للإشارة لشعر المقاومة الذي يبقى مرجعية مهمة لاستقراء التاريخ بأحداثه ومحطاته وملابساته.

شعر المقاومة الريفية.
لم يكتف الأمازيغي عامة والريفي خاصة بالمقاومة المسلحة لمواجهة الحملات الاستعمارية. بل خاض عدة تجارب للتخلص من بطش الطغات. فانخرط في سلك المقاومة الثقافية من خلال IZRAN كأسلوب تحريضي وثوري ينذر بطغيان العدو ويشيع الوعي لإشعال فتيل المقاومة.
فظلت المرأة والرجل- الشاعرين- ينظمان شعرا مقاوما من أجل الحرية والسلام، فأنجبا ما يستحق القراءة والتنويه .سواء تعلق الأمر بالشكل أو بالمضمون، ولكون هذا الموضوع يجب أن يخصص له بحث خاص ومن طرف الأخصائيين. لا بأس أن نستعرض بعض النماذج حتى نبرز ما قلناه سابقا .على أن هذا المستوى الفني شكل وجداننا الجماعي خصوصا حينما نتفحص قصيدة "ءادهار ؤبران" فها هي الشاعرة تصف المستعمر حينما سحق واندحر على قمم الريف البطل
1- ءاسبانيو يترو يقارعذاب ئينو
يقساي الزيتون ئيزوغ س فوس ئينو
أوحين اجبرو المقاومين للمشاركة في الحرب الأهلية الاسبانية. وتم اختطافهم من الأسواق ومن المراعي وهي قمة الهمجية والوحشية
2- سوكاد ءاياليمان نيغ ءاد سوكغ انيث
ءاروخو بوشنكوك يزو ءاديحكم دانيث
3- ءاغرابو ؤرومي كيمريتش يتراجايي
ءاذساينو ثمورث ئينو عماص ثزريذاييي.
4- نشين نيورءانزوى ودنجي بوثزواث
ءاثسينو ثمورث ئينو زون ذايم ثزواث.
وكل ما قيل في الذين أخذوا كرها إلى الجندية كان شعرا عظيما في نسقه الفني وتصويره الجمالي . حيث الصورة الشعرية كانت في جل الأشعار مطابقة لمستوى الحدث التاريخي. كونها نسجت بفنية رائعة وعبقرية ذكية. فأشاعت بدورها كما ساهمت في تفعيل فكر المقاومة الذي يهدف إلى طرد المستعمر من مختلف مناطق البلاد. وهنا يتجلى البعد المعرفي للشعر حتى لا نقول بأنه فرجوي
فبلاغة النص الشعري التي هي بين أيدينا. حاولت أن تحسسنا بلحظة الحدث نفسه. رغم مر المراحل, كونها كتبت بحداثة وتصوير جمعت بين الواقعي والسيكولوجي .
مما يبين أن الشاعر/ة أصالة عن الإنسان الأمازيغي عامة. كانت ضد التحاقهم بصفوف الجيش الاسباني .لكن جبروت المستعمر الفرنكوي زجت بكثير منهم في أتون الموت؛ وذات يوم هجموا الأسواق بغتة.. فاقتيد كل من وقع في الشراك، وكم من فلاح تسوق لتسويق منتوجاته أو للتبضع لعائلته فأجبرعمدا. وأرسلوه للقتال ضد الجمهوريين وهذا ما دفع الروائي محمد المزديوي يقول في أحلام الهدهد جدي لا يعرف لوركا
والإلتحاق بالجيش بالطريقة التعسفية التي تعرض لها الريفيون .هو أسلوب مرفوض أخلاقيا وإنسانيا .وها هي الشاعرة /ر تستنكر ذلك لما تركه من ضحايا وبشاعة في صفوفهم وهم تاركين نساء لا يجدن بما يعلن أطفالهم في ريف أتت عليه سنوات العجاف والإستعمار .
5- ءاثمغا ؤبوليس أم رحزام ئيزوق
ءاعكاز ئينم يزوى شم تغيرذ ئيسوق
6- روح سيوطاس سرام يما مار ثدار
ئينياس يكاسي ؤفوس يكاسي ضار
7- ءاثمغارث ؤبوليس ميتعجيبام ؤضير
واعكاز ئينم يموث سبعيام ويندير
8- ءاثمغاث ؤبوليس ميتعجيبام رمسمان
ءاعكاز ئينم يموت كي سبانيا يسمام
وهي كلها أشعار ترفض الاستعمار. من خلال بشاعته وشراسته .لتظل المقاومة الثقافية حاضرة جنب المقاومة المسلحة .عبر مختلف المحطات التاريخية، وهي الوحيدة التي نجدها قد أرخت للمعارك والبطولات التي تحرم من ولوج المقرر الدراسي . وصفحات التاريخ الرسمي، وهي والوحيدة التي حاولت أن تكرم الشهداء وتذكر محاسنهم وتحتفظ بهم كبريق للريف المجيد.
1*أعمار ن ؤوفقير خ سراك اي يوضى
اعمار ن رمدني أيا مجهذ أهمي
يتجها س ركبوس يتعواذ س خذمي
2**سوكاند أيث وايغر اكي ميا ؤوعشرة
ؤومي تغعقبان أكي عشرة واها
أربي مامش غكاغ ئيخدوج أخميني ذيتغثرق
أخميني ذ يغثيني خاري مايكا بابا
بابام ذمجهاذ ذنهام خس حراق
أربي مش غكاغ
ئيوابر ابركان يبهادرن سومطا
أيارلا يما أفوذ ئينو يوضا
ونظر للدور البارز الذي لعبته قبيلة أيت ورياغل في المقاومة المسلحة وفي إنجاح معركة أنوال سنة 1921 .يقول الشاعر الجماعي مبرزا إلتحام القبائل الريفية وتمسكها بالقتال من أجل الشرف والكرامة
3**ثقبيتش نتمسامن كانغ أبريذ أنعذا
أنعذا غروسبنيو أكي ثيزي عزى
مما يؤكد على أن الريفيين ظلوا يقاومون بالملحمة الكبيرة . لينعم الريف بجو الطمأنينية والسلام والإستقرار..........
...وتحكي المصادر التاريخية الحية أن قائدا استعماريا سيئت معاملاته من طرف النساء الريفيات .حيث جردنه من ثيابه وأخذن كل ممتلكاته النفيسة ..(خوان باندو التاريخ السري لحرب الريف ترجمة سناء الشعيري ص 193) مما يؤكد بالبت والمطلق أن المرأة الأمازيغية دخلت معترك الحياة ببسالة وشهامة جنب الرجال طبعا. الذي كانوا ينقضون على العدو وينزعون عنهم سراويلهم ليبتروا في عصبية شديدة أعضاءهم التناسلية ويضعونها في أفواههم (المرجع نفسه ص 194)
مما رفضت جل الأمهات الزج بأولادهم في الجندية أو التسول بهم رغم بؤس الوضع. واستشراء الازمة الإقتصادية بالمنطقة التي صادفة السنوات العجاف .
وهذه أم يتوسل منها إبنها الإلتحاق بالجندية- كمرتزق- لتمكن ليعيلوها لكنها أصرت على الرفض
1* أجيي أيما أجايي أذبولسغ
إجن ثبويوت أمتيدويغ
إشتن أتشاغ
2*أيوحاد ؤوبليس يوسيد كور ئينطو
يكسيد كيلو ندرى يشيط ؤوفيطو
..........................................................
مما حاولت الشاعرة في البيت الاخير .أن توضح وبإيجاز. نعرات العدو الذي راح يستغل أهل المنطقة . لكسب معركته ضد الحمر ويقصد الجمهوريين .ولن يكون ابدا استقلال الريف رهينا بانتصار فرانكو في الحرب الاهلية كما يعدنا . مما يتحتم على المقاومة الباسلة مواصلت مشوارها النضالي ضد الإستعمار
3*أنعذا غ روسبانيو
بوحمار ق يقضى
أيارحاكم أمقران يتزمان بطاطا



الشعر الأمازيغي ومرحلة الحداثة.
برزت في العقود الأربعة الأخيرة. بالساحة الثقافية بالريف. عدة كتابات شعرية جديدة. من حيث التركيب والبلاغة الفنية. جديدة من حيث اللفظ والمعنى، اتخذ منحى القصيدة المغربية الأخرى. من حيث الشكل والبناء والهندسة. تبقى إلى حدود اليوم تجربة فتية في غياب شبه تام للنقد والدراسة، ويقترن بزوغ هذه الظاهرة الشعرية الأمازيغية. بالتحول الذي طرأ على البنيات الثقافية المغربية. وبالمستجدات التي تحكمت في التطور السوسيوثقافي المحلي.
الشيء الذي جعل الأدب الأمازيغي. يشهد بعض جوانبه طفرة نوعية لاقتحام مجال حساسية الحداثة؛ وهي انتقال الشفوي التقليدي. إلى فضاء التدوين والكتابة. الذي هو أسلوب مهم. سيرقى بالثقافة الشعبية إلى موقعها السليم. والتي باتت تنظر إليها قرينتها الرسمية بثقافة التهميش والمهمشين، وسياق هذه التجربة. يأتي مع تبلور وعي لغوي ثقافي أمازيغي بالمنطقة. ومجموع الميكانيزمات الداخلية والخارجيةالتي كانت خلف خلخلة البنى الفكرية من طرحات الفكر الواقعي. وانتشار الفكر الحقوقي. وتراجع الطرح العروبي عبر الهزائم المتتالية، إلى صدى الربيع الأمازيغي الذي تزامن مع ظهور مطالب الهوية كمطلب كوني عند مختلف القوميات؛ ومع بداية الوعي الأمازيغي الذي بدأ يعي ذاته. مجرد دخوله للجامعات واطلاعه على عصارة التجارب النضالية الأخرى سياسية كانت أو ايديولوجية.
فسيتبلور هذا الوعي في تأسيس جمعية الانطلاقة الثقافية بالناضور 1978 كتحول من وعي فردي إلى وعي جماعي. منظم وهادف .وهو وعي فتي وطموح. يسعى إلى اثبات الهوية في بنية الهرم الفكري الاجتماعي.ولإعادة الاعتبار للمكونات الحضارية والتاريخية. التي تؤسس لكينونة هذا البلد العزيز.
والبادرة هذه, ستحضى بقبول فائق وسيحضى صيتها خارج الحدود الجغرافية، فتكون خلف تحضير واحتضان عدة طاقات شابة مبدعة. خصوصا مجال الشعر والأغنية. ونخص بالذكر مجموعة: ئيريزام- بنعمان- ئيصفضاون- ينومازيغ- تواتون- ثيدرين وفرقة مازيغ 73 التي ستحيي أمسية بمدريد وكان محمد التوفالي من أعضائها البارزين والناشطين.
وستعمل جمعية الانطلاقة بالإسهام الكبير. في تحفيز الطاقات الغيورة لرد الاعتبار للتراث الشفوي. في بعده المادي والرمزي. وتلقى المبادرة تجاوبا جماهيريا واسعا. كله مناشدة صارخة ضد الحيف الممنهج تجاه الأمازيغية لغة وثقافة ولغة وهوية
مما سيمكنها الأمر من تنظيم مهرجان يوم 6 ماي 1979 الذي هو تتويجا لمجهودات الفاعلين. ولإبراز الطاقات المحلية اليافعة والتعرف عليها إعلاميا وفنيا. وفي نفس الوقت تشجيع للآخرين الذين يسكنهم سؤال الإبداع الفني......وتنعدم أمامهم فرص التفجر
وكانت البادرة الخطوة الأولى لتحطيم عقدة النسيان عبر شرارة المواهب .التي بدت تسمع للغير آلامهاوجرحها الدامي.... مما سيكرس ذلك تصورا آخرا اتخذ من السائد موقفا سلبيا. كونه لا يعكس التوازنات السوسيوثقافية ولا يعبر عن كل المكونات الهوياتية لشخصيتنا التار يخية .
ففي هذه الفترة السبعينية بالذات. سنعايش تجارب شعرية واعدة ك(Taqassiste) التي ستكتسح مساحة شاسعة داخل الوطن وخارجه. ومنها ما سيخترق كل البيوت تقريبا .نظرا لمصداقيتها ومواضعها الحساسة والملتزمة. بقضايا الوطن.وهي مواضيع وجد فيها الإنسان الأمازيغي الريفي ذاته وهويته. ما دامت تلامس كينونته وجوهر تاريخه؛ والتي جاءت في رداء التمرد والعصيان ضد الكبت والممنوع: ثيرلي/ ثمورث/ ثمازيغت أنوال
إلا أن ما سجله النقد الأدبي على هذه التجربة الفنية هو طغيان التقريرية والمباشرة. أي أن المبدع أعطى الأولوية للموضوع على الشكل.لإعتبار خاص بغية إيصال الخطاب في أقرب وقت ممكن.ولأوسع قاعدة جماهيرية ممكنة .وأسلوب الخطابة هو الطاغي على جل المحاولات التي باتت تستمد مرجعية تصورها من التراث الشعبي المحلي . والتي سيشكل عندها خطاب الهوية المساحة الواسعة،
وإشكالية الهوية إرهاص أولي عند كل خطاب نهضوي كيفا كان والذي يعتمد الإقناع المباشر. مما يدع الجانب الآخر- الأسطيتيقي - للانتيلجنسيا
فعلى هذه الشاكلة سينبني التجديد في شكله الابداعي ذي الاتجاه الواقعي .لترسيخ ثقافة الحوار والاختلاف والتعدد. معتمدا المواثيق الدولية وخلاصات العلوم الإنسانية. لتحقيق دولة السيادة .والتي يكون فيها المجتمع المدني حاضر وبقوة في كل القرارات الحاسمة لضمان مصداقية المؤسسات المنتخبة .
وفعلا سيكون للتجربة بصماتها الواضحة. في المشهد الثقافي المحلي رغم الحصار الإعلامي وغياب الدعم المؤسساتي، والتي سترقى رغم محدودية إمكانياتها. إلى نطاق أوسع بمستواها التجريبي والتأسيس والبسيط إلى مستوى النضج والاحترافية .
ومن عمل ساذج وانفعالي. إلى أسلوب مركز وصادق وجاد يملك تصوره الخاص للثقافة والتاريخ. وقد ساندته الجماهير دون قيد ولاشرط لأنه كان معبرها الأسمى. وهو في نهاية المطاف خطاب الحركة الأمازيغية
إلا أن هذه الصيحة الأدبية النثرية منها والفنية. سيعرف جمودا وحصارا من جديد عقب انتفاضة 84 الشهيدة. التي عرف فيه الريف خاصة الإجهاز عن كل الحريات والمكتسبات . ومنها الحصار الثقافي. لتمتد آلة القمع الرهيبة إلى كل النشطاء، وسيحضر العمل الجمعوي بشكل نهائي لانتعاش الظلام وجمعية السهول الوديان...
وارتباطا بما نحن بصدده نجزم على أن الشعر الأمازيغي الريفي يعيش مرحلة انتقالية في ظل التحولات الراهنة. التي أحدث تطورا في بنية الفكر والعقل المغربي كأفق لأشكال محتملة ..
حداثة في الرؤية والتفكير والتأمل والبلاغة. التي جاءت به "تقسيست" كثورة على بنية الشكل الفني ودون اعتبارها تجاوزا أوردة على "الإزري" .بل هي امتداد وكوجه آخر له. بإنشائية جميلة غير معهودة في انزياحتها . فأكدت من خلاله اللغة الأمازيغية أن الشعر ليس صنما . وأن هذه الأخيرة حيوية تمتلك عبقرية إبداعية تساير بها كل المراحل والظروف، فما جاوزته "تقسيست" في "الإزري" هو الغرض بالرؤية، والقافية بالجرس اللفظي والأذن بالعين . واللازمة بالإيقاع كمثل [ءايا رال بويا] التي ظلت حاضرة في جوهر "تقسيست" .كتشكل انسيابي ينهل من موسيقى الجملةفنية . والتي اختصرها الإيقاع في "كبسولة" تضبط الوزن الشعري بنوع من الشاعرية غير ما كانت عليه في الإزري .كجملة شعرية مسموعة إرضاء لحتمية الحداثة.مع إبقائها على نفس المرجعيات والمنطلقات المفاهيمية للعقل الأمازيغي ، وبالرغم من كل الانقلاب الفني الذي أحدثته هذه الحساسية الجديدة. ظلت القصيدة الأمازيغية الريفية. مرتبطة بموروثها وحضارة كيانها. الذي يؤسس فضاءها بنزعة إنسانية كونية لا محيد عنها .ملؤها الصدق والأخلاق والكرامة والتواضع والتعايش...والمألوف حاضر وبقوة كي تعبر على أن الشعر عند الأمازيغ هو الحياة اليومية بامتياز.
"وتقسيست" لم تشكل أبدا المأزق الشعري. بل أبحرت في المعاصرة لتأصيل الإزري ذاته، وربما هذه النوستالجيا التي لا ترتاح لتقسيست يؤطرها حماس الذات بأفق ضيق.
وفي هذا السياق نرى على أن الشاعر الأمازيغي. حاول أن ينتقل من شاعر القبيلة إلى شاعر المجتمع المدني. ومن قصيدة محفوظة ومسموعة إلى إلى تقسيست مكتوبة ومقروءة . وحداثته تتجلى في الغرض الشعري الذي تتطور إلى رؤية فكرية فنية من تفعيلة ءايارال بويا كجملة شعرية إلى ءايارال بويا كجملة موسيقية وكعروض إيقاعي .ومن الشفوي إلى الكتابي من رمراح إلى المنصة من الحقل وتويزا إلى الجمعية.
وتحديث القصيدة الأمازيغية لا ينفصل عن تحديث المجتمع المتآكل البنيات.
والشعر لن يصير أبدا في زمن النهايات.. كما نظر فوكوياما للتاريخ. مهما حاولت الإيديولوجيات ذلك فهو الساكن في الليبيدو.

الفصل الثالث
• الموسيقى قراءة للأدب بالآلة
• الغناء حداثة قديمة
• الغناء الأمازيغي في البدء إنشاد تعبدي
• الغناء الأمازيغي من منظور تاريخي
• أوركيسترا إمذيازن بين النشأة والتطور
• أمذياز في أدبيات أهل الريف
• إمذيازن وعلاقتهم بالأولياء
• بعض الرقصات الغنائية وعلاقتها بالتراث
• محمد موذروس أورفيوس الريف

الموسيقى قراءة للأدب بالآلة
إذا كان قد سبقت لنا وقفة وجيزة مع الشعر الأمازيغي. فإن مجمله شعر غنائي بامتياز .مرتبط بالحركة والإيقاع... وليس الغنائية بالمفهوم الأدبي بل الموسيقي نقصد هنا،
وكما تثبت التجارب الفنية الحية. وعبر مسيرة تاريخية قديمة. أرخت المجتمعات الأمازيغية, لشعر مغنى وملحن ومموسق ومجود، يعتمد الحركة الإيقاعية النقرية أو الإيقاعية الجسدية ... ولم تعرف قط شعرا مقروءا أو متلى .دون التلحين والحركة .فهي قصيدة غنائية , عبر مجموع تراب تامزغا. ومبدعها شاعر مغني ينظم ويلحن، وكما يقول المثل الطوارقي: اموهاغ والغناء إثنان لا يفترقان . ولجلسة الغناء طقوس تصل أحيانا إلى حد التقديس.(الطوارق م س ص38) فأثناء حديثنا عن الشاعر الأمازيغي هو حديث في نفس الوقت عن المغني والعكس صحيح؛ فهو كاتب وملحن في آن واحد .ويصعب علينا أن نفرق بين الشاعر والمغني في البيئة الثقافية الأمازيغية، وهذا ينطبق على الرجال كما على النساء اللواتي لن يقل شأنهن في هذا الصدد. واللائي يشهدن على العلاقة الجدلية بين الشعر والغناء الأمازيغي .سواء تعلق الأمر "بأسايس" أو "أحواش" أو "رمراح"... أو أحيدوس أو الطقطوقة الجبلية......العيطة
فلا حديث إذن عن الشعر دون الغناء المصاحب له. سواء تعلق الأمر بالقديم أو الحديث، ولقد سمي الشعر الغنائي غنائيا لعلاقته بالغناء الفطري الذي طبعه. إذ إن الشعر في عهده الأول والغابر. كان ينشد بواسطة الضرب على الآلة الموسيقية .المصحوبة برعشة الجسد وهو يطوف حول النار أو يرقص في المنتجعات .أو يصيح فوق الجبال إيذانا بالمعركة. ولأن من احترف هذه الصنعة هو من فرسان أهل القبيلة . يطرقون الطبول كلما شعروا بخطر محدق.، باعتبارهم حماة هذا الأرض. ونظرا للعلاقة الروحية بين الموسيقى والجسد أضيف الرقص إلى الغناء ليظل الإنشاد من مقومات الشعر ، فظلت آلات الطرب تتوحد بالأوزان الخفيفة الملائمة لها. تاركة أثرها في نفوس عامة الناس .وهي تناغم أسارير الوجدان بلغة رمزية أطرزتها حنكة البلاغة الشعرية ، وهذا الشعر الغنائي كان ينشد في المآتم والأحداث الإجتماعية المهمة. بمساعدة آلات موسيقية خاصة. كما هو الأمر عند اليونان . أو كرقصة مولامولا عند الطوارق امام الخيمة (الطوارق م س)
وفي الشعائر الدينية كأناشيد الصلاة عند العبريين في شكل لغة وجدانية- روحية. أو كأغاني المسرح اليوناني .التي ترجع نشأتها إلى الشعائر الدينية نفسها، فمكثت تنفجر أنغاما وإيقاعات ساحرة عذبة ومعذبة. ارتاحت لها النفس والروح .. لأنها مانحة لها سلوى الإشتهاء . في خضم هذا القلق الوجودي الغاص بالمشاهد الدرامية.
وإن ما يهمنا في هذا الفصل الأخير. هي الموسيقى الناطقة والباحثة عن بوح صارخ. لأن الأغنية لا تتكلم إلا إذا وجد الشعر. ولأن الآلة بوحدها تظل مبهمة وغير فصيحة؛ فطوبا لمن أنطق الغناء وغنى وأخرج آلة الطرب من صمتها الأخرس. إلى البوح المتماوج. ويعد هذا النوع الغنائي الفني الأمازيغي المموسق ,رافد أغنى ثقافتنا الشعبية وفنوننا الجميلة, ببساطة رواده ومدارسه القديمة والحديثة،
وسنقف بالضبط عند أقدم مدرسة احترفت الغناء والإنشاد. وهم "إمذيازن" ودورهم التاريخي والاجتماعي والفني...أو كما يسمونهم الطوارق -بأكوتن- والمفرد بأكو وهم المغنيون التقليديون
ونظرا لشح المادة وغياب المراجع. سنكتفي بالوقوف عند نموذج الريف الذي لم يأت أحد على التطرق لمواهبه وأنواع فنونه. وهو مايمكن اعتباره أزمة مفتعلة لإنبطاح الوضع الثقافي .الذي يمارسه التعريب

الغناء حداثة قديمة:
عرف توسع الشعر والغناء عموما.عند شعوب العالم أكثر من أي جنس فني آخر. فاستأثر باهتمام بالغ من طرف متذوقيه. نظرا لحساسيته المرهفة والمتناغمة. ونبرته الجميلة وحركته الروحية والصوفية العاشقة للهدوء والسكينة . والتي تمس نبض الوجدان. وتستدرج بكل تلقائية باقي الهواجس النفسية. التي أعيتها التزامات الحياة .لصون الوجود في فضاء متألق، فيزيد النبض انتظاما وهدوءا سجيا. ليتموقع خارج مدار التوتر والانزعاج، وعلى نغمات الإيقاع والإنشاد الذي يبكي الأوتار حتى لا تبكي الأرواح .تكبر المشاعر لتطل على أكثر من نافذة مشرعة على هذا العالم المفتون والمفتن أحيانا .
وهكذا استأنس الإنسان بالموسيقى لأول الأمر ليبتلي بها عبر تغريد العصافير. وهسهس الماء وحفيف الشجر......... وكل النغمات التي احتوتها الغابة. وهي تحتفظ بموسيقاها الخاصة. لتصير الموسيقى عنده. كما يعرفها جان جاك روسو:( هي فن ترتيب الأصوات وتأليفها بجمالية تجعلنا نحب سماعها) فدلته كما اهتدته هذه الطبيعة إلى التجانس بفن الغناء الذي سنرى ماهيته.
فمع تأقلم الإنسان مع الطبيعة. أصبح: الغناء الشعبي الجماعي ضرورة يمليها العمل الجماعي الذي يتطلب إيقاعا يسبقه- حسب الأنتروبولوجيين.
مما يتبين أن الموسيقى تهيأ النفس للانخراط بكل قوة وتفاني في المعارك الحياتية، أو كما يقول لايبنيز:.هي تمرين خفي في الحساب يصعب إدراك ارقامه. لأنها كلها حماس وتشجيع وقوة.. تجعل الفرد يتخطى كل العقبات وينتصر على الصعاب,. فهي التعبير الإنفعالي والعقلي للإستمتاعع الجمالي كما يحددها الأنتروبولوجي –ألان ميريام- ، لنجزم في الأخير على أن الموسيقى. حاضرة وموجودة في النفس. حين تشاء تغني ولو لم تسمع قط عن الغناء، . باعتبارها أحد وظائف البيولوجية في الجسد. فهي تتجاوز التخاطب والمرح ..
لكن تجسيد هذه الظاهرة الفنية بشكل مؤطر ومضبوط الأوزان على المستوى الاجتماعي .والانتقال بها إلى مستوى الإدراك المعرفي. لأغراض ولأخرى: نفسية واجتماعية... جاء نتيجة التطور الحاصل في مجال السوسيوثقافي. لتشكل هي الأخرى جزء من الوعي الفكري الإنساني وجزء من اهتماماته وانشغالاته الذي يبحث عن مبتغاه، حتى لا نقول: بأنه اقتحم المجال عبثا ولو في عصور بدائيته. وهو نفس السياق الذي يقول فيه "بليخانوف" بان الغناء تطور الوعي الإنساني وتحسين النظام الاجتماعي. وكما اعتبرها أفلطون أداة لتقويم السلوك الإنساني
فمن غناء الإنسان لذاته ولجنونه. وهو يقدم القرابين للآلهات والتعبد في الأديرة والمعابد... إلى الغناء لمجتمعه وقضايا تاريخه. مستغنيا عن حركاته الجسدية وهو يحوم حول النار وهي رقصة إيقاعية تاريخية سترقى به إلى غناء متحضر ومتطور وواع. يأخذ خصوصيات كل مجتمع على حدة . وبتقنيات تلائم طبيعته الاجتماعية والتاريخية.

الغناء الأمازيغي في البدء إنشاد تعبدي:
جاءت الموسيقى الأمازيغية معانقة الآلة النقرية الإيقاعية، لتفصح عن انفعالات وجدانها. ولتعبر عن تيمة قصائدها بالصوت لا بالقراءة .وهي عملية يتداخل فيها عدة مستويات منها: النفسي والجسماني والاجتماعي...
وإذ يقول عنها كلود ليفي شتراوس: هي أعلى سر علوم الإنسان هذا السر هو الذي تصطدم به كل العلوم وهو الذي يحتفظ بمفتاح تقدمها(الإسم العربي الجريح ع الكبير الخطيبي ص48)
وهذا الصوت الموسيقي المكتوب بالآلة هي قراءة إنشادية . لها روادها وفنانيها يتقنون بلاغة الكلام الجميل والصوت الشجي، ومازال هؤلاء الفنانين يتقنون هذا الدور. ويسمون بأكول وأمسيول عند طوارق الصحراء و "بإنشادن" عند قبائل الأطلس المتوسط، وفي محفل الإنشاد يحتل إيقاع الصوت المموسق المصحوب بالحركة دوره المتميز؛ والإنشاد هذا يأتي جماعيا وهو يعكس تموجات صوتية لحنية. حسب طبيعة الأوزان الشعرية التي صيغة عليها القصيدة .وهؤلاء الموهوبين لا يعبرون عن رغبتهم الإنشادية إلا أثناء الالتقاء الجماعي. فيستغلون الفرصة والمكان والمقام. كأوقات الانتهاء من العمل. أو التواجد الجماعي في الأعراس. وفي المناسبات الأخرى ذات الطابع الاجتماعي أو الديني...لأن الموسيقى هنا ذات معنى التواصل على مستوى الروحي اولا ...........
فيشرع هؤلاء المنشدين في حركات تواصلية. تطغى عليها حركات الجسد والآلة ويصطلح على هؤلاء في الريف بـ [إهلايليان] أو[إهواويان] و[إزهوانيان.........] وهم الذين يتكلفون بعملية الرازيق.. والضرب على الدفوف. أثناء عملية الرقص .وهم منشطي كل فرجة قائمة. لأنهم مغرمين بهذا الفن درجة الاستيلاب؛ فأكسبوا جمهورا عريضا .والفتاة لن تدع إزرانها وتنتقل إلى الرقص إن لم تحضر هذه الثلة .ولم يتخذوا هذا مكسبا للعيش . لكنهم هواة ليس إلا، اكتسبوا ذلك من تجربة الرعي والعمل الجماعي الذي كان يتطلب من حين لآخر .وقتا للإفصاح عن مكبوت الذات ورتابة الزمن . من أجل استراحة الجسد المنهوك بكد الأشغال؛ فاختاروا الغناء لغة ينخرط فيها الوجدان؛ وقد ورث هذا عبر ذاكرة الحفظ والسماع، مجسدين فكرة بان القصيدة لن تكتمل إلا إذا كانت نشيدا . وهؤلاء الثلة الريفية التي سبقت الإشارة اليها . يحسنون الكلام والرقص والإيقاع؛ لكن ذلك بشكل خلاق ومحترم. وفي أماكن يسمح فيها بذلك، ويندرج ذلك ضمن مظاهر الاحتفالية للإنسان الأمازيغي وبصراعه من أجل الوجود، كما يرى الباحث دافيد هارت . والموسيقى الأمازيغية بتنوع ألحانها ما هي إلا تلخيص لميتولوجيا السكان الأصليين للمغرب القديم كما يرى بول بولز
ففي الريف كما على غرار باقي المناطق الأمازيغية. نجدها أنها تمتلك إحساسا راقيا تجاه فن الغناء المتوأم حسب تعبير بول بولز. بحيث نجد الموسيقى والرقص معا. كما هو متعارف عند باقي الشعوب الإفريقية ، أو الموسيقى والشعر لأن "بولز" حين طلب من أحد العازفين أن يعزف بقصبته فرد عليه الآخر. بماذا سنعرف ما تقوله القصبة إذا لم يكن هناك من يغني شعرا .، مما يفهم على أن الشعر والغناء عند الأمازيغ، وعند الريفيين خاصة، فنين متلازمين. فلا وجود للشعر إذن دون الجانب الموسيقي، لأن [إزران] ضمن هذا الوسط كما ألفنا لحدود اليوم. لا تقرأ عبر عملية اللسان والبصر/ الذاكرة، بل هي تصلح للعب كما هو معبر عنه في قيم الثقافة الأمازيغية الريفية، وكلمة اللعب هنا بمفهوم علم النفس فنقول مثلا [تعيار ئزران] وكلمة اللعب مرة أخرى فإن كان الللعب في علم النفس ضروري للجسد والعقل لأنه يمنح له راحته ويطور خياله ويمنح له متعته كذالك دور الشعر عند الأمازيغ حين قصدوا به اللعب ، وهذا ما يؤكد قولنا السالف على أنه يصعب الفصل بين الشعر والغناء؛ وقد اختاره الفنان الأمازيغي على هذه الصورة والمنوال لتستمع الذات هي الأخرى بلحظاتها وسعادتها عبر اللعب /المرح ذات المغزى الواقعي . ولأن ما هو اجتماعي يتحقق بشكل أوضح وجميل. كلما حاولت نفسية الإنسانية ممارسة حريتها والتعبير دون قيود تذكر، وأن هذا الغناء .والحركات الراقصة كانت تؤدى بها قديما الطقوس والشعائر الدينية وهي ترمز إلى التوسل بالألهات .
ومجمل القول في هذا الغناء الشعبي المصحوب بحركة الجسد .يندرج ضمن طقوس الصراع من اجل الوجود والسمو. ليغني بدوره السجل الفني الامازيغي، فهي تساهم بدورها في توطيد العلاقات الاجتماعية. وتوفر حاجة إنسانية للتجمع والتلاقي والترويح عن النفس . فهو يوازي كثيرا من المؤسسات الاجتماعية .مما لم يستطع دافيد هارت فصل هذه الرقصات والأغنيات عن ظاهرة الأسواق النسائية . وما يجسدها من أدوار اجتماعية وإنسانية...
مما يمكننا القول على أن الغناء مؤسسة قائمة بذاتها حسب القراءة الأنتروبولوجية للظاهرة عينها.

الغناء الامازيغي من منظور تاريخي.
حسب إطلاعنا المتواضع على الفصول القديمة للمجتمع الأمازيغي. عثرنا على إشارات قليلة جدا. لكنها غنية الدلالة والتعبير . تؤكد على أن المجتمع وقت ذلك .كان قد أولى اهتماما شديدا للغناء الشعبي في مختلف المراحل التي قطعها الوجود الأمازيغي في شمال إفريقيا. ولم يتوان عن ذلك ولو للحظة واحدة .مقدرا تمام التقدير دور هذا الفن الجميل في وظيفته التواصلية والاجتماعية والإنسانية .وانعكاساته الإيجابية على صرح الثقافة الشعبية. المؤسسة لكياننا الحضاري. وهذا التعبير الشعبي الجميل . المرتبط بالإيقاع والحركة. كان لا يخضع لمفهوم الطبقية. ولم يكن حكرا على أحد دون الأخر، مما أخذ باهتمام بالغ حتى من طرف الأسر الحاكمة، التي شجعت عليه بدورها .حتى يعكس ملامحها وملاحمها. ويدون معاركها. وتراثها المؤسس لكل نظرة تروم المستقبل . ولم يمثل عندها أيدا فن الميوعة والتكسب .لأنه كان يعد ثروة بامتياز، عملا بقولة جون بارو: لقد وجدت حضارات بلا رياضيات بلا رسم حرمت من العجلة والكتابة ....لكن لم توجد حضارة بلا موسيقى
مما يستشف على أن المغني او الموسيقار . كانت له مكانة مقتدرةفي وسطه القبلي. كما كان يحظى بمكانة بارزة ضمن وسطه الاجتماعي. لأنه كان يسدي خدمات جليلة من خلال الفن كرسالة اجتماعية تربوية للوطن، وهذا الغناء كان كله تمجيد للبطولات والفروسية والمعارك.التي أكسبت للأرض مجدها وشرفها ..
ولهذا الدور التاريخي المميز. هو ما دفع ابن خلدون يقول "وينبعث كل قرن إلى قرنه وكذالك زناتة من أمم المغرب يتقدم الشاعر عندهم أمام الصفوف المتحاربين ويتغنى فيحرك بغنائه الجبال والرواسي...." . ولو لم يكن الغناء هنا.. يجسد مدى وظيفته وريادته التاريخية.لما سولت نفسية المؤرخ إثارة دور الشاعر/المغني الأمازيغي الذي ينظر للارض كقضية وليس كتراب.. ؛
فدوره البارز وتضحياته الجسام من اجل الأرض والهوية. أوضحت بشكل جلي على أن فن الغناء لم يخرج أبدا عن دوره التاريخي والتراثي، مما ندرجه ضمن باقي أصناف وأشكال الثقافة المتنورة. التي من شأنها حماية وصيانة الهوية التراثية المتجذرة في التاريخ.فكما يرى فيتاغوس: هي علم النظام في كل شيئ.
فهذا يوبا الثاني الذي كان ولوعا بالأدب والفنون . ومتقن للغات. قد أسهم في تأسيس معهدا موسيقيا في القرن الثاني قبل الميلاد بشرشال . كما ألف بدوره موسوعة موسيقية كبرى. وكان ينشأ مباريات موسيقية ذات الجوائز الكبرى . ومازالت هذه الموسيقى حاضرة في الاحيدوس والاحواش والمهاري عند الطوارق . وبعض الرقصات الإنشادية عند المغنييين القدامى . وهذا يدل وبشكل واضح للغاية .على أن الأمازيغيين كانوا ولوعين بجميع الفنون الجميلة بما فيها الغناء والشعر .
وتعد خطوة الملك يوبا في هذا الصدد. هي جد متقدمة ومتطورة. تحققت بفضل إطلاعه على باقي حضارة شعوب البحر. واستيعابه لباقي الأنساق الفكرية المتطورة. كالفكر الإغريقي والروماني واليوناني والفرعوني الذي احتكت به الثقافة الأمازيغية لزمن طويل .
قس على ذالك .أنه كان شخصية مرموقة . لها رؤية حضارية للحياة .ولم يحصر قراءته في حبه للسلطة والتسلط، وفهمه للحياة في تعدد جوانبها هو ما يدل دوما على تواضع وخلق الأمازيغ ، وهذا الإطلاع والتأثر بثقافة البحر الأبيض المتوسط. هو ما دفعه لتأسيس معاهد فنية للغناء كما للمسرح .لأنها فنون تربي الذوق وتطور المخيال وتصون الذاكرة . فهي تربية وأخلاق . وكل هذا لدليل قاطع على أن الغناء الأمازيغي. له تاريخ عريق.وأن المغني الأمازيغي كان قد اسند إليه دور تاريخي، لأن الغناء يتعدى مفهوم الفرجة والتسلية والترويح عن النفس . وهذا الدور الهام أوفت إليه كلا الجنسين الرجال كما النساء. صفا مقابل صفا آخر على شكل دائري مجسدا الديمومة والحركية. فقد ظلوا يغنون جماعة لقضايا إجتماعية طبعا ؛ فالشاعر اليوناني [قاليماخس القريناوي] يقول في إحدى أنشودته: [والرجال يرقصون مع الليبيات الزعروات...] . مما يفسر أن الرقص الجماعي المرتبط بالغناء الشعبي الجماعي. فن عريق له وظائفه وخصائصه وليس هذا بجديد وهوما يجسد فعل التضامن والأخوة والقوة ..
وبالفعل كان فنا له تأثيره في الواقع الاجتماعي. لا سيما وانه مرتبط بقضايا الحياة والإنسان والأرض ؛ وقوة هذا الوزن هو ما دفع الباحث دوزي يقول بأن طبول المرابطين كانت إذا ضربت اهتزت لها الأرض وتجاوبت الأفاق. ويتحدث عنها أهل الأندلس كما لم يكونوا قد اعتادوا أن يروا في جيوشهم استخدام مثل هذه العادة .. ونستنتج من خلال قول الباحث على ان الموسيقى شملت حتى المجال العسكري والحربي فهي إذن أكثر من إيقاع ونغم؛ بل هي سلاح ثقافي فني لإكساب المعركة والظفر بالانتصار الساحق، وهذا الغناء الذي زحف مع المرابطين إلى الأندلس ظل حاضرا إلى اليوم. وهو جزء من الموسيقى الأندلسية. التي تتكون من الموسيقى الأمازيغية التي رحلت مع جيش طارق الغماري واغتنى منها زرياب. ليطور عوده بعدما اطلع عليها وعلى مقاماتها فيضيف وترا خامسا، ولم يكن سيحلم بهذا لو بقي في بغداد . لكن غياب الدراسات في هذا الشأن. مغيبة قصدا كي يمكث تراثنا في دهاليز النسيان مسترخسا ذمته بقوة إجحاف التعريب ،
لذا فرد الإعتبار لأهمية الغناء والاعتناء به والتربية عليه وتعلمه. وإكسابه معرفته العلمية بات أمر ملح علينا لفهم حقيقة تراثنا الثقافي . لأنه فن ولج القصور كما الأكواخ ... والمراعي
فهاهي مماليك الأمازيغية التي أسندت إليها دورها التاريخي في ربوع شمال إفريقيا؛ تنشط في هذا المجال .وتعد له مواسما ومنتديات ...
فاستنادا إلى [ستيفان كزال] يقول محمد شفيق :كان الملك ماسينيسا يستدعي الفرق الموسيقية إلى قصره. كما سيتخذ بعد ذلك جوقة من الموسيقيين الإغريق .، وهذا يفيد على أن الحضارة الأمازيغية حضارة متفتحة حاولت عبر مسيرتها أن تستوعب كل ما يتيح لها الفرصة لتطوير قدراتها وإمكانياتها؛ وحب الملك ماسينيسا للثقافة اليونانية جعله ينظم حفلات موسيقية رائعة يشارك فيها مطربون قادمون من اليونان .، وهذا يبين بجلاء على أن الحضارة الأمازيغية الموسيقية. من بين الحضارات القديمة التي كرست الفكر العقلاني والأدب الإنساني. من خلال إيمانها بالانفتاح والمثاقفة ؛ وهي ومن الثقافات القليلة والنادرة جدا. التي قدست الفن ووظفته لأغراض إنسانية واجتماعية. واعتبرته ثروة رمزية مقدسة. واكسبتها شهرة عالمية بفضل روادها ونابغاتها. وكثير من مغنيها الذين أنجزوا ما يستحق التنويه. وأمتعوا بغنائهم الشرق والغرب ويعد [الغريض] وهو عبد الملك، مولى العبلات من مولدي البربر توفي (814م) من أشهر المغنين في صدر الإسلام. ومن أحدقهم في صناعة الغناء، سكن مكة سكينة بنت الحسين، وكان يضرب بالعود وينقر بالدف، ويوقع بالقضيب، لقب بالغريض لجماله ونضارة وجهه . ويعد المغني الأمازيغي الغريض هذا الذي لا نعرف كيف رحل إلى مكة هل في إطار عملية السبي أو السفر في إطار جولة موسيقية. وكان يعد من المغنين الأربعة المشهورين في الإسلام في ذلك الوقت .. وقد ذاع صيت هؤلاء المغنين اعترافا ببراعتهم وجودة غنائهم وسحر تقاسيمهم. ودلالة أشعارهم. لأن نبرة الغناء الأمازيغي لا تضاهيه أية موسيقى أعتقد.
و الغريض- اغريض- إسم أمازيغيا مازال متداول في الريف حتى لايسقط أحد عن عبد الملك، مولى العبلات هويته الأمازيغية .وأما كيف أسرت أمه إلى الشرق فذاك سؤال طويلو بلا شك يؤكد عنف الغزات
وكما تألقت هذه الموسيقى أيضا . في عهد جميع الدول والإمارات المتعاقبة على أرض المغرب وغيرها . كما هو الشأن عند المرابطين؛ وقد أحرقت آلاتها في عهد الموحدين تحت شعار الزهد . حيث أبقت على الأمداح في الزوايا. دون آلات العزف. إلى درجة كان يحرق محل بيع الطرب والآلة ، فانتشرت الأمداح وفن السماع الصوتي وطغى على باقي أنواع الموسيقى.
مما يبين أن الخلاف الجوهري بين مرحلة ماقبل الإسلام وما بعده في مسالة الفنون بين للغاية وهو ما تفسره الآية الكريمة(....والشعراء يتبعهم الغاوون...) وهو ما لم يستوعبه جيدا أصحاب الفتاوي
لكن مع عهد الدولة السعدية 1659م سيسترجع المغرب مكانته وقوته. وستنشط الحركة الثقافية من جديد .ليفتح قصر البديع بمراكش في وجه الموسيقيين. فتنتشر الموسيقى الأندلسية المغربية . إلا أن الباحثين في هذا المجال لم يشيروا قط إلى الأغنية الأمازيغية. التي وصلت بأصدائها إلى الأندلس والمشرق وكانت هي الطاغية في بلاد المغرب الكبير خصوصا. وأن الأغنية العربية كانت محصورة جدا في أحزمة بعض القصور وما ولاها، كما لم يكن لشأنها حضور في الأطلس المتوسط والجنوب وتخوم الريف وجبال نفوسة وصحراء الطوارق .
وأن التدهور الحاصل في هذا المجال وقت ذاك. كان مرده ضعف السلطة المركزية والمخاطر التي تهددها. بحيث لم تولي عناية لهذا الفن لاعتبارات ظرفية ، أضف إلى ذلك تأثير بعض الاتجاهات الدينية وموقفها السلبي من طرب الآلة .وحتى أحيانا من بعض الأشعار الغير منسجمة مع المذاهب السائدة، كما حدث لأشعار نوبة رمل الماية من الغزل والخمريات واستبدلت بأشعار المدح النبوي .مما نجد أن الأشعار والموسيقى الأمازيغية حاولت أن تنسجم هي الاخرى مع الوضع ولإبقائها على شرعيتها المعهودة بدل الإقصاء .فكانت جل الاشعار تبدأ بالبسملة كقول الشاعرة /المغنية
*1* أبسم الله أنبذا . أنش تعشيرث ئينو
أياسيذي رجواذ أذيروب وزرو
*2*أبسم الله أنبذا إمين غنيني
أنبذا سالرسول محمد النبي
مما كان للمذاهب الدينية والزوايا خصوصا. وقعا سلبيا على الأغنية الأمازيغية. التي يرجع تاريخها إلى عصور ما قبل التاريخ والتي حافظت على هويتها وحيويتها إلى اليوم.وهي جزء من مقوماتنا الحضارية على صعيد الفن . وحفاظها على وجودها. ولو بشكل نسبي يدل لا محالة على أنها موسيقى كانت في القديم متجذرة ومتوأمة بالواقع المعيش . وذات شأن ومكانة متألقة، سواء تعلق الأمر عند النساء أو الموهوبين أو المحترفين إمذيازن، وهي مسيرة فن لها امتدادات متداخلة في التاريخ والجغرافية. فلم تحض بالاهتمام، لكونها بالنسبة للآخر غارقة في العجمة.
ومهما شاءت أن تكون أساليب هذا الطمس .فإن بعض الإشارات والتلميحات القلائل عند بعض المؤرخين تؤكد وبقوة على أن فن الغناء والطرب. في المجتمعات الأمازيغية عرف تطورا واسعا واهتماما بالغا وتذوقا خاصا، وظل فنا متوارثا شفاهيا يحكي التاريخ ويربي السلوك . ويحرك مشاعر الاذكياء. كما يقول هكتور بيرليوز, وقد برزت ضمن هذه المجتمعات شخصيات غنائية كبيرة .عرفت بقدرتها الفنية الرائدة. والنغمة السجية. ولم تظهر على الساحة الفنية هذه الوجوه المتألقة في سماء الغناء لتكريمهم . ودمجمهم في قراء التراث. وليس في الطابو. وكان ذويهم يعيرون اهتماما بالغا لهذا الفن البديع الروحي، نظرا لما يكتسيه من دلالات غنية في السلوكات الإنسانية .
ويستمد هذا الغناء الأمازيغي جذوره المتاصلة من الحفلات السنوية التي كان يقيمها الأمازيغيين لأربابهم قبل الميلاد كالاحتفال بالربة [أثينا] .. وما زالت بعض ملامح هذه الظاهرة حاضرة في بعض الأغاني الإفريقية المرتبطة ببعض الطقوس والمعتقدات.
وقد مثل هذا الغناء مغنون أجلاء. تجاهلهم التاريخ عمدا وقصدا ولاعتبارات أيديولوجية محضة. وهذه إساءة للأغنية الأمازيغية . التي ظلت حاضرة في وجدان التراث الشعبي. متحدية أحلك الظروف و بحثا عن بريق الأمل.. لتلج أماكن نادرة ما يلجها الإنسان العادي
فإلى حدود العصر الوسيط وحين عزم الخليفة الأموي عبد الرحمان الناصر بالإحتفال داخل بلاطه. لم يجد بدا ما يدعوه للغناء والطرب. غير [الزامر النكوري] . الذي لم يسمع قط بما يعزفه من موشحات وهي إشارات دالة على بلورة نكور لأشكال موسيقية وغنائية للموشحات والقصائد الشعرية الممزوجة بأصناف من الدف والزمر . واستقدام الخليفة الأموي للمطربين من حاضرة نكور العظمى. لدليل قاطع على المكانة التي يكتسيها هذا الفن عند أهل النكور. الذي تألق فيهم النكوري الزامر الذي غدا من ألمع نجوم الطرب العامي بالحاضرة ، وما تواترته كتب التراجم من أوصاف للزامر النكوري بقصر الخليفة [وهو قاعد في وسط الحفل وعلى رأسه قلنسوة وشي وعليه ثوب خز عبيدي وفرسه بالحلية يمسكه غلامه. وهو يزمر في البوق...]
فأن تحتضن نكور مثل هؤلاء الفنانين الذين أغنوا أدب الأندلس والمشرق وحياته الثقافية. لخير دليل على أنها كانت تولي اهتماما بالغا للفنون وللكلمة الجميلة. وأن يلج الزامر النكوري قصر كبار الأمراء وقت ذاك ليس بالأمر الهين نعتقد، وأن تستهوي الأغنية الأمازيغية سماع السلاطين وسيتهافتون على نغماتها الرقيقة، ليدل على أن ما هو مغنى مشحون بالمادة الغنائية ذات الصلة بالوجدان أو هي نغم الحواس عينها . فلشوارع قرطبة مفخرة في ذلك العهد أن يطوف بها الزامر النكوري وهو يتغنى مع فرقته الموسيقية. ودون شك أن المغني الأمازيغي غنى بالإسبانية والأمازيغية لكن لسوء حظنا مع الكتابة التاريخية القديمة .أنه لم يصلن إلا بعض الأشعار المكتوبة بالعربية . لذا يجب أن تستمر الحفريات في سراديب التهميش والمنسي والمقصي. لتعرفنا بفنانين آخرين ولجوا قصور امراء ولمعوا في سماء الفن والآداب.

أوركسترا إمذيازن بين النشأة والتطور.
وكما سلف القول أنفا. رأينا بأن الريف خاصة .عرف شعراء ومغنيين رسميينومحترفين وصنف موهوبين ومهووسين. بعشق هذا الفن الأصيل. والمتجذر في كيانهم النفسي والإجتماعي . فهم ليسوا بمدرسة رسمية. ولكن باعتبارهم رواد يمثلون جيلهم . وحين يساهمون بأعمالهم وفنونهم في نوادي السمر . لا يتقاضون أجورا. بل هم فئة متحمسة لهذا الفن الذي يمثل لديهم الوجدان العميق، كما أنهم مجبرون بقوة العشق والحب الجارف. الالتحاق بأي مكان توجد فيه"الحضرة" للمساهمة في تنشيط الفرجة. ومهما شاء أن يصير البعد والمسافة والالتزامات المهنية اليومية. وهو ما يصطلح عليهم كما رأينا [إهلايلين –إهواوين. إزهوانيان...] يرقصون ويغنون لتجسيد قوة الإنتصار . وهو ما يصطلح عليها دافيد هارت بالرقصة الحربية بالريف. ويؤكد إميل بلانكو على أن رقايذ حدو ن موح أمزيان كان من بين الممارسين لهذا الرقص الحربي .وأن هذا الرقص يتكرر حتى في الاسواق متبوعا بالصيحات الحماسية لإثبات البراعة والتنافس في الحرب والحب .وليس ذالك مجرد تسلية بل مدرسة طبيعية تتعلم فيها الأجيال كيفية الحفاظ على روحهم المحلية والقبليية.( أنظر دافيد هارت أيث ورياغر عمل مترجم ص253-255) ويصطلح عليهم بإنشادن في الأطلس ويستعينون أثناء مدحهم . بالأواني المنزلية باعتبارها آلات إيقاعية واستعمال المقص والرحى .... ، وهم يظهرون بالضبط في الأعراس والحفلات العائلية .أو نشاهدهم أثناء مزاولتهم للأعمال الاجتماعية الجماعية يعتمدون الغناء الشعري الحواري للتحميس والتشجيع، وبعد هؤلاء الموهوبين يأتي رواد امذيازن كمدرسة أصيلة ومتأصلة في الثقافة الإفريقية والأمازيغية على السواء.
يعد امذيازن Troubadour تامزغا: ثلة من الفنانين المغنيين الذي يمتهنون فن الغناء بالتوارث أبا عن جد، وكلمة أمذياز فنيا تعني الشاعر المغني. وتمذيازت تفيد القصيد المغناة. كجواب شاف على أن الثقافة الأمازيغية لم تعرف غير الشعر الغنائي، وكان لهؤلاء المغنيين مكانة بارزة ضمن مجتمعهم التقليدي, الذي كان يفتخر بهم ويولي لهم مكانة معتبرة, كونهم من كان يكسب للأرض عزها ومجدها .فتاريخهم القديم يسبق بكثير. التنظيم العسكري الذي كانوا يمثلونه بفرسانهم وشعرهم الحربي .كما هو الأمر باق عند الطوارق( الطوارق م س ص40).
وقديما عرفت المنطقة تنظيم منافسات في القول الشعري الغنائي .فكانت كل قبيلة تبحث عن الريادة. فتنتدب أهم ما يمكن أن يشرفها ويرفع من شأنها .وكانت تستغرق المبارزات 24 ساعة دون توقف إلى استدعاء شعراء يواصلون التراشق بالشعر بشكل يشبه النقائض .
فظل الغناء عندهم ثروة جماعية تغنى جماعة ولأغراض اجتماعية. ومشتركة .. كلها تجاوب ودعم ونصرة قضايا القبيلة . فضلوا يجوبون القرى والمداشر لإتحافها أو لإخبارها بما استجد من أحوال في البلد لأنهم مثلوا خير صوت إعلامي أنذاك .
فتمكنوا من حفظ التراث الشفوي والتأريخ له, عبر الأجيال ,وظلت جل أعمالهم مرتبطة بقضايا مصيرية بالرغم من وضعيتهم البسيطة والفقيرة , لأن مبادئ الوطن والهوية فوق كل اعتبار عند المغني الأمازيغي.
وأمذياز قديما كما تحكي المصادر التاريخية القليلة، ناهيك عن رسالته الفنية ,كانت قد اسندت إليه عدة مهام اجتماعية. فمن الشاعر إلى المغني والمثقف. كان إعلاميا وجريدة القبيلة . ونشهد له بذلك في عملية (البراح) في الأسواق .أوعبر إلتحاقه بالتجمعات السكنية بالقبيلة .. ومؤرخا لأنه الوحيد الذي ظل يحتفظ في سجله الفني . بمجموعة من المعلومات والأعلام دون أن يأتي عليها أي باحث يذكر ، فهو الأول والأخير مثلا من تطرق للولي سيدي شعيب انفتاح بالريف... والوحيد من دون شفويا قصيدة "ادهار أبران" ولولاهم للتحقت بعدد الموتى والمفقودين، كما يعد أمذياز من السباقين إلى تأسيس النموذج الشعري(تقسيست)..., كما يشهد له أنه كان محاربا وفارسا مجاهدا بقوة الحجج التاريخية، فهو السباق إلى تدوين المعارك الحربية والبطولات. وقد أسدى لموروثنا الحضاري خدمات لا يستهان بها . وهي ما يمثل وجودنا الرمزي . ضمن تراث باقي الشعوب , فلا يمكن أن نؤدي أتعابه مهما بلغ الثمن. إلى غير ذلك من الجوانب الفنية الأخرى. التي خدمها وتحلى بها عبر مسيرته الفنية: كانفراده بفن -وإتقان- الخطابة والسليقة والفطرة والجرأة في القول. والحنكة والدهاء في الهجو المدح والثناء . التي تهز جوارح السامعين، فهم انتلجنسيا زمانهم بلا منازع.
وما كان دورهم مقتصرا كما هو الشأن اليوم على تنشيط الاحتفالات الشعبية، فهم مدرسة فنية رائدة يجب الإهتمام بها والحفاظ عليها أمام ما هو سائد الآن. مع تفادي الميوعة والكلام الرخيص .
إنهم مغنيون تقليديون للشعر الغنائي..على إيقاع آلات النقر والنفر وهم يؤدون دورهم الحركي الغنائي ,وهو على شكل صفين مستقيمين, يتوسع ويصغر على خفة إيقاع الآلة , إلى أن يتحول لشكل دائري يفتح ويغلق حسب طبيعة الإيقاع الذي يسايره الرقص، ويمثله جنس الرجال والنساء.
ومن بين آلاتهم النقرية: الدف والبندير والنفير والناي ثشبابث- ثمجا- لغيطة- الذين يصنعون إيقاعا سريعا يلائمه ضرب الراقصين بالرجل على الأرض كإثبات للمروءة والتحدي والانتصار والقسم، لأن أغلب الإيقاعات ذات ميزة حربية. مما نراها خفيفة وسريعة. وكل العناصر المكونة لكل حفل غنائي عندهم هي: الحركة/ الشعر/ الموسيقى/ الإيقاع. و الرقص المرافق للموسيقى تجسيد لتموجات السنابل وكثبان الرمال والأفعى... التي هي إشارات دالة عن تعدد وتنوع البيئة الأمازيغية وتجسيد لمظاهرها الجغرافية التي إغتنى بها الأمازيغي ؛ والتمييز هذا عكس لنا لا محالة تعدد مستويات الثقافة الشعبية في المغرب واختلاف التسميات والمصطلحات وإغناء المرادفات، مما كانت المظاهر الثقافية تأخذ عدة تسميات. إنطلاقا من الهوية الجغرافية.. فنجد هؤلاء إمذيازن يصطلح عليهم تسميات متعددة: [ئيغياطن- إمذيازن- رشيوخ- إعيساويان...] ورغم هذا الاختلاف في التسمية والتصنيف واللقب. توحدهم قوة الذاكرة والحفظ والارتجال للقول المأثور و الشعري ... إلى غير ذلك من الخصائص الأخرى على مستوى آلات الإيقاع والمرجعية الفكرية. فكما يصفهم الباحث الفرنسي [بيارني] كان الشيخ أو أمذياز يحمل أثناء الحفل في يده اليمنى [أزيدان] أي البندقية وهو مغطى الرأس. كما هو الشأن عند الطوارق، بالقباب أو بالعمامة، ويطوف به أحد الشباب وهو من أهل الدار, ممسك بيده اليسرى وسط المتفرجين. وهم جالسين على شكل دائرة و "الشيخ" يردد "إزران" أشعار. ويليه من خلفه الزامر وهو ينفخ في آلته .والنساء يزغردن والرجال يطلقون طلقات البارود. وتكرر العملية بقيام شاب آخر يمسك بيد "أمذياز" ليتولى العملية وهو يمدح أصدقاء العريس ويثني عليهم. لما قدموه من هدايا لصديقهم العريس، ويستمر سمر الإحتفال. على هذه الشاكلة إلى مطلع الشمس .ومن قصائدهم المعروفة في المدح وكلها لغز وحكم وفنية رائعة. مشحونة بلغة قاموسية قديمة. ، نورد بعض نماذج منها. استقيناها من الفنان الشيخ شعيب:
1: التيمبايح:
ءالتيمبايح ءاذاشتينيغ ءاطاس
ن وورغ وجيشي ننحاس
ءاوار نس يسوا ءاطاس
ءاذاشتينيغ رحكاز/
ون ديجا باباس ذارياز
ءاذي سوار ءاذيتمياز
ءاذيتيش ءاغروم
ءاذياني ركواز
وني غيواث ءاثيسفاز
وني غيقيمن ءاذيازو ماني غايكاج.
......................................................................
2:ثسكورث ؤمسوكي:
ثسكورث ؤمسوكي
نازوت وتنوفي
ثورو ثسنجم
ثجا كور نغ ثغوفي
ذ دراع ئينو ءافوسي
ئيزي كسيغ دقار
كسيغ زايس ثفسوسي
ئيزي تتاغ دهان
تعاواذغ ئيذروسي
ثيجذحث ميخف دينيا ؤسوسي
ءاريام كزرماذ
رمذفاع كفوسي
ءام تكاغ رعنايث.... نش وخي توسي.
..................................................................
3:تاق ؤتقتاق:
ون يطسان ءاذيفاق
ءاذيخزار ءاو جنا
ماذايس شي نسفاق
وني ويسيغن ءاذي الزانز
وريتيح بوغ رسواق
............................................................................

4:ذي رخضار ن رخوضار:

*ذي رخضار ن رخوضار
ذي رخضار ن تسكورث ذ أرقم نس
ذ و يارزيز ذ رافساست نس
ذ وواشن ذ تيغيسث نس
ذي رخضار ن رخوضار
ذي رخضار ن رجروف
رجروف إنويوار
نويوار إيثزيزوا
ثيزيزوا إيثامنت
ثامنت إيثنيبا
ثينيبا إريمحيبث جار ؤراون نغ.
...................................................

5*أتيمبايح
ذاكسوم ئيكاري
يكور ويتماري
يتنن ويتهاري
يتمش ويتضاري ....
........................................

وعلى هذا المنوال. كان يتحف المغني /الشاعر الأمازيغي/ والإفريقي الجوال قبيلته , بما جادت به قريحته وفطرته وموهبته الخلاقة... ، وكان عمله الإلزامي .هو أن يوفي برسالته الفنية تجاه التاريخ, كمظهر من مظاهر الحضارة التي تقوي عضد مقوماتنا التاريخية , التي تشكل مرجعنا الفكري والثقافي .....
ولم يكن الفن عنده وسيلة للتكسب والتسول كما هو الشأن حاليا في زمن الميوعة والإنحراف. ومادام أنه كلف بخدمة الفن بدون مقابل ,لا بد أن يكافأ عينا من لدن الفلاح الذي أسندت إليه خدمت الأرض, أو من الذي كان من ذوي الجاه . حتى يواصل المغني أمذياز دوره الفني . ويأتى له ذالك . من خلال التبرعات النقدية من الذين يستضيفونه أو يدعونه إلى محفلهم للسمر والسهر. بحثا عن متعة تذهب الكد والأسى ومشقة الحقل ,أو من خلال ما يقدم إليه عينا كالحبوب المتنوعة في فصل الصيف , كما ينال حقه من التبن وباقي خيرات الارض .وهو يطوف على دابته يجوب البيادر. وما يكرم به ليس صدقة أو عملا خيريا, بل واجبا إجباريا ,و العملية تدخل في إطار تقسيم العمل، لأنه كلف بمهمة الفن والذود عن الأرض كما راينا سالفا . من خلال الفن عينه ,لأنه من خلال مزاولته للفن والحرص عليه وتطوير جوانبه. يشكل في نفس الآن إغناء للثقافة وخدمة للتراث وبناء للتاريخ وصيانة للأرض ,فإن كان الفلاح ينتج الزرع والقمح فأمذياز ينتج القيم الرمزية . مما يستحيل عدم مكافأته وتشجيعه. كما قد يفهم من هذا. أن تقسيم العمل في المنظومة الأمازيغية. لم تستثن الفن. ولم تخرج أصحابها من جمهوريتها الفاضلة كما فعل أفلاطون.لأن دوره اعتبر ضروريا ومحقا تاريخيا .فهو ليس تسلية أو فرجة...... .بل أداة فنية خطابية تثويرية في خدمة الأرض والهوية. يندرج ضمن أدب المقاومة الثقافية والفنية ، فهو حين يقف عند الفلاح يطالبه "بشيء من البركة" فلا يجب أن يفهم بأنه يمارس التسول، بل يطالبه بحقه الذي هو في ذمته .وفق ما اتفق عليه العرف الأمازيغي ، ويجب أن نستحضر هذا, أثناء خوضه للحروب والمعارك الضارية . وهو في الصفوف الأمامية يغني ويخطب ... باعتباره كان أول مقاتل ومكافح في سبيل الحرية-ثيرلي- .فلا يجب أن نتنكر لما أسداه من جوانب إيجابية لثقافتنا وحضارتنا ولإنسانية جمعاء. أو تنطلي علينا التفسيرات المتزمتة
فما حمل هذه الثلة للسيف والبندقية أو العصا أثناء الرقص إلا كدلالات سيميولوجية على مدى ارتباط فن إمذيازن بالمقاومة والحروب. فأغنيتهم ورقصتهم. تستمد جذورها من عمق التاريخ كما يتأكد بالثوابت.
فهو لا يقعد للأرض ويظل يتحرك مجيئا وذهابا مجسدا ساحة المعركة أثانء عملية الفرجة وغير متربع على كراسي الفخمة ..فهو المحارب والمغني الذي يستحق كل العناية

أمذياز في أدبيات أهل الريف
لا أحد ينكر معنا بأن أمذياز أصبح هوية ضائعة ومفقودة، كما أصبح فنه الغنائي في تراجع مستمر. ولم يعد يحظى بأدنى اهتمام يذكر من طرف عامة قبيلته، وتحولت كلمة أمذياز من مدلول فني إلى مفهوم قدحي.أو من القدس إلى المدنس. انطلاقا من الحكم المسبق والقاسي :
أمذياز ن دشار وري سفوروج
فكلمة أمذياز لا يستسيغها أي فرد، فحين تود أن تنعت شخصا بأبشع النعوت تصفه بأمذياز، وإن كانت صفاته منعدمة الأخلاق والآداب تصفه "بأغمبوب أمذياز" كون هذا الأخير لم يكن خلاقا حين سولت له نفسه بإستغلال هذا الملك الجماعي في الأزمنة الأخيرة . علما أننا لا نرى ما يسقط مثل هذه الصفات على هذه الشخصية . ويعزى ذالك ربما حين لم يجد ما يعيل به أسرته ، فهو لا يؤذي أحدا أو ينتقم بأحد إنه إنسان متخلق وخلاق،وبسيط متواضع للغاية، شأنه وهمه الوحيد هو البحث عن الإيقاعات الجميلة من خلال نايه الذي لا يتعبه. وبنديره المتراقص في فضاء الله يطارد عن المكان كل قبيح ومأساوي. في سبيل إمتاع الذات .
ترى: فلماذا هذه التهم المجانية والرخيصة خصوصا عند أهل الريف التي تضع أمذياز في اسفل الترتيب، كما أن هناك عدة قراءات في هذا الشأن ,ومنها من رجح كل هذا إلى أن المغني أمذياز لأسباب ولأخرى ,ميع الفن ووظفه لأغراض شخصية, بعدما كان ملكا جماعيا ومشاعا بين الناس، فاتخذه أداة للتسول والتكسب.... وبدأ يسترزق به منذ أن زجت به ظروفه الخاصة في الفقر المدقع، عكس ما كان مألوفا في السابق، فبدأ الناس يتحفظون من هذا الاستغلال الفردي للملك الجماعي الرمزي ، فيما لا يستحق توظيفه، مما بات ينظر إليه بنظرة نقدية على المستوى الاجتماعي’ حتى أصبح أمذياز إنسانا لا مكانة له ضمن محيطه الاجتماعي، وحتى منازل هذه الفئة –إمذيازن - تتموقع في مكان خاص. بعيدا عن الدوار. فهم يسكنون جوار بعضهم البعض ويعتبرون مهاجرون في القبائل القاطنين بها .
ففي أدبيات أهل الريف. وكما ورد إلى مسامعنا . لا يتزوج ولا يزوجونه أهل القبيلة.كما لا يشاركونه في باقي معاملاتهم وطقوسهم الإجتماعية. إلى غير ذلك من التهم الواهية جدا التي نلمس تناقضها بشكل جلي والتي لاتستند لمعطى موضوعي .
فهؤلاء الذين يعابون على أمذياز. وجدناهم يعشقون السمر والسهر مع نايه الرقيق وأشعاره الغزلية الجميلة، يتحفظون منه نهارا ويصالحونه ليلا لأن روح الإنسان من الصعب أن تستغني على الغناء والطرب كرغبة فطرية فيه .
وهذه إشكالية يحددها تناقض العرف بالرغبة.وبلغة علم النفس تناقض الهو والأنا الأعلى. التي هي إشكالية نصادفها في أكثر من حالة في واقعنا اليومي.وهي قائمة على الحسابات البركماتية في نهاية المطاف
وانطلاقا من مجموع أحكام مسبقة .و التي لا علاقتها بالمنظومة الأمازيغية .وهي دخيلة عليه بمقتضى المذهبية والعقيدة المتزمتة. فنجد الحداد والعشار... هم أيضا منبوذين مثلهم مثل الأول، وحين نبشنا في الأسباب والدوافع. وجدنا أن العشار يعتبر سلطة مخزنية. تبتز من الناس الضرائب. ، فإن كان السوق يعتبر مكانا مقدسا ومحترما. تلجه ما أخصبته الأرض. فإن أعشار بوقوفه في باب السوق هو وقوف في باب الأرزاق كما تعتقد العامةو ولا يفهم أن ذالك يدخل ضمن التنظيم الإداري و المالي للدولة . فهو ليس منهم أو معهم حسب العرف .والثاني وهو الحداد وحرفة الحدادة بالريف نجد على أنها ورثت عن اليهود، ولاعتبارات دينية طبعا ومع ظهور الإسلام. اصبح من العيب التعامل مع الحداد اليهودي. الذي هو إنسان مدنس وكافر. وهي حملة ضد اليهود لإبراز شهامة الطرف الآخر .
وبالرغم من هذا نصطدم بنفس التناقض السالف: فهذا الحداد اليهودي مرفوض اجتماعيا والعلاقة معه محدودة، لكن يوم السوق لا بد أن يقصده الفلاح لتحديد وشحذ سكة محراثه أو معوله أو لإصلاح صفائح فرسه. ولا يمكن الإستغناء عليه في هذه الحالة . لكن ولسوء الحظ فكل هذه القراءات السائدة تستمد مرجعيتها من اعتبارات ضيقة للغاية. والتي راح ضحيتها امذياز والحداد والعشار
وهي مجموعات لاتحظى باحترام على مستوى العائلي. بما فيها نساءهم ورغم جمالهن كما يقول دافيد هارت لا يتزوجن من طرف القبيلة المنتمين إليها. مما اعتمدن الزواج الداخلي. ويعتقد الآخر أنهن متحررات للعلاقات الجنسية (دافيد هارت ص 189-190 م س) وعدم امتلاكهم للارض هو ما جعلهم اسفل الهرم الإجتماعي .كما يوضح هارت
وكل ما قلناه سابقا حول أمذياز. نجد أن هناك قراءة ثانية. تفسر النظرة السيئة للمجتمع اتجاهه. هي أنه لا يخدم الأرض. ناسيين أنه عهد إليه دور آخر وهوالفن وهو أكثر مشقة ومسؤولية .ولولاه لكنا أمة بلا فن ولا موسيقى ، والأمازيغ ضمن العرف السائد موجود بالأرض وليس بشيء آخر. كما يرى دافيد هارت.
وإن النظرة التي نحن بصدد تقييمهاتجاه- العريف- والتي كلها تزمت وانغلاق وفهم خاطئ للفن. كرسالة تربوية . لا تتعدى حدود الريف .علما أن إمذيازن في سوس والأطلس والطوارق.... يحظون بعناية كبرى لأنهم أسدوا خدمات جليلة للأرض وللتاريخ، والنظرة التي حولت أمذياز من المقدس إلى المدنس شبيهة تماما كما حدث "للصعالكة" الذين كانوا يتعرضون للقوافل الأرستقراطية. وينهبونها ليوكلوا أبناء الشعب الجياع. فكان الصعالكة وقت ذاك تفيد المناضلين المدافعين عن المهمشين، لكن سرعان ما صار يقصد بها الفاقد للأخلاق والشرير والمنبوذ...وهذا الخلط المفاهيمي تحكمت فيه مزايدات دينية وسياسية لغلبة موازين القوى ضمن دائرة الصراع
فهي إذن إشكاليات وقراءات تعتمد الراهن مرجعية في التفسير . دون استحضار الماضي وتفكيك ألغازه بشكل علمي، فأمذياز ضحية واقع أليم أولا .وضحية قراءات تستمد مرجعيتها من ثقافة دخيلة .هدفها تدمير الثقافة المحلية لإثبات نفسها . وليس هو ضحية معاملاته أو سلوكاته التي لم تكن لنا أبدا مقلقة أو محرجة. فهو إنسان لم نر منه: غير الفن والخير... وبكل بساطة شكل عبر قرون الزمان مرآة تراثنا .
فكل ما رأيناه من اسباب وتهم وتهجم باطل. في حق هذا الفنان أمذياز. هناك دافع آخر لا يجب أن نغفله. وهي القراءة المتزمتة والخاطئة للعامل الديني الذي هو وراء كل التهم التي أصدرت في حق هذا الفنان. فمع انتشار الدين. انتشر يعض الغلو في بعض المفاهيم. وكثرت المذاهب وتعددت المدارس والتوجهات. إلى حد التكفير والاقتتال. كما وقع بين الخوارج وقريش. مما يعد المغني أمذياز. ضحية القراءة المتزمتة لنوع من المذهبية التي اخترقت بلاد الريف .ومعها انتشرت ثقافة التحريم وعلى سبيل الذكر .تحريم اللعب والصور وكل المجسمات .... فبدأ يشاع بأن هذا حلال وذاك حرام، مثل اللهو والغناء والشعر .... ويجب أن يعوض كل ذالك بالأذكار والأمداح .باعتبار أن كل ما كانت تمتلكه الأمة الأمازيغية لا يخدم الدين .لذا يحق استئصاله .فسرعان ما ضرب أمذياز من الخلف مع تغلغل الفقهاء. ليجد الفقيه مكانه المناسب داخل القبيلة. وصار له مكانة ذات شأن: فهو الطبيب والبيطري والقاضي والمصلح... والعالم، واصبح أمذياز مهانا معزولا لأن عمله من رجس الشيطان .ليشاع بان الغناء حرام .فيقع عليه نوع من التحامل المفاجئ. وكان لهذه السلطة الدينية التي تراوح المكان. أثر بالغ على الثقافة الشعبية السائدة. وتم تراجع جوانب مهمة من تراثنا الشفوي بالحملة التي شنها أهل العقيدة المتطرفة ، فسحب البساط لأمذياز. وصار ما كان يكافأ به ويكرم به يقدم للفقيه على رأس كل سنة ويسمى- الشاض- ومن لايؤديه يعتبر خارج الجماعة –جماعث- لأنه حظي بالإجماع ليحظى الآخر بالعزلة لأسباب عدمية وسلفية ومذهبية غارقة في الأحكام الجاهزة. لكن وحتى بعض الفقهاء المولوعين بالغناء. لم يتمكنوا من مغادرة الفن. فظل يرافقهم طول حياتهم الاجتماعية، ففي الجنوب كان يوجد من الفقهاء من يتبارز في حفلات أحواش وأحيدوس دون عقدة أو ذنب . فلماذا التليين في الجنوب والأطلس بدل الريف، ونرجح الأمر على أن المنطقة تعرضت لاختراق مختلف المذاهب والتيارات الدينية ومنها المذهب الخارجي، وهذه المذاهب المتعددة في تراكمها واختلاف رؤاها، أفرزت قراءة دينية متطرفة ومتشددة للتراث، وهذا ما يفسر سؤالنا السالف: لماذا ظلت ربوع الريف محافظة درجة المبالغة ؛ كما أن المذاهب الدينية الوافدة على هذه المنطقة هي من سببت في الإقتتال الشديد والتناحر الذي كان يجري بين الإمارات والدول .خصوصا بين المرابطين والموحدين..... والتي كانت يقع تأثيرها مباشرة على المناطق القريبة ، فأفضى كل هذا في نهاية المطاف إلى تكريس ثقافة الخوف والتشدد.، فحين طعن الفقيه في أمذياز صدقناه وخفنا بعودة القتال والسبي... واتهامنا بالزندقة كما حدث لبورغواطة وغمارة...ومازالت عدت تناقضات تعيشها المنطقة والتي لانجدلها مبررا يذكر وهو:أن الفقيه مازال في قبيلة اكتامة يأخذ أجره السنوي من زراعة اهل البد وهو-الكيف- بحيث كان يدفع كل مزارع حقه للفقيه. ولا يملك أهل المنطقة شيئ من غيرهذا .فيبيع الفقيه ما حصل عليه لأحد التجار.دون أن يقول هذا حرام ...كون المصلحة هي الطاغية .مما يبين أن التفسير الديني عند المذهبيين يبدأ من مفهوم المصلحة اولا وأخيرا.
وإن قبولنا لمثل هذه الأحكام عن مضض. هو ما يفسر بعض التناقضات الاجتماعية التي تصدم تراثنا وهويتنا. التي تعرضت للتشويه والتحامل .من قبل الثقافة الوافدة من الشرق
أما اليوم فيمكن حصر تراجع الغناء الأمازيغي عامة .إلا في انتشار فرق غير متذوقة للفن. لكونها موقعته خارج مرتكزات التراث الأصيل. كما كان هدفها كسب الشهرة والمال ليس كلها بل الأمر دائما بصيغة النسبة .... وقد ساهم في ذلك انتشار ثقافة الموضة ذات الأصول الليبرالية المتوحشة الآتية من الغرب. عبر القنوات الفضائية المتعددة الجنسيات. التي قولبت عقلية الفرد بفتنة الجسد الأنثوي العاري،- فيديوكليب- دون مرجع ثقافي أو فكري يمت صلة بالتراث الحضاري . وحينما صارت الصورة البشعة أبلغ من صوت الكلمة لم يعد لأمذياز ما يقوله وسط هذا التحامل والجرم. غير المغتفر له

إمذيازن وعلاقتهم بالأولياء
يبقى لكل منا رأيه الخاص. لقراءة التجربة الغنائية الأمازيغية. كما يبقى لإمذيازن رايهم أيضا. وهو مخالف لكل تصوراتنا واقتراحاتنا. فهم مقتنعون وفخورون بمهمتهم الفنية / التاريخية ، فلهم معتقداتهم وطقوسهم الخاصة بهم. لا يعلمها إلا من حاول قراءة موروثهم من عمقه الأصيل،وهو ما تبين لنا من خلال بعض الدردشات معهم. كونهم مؤسسة فنية تعنى بالأدب الجميل لها ظوابطها ومنطلقاتها ومبادءها الغنائية.....وكل من يلقي عليهم باللوم لم تتجاوز قراءته بالأكيد. الجوانب الشكلية التي هي تكريس لإشاعةالسائدة .التي افتعلها الصراع المذهبي منذ دخول الإسلام للمنطقة .وفي ما يخص فلسفتهم الغنائية. فهي متجذرة في التاريخ القديم .مما يصعب استصدار أي حكم دون استعاب كل هذه المؤشرات الدالة
فهؤلاء الفنانين لهم ارتباطات من نوع خاص مع الأولياء والصالحين .وكلما أحسوا بالملكة الفطرية تخالجهم. سارعوا فورا إلى أحد الأولياء واعتكفوا فيه. اعتقادا منهم أنه المكان الأنسب للتمرس وصقل الموهبة والفوز باللقب الغنائي،
لأن الغناء عند الأولياء كما يعتقدون شيء مقدس كما هو الشأن عند "سيدي شعيب أنفتاح" .الذي يقال عنه أنه كان مغنيا صوفيا يتقن الناي –ثمجا- الذي دفن معه، ليظل موقعه احتفال عظيم على مدار أشهر الصيف. حيث يتوافد عليه جموع المواطنين رجالا ونساء للاستمتاع بفن "الغيطة والقصبة" والمواويل الشعرية المرتجلة .... وهذه الاعتقادات الصوفية القديمة المتجذرة في ثقافة المغرب القديم. تجيب بالتدقيق عن مدى أهمية إمذيازن داخل فضاءنا الثقافي الذي لايقل شانا عن باقي جوانب الإبداع.مما جعلهم يحضون بالعناية الكبيرة ضمن وسطهم الاجتماعي قبل الصراعات الدينية التي جعلت من الثقافة الأمازيغية كبش فداء.
ليبقى الأولياء مصادر الإلهام بالنسبة لمدرسة إمذيازن. ومن راودته الرغبة كي يكون مطربا ومغنيا شعبيا. لا يتوانى عن زيارة "سيدي شعيب أنفتاح" الموجود بجبال تمسمان. كما يعتقد هولاء .ولا اظن أن منهم من لم يزره . وهوالمكان الجدير الذي اختاره الولي للتعبد والإنصات لسحر الناي في فضاء سكوني بامتياز، خال من الجلبة ومطل على البحر للتوحد بالخالق دون واسطة. وعلى نفس الوتيرة والإيقاع أردفوه –إمذيازن- للصلاة في محراب أغاني التصوف والطبيعة ....
مما يمكننا القول بأن وعيهم الاجتماعي والشعبي المتشبع بالأسطورة والتراث العريق هو من أعطى للولي. بعدا اسطوريا ودينيا صوفيا، وفي الذاكرة الجماعية هو- البركة – وقد يتوسل إليه من أجل الإنجاب والشفاء والزواج والجن و ...
ولا يقتحم الضريح إلا بالذبيحة دلالة عن طهارة المكان المعظم، والدم المراهن عليه, شكل من أشكال إبعاد الدنس عن المكان المقدس, واللحم هدية للزوار، أما الدم كما هو سائد في المعتقد الشعبي’ فهو خاص بالجن الذي يستأنس بهم الولي، ومفهوم الذبيحة أو الأضحية’ سلوك يستقي مضامينه من مرجعية الميتولوجية القديمة ’ حين كان الجميع يقدم الذبائح والقرابين لللآلهات. خوفا من شرها أو لتفادي انتقامها المحتمل. وأن أمذياز والمتصوف يعتقدان بموت الولي. لكن لا يؤمنون بموت بركته، الشيء الذي نجدهم يستقبلونه بالأدعية والبركة والرزق الوفير . ،
سيدي شعيب ؤونفتاح بو ثناين ثورا
يشتن يكيت ئيرعوين
يشتن ئيرال بويا
وأن زيارة ضريح الولي ليست تقليد موسمي فحسب .. ولكنها تخفي بعدا عقائديا والمتمثل في العلاقة الصوفية التي تقلص المسافة بين الولي وربه
وتعد هذه الطقوس الشعبية التي ألفت رهبة المعابد للتخلص من قوى الشر. من الجوانب المهمة التي أغنت التجربة الشعرية/ الغنائية الدينية التي شكلت تهاليل وأنغام ... من داخل فضاء الولي التي يؤديها المغني إيقاعا مونولوجيا قبل أن يلج تجربة الميدان لمواجهة الجمهور .كما يستحيل إذن الاستغناء عن زيارة هذه الشخصية الروحية . التي تمثل لأمذياز المقدس والطوطم.
فهي دوما تشكل له عقدة ذنب. كلما نأى عنه أوغابت الذبيحة تقلصت البركة’ بسبب غياب الدم المرتبط عقائديا بالخصوصبة وبالمطر... مما وجب على هذه الفئة أن تأتي زائرة له مرة كل سنة على الأقل. لأن ملكتهم الغنائية من وحي هذا المقدس
ليتأتنا لنا القول من منظور مدرسة إمذيازن:ان الولي سيدي شعيب أنفتاح -تموز- الريفيين

بعض الرقصات الغنائية وعلاقتها بالتراث
يعتقد إمذيازن الذين أثرناهم باقتضاب شديد وفي علاقتهم بالأولياء . على غرار أن هؤلاء يعشقون الغناء و الرقص حتى في خلودهم، وفن الرقص هذا يتنوع وتتعدد مستوياته حسب كل منطقة: التي تحمل ثقافة خاصة بها وذات هوية جغرافية محلية ، ففي الجهة الشرقية القريبة من الريف تسود الرقصات الشعبية المعروفة. وهي الركادة والنهاري والمنكوشي... غير أن شيوخ هذا الفن يرجحون أن هناك رقصة واحدة أصلية هي- العلاوي- وما عداها مجرد فروع منها . ، وهي رقصة حربية تعتمد على الحركات السريعة. سواء تعلق الأمر في هز الكتفين أو في تحريك القدمين .مع حمل إمذيازن للبندقية أو للعصا مبرزين الشجاعة والقوة .، ورقصة العلاوي هذه المتواجدة في مختلف مناطق المغرب وهي الرقصة المعروفة كثيرا بالريف ,وإيقاعها هو الموظف في كل ماهو مرتبط بالحماس والجد والتحريض ,و لا تجسد في واقع مرجعيته غير التمرين الحربي بإيقاعها السريع والمصحوب بالصراخ إيذانا بالمعركة والقتال وهي رجالية محضة.
وليست كرقصة- تويست- بالريف وهي غيرحريبة . والمرتبطة بالحقل والعمل وباقي المظاهر الإحتفالية بالمنطقة أو هي استراحة محارب . . ولو أنها سريعة لكن يغلب عليها التمايل والغنج والتدلل... ويتحكم في عملية الرقصة هذه.تحريك الراس وهو يلتفت من اليمين إلى الشمال .و تحريك الكتفين من الأسفل نحو الأعلى لتنتهي برعشة الجسد .وهي تقلد تمايل الأشجار والسنابل. وباقي عناصر الطبيعة المكونة لمجال الريف على مستوى الطبيعة
مما يمكننا القول بأن تويست كإسم مؤنث ظل مرتبط بالخصوبة والزراعة والطقوس الإحتفالية... وإيقاعها غير مهرج بل سلس .وتعد الحركات المرافقة لها إنسيابية بامتياز. لأن الجسد هو الطاغي على الإيقياع في رقصة التويست لمن سبق له المشهد
أما الركادة الشرقية فإيقاعها رتيب، والتي يقال عنها أنها أصل أغنية الراي . فإيقاعها يسخر للغناء لا للرقص حتى يفسح المجال للمنشدين.وهنا يقصد النشيد أوالشعر الحربي، أما الرقصة المصاحبة لها فهي لمساعدة أداء الأغاني وليس للرقص .وتعتمد النقر على آلة البندير والضرب بالرجل على الأرض، كما أن المنكوشي لا يختلف عن رقصة الأصل التي هي العلوي إلا في اختلاف بسيط، قس على ذلك رقصة انهاري التي تعتمد بدورها إيقاع ثقيل وبطيء .ودقاتها مفخمة رتيبة تليها دقات خفيفة . والتي تعتمد آلة البندير والقصبة-ثمجا- الزمار-الغيطة التي تميز الإيقاع . وأصل هذه الرقصات أمازيغية الأصل تنحدر من قبيلة بني يزناسن ، لكن لسوء بعض الكتابات التي همشت المرجعية التاريخية. تناولها ضمن الفنون العربية .وهو مانعتبره في هذا الصدد أكبر أكذوبة في تاريخ فننا .
ورغم اختلافات هذه الرقصات على مستوى الإيقاع والحركة والتسمية، تبقى موحدة على مستويات أخرى. لنؤكد على أنها متوحدة وليست متنافرة : في أدوات الإيقاع والعصا والبنادق وحدة الزي . الذي يضفي بدوره وظيفة جمالية . وكحركة القفز من الأمام إلى الخلف كتعبير عن التقدم عن العدو وهوفي معارك حربية.إلى غير ذالك من سميائيات جسدية كلها معنى لمعارك الشرف والكرامة .والتي تكون دوما مصاحبة بصيحات غضب لدرع المحتل :أيوا.... أيوا أها......أها
...أفوس...أفوس دلالة عن التضامن كواجب تاريخي وإنساني
وهذا النوع الفني الشعبي يذكرنا ببطولات الأمجاد .لنقول أنه تاريخي وإنساني بامتياز. وليس فرجوي كما يعتقد البعض
أما فيما يخص باقي المناطق المتعددة المظاهر الثقافية فيوجد أحيدوس وأحواش... كرقصتين اكثر ذائعات الصيت. شعبيتين رئيسيتين مرتبطين بالمجد والمقاومة .فهما تختلفان إيقاعيا وتتوحدان في الألات واللباس.كما عند باقي المجموعات الأمازيغية . وهما رقصة جماعية .تعتمد وحدةالصف كرمز للتماسك والقرار الجماعي وانتظام الإنسان الأمازيغي في الحضارة
كما الأمر عند موحى الحسين أشيبان ميسترو الأطلس الذي يظهر كقائد للفرقة بلابس مخالف لأعضائها. والذي يعتمد في كل رقصة مؤدات إيقاعا بالبدير. دون حظور المزمار أو الناي وهذا ما يختلف مع تجربة الجنوب الشرقي .وأمغار الفرقة أو الرايس هو من يغير الإيقاع من خلال إشارات رمزية إيذانا لهم بالإستعداد والإنتباه.... وهو لا يقعد في مكان واحد بل يجول ويتحرك ويراقب... وهذا دلالة عن الحرب والفطنة والحذر الذي تتطلبه المقاومةالوطنبة . وحين تكسر الإيقاعات الطويلة والقوية. يردد الميسترو مواويل رمزية فنية .كنوع من الإستراحة للمحارب. ليردد الآخرين اللازمة ومقاطع الدالة عن نشوة الأنتصار
وعلى هذا المنوال . تستمر وحدة الصف التي تننهي إلى شكل دائري منسجم. تشكل في حد ذاتها لوحة تشكيلية . وهي عبقرية تمزج بين الجمالي والتاريخي كنسق عليه انبنى الفكر الأمازيغي في تقاطع النفسي بالواقعي .
أما رقصة أحواش فتشاركه النساء بكثرة. وهن يرتدين لباسا مزخرفا تتدلى عليه الدر والجواهر-المزون-، وإيقاعه خفيف يعتمد تحريك الأكتاف واليدين والتمايل.. ويطغى فيه الصوت الشعري على الموسيقى. كما هو الشأن عند تيحيحيت وتابعمرانت...
أما فيما يخص العيطة. فالكلمة قبل كل شيء بالأمازيغية بمعنى "عياض" أي نادي أو اصرخ.... فهي رقصة حربية يطغى فيها بدورها الشعر الإلقائي المرتجل بشكل خاص.. باعتبار أن المتلقي بعيد مع حدوث صخب البارود وصهيل الفرسان ، وإيقاعها يكون حزينا أو يلوح بالنبرات الدرامية تجسيد لفضاء المعركة بشكل فني ،
كما أن هناك فن يدعى بالطقطوقة الجبلية – لعروسي-باجبالة وهذه الكلمة بالأمازيغية نسبة إلى –وعروص-متداولة بكثرة بالريف والتي تعني الجبل أو الجبلي واجبالة اصطلاحيا ما كان يسمى سابقا بقبائل اغمارة وهذا الفن عندهم متميز النبرة الموسيقية والصوت واللكنة، وهو خفيف الإيقاع والحركة يعتمد المواويل.البطيئة وربما تأثرت بعض جوانبه بالرقص والغناء الأندلسي القريب منه جغرافيا وتاريخيا بعد سقوط قرطبة،.وما يميز أيت تعروص بالريف وغناء العروسي بتاونات أو تطوان.جبل الحمام شقران هو التواصل بالجهربلغة قوية خشنة واضحة تأكيدا لوعرة الجبال التي تعسر التلاقي مما يفرض الأمر تللك القوة والصيحة حتى نقول وبكل تاكيد أن فن لعروسي أمازيغي الهوية والمنبت إيقاعا وآلايات وصوتا إن عرب لغة
وهذا الفن الموسيقي المصحوب بالرقص الخفيف . أو ما يسمى بالطقطوقة الجبلية. فهي تجسيد للواقع اليومي العملي لمنطقة اجبالة- والجبال-، فن ارتبط بالحقل والأرض. كما ارتبط بشكل خاص بعامة الفلاحين والفلاحات وهم يزاولون أشغالهم. أو يتنهون من جمع محاصلهم الصيفية والشتوية...أو يمارسون الصيد وهم يصيحون لتخرج الطرائد. ونستشف هذا من خلال اللباس وأدوات الفلاحة التي يحملونها أثناء الأداء الاستعراضي، ليبقى في نهاية المطاف. فن استعراضي يحتفل فيه أهل البادية بالمواسم الفلاحية المتنوعة على مدار السنة. فترى المرأة منشغلة بالحصاد أو هي تعرض فوق كتفها بعض المنتوجات، كما توضح أحيانا بعض الصور الجميلة أثناء تأدية المجموعة لأدوارها الغنائية .وهي تضع البادية في اشكال إحتفالية .
وجوهر هذه الطقطوقة وما يمكن أن تجسده من أبعاد أخرى: هي علاقة الإنسان بالمطر أو إله الخصوبة والزرع، . لأن أفول هذا الإله حسب واقع الأسطورة .هو موت نهائي للإنسان والأرض.. فإتحافهم للارض بالغناء اعترافا منهم بالجميل الأسطوري.
فعلى هذا المنوال يطقطقون آلاتهم لتخرج الطرائد من الغابة ومن الجحور –إفران-
مما قد يعني الاحتفال بالرقص هو تكريم للمطر وخصوبة الأرض التي تزودنا كل موسم بما نحتاج إليه. للحفاظ على الوجود. فنسعد وتسعد الأرض ومعها المواشي وباقي الكائنات.لان الأرض والمطر هما القادران على إسعاد الإنسان بدل السياسة والإيديولوجية
ويعتمد إيقاع هذا الفن بالضرب على "الدربوكة" الوسيلة البسيطة التي هي في متناول إنسان البادية .وهو يجري خلف طرائده .مع صوت خشن ذات نفس طويل. الذي يعتمده إنسان البادية المغربية لاختصار المسافات بين الجبال والوديان .لأن التواصل في مثل هذه الأماكن المرتفعة. يتم عبر الصيحات إلى غير ذلك من العوامل المناخيةالتي تساهم في مثل هذه الأنغام والإيقاعات الصوتية...
أما فيما يخص بعض الرقصات والأغاني الريفية. فهناك رقصة العلوي التي تعتمد إيقاعا سريعا وخفيفا بالبندير والزمار أو الناي ثشبايث أو ثمجا...والتي تنتهي أمام المشهد .بخفة الجسد الذي يعلو وينحني ثم بالضرب بالرجل على الأرض.. لإثبات الحضور القوي والمستمر ، والرقصة هذه تتم في مكان مستدير. عبارة عن ساحة الحرب وإيقاعها صاخب تتوسطه الصيحات من كل صوب.. للتحميس والتشجيع، ولا يتغير الإيقاع إلا حين تود الراقصة العودة من حيث انطلقت، وتوظف فيه حركة اليدين بشكل كبير التي تعطي للجسد كله، نوع من التوازن للحفاظ على الاستقامة أمام المنافس/ الخصم، فهكذا نعثر على أن من هذا الرقص الغنائي السائد على امتداد الجغرافية المغربية ما هو محلي وأصيل و ذات الارتباط الوثيق بالتراث الأمازيغي.. وما هو مستورد ووافد على المنطقة بحكم المثاقفة والعلاقات الاقتصادية. ونخص بالذكر فن أو رقصة "لكناوة" المرتبطة بالطقوس الشعبية بامتياز. امتزجت فيه الأبعاد الأمازيغية والإفريقية الأخرى ذات الإيقاع المتميز. والآلات الخاصة به إلى غير ذلك من التباينات على مستوى اللباس والتعابير والكلمات. ومن خلال تسميتهم فهم من أصل أمازيغي لأن كلامهم الفني والشعري لم يكن يفهمه عامة الناس فسموا "بإكناون" –البكم- معتقدين أنهم يتمتمون فقط. وإن كان قد حملوا معهم منذ البدأهذا الإسم فهم من جذور أمازيغية بدون منازع .فدخولهم إلى المغرب كان مع فترة حكم السلطان أحمد المنصور الذهبي الذي استقدمهم من السودان الغربي (مالي حاليا) لاستخدامهم كعبيد في مزارع ومعامل السكر ، فوصلاتها الغنائية ليست فرجوية أو فلكلورية. بل هي طقوس تجسد ممارساتهم التاريخية القديمة.. حينما كان يلجأ إليهم الناس لحماية مساكنهم الجديدة من الأرواح الشريرة .

محمد موذروس أورفيوس الريف
يؤرخ التاريخ الغنائي الأمازيغي بالريف. لعدة فنانين مغنيين.عشقوا الناي والكلمة الجميلة ... والذين ساهموا مساهمة فعلية في تطوير التراث الفني والأدبي...رغم إجحاف الظروف ومأساوية الوضع الإجتماعي .دون أن يردعهم السائد ويتخلون عن رسالتهم الفنية. فواصلوا مشواروهم يحملوا ندب ونحب الزمان .ففي الوقت الذي كان هم البعض هو البحث عن لقمة عيش . كان هم الفنان هو البحث عن مقطوعة غنائية جميلة. تكسر رتابة الوقت عن وجه كل متحسر ومغبون .... ، ليمثل هذا التراث الغنائي دوره الريادي في ثقافتنا الواسعة التي ارتوينا منها خير ارتواء، وهذا الفن الغنائي لم يصادفونه عن طريق الصدفة. بل اختاروه عن وعي وعن دراية تامة . نظرا لأدواره الأخلاقية والجمالية والتربوية ... وحاولوا أن يثوروا على التقاليد التي كانت تعتقد بأن الغناء حرام.أو رجس من عمل الشيطان . كما حدث لعبد الحميد التمسماني .فحين علم أهله بأغانيه المذاعة عبر الراديو احتجوا عليه. فكسروا له جهاز الراديو الذي كان يتخذه أداة للاستماع للأغاني المحبوبة. فأنشد قائلا وردا على سلوك والديه في حقه والذي يعتبره سلوك متخلف.لا يرقى للمستوى الحضاري الذي يجب أن يكون
أذرياغ ئيجن ثبرات
أترياغ ئيلوليدين
أذايدارن الجواب
خ- أراذيو ني ذايازين.
وهذا الصوت الثري النبرة والإيقاع لم تهتم به الأقلام، مما نجد أن كل ما أنتجه قد ضاع مع الزمن الشفوي ، إلا بعض الشيء المسجل في الإذاعة.
كما أن هناك اسم آخرا يدعى بأحمد شعطوف - أحمد البغدادي الذي توفي يوم 7يناير 2008 عن سن يناهز 75 سنة وهو من قبيلة فرخانة . الذي يرجع له الفضل في إدخال آلة (البانجو) إلى المنطقة عن طريق مليلية. وقد وظفه في الغناء قبل ناس الغيوان. والذي طغى عليه اللحن المشرقي الذي كان سائدا وقتئذ بكثرة .لكن بكلمات أمازيغية محلية. وقد اقتصرت كثيرا من أغانيه حسب ما تمكنا من رصده بعلاقته الغرامية بمحبوبتيه "خدوج" و"ميمونت".
1- ئسيغ السينياث، ءازايس ءاريغ دروج
ركاس ذايي غيوذان، رقاث شم ءاخدوج
2- ئسيغ السينياث ثشور –ءار- ثقمونت
ركاس ذايي غ يوضان ئيسيث شم ءاميمونت.
3- ءاميمونت ءاميمونت
ءاميمونت ميهليكن
هلكنشام ربهوث ن ثمزري
ذييني شم غيسبوهريان.
كما أن هناك مغنيون أخرون برزوا في فترة الستينات .وكانوا بكل حق رواد متميزون أمثال عمر أرجاي وبوجمعة ثعمروشت... الذين أغنوا سجل الأغنية الريفية. إلا أن غياب العناية جعلهم اليوم يتركون فراغا قاتلا في هذا المجال. خصوصا حين نود التطرق للغناء من باب البحث والدراسة . وليس من باب المتعة والفرجة .وكثيرا منهم نجهل أسماءهم، لكن اسم المغني –- الفنان محمد موذروس من الأسماء القليلة جدا.التي ذاع صيتها بكثرة والتي أنتجت كما هائلا من الأغاني المتعددة المواضيع ذات الصلة بالإنسان الريفي خاصة.. ، فهو اسم فني يتميز بأغاني ذات إيقاع وتلحين خاص غير مألوف عند اللذين سبقوه إلى الميدان. فهو نجم الحفلات والأعراس. ولا أحد من جيل نهاية الستينات لا يعرف هذا الأورفيوس المنبعث من سماء الريف.
هو اسم يرفض الميوعة والكلام الساقط. كما يرفض الكلام الجاف المنعدم الدلالة والمعنى الغنائي والأدبي .لأن تكوينه الثقافي والمعرفي فرض عليه ذلك. لكونه كان فقيها ومثقفا. فقد تأثر بالأغنية الجزائرية لأن هناك ابتدأ مساره الفني مع نهاية الأربعينات.إلتحق بالجزائر ليساهم في المقاومة الجزائرية شعرا وغناء وسلاحا فاعتقل وطرد إلى وجدة حيث يستمر اعتقاله هناك من طرف الإدارة الفرنسية(هذه شهادته حينما اتصلت به هاتفيا ذات يوم) ... فهو الكاتب والملحن والمقاوم....الذي لم تنسلخ أعماله ولو يوما واحدا عن واقعه اليومي، وقد ساهم بدوره في تأسيس عدة أسماء غنائية تدربت على يده: كفاطنة العباس ويامنة الخمالي اللتان أنتجتا معه أغنية [الزيف –ن- الليلو الزيف –ن- لحياتي]
فالغناء شكل عنده المقدس حين كتب أشعاره على لوحه في المسجد. ولما وشى به أحدهم عند الفقيه عرضه للفلقة .، مما شكل عنده الغناء منذ ذلك الوقت. الحب القاسي بتعبير محمود درويش. وأصر على مواصلة درب الغناء باحثا عن المعنى الجمالي للحياة .ورافضا لكل الرؤى المتزمتة الضيقة .حتى صار اليوم مرجعية أساسية لكل باحث سولت له نفسه النبش في المشوار الغنائي بالريف،
إنه الفنان محمد موذروس المعروف لدى جيل الستينات والسبعينات هو اسم على مسمى موذروس الرقيق/ الخفيف النحيف لغويا واصطلاحيا تفيد الحبيب والعاشق الذي أتحفنا بأجمل ما جادت به قريحته وأروع ما تمرنت عليه حنجرته المدوية. بين جبال الريف واكزناية إثراء للصوت الشعري والمشهد الغنائي الذي زاوج بينهما في أحسن أسلوب فني لإمتاعنا وإسعاد خواطرنا. وتهذيب أذواقنا وحس عواطفنا... بلغة غنائية واقعية اجتماعية جميلة وعفيفة.... تأخذ التراث كإطار مرجعي هام في كل موقف يراود العشق ، واهبا عطاءاته –رغنوج- على طريقة تشعرنا قبل كل شيء. بأن الأغنية الأمازيغية لغة الوجدان وبوح الحواس،
*أياموذروس ئينو
موذروس ذروس ذروس
أيا بوالوطني
أبو رمونيو يفسوس
أو هي شعور عرفت كيف تدب في الجسد. فيستيقظ على رعشات الرقصة المجددة للحياة ...،
هكذا غنى موذروس للحياة وللأرض جاعلا من لحنه "لغا" وبنديره وقصبته الغارقة في الوجودية... ومرة في الصوفية، ريف ينتعش بأهازيجه العذبة ومواويله الفواحة بتبختر العشق، وقد امتطى صهوة هذا الفن في ظروف صعبة وقاسية. لا إمكانيات فيها ولا تشجيعات ولا قراءة موضوعية للفن، لكن حبه للكلمة الجميلة. وهوسه الجارف قاده إلى المعترك السائد. ليثور على لغة التخلف والتزمت التي تنظر إلى الغناء كبلية وبدعة ... وليس كموهبة فنية. بغناء صادق وهادف ذات الأبعاد الأخلاقية والتربوية،
إنه الفنان موذروس..ولأول مرة سيحمل هذا اللقب أثناء عودته بالجزائر. في عرس بعض أهله حيث ظهر يرقص ويغني بخفة رائعة.فتساءل البعض من يكون هذا المذروس –مين ئيتعن ؤو مذروس- وهو الذي افتتن النساء والرجال معا بصوت رقيق لا ينضب. وحنجرة تهز المشاعر والعواطف الجياشة. بأدوات غنائية بسيطة ومتواضعة وبلبسة ريفية في تناسقها الجمالي، إلى أن تسربت إيقاعاته إلى النفوس. فتاثرت بغنائه الذي يتفجر كهمس الشلالات،ومن لايعرف موذروس فهو الذي ترك النساء في السبعينات بدون شغل كما يقول . وعلى هذا المنوال وبعيدا عن كل التحفيزات المادية والمعنوية. حافظ موذروس على جانب مهم من تراثنا الغنائي. فهو رائد المدرسة الغنائية القديمة وقيدوم إمذيازن ,إنهTroubadour الريف
، فلا يحق لأي كان أن ينكر على مدرسة إمذيازن مكانتهم وإخلاصهم لفن الغناء وما تحملوه من مشقة وصعوبة. من أجل هذا الجانب الفني الحضاري، ويعد الفنان موذروس وكل من سار معه على نفس الدرب.. أناسا أحبوا الحياة والإنسان..وعشقوا الفن درجة الإدمان. وارتبطوا بالأرض أشد الإرتباط.. رغم الفقر المدقع والسنوات العجاف،إنه الفنان الذي يمتلكه حب الفن بجدليته مع الإرث الرمزي والمادي .ومن خلال خصوصياته ومميزاته التي لم تتوان عن مواكبة اليومي بكل تجلياته.ليوصل إلينا ما لم يصله لنا ابن حوقل..والناصري ..وابن عذاري ... نتمنى أن نصحح المعطى الجاهز. الذي هو حكم قيمة دون سند موضوعي على إمذيازن. الذين أغنوا سجل الأغنية الأمازيغية في الريف والاطلس المتوسط والجنوب .....، وهم ضد الميوعة والتكسب .وكلامهم جميل وخلاق وممتع ومؤنس...وإن شئنا أن نقول: هم ضحية الإشاعات الناتجة عن القراءة الخاطئة للدين .
فموذروس يأسف في إحدى استجوابه على ما يلاحظه في بعض التجارب الغنائية التي تروم الشهرة والمال .وهذه الجدية والمصداقية والتخلق الأدبي والفني التي نروم تيمتها نعثر عليها في أغانيهم جميعا.مما نجد أنهم لم يخرجوا عن الادب والفن الملتزم .خصوصا عند موذروس الذي نجده يلامس قضايا جوهرية بالغناء: فهو أول الباحثين الذين ردوا الاعتبار للولي الصالح سيدي شعيب أنفتاح مرثيا له:
*ءاربي وي كييوفين، ءاريف ءاذين ئيراح
ءاذ ئيراح ءاذيزور سيذي شعيب ؤنفتاح
*سيذي شعيب ؤنفتاح كذرار ن- أريف
ءيا بوحبر ئينو ئيراح عاذ ذا- حريف
*سيذي شعيب ؤنفتاح أرمراح ئيزوق
ءامجيرث ءامو زير لبدا ذايس ئيشوق
*سيذي شعيب ؤنفتاح ئيذوراس ءانعناع
ءايا لعمار ئينو لبدا ذايس ئيدمع
*سيذي شعيب ؤنفتاح ئيزوق زي رمراح
ءامجيرث ءاموزير لبدا ذني رفراح.
فناهيك عن الغناء الشعبي الذي يصاحب هذه الكلمات الفياضة بدلالات المعاني والفكر.....، تبقى تيمات القصيدة التي نظمها موذروس الشاعر بنفسه .صوت أدبي غني الدلالة والمرجعية ...وغارقة في عمق التراث للمنطقة، قصيدة بللتها الشعرية حتى لا يستبعدها الزمان... وثقل حداثتها هي التي جعلتها تعيش بين أيادينااليوم , كما أن موذروس من الأوائل الذين غنوا ضد الهجرة والتهجير.. خوفا من الاستلاب اللثقافي وتفكك العلاقات الأسرية قائلا:
رل هجاغ ثاموث ئينو
رل كيغ وجدة تنبذات
رل ءايا لعمار ئينو كيذس ءاقا ثسوات
رل فكار ثامورث ئينك
رل ءايا وني غفران
رل وياك نهار ئينك
رل كورشي ذايس ئيزدغن
رل فكار ثامورث ئينك
رل ءايا وني ودان
رل ئيوذان ئيحوريان
رل نثنين لبدا ظهان
رل ءياون ئغفرن
رل فك ثمورث ئينك
رل ؤيور ءاترواحض
رل ماذ شيذ ؤر ئيك
رل ذههجاذ ثمورث ئينك
رل ما تسما ذداذ رل ما يوشاش وور ئينك
رل شك لبدا ذصباذ.
وهذه القصيدة مفعمة بدلالات الغربة والاحتراق... من أجل تربة هذا الوطن الفواح، وقد تطرق لموضوع الغربة بعد أن ذاق ألمها وفراقها ... وهو في الجزائر، مما يبين النص وبجلاء وطنية الفنان موذروس. الذي أحب وطنه بالرغم من أنه لم ينصفه بعد..
فمن وطنه الكبير إلى وطنه الصغير تمسمان والحسيمة تاريخ عريق ومجد مقاوم يسكن وجدان المغني الذي لم يستطع فراقهما:
اساريغ ثيمورا ثمسمان وتويذغ
ءاناناي ذين زين ما ناش عاذ وتيقغ
تتاغ ءاسيذي ربي كوسان ءاذين ءاحاغ
شحار ئيزرينت ثيطاوين
نهار ؤمي ذين غ- خضراغ
زريغ ذين ثيسكرين
زريخت ؤش فاحغ
زريغ ثاربات ثمزيانت
ثناي قا ناش عيزغ
ؤشين مليون ؤنص
ئيوذان ؤمي عجباغ
ماش راذءادوذ ئينو ءام رقارب ئيفارغ.
وفعلا فإن كانت تمسمان والحسيمة مهمشة ومقصية .. فإن موذروس قد أعاد إليها الاعتبار... وافتخر ببناتها العفيفات الجميلات والوسيمات الغاليات المهركحالة استثنائية بالمغرب .. حيث بلغ مهرهن وقت ذاك مليون ونصف في بداية السبعينات كما يقول ويستطرد:
اساريغ ثيمورا لحوسيما ذين الزين
زريغ ذين ثيطاوين ثيني ئيذييغين
زريغ ثاربات ثامزيانت
ثاني شحار ئيسيكين
تيجايي تخمامغ ءاميوان ذمين سوين
سوين مليون ؤونص ينضني عاذ ءاذانين
..../ ..../ ..../ ..../
ءايا رعيشاث ئينو ءارميجار قذ صباح
ءاناح ءانمعاهاذ سيذي شعيب ؤونفتاح
رعاهذ جارانغ سيذي شعيب ؤنفتاح
ويخسن ءاذييني ييني/ كورشي ئيجمعيث صبار.
وهنا تبرهن الأغنية كيف حاول موذروس.. أن يجمع بين التصوف الديني والتصوف العاطفي. بلغة خلاقة وشعرية مغرمة جميلة . تجسد قوة الغناء الأمازيغي باللغة التعبيرية القادرة على مواكبة الحداثة ؛
كما أن موذروس أثرى جميع مستويات الأغنية الأمازيغية الريفية، ففي مجال الرومانسية أنتج شيئا عظيما وبوصف دقيق مغر جدا كأنه تعبير الحواس وليس اللغة :
ءاثاندينت يفران كيغ ذين عاماين
ئيسويايد ءاربي ءاكيغ ذين يوماين
ءاكي رواخت ؤنبذو لهوا ذك فران
ءامان ذي صماذن، هكاند ءاكي غزران.
فالدقة في الوصف والبلاغة في التعبير .يعكس قوة الغنائية عند الفنان الوجداني .الذي يستحق قراءة متمعنة وعميقة ... ونفس الشيء في الغزل العفيف الذي قال فيه الكثير:
* ءاثيطاوين ئينم ءام لحب –ن- لياقوت
وني كي ميمونن ءارموث ءاقايتوت
* رل ثمورث ذي رورع، رل نش لبدا تفكارخت
رل ءام وطان ئيذعقن، رل لبدا تعشارخت.
والشاعر/ المغني في البيت الأخير. يعكس رؤية الأمازيغي للمرأة وهي نفس الرؤية للأرض. كونهما يجسدان الخصوبة والحياة والهوية... فهما موضوعان للتفكير..لتحديث الفن الغنائي بشكل خاص. نحو أفق متفتح يقرأ الكون من جهاته الاربعة . كما يصف ذلك كل من موذروس والآخرون فالأرض تمنحنا الأمن الغذائي ليستمر وجودنا... والمرأة تخصب لتحافظ على السلالة.... والهويةمكمن وجودنا الحضاري .
ويغني قائلا ايضا:
* ءانش نيغ رخي ءاشم ذنيذ رعيب
ايمشحار مذكيذ ءاشم دياوي وبريذ.
* ءانعناع ءابوري ئيفاكن س- خشاب
ءايا لعمار ئينو ذاميا ئيذايي ثكذاي.
* ثمجرايي ءاكيذم، ءام وني ئيصومن شعبان
ءاقاربهوث ئينم ترجيخثن ذي رمنام.
إلى غير ذلك من الأغاني الرائعة التي يتذكرها جيل السبعينات. بنوع من الشوق والمحبة. فحاول أن يغني غناءا اصيلا تراثيا. خال من كل ما من شأنه أن يفسد الذوق الفني.... وظل يقاوم من أجل هذا... بكل ما أوتي من قوة وعزيمة غنائية.
فحبذا لو يعنى موذروس وشعطوف وعبد الحميد التمسماني وآخرون... وغيرهم من النساء اللواتي لن نتنكر لمساهماتهم الفنية.. بنفس المكانة التي حظي بها عند جمهوره كل من عمر واهروش والحاج بلعيد والدمسيري... رواد الأغنية الأمازيغية السوسية، دون أن ننسى كثرا من المغنيين الأمازيغيين في مختلف بقاع المغرب: كموحى والحسين أشيبان الذي اصطحب معه بنديره وهو ذاهب إلى ألمانيا للمشاركة في الحرب العالمية الثانية. لأن الغناء الأمازيغي تاريخيا ارتبط بالإنسان وقضاياه. وقد شدد كثير من فنانينا الذين لا نعرف أسمائهم عقوبته في مميعي هذا الفن الذي هو صورة هويتنا وحضارتنا الرمزية واعتبره عملا جاوز السقف الموضوعي لقيم التراث قائلا:
ءاقسغ فوس ئينو ؤسعذيراغ ءاقسي
ثقساي ميمونت نسروان ؤسعذيرغ أوصي.
كما أن الفنان موذروس الذي اختطفته المنية يوم 22-09-2005كرس وقتا طويلا للأغنية الدينية كجانب هام داخل تراثنا الثقافي. فحاول أن يترجم البردة للإمام البوصيري الأمازيغي ويجودها غنائيا،كون كل الفقهاء يحفظونها عن ظهر قلب . كما له في هذا المجال الديني أشعار متعددة المضامين وعلى سبيل الذكر:
ءاذي صبار ءاربي ون يدان وري فك
ءاقاعاذ ءاتمثاث ءاذاك غزان شبار
ءاتاسذ غرشفان ءاتكاذ سدو ثسذاث
ءاخدارن شار ورذيج ءاشي فكار
غلعمل ئيفرحن من ذخذماذ كيرعم
وني خذمان الدين ؤرئنس ءاذي نوار.
.....................................................
فكثيرا من رشيوخ وإمذيازن آيت سعيد وأيت تمسامان وآيت سيدال.. من أغنوا سجلنا الغنائي وسهموا في صيانة الذاكرة الفنية والتاريخية
ليبقى موذروس كأحد الأصوات العاشقة للشعر والموسيقى . وهما من يشكلان وجدانه الأسمى والجمال عنده هو السمو والغاية الإنسانية لتجريد العالم من كل قبح يسئ للكرامة..
والإنسان الامازيغي يظل عاشقا ومغربا بهذا الجانب الفني .حتى في خلوده .وقول المغني موذروس في هذا الصدد. يزكي طرح المؤرخين الذين أثبتوا لنا بان المرينيين كانوا يكتبون على قبورهم أبيات شعرية مزخرفة للدلالة على الفن الذي لايموت ولو مات قائله
حيث ينشد موذروس :
1*مسكن ياسيدي إمرابضن
أحران مساكن أزوجن عبذن
مشا أخميني زران الزين
رانثنين ئيتعجيباسن أذيس خمان
.................................................................. وليس موذروس وحده من كان وراء إغناء هذا الموروث. بل أصوات عدة سبقتنا.
من الشيخ علال... والشيخ شعيب... والشيغ تعتاع... والشيخ موحند... إلى غير ذالك من الذين أسدوا خدمات جليلة لهذا الفن الجميل. لكن المسؤولين تنكروا لجميلهم .ولم يحض من طرفهم بأدنى إهتمام. ليبقى الأمر وصمة عار على جبين. الجهات المسؤولة والوصية. ماعدا الذاكرة الجماعية الريفية. التي ستظل تمنحهم كل الشوق والمحبة والتذكر ضد من يمارس التنكر... عربونا على ما أسدوه من خدمات جليلة للتراث و للوطن: كل من تجارب الخمسينات والستينات والسبعينات وما قبلها. وهي تضحيات كانت مقابل جلدتهم ومعاناتهم .وعلى حساب أولادهم .ووقتهم بنية حسنة... لا تعرف المراوغة ولا الأدلجة .اللهم فيض القصبة تمجا وتميجا الحنجرة... وهي تنفخ الروح في التراث من أجل صرح الهوية .لأن الشعوب تعرف بآدابها وفنونها النثرية والجميلة كمدرسة تمكننا من قراءة مالم يسمح لنا معايشته ومشاهدته



الفهــــــرس
أ- الباب الأول:
ب- الشعر الأمازيغي من طقس الفرجة إلى سؤال الهوية
1- مدخل عام
2- الشعر رؤية حداثية
3- الشعر الأمازيغي بوح وجداني
4- الشعر الأمازيغي تاريخا وإنسانا
5- الأدب الأمازيغي في أتون المحرقة
6- الشعر والهوية وجهان لعملة قديمة
7- الشاعر الأمازيغي ناطق رسمي للقبيلة
8- الشعر الأمازيغي من الطقس الفرجوي إلى البعد المعرفي
9- ثلاثية الخيل والشعر والبارود
10- الشاعر الأمازيغي بروميثيوس الأرض
11- الشعر روح وجداني :عند الممالك الأمازيغية القديمة
12- نكور الشعر والشعير
13- الموحدين وشعر العقيدة
14المرينيين والتصوف الشعري
14- النزعة الإنسانية في الفكر البورغواطي
15- غياب المشهد الثقافي الأمازيغي عند المؤرخ العربي
16- مظاهر الحضارة الأمازيغية عند المؤرخ الكولونيالي
17- شعر التصوف
18 –السعديون ومظاهر التصوف
19- المرابطون شعر الفقه والأمداح
الفصل الثاني: الشعر الأمازيغي الريفي ألم الإبداع والقضية.
1- الريف فضاء الإبداع الثقافي الأمازيغي
2- ازران بين الأصالة والتاريخ
3- ازران بين المحلي والكوني
4- الوظيفة الفنية لمفهوم أيارال-بويا
5- المدلول التاريخي للازمة أيارال-بويا
6- الشاعرة الأمازيغية في مرآة المقاومة
7- الشاعرة الأمازيغية ودورها في تقسيم العمل
8- إزران والتركيب البلاغي
9- ازران والمميزات الفنية
10- ازران وتشكل الصورة الشعرية
11- العرس كمنتدى شعري
12- الفرجة الشعرية بين الاجتماعي والطقس الاحتفالي
13- ازران الهجاء
14-......... شعر الغناء والرثاء
15-.......... شعر الزواج بالإكراه
16-......... شعر الغزل العفيف
17-......... شعر المقاومة الريفية
18- الشعر الأمازيغي ومرحلة الحداثة.
الفصل الثالث
• الموسيقى قراءة للأدب بالآلة
• الغناء حداثة قديمة
• الغناء الأمازيغي في البدء إنشاد تعبدي
• الغناء الأمازيغي من منظور تاريخي
• أوركيسترا إمذيازن بين النشأة والتطور
• أمذياز في أدبيات أهل الريف
• إمذيازن وعلاقتهم بالأولياء
• بعض الرقصات الغنائية وعلاقتها بالتراث
• محمد موذروس أورفيوس الريف
















المراجع:
- حفريات مغربية منشورات كلية الأداب والعلوم الإنسانية بوجدة سنة 2001
- الإسم العربي الجريح عبد الكبير الخطيبي منشورات عكاظ ترجمة محمد بنيس
- سؤال الأمازيغية :البناء والنظرية منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة سنة 2000
- الفكر التاريخي في الغرب الإسلامي محمود إسماعيل منشورات الزمن
- في الشعر الإفريقي سلسلة شراع حسن الغرفي سلسلة شراع1998 عدد24
- لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغ محمد شفيق
- وصف إفريقيا الحسن الوزان
- مجلة آفاق لإتحاد كتاب المغرب ملف حول الأمازيغية سنة 1992
- "تسكلا تمازيغت" أشغال الندوة الوطنية حول الأدب الأمازيغي، جمعية البحث والتبادل الثقافي. الرباط.
- محاضرات في تاريخ الغرب الإسلامي لمحمو إسماعيل بحث مرقون سنة 1982 فاس
- الأمازيغية في خطاب الإسلام السياسي لاحمد عصيد2001
- دفاعا عن الثقافة المغربية لحسن السائح
- مجمل تاريخ المغرب عبد الله العروي المركز الثقافي العربي1992
- عصور الأدب الالماني سلسلة عالم المعرفة
- البرغواطيين في المغرب محمد الطالبي ابراهيم العبيدي 1999 مطبعة النجاح الدار البيضاء
- جوائح وأوبئة مغرب عهد الموحدين منشورات الزمن لحسن بولقطيب سلسلة الزمن2002
- مجلة ملتقى الفكر المغربي مداخلة لمحمد حنداين
- قراءة في الشعر الأمازيغي بالريف جميل حمداوي وفؤاد أزروال
- أعمال الدورة الثالثة للجامعة الصيفية بأكادير
- البربر في الأندلس لمحمد حقي
- إمارة بنو صالح في بلاد نكور لمؤرخ أحمدالطاهري 1998 مطبعة النجاح الدار البيضاء
- عبد الله العروي من التاريخ إلى الحب لمحمد الداهي نشر الفنك1996
- عقيدة الموحدين من خلال شعرهم /بحث لأستاذ أحمد بوضع كلية الآداب بوجدة سنة 1986-1987
- أعمال الدورة الرابعة للجامعة الصيفية باكادير
- البربرلعثمان الكعاك
- مقدمة ابن خلدون الطبعة الأولى بيروت
- الأدب المغربي من خلال ظواهره وقاضاياه عباس الجراري
- الظل الوريف بتلخيص المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف
- العمل الجمعوي الأمازيغي بالمغرب أحمد ادغرني
- مجلة الوحدة عدد82-83يولوزسنة 1991
- مجلة الزمان المغربي عدد3/4
- مجلة اختلاف :الريف بين القصر جيش التحرير وحزب الإستقلال للمصطفى أعراب
- الاغنية الأمازيغية واقع وآفاق:
الريفية نموذجا للباحث محمد أوطاح جامعة عبد المللك السعدي بتطوان سنة 1994/1995
- مجلة حوليات الريف 1998
- الشعر الأمازيغي سلسلة شراع عدد59
- رهانات الحداثة أفق لأشكال محتملة صلاح بوسريف
- موسوعة في الأدب العربي الغزل تاريخه وأعلامه عدد4
- سلسلة موسوعة شراع الشعبية عدد2
- طوق الحمامة لإبن حزم الأندلسي
- مجلة الوحدة عدد21يونيو 1986
- مجلة أصوات معاصرة العدد1 سنة 1992
- الأغالبة للدكتور محمد الطالبي
- جذور بعض مظاهر الحضارة الأمازيغية خلا عصور ماقبل التاريخ مصطفى أعشي
- الغزو العربي لشمال إفريقياعن مؤسسة تاوالت تمغناست احمد زاهد
- المغرب المجهول –اكتشاف الريف-اجست مولييراس ترجمة عزالدين الخطابي 207
- مجلة مناهل الصادرة عن وزارة الثقاقة فبراير2008عدد84
- كتاب أدهار أبران :أنشودة المقاومة الريفية لمحمد أقوضاض –محمد الوالي
- مفاخر البربردراسة وتحقيق عبد القادر بوباية سنة 2005
- معارك فكرية حول الأمازيغية مركز طارق بن زياد 2002
- غواية الشحرور الأبيض رواية لمحمد شكري 1998
- تاريخ المؤسسات والوقائع الإجتماعية في ظل الحضارة الأمازيغية بحث للباحث أحمد زاهدعن كلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة سنه 1994
- المغرب الأقصى ومملكة بني طريف البرغواطية للدكتور أحمد الطاهري سنة 2005
- المجتمع العربي الإسلامي :تأليف الحبيب الجنحاني عالم المعرفة 2005 عدد319
- الدعوة الإسلامية وأزمة العقيدة سلسلة حفريات مغربية 2003 بقلم العصامي عبد الحكيم
- المنا ر المنيف في التعريف بعلماء الريف سلسلة علماء المغرب والأندلس للدكتور توفيق الغلبزوري سنة 2003
- بركة السلطان نور الدين الزاهي دفاتر وجهة نظر عدد12
- الطوارق -عائدون لنثور- للتينبكتي منشورات تمينوت الرباط
- histoire ancienne de l’frique du nord-
Albert ayache.. editions sociales paris
-les notes sur les chansons populaire de rif .biarne
- الممالك الأمازيغية في مواجهة التحديات :صفحات من تاريخ الأمازيغ القديم محمد بوكبوط مركز طارق بن زياد سنة 2002
- ايث ورياغر قبيلة من الريف المغربي للإثنوكرافي دايفيد مونتكمري هارت عمل مترجم سنة 2007 مطبعة أقواس للنشر بهولاندا الجزء الاول
- مجلة المناهل ملف حول مختار السوسي الصادرة عن وزارة الثقافة أكتوبر 2005
- طبيعة الشعر د.محمد أحمد العزب منشورات أوراق 1985
- حوار مع صديق أمازيغي عبد السلام ياسين1997 مطبوعات الأفق
- التاريخ السري لحرب الريف (المغرب ..الحلم المزعج) للباحث الإسباني خوان باندو. ترجمة سناء الشعيري منشورات الزمن 2008 سلسلة ضفاف
- تاريخ شمال إفريقيا أندري جوليان
- في الفكر والشعر لمصطفى الحسناوي منشورات اتحاد كتاب المغرب 2001
- الشعر والناقد من التشكيل إلى الرؤيا تاليف د. وهب رومية سوريا سلسلة عالم المعرفة عدد 331 سنة 2006
- الإبهام في شعر الحداثة للدكتور عبد الرحمن محمد القعود .سنة 2002عالم المعرفة
- الشعر الغنائي الأمازيغي سلسلة شراع عدد 59 محمد المسعودي وبوشتى ذكي 1999
- بين الحداثة والتقليد صلاح بوسريف سلسلة شراععدد62 سنة 1999
- الفكر التاريخي في الغرب الإسلامي محمود إسماعيل منشورات الزمن
- الأدارسة في المغرب الاقصى محمود إسماعيل
- المذهب الإسماعيلي وفلسفته في بلاد المغرب الدكتورة بوبة مجاني منشورات الزمن 2004











رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,625,495,634
- السكرتير العام لحركة شعراء العالم في لقاء تواصلي بشعراء الأم ...
- البنيات الإجتماعية والقبلية بالريف :قراءة في خلفيات الإنحلال ...
- Autonomiaالحكم الذاتي ..............أو التدبير المحلي للشأن ...
- لامبيدوزا
- الأدب الأمازيغي المكتوب بالعربية :هوة ألسنة أو هوية ذاكرة
- الحركات اليسارية بالمغرب/المنطلقات الإيديولوجية و المرجعيات ...
- إيقاع الشذرات
- الكاتبة فاطمة الزهراء المرابط تحاور الشاعر والكاتب الأمازيغي ...
- مرثية العجم
- أزمة العمل الجمعوي الأمازيغي بالمغرب:أزمة فكر أم أزمة تفكير. ...
- وجبة التوابل والمرق
- عري النشيد
- نونجا NONJA
- سلام على الكأس والإشتهاء
- سمفونية الماء
- مساء الجعة
- أزمان azman
- تصوف في محراب الكأس
- أتياضغ - ذا- أسفرو (سأرتديها شعرا)
- زك- خارس –ن- ثونكينت (من وحي الذاكرة)


المزيد.....




- نقاد لـ 24: أفلام العيد سيئة وغلبت عليها الصفة التجارية
- كواليس استقالة ناصر عبد المنعم من رئاسة قطاع شئون الإنتاج ال ...
- غدا .. روتانا تطرح «سكر جنابك» بالاسواق
- معرض مشترك بالرباط لفنانات رسمن الطبيعة وتراث الصحراء
- النجمة -ديبيكا بادكون- تحب ان تشارك في أفلام إيرانية
- مقتل ضابط شرطة جزائري في مكتبه بورقلة ورحيل الهامل يثير التس ...
- رئيس «إسكندرية للأغنية»: رفض كثير من الفنانين التبرع بأجرهم ...
- وزيرة الثقافة تستقبل الفنان عبدالله الخان
- وزيرة الثقافة تستقبل السفير التونسيّ وتتلقى دعوة لزيارة تونس ...
- فيلم ايراني يشارك بمهرجان تيرانا السينمائي


المزيد.....

- طقوس للعودة / السيد إبراهيم أحمد
- أبناء الشيطان / محمود شاهين
- لا مسرح في الإسلام . / خيرالله سعيد
- قصة السريالية / يحيى البوبلي
- -عزازيل- يوسف زيدان ثلاث مقالات مترجمة عن الفرنسية / حذام الودغيري
- بعض ملامح التناص في رواية -الرجل المحطّم- لطاهر بن جلون / أدهم مسعود القاق
- مجموعة مقالات أدبية / نمر سعدي
- موسى وجولييت النص الكامل نسخة مزيدة ومنقحة / أفنان القاسم
- بليخانوف والنزعة السسيولوجية فى الفن / د.رمضان الصباغ
- ديوان شعر مكابدات السندباد / د.رمضان الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد أسويق - الشعر الأمازيغي القديم جمالية البلاغة وسؤال الهوية