أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - ابراهيم تيروز - نحو هندسة ديالكتية لدرس الفلسفة















المزيد.....



نحو هندسة ديالكتية لدرس الفلسفة


ابراهيم تيروز

الحوار المتمدن-العدد: 2758 - 2009 / 9 / 3 - 08:59
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


1 *استهلال:
ما نتغياه من خلال هذه الورقة هو بالضبط رسم هندسة رصينة – ما أمكن ذلك- لبناء الدرس الفلسفي أو درس الفلسفة في الأقسام الثانوية التأهيلية، هندسة يمكنها أن تفضي بنا وبالأحرى بالتلميذ وبشكل سلس إلى إمكانية تجاوزها.

2 *الإشكالية:
يتمثل جوهر الفاعلية الفلسفية في المساءلة المستمرة للجاهز وللموثوق به ولما أصبح في عداد اليقين، لكن أليس هذا بدوره يقينا جاهزا ينبني على أساسه درس الفلسفة؟ ألا يكون درس الفلسفة ممكنا سوى بتحنيط ما هو حي وحيوي وتجميد ما يراد منه تأصيل الفاعلية؟ وبلغة مجازية كيف تكون حركية الشريط السينمائي ممكنة إذا كان في مجوعه مجرد صور ثابتة؟ كيف يؤدي الثابت والمحنط والجامد إلى امتلاك القدرة على التحويل والتغييِر؟ وكيف يمكن أن تثمر صور جامدة من تاريخ الفلسفة فلسفة حية تحيا في التلميذ ويحيا بها؟هل يمكن أن ندرّس الفلسفة إذا كانت هذه الأخيرة مساءلة جذرية لكل درس ممكن؟

3 *أرضية للانطلاق:
يعاني درس الفلسفة اليوم أكثر من غيره من تخبط منهجي عميق و كأن خصوصية المادة وروحها الفاعلة إنما كانت وبالا على تدريسها وشوشت على التعاطي المنهجي والديداكتيكي الخاص بدرسها، أكثر مما خدمته وأهلته للتناسب مع حاجات مختلف أطراف المنظومة التعليمية. إن التلميذ اليوم يعاني الأمرين مع ما يسود هذا الدرس من إبهام وغموض وما يكتنفه من نزوع نحو التلغيز وكأن درس الفلسفة الحق لا يستقيم إلا إذا جعل فم التلميذ فاغرا أمام أسراره العصية عن الإمساك و الإرصان.
إن مدرس الفلسفة في مثل هذه الأحوال بات شبيها بالساحر الذي يخرج أرنبا من القبعة في خرق لشتى قوانين الفكر و الطبيعة، وكلما كان الأستاذ من هذه الطينة التي تحفظ للفلسفة "هيبتها" من عبث الوضوح و البساطة و جرأة غوغاء التلاميذ، كلما بدا هذا الأستاذ وفيا لأمجاد آبائه الفلاسفة العظام. إن وضعا مرَضيا كهذا- يعيد إنتاج نفسه عبر الأجيال وتتحالف في صناعته وإشاعته أسباب عديدة- لا يمكن الخروج منه سوى بفضحه وتعريته مما يحول بيننا وبين حقيقته من أقنعة. إن أوضاعنا المأزومة (سوسيولوجيا) جعلت المثقفين أو المتعاطين عموما مع الشأن الفكري من أفراد مجتمعنا يستهيمون بالعبقرية الفذة التي تصنع الخلاص السحري ولهذا اقترنت الفلسفة ومعها الفلاسفة في المخيلة الاجتماعية بغرائبية الأطوار وبإيغال اللغة في الغموض وأحيانا بالجنون.
هذا من جهة و من جهة أخرى نجد أسبابا أخرى تكمن في نزوعات المدرسين السلطوية و نزوعات النظام التعليمي الاقصائية اللاشعورية، فمتى يصبح درس الفلسفة حقيقة من التلميذ، وبالتلميذ، ومن أجله و إليه؟ متى سيكف هذا الدرس عن التستر عن ما يكتنفه من نقص ومن ثغرات و بثور الجهل عندما يحاول أن يظهر بمظهر اللغز و الغريب؟ ألا يعبر غموض دروس الفلسفة وصعوباتها المختلفة عن عدم وضوحها وتأصلها في أذهان مقترحيها ومعديها ومدرسيها أكثر مما هو عليه حالها بالنسبة للتلميذ حيث الأمر تحصيل حاصل؟ انه العقم الذي يتوالد و الذي يعلمنا أن الإعاقة متجذرة في هويتنا و إننا لا يمكن ويستحيل أن نكون مبدعين ومالكين لناصية التفلسف، انه شكل مستتر من أشكال جلد الذات و تحقيرها واعتبارها وصمة عار أبدي.
إن ما يمكن أن نواجه به عند التلفظ بمثل هذا الكلام هو الادعاء بأن تدريس المادة مضطر لمواكبة جديد الفلسفة المعاصرة و بالأخص منها ما يتعلق بما بعد الحداثة أي أن ما ظهر لنا غير رصين منطقيا في درس الفلسفة إنما هو نتيجة حتمية لما انفتحت عليه الفلسفة المعاصرة من ضروب في النظر والتفكير. و هو اعتراض نرد عليه بالقول بأن تلك الفتوحات ما كانت لتكون ممكنة للفلاسفة لولا ما سبقها تاريخيا فكيف نريدها أن تكون ممكنة للتلميذ تشربا وإبداعا، إذا كان لا يمتلك منذ الوهلة الأولى تلك المؤِهلات التي تضمن له الانخراط السلس فيها. إن التجاوز ليس ممكنا إلا باستنفاذ إمكانيات الاحتفاظ بما هو قائم، أما التجاوز المجاني والتجاوز الجاهز فيتجاوز نفسه ويتناقض معها، بل هو إذن عار من كل مشروعية منطقية ممكنة.
أما الاعتراض الثاني الذي يمكن أن يساق للتيئيس من مشروع هذه الورقة فهو القول بأن المسألة تعود إلى التوتر الدائم الذي تعرفه العلاقة القائمة بين كل من الفلسفة والسلطة بشتى أشكالها وتمظهراتها ضمن محيطنا السوسيو ثقافي ولا امكان لدرس حقيقي في الفلسفة إلا بالدخول في مواجهة مباشرة مع مختلف المرجعيات القيمية والأسس والمعايير الخاصة بمجتمعنا في مختلف أبعاده. هنا سيتعارض درس الفلسفة مع الإطار الموجود ضمنه أصلا. ألا وهو النظام التعليمي كمؤسسة في خدمة تلك المرجعيات وتلك المعايير التي تميز مجتمعنا. فهل يتسع درس الفلسفة لأن يكون فرصة حقيقية ليسائل التلميذ من خلاله كل شيء؟ انه حقا اعتراض وجيه وتناقض صارخ، لا خروج منه سوى بتبني طرح جدلي يؤمن بأن لا فلسفة إلا بالارتكان إلى سلطة ما، و أن لا سلطة إلا باستيعاب شغب ومساءلة فلسفة ما. فالفلسفة غير ممكنة ألا استنادا على أرض صلبة وفي حدود سقف معين كما أن السلطة لا تضمن الاستمرارية لنفسها سوى بالانفتاح على جرعات لا بأس بها من النقد الفلسفي.خلاصة القول: إن درس الفلسفة تعتريه اليوم عدة عيوب من أبرزها و أعمها:
- الغموض والإبهام و التلغيزالذي تتسم به المضامين.
- غياب التسلسل المنطقي بين مراحل الدرس مما يعسر الفهم و الاستيعاب.
- عدم وضوح المنتظرات المتعاقد عليها.
- عدم اتصاف الدرس بصفتي الاتساق والتمام المنطقيتين.

4 *مشكلة "الوضعية/المشكلة" و تجاوزها:
ان المتعامل مع ما قدم كوضعيات مشكلة عموما ضمن مقررات الفلسفة للاقسلم الثانوية لا يسعه سوى أن يسجل ما يلي:
- الاعتماد على نصوص ذات طبيعة أدبية بامتياز يقتضي اشتغالا جانبيا على لغتها وصورها الفريدة مما يبعد عن الهدف المركزي المنشود منها ويضعنا أمام مشكلات القراءة والفهم و التأويل بدل المشكلة المنطلق المستهدفة.مما يضع التلميذ أمام متاهة محبطة تكون سببا في الفتور الحتمي للتلميذ بدل مشكلة توقظه وتشد انتباهه و تثير لديه الدافعية لمواجهة مأزق فكري واضح المعالم يحث بقوة على الانشغال بضرورة تجاوزه.(مثل النص الوارد في ص:29 من رحاب الفلسفة للسنة الأولى باكالوريا الشعبة العلمية والتقنية)
- أحيانا أن لم يكن في الغالب تحمل تلك النصوص وبشكل جاهز الإشكالات التي يفترض أن ندفع التلميذ إلى محاولة بنائها، مما يعد سابقا لأوانه و تجسيدا لخلط فادح بين الوضعية/المشكلة وبناء الإشكالية ذلك أن هذه الأخيرة ينبغي ألا تقدم جاهزة للتلميذ بل من الضروري تمرينه على بنائها و تهييء شروط اقتداره على كفايتها ليتمكن من الوصول إليها ذاتيا.
- و الأفدح من كل ما قيل سابقا أن ما جيء به كنصوص تجسد وضعيات مشكلة تتضمن أحيانا أطروحات سيتطرق إليها في ثنايا الدرس لاحقا.
ولتجاوز جملة هذه العيوب لابد من مراعاة و احترام ما يلي:
-انتقاء وضعيات مقتضبة واضحة ومركزة تثير مشكلة صارخة.
- أن تستجيب لهدف أساسي لا يتعدى تحفيز الفكر لفحص الوجود أو الواقع وليس للبحث عن حل لها بالضرورة. فهي هنا مجرد وسيلة لخلق الدافعية لتعميق التفكير وليست غاية بذاتها.
- إيضاح أن حلها يتطلب مقاربة إشكالات عميقة. فالوضعية المشكلة ذات بعد تكتيكي وجزئي تقني لا تتعداه، بخلاف الإشكالية التي تمتلك بعدا استراتيجيا و شموليا.
- يمكن العودة إلى المشكلة في نهاية الدرس لمحاولة حلها ومعالجتها.
الذهن←وضعية←مشكلة←الدرس

5 *بناء الإشكالية:
يعاني بناء الإشكالية في المقررات الجديدة من تغافل فادح إذ في الوقت الذي كان المقرر السابق يتدرج في إخراجها إلى الوجود و إن غابت منهجية واضحة في ذلك نجد المقررات الجديدة تقدمها بشكل شبه جاهز. وعندما تغيب كفاية الأشكلة لا شك ستغيب إمكانية وجود جوهر الدرس الفلسفي. إن التلميذ في الغالب ما يلج إلى صلب الدرس أو يطلب منه ذلك على الأقل دون أن يكون قد شارك حقيقة في ذلك الولوج.بل يجد نفسه أمام تعدد الأطاريح واختلافها دون أن يفهم بعمق مدعاة أو دواعي ذلك. فما هي الخطوات الممكنة التي ستكفل للتلميذ عبورا سلسا إلى امتلاك ناصية بناء الإشكالية أو استشكال المفهوم موضوع الدرس.
أشكلة المفهوم هي الخروج به من دائرة الوثوقية والبداهة ومن مستوى التسطيح والتبسيط الساذج له و هي الكشف عن المفارقات التي تسكن حده وتعريفه، وحيث أن حده وتعريفه لا يكون سوى بربطه بما يدخل في بنائه الداخلي من مفاهيم أخرى أو بربطه بمفاهيم خارج إطار بنائه الداخلي نظرا لتلازمها أو لتناقضها أو لتماثلها معه، فان الأشكلة ستكون إما بمساءلة الانسجام الداخلي للمفهوم وتماهيه مع ذاته أو بمساءلة علاقته بمفهوم آخر (تناقض –تماثل -تلازم...).
5- 1 * التحديد الأولي للمفهوم: هنا يلزم أن ننطلق من تحديد أولي للمفهوم يحصل لنا لا بالرجوع إلى المعاجم الفلسفية لأنها في الغالب تقدم تحديدات الفلاسفة التي هي حصيلة اشتغال فلسفي نود دفع التلميذ إلى القيام به أو استثماره على الأقل وليس الانطلاق منه بشكل جاهز، و إنما يحصل بموقعته بين مفهومين هما الإنسان كمفهوم مركزي والوجود أو العالم كمفهوم شامل لهما معا. ولا شك هنا أن المفهوم سيكون بالنسبة للإنسان أداة لفكره وبالنسبة للعالم أو الوجود صورة أو تمثيلا لظاهرة من الظواهر أو فعل من الأفعال التي تدخل في تكوينه. والأهم أن نعتبر هذا التحديد الأولي والبسيط مجرد وسيلة ومنطلق لإشعال شرارة التفلسف باكتشاف المفارقات بشكل طبيعي وليس بسرقتها من مجهود الفلاسفة في صورته الجاهزة وعلى سبيل المثال لا الحصر نورد ما يلي من تحديدات أولية : + الحقيقة ما يسعى الفكر لبلوغه من أسرار العالم. + الدولة مؤسسة أوجدها الإنسان لتسهر على تنظيم علاقته بغيره من الناس وبمحيطه.
+ اللغة نسق من العلامات أبدعه الإنسان للتمثيل و للتفكير والتعبير والتواصل. + الحق ما تحدده الأخلاق أو الطبيعة وتطلبه الإرادة وتسعى إليه. + الشخص ما ننسب إليه المسؤولية عن ما يصدر عنه من أفعال تجاه العالم المحيط به. + الغير هو نظير الشخص...
5-2 * أشكلة التماهي للمفهوم مع نفسه: وتتم بأن نسعى إلى أشكلة البناء الداخلي للمفهوم بالاستعانة بالتحديد الأولي السابق و بالجداول الآتية كأمثلة وذلك للتمكن من استخراج التقابلات:
_________________ المفهوم المؤشكَََل_____________________التقابل المؤشكِل
_______________________↓______________________ ↓______________↓
امثلة:____________ 1/ مفهوم الحقيقة. __________________↓_____________↓
_______________ 2/ مفهوم الشخص. _________ المجرد الفكري______المشخص الواقعي
_______________ 3/ مفهوم الواجب.____ ______________↓ ____________↓
كيف يكتمل بناؤه؟: ←← - انطلاقا من؟ ← ← ← ←← ← 1/قطيعة_______1/استمرارية.
__________________ الأصل والمنبع _____________ 2/ جوهر________2/ عرض
_____________________↓_____________________3/ الذات.________3/ المحيط.
_____________________↓_______________________ ↓_____________↓
_________________- مرورا عبر؟ ← ←← ← ← 1/العقل_____________1/الواقع
_________ المجرى و الطبيعة الأساسية____________ 2/ العلة، الحرية._____ 2/ المعلول،الحتمية.
______________________________________ 3/ الالتزام والاختيار ____ 3/ الإلزام والإكراه.
___________________ ↓ ________________________ ↓ _____________↓
______________ - انتهاءا إلى؟ ← ← ← ← ←← ← 1/المطلق ___________1/النسبي.
_______________ الصورة الأخيرة و القيمة_________ 2/ الغاية____________2/ الوسيلة.
_______________________________________3/ كونية الإنسان______3/ خصوصية المجتمع.


- أن نحول التقابلات المستخرجة إلى أسئلة إشكالية تضعنا أمام مفارقات واضحة على غرار:
_ هل الحقيقة تنبع من القطيعة أم من الاستمرارية؟
_ هل الشخص علة و ذات حرة أم هو معلول أسير للحتمية؟
_ هل الواجب غايته السمو بالإنسان إلى الكونية أم انه لا يتعدى الحفاظ على خصوصية المجتمع؟
5 -3 *أشكلة علاقة المفهوم بمفهوم آخر:
أما عن أشكلة علاقة المفهوم بمفاهيم أخرى فإننا ننطلق في العادة مما ترسخ في الذهن من علاقات التباعد (التناقض أو التباين) أو التقارب (التلازم أو التماثل) بين المفهوم موضوع الدرس ومفاهيم أخرى لنحاول مساءلتها واستشكالها وهنا ستكون صيغة الإشكالية في الغالب على غرار ما يلي:
- إلى أي حد يمكن القول أن المفهومين بين أيدينا في تناقض؟ ألا يجوز أن نقول أنهما في تلازم؟( لأشكلة علاقة التناقض كما هو الحال بين الحرية والحتمية مثلا)
- إلى أي حد يمكن القول أن المفهومين بين أيدينا في تلازم؟ ألا يجوز أن نقول أنهما في تناقض؟ (لأشكلة علاقة التلازم كما هو الحال بين الحق والعدالة مثلا)
- إلى أي حد يمكن القول أن المفهومين بين أيدينا في تماثل؟ ألا يجوز أن نقول أنهما في تباين؟ (لأشكلة علاقة التماثل كما هو الحال بين الحقيقة والحق مثلا)
- إلى أي حد يمكن القول أن المفهومين بين أيدينا في تباين؟ ألا يجوز أن نقول أنهما في تماثل؟ (لأشكلة علاقة التباين كما هو الحال بين العدالة والانسجام)
( لننتبه هنا إلى أن: التناقض≠التلازم، وأن: التباين≠ التماثل)



6 *تحليل نص:
نقترح نصا أساسيا لمقاربة الإشكال ونتتبع الخطوات الآتية:
a -السؤال التخميني: الذي يمكن أن نفترض أن النص أتى كمحاولة للجواب عنه والذي نحاول حدسه من خلال قراءاتنا الاستكشافية الأولى للنص.
b -تقطيع النص:حسب الروابط المنطقية المجسدة لانعطافات وتعرجات بناء المعنى في النص.
c -المفاهيم :تحديدها : أوليا كما فعلنا في بداية الدرس ، ثم تحديدها من خلال سياقها في النص، ثم من خلال المعجم الفلسفي وبالأخص وفق التصور العام للفيلسوف (صاحب النص) إن أمكن ذلك.
d-الأفكار:صياغة الأفكار بمراعاة الترابط المنطقي القائم بين المفاهيم التي استثمرها الفيلسوف.
e- الحجاج الوقوف عند الحجج (الحجاج كمحتوى)و الأساليب الحجاجية (الحجاج كشكل) الموظفة في النص (المثال/ المقارنة / الاستعارة........)
f- التأويل والتمثيل :تقدم أمثلة أو تأويلات مناسبة كاقتراحات لسد فراغات المعنى التي قد يتركها النص في الذهن وبالأخص انطلاقا من كتابات أخرى للفيلسوف أو كتابات حوله. ذلك أن الترجمة عادة ما تسقط في معضلات من هذا القبيل.
g-صياغة الأطروحة العامة للنص بالربط بين العناصر السابقة للوصول إلى جواب النص عن سؤاله الضمني المرتبط بسياقه الخاص وجوابه عن الإشكال الذي جئنا بهذا النص لاستخلاص جواب ما عنه. مع تثبيت جملة من هذا النص نراها أكثر تعبيرا من غيرها عن مضمونه

7 *مناقشة النص:
الغاية من المناقشة هي الوقوف عند حدود ومكامن قوة ما جاء به النص وبالمثل الوقوف عند حدود ومكامن ضعف ما جاء به، فعلينا إذن أن ننهج منهج "فولتير" في اعتبار أطروحة النص أطروحتنا الخاصة مرحليا ودعمها بكل ما أوتينا من امكانات فكرية وبتقديم الأطروحات الفلسفية المؤيدة لها والمكملة(الإيجاب). ثم بعد ذلك نعمل في مرحلة ثانية على إبراز قصورها وتعثرها وتقديم الأطروحات الفلسفية المعارضة لها والمفندة(السلب).
7-1 *الإيجاب أو الإثبات:
ا- داخليا :
+الوقوف عند مكامن ومظاهر القوة البيانية و الحجاجية في النص.
ب- خارجيا:
+دحض أطروحة النص بأطروحات أخرى تقوض اقتناعنا بها أو تكشف عن ما بها من ثغرات أو على الأقل يتعذر أن تتوافقا وتجتمعا معا، ويتم عرض هذه الأطروحات مراعين في ذلك سياقها الخاص بها عند صاحبها ثم السياق الذي نود إقحامها فيه مع إيراد قولة بلسان صاحبها تتضمن الأساسي فيها.
ج-خلاصة الإيجاب: نلخص هنا ما أفضت إليه المناقشة ذات التوجه الإيجابي في أطروحة جامعة مانعة ما أمكن ذلك.
7- 2 * السلب:
ا- داخليا :
+الكشف عن مكامن القصور وعن الثغرات المنطقية والبيانية والحجاجية .
ب- خارجيا:
+دعم أطروحة النص بأطروحات أخرى تزيد من اقتناعنا بها أو تسد مابها من ثغرات أو على الأقل تنسجم وتتوافق معها، ويتم عرض هذه الأطروحات مراعين في ذلك سياقها الخاص بها عند صاحبها ثم السياق الذي نود إقحامها فيه مع إيراد قولة بلسان صاحبها تتضمن الأساسي فيها.
ج-خلاصة السلب: نلخص هنا ما أفضت إليه المناقشة ذات التوجه السلبي في أطروحة جامعة مانعة ما أمكن ذلك.
(فداخليا نناقش النص بالنص نفسه بأن نقيم فيه ونبحث إلى أي حد ينسجم أو يتوتر داخليا،أما خارجيا فنحشد له الأطروحات المناصرة في لحظة أولى وفي لحظة ثانية نحشد له الأطروحات المعارضة و المفندة.)

8 *التركيب:
يتأتى التركيب بالبحث عن سبل الجمع بين كل من خلاصة الإيجاب وخلاصة السلب في آن واحد وكأننا نحاول ترسيم الحدود التي تفصل بين إمكانية صحتهما معا، أي الخروج بأطروحة تقول في الغالب بصحة الخلاصة الأولى عند تحقق شروط يتم تحديدها وبصحة الخلاصة الثانية متى اختلت تلك الشروط وتحققت بالتالي شروط أخرى يتم تحديدها أيضا.
وعلى سبيل المثال وليس الحصر بخصوص إشكالية علاقة اللغة والفكر نجد أطروحتين متعارضتين الأولى تقول بالانفصال لكون الفكر من طبيعة روحية مخالفة للطبيعة المادية للغة (ديكارت) أو لكون اللغة تعجز عن التعبير بدقة تامة عما يجول في خواطرنا و أفئدتنا، خاصة وأننا نستعمل نفس العلامات للتعبير عن مشاعرنا المتباينة من شخص إلى آخر فالفكر هنا غني غنى لا يمكن أن تحده اللغة (برغسون).أما الأطروحة الثانية فتقول انه لا فكر بدون لغة فحيث يوجد الفكر(الفكرة) فلابد من تواجد اللغة(التعبير) وما يخدعنا هنا هو أننا نستطيع التفكير في صمت لكن هذا الصمت ليس إلا ضجيجا من الكلمات أو بالأحرى ضجيجا من صورها الذهنية أو العصبية (ميرلوبونتي) .و كذلك لا توجد لغة بدون فكر إذ الكلمة بدون معنى مجرد صوت أعمى. و كتركيب سنقول: إن اللغة والفكر متصلان ما أن يخرجا إلى الوجود الإنساني الرمزي ("يتكون الفكر والتعبير إذن في آن واحد"/ ميرلوبونتي) لكن قبل هذا الخروج إلى دائرة الإبداع والاكتشاف الإنساني يكون الفكر موجودا كإمكان والتعبير الذي سيختار له موجود أيضا كإمكان لكنهما منفصلين لان ما سيجعلهما متصلين هو الكشف الإنساني، فحقائق الطبيعة أو النفس كإمكانيات للفكر موجودة لكنها لم تكتشف بعد من طرف الفكر الإنساني المتحقق الذي ليس إلا جزءا من امكانات الفكر اللامتناهية. فاللغة والفكر منفصلان في عالم الامكان قبل التحقق ودخولهما دائرة الإبداع أو الاكتشاف الإنساني، لكنهما لا يدخلان إليها إلا متصلين وملتحمين. إذ لا تصبح أي علامة ما من جنس اللغة إلا إذا حملت معنى ولا يصبح المعنى مدركا إلا إذا التحم بالعلامة .

9 * الانفتاح و الامتدادات:
-يمكن أن نستثمر المعالجة الفلسفية في إضاءة قضايا تهم الواقع المعاش وتبيان ما يمكن أن تفيدنا به الفلسفة من نقد للتصورات الدوغمائية أو الشوفينية السائدة بخصوص واقعنا.
-يمكن كذلك أن نستثمر تلك المعالجة في غربلة ونقد ما لدينا من تمثلات تنطوي عليها لغتنا اليومية دون أن نعي ذلك، حيث يمكن مراجعة الدلالات التي تعبر عنها المفاهيم المتداولة بيننا بتبيان مدى قصورها أو مدى سطحيتها. والملاحظ أن هذه الخطوة كان الشروع فيها يتم وفق المقررالسابق في أول الدرس حيث يحاول الأستاذ استكشاف قصورها مع التلاميذ لكن دون سند حقيق بأن يمكن من ذلك، لكن وبعد معالجة المفهوم فلسفيا والغوص في الدلالات الجديدة التي يمنحها إياه الفلاسفة يصبح من السهل قياسا على هذه الأخيرة تبين مدى قصور أو سطحية تلك الدلالة الشائعة (تمثل عامة الناس).
-يمكن أيضا اعتبار هذه المعالجة الفلسفية بمثابة تأطير للاشتغال على الوضعية المشكلة منطلق الدرس، غير أن معالجة الوضعية المشكلة بشكل فعلي لن تكون الا وفق المنهج العلمي وليس بالفلسفة أو التفلسف وحدهما.

10 * التقويم: إن الهاجس الذي يجعلنا حقيقة نعيد مساءلة صيغ التقويم الحالية يكمن أساسا في الشعور بحيرة التلميذ أمام غموض المنتظرات المتعاقد عليها مما يجعله ضحية سهلة الانقياد إلى شراك اللامبالاة و المراهنة على الغش وما إلى ذلك من ردود الفعل السلبية، هذا بالإضافة إلى أن اغلب ما نصححه من أوراق- ماعدا قلة قليلة لا تغني ولا تسمن من جوع – تتراوح بين الاعتماد الأحادي على الذاكرة أو الاعتماد بالأحرى على الغش خصوصا وان الاشتغال على موضوع الامتحان بشكل فعلي غائب تماما مادام أن خطوة التحليل - تحليل السؤال أو القولة أو النص- وهي ما سينطلق منه لإنجاز باقي الخطوات، غائبة أو حاضرة بشكل ظاهري وتمويهي و ليس أكثر من ذلك، حيث يتحايل المتعلم في المرور على خطوة التحليل مرور البخلاء دون أن يتكبد عناءها بشكل حقيقي. إننا نخلص من هذه الأوضاع المتردية لأداء متعلمينا إلى ضرورة تجزيء وتدقيق ولم لا تبسيط ما هو مطلوب منهم في الامتحانات لكن في الآن نفسه التقليص من فرص الاعتماد على الغش كما هو الحال في مواد من قبيل الرياضيات، وهنا اسمحوا لي أن افتح قوسين لأتساءل متى ستقوم الوزارة بإجراء ناجع للقضاء على الغش بالاعتماد على الهاتف النقال ( أي الغشاش). إن أفق الغش المتوفر اليوم صار بالفعل أملا يشد إليه اهتمامات التلاميذ اكثر مما تشدهم دروس الأساتذة ومجهوداتهم البيداغوجية، وهو مما يسقطهم في براثن التقاعس والتخاذل و إن اجتهدوا ففي الكيفية التي سينجحون بها عملية الغش. إن جودة العملية التعليمية رهينة في تصوري بتلازم واقتران أمرين:
- وضوح المنتظرات المتعاقد عليها و وضوح كيفية تحقيقها بأن تصبح الدروس مبنية بشكل منطقي وسلس كما ذكرنا سالفا وبأن تعتمد صيغ أكثر وضوحا ودقة وبساطة و نجاعة و مردودية في التقويم بدل هذه الصيغ الفضفاضة و التعجيزية.
- صرامة ونجاعة النظام المؤسساتي في محاربة أشكال الغش والتحايل بعدم المراهنة على العنصر البشري مثلا في محاربتها و بالمراهنة أكثر على الحضور الفاعل والناجع للجهاز المؤسسي. وبعبارة ربما أوضح أن لا نعول على ضمائر رجال التعليم في الحراسة إذا كان بالإمكان استئصال إمكانية الغش من جذورها كاعتماد صيغ لا تفيد معها التلاخيص المصورة والمصغرة أو كالاعتماد على تعطيل شبكات الاتصال في الِمؤِسسات التعليمية بدل تحويل الأساتذة إلى "رادارات" بشرية ولعل هذا الأمر الأخير يمكن أن نلزم به الشركات المسؤولة عن الاتصالات لكن من سيكلف نفسه عناء ذلك.
وأقدم هنا مقترحا بديلا لصيغة الامتحان آمل ان يلقى مايستحق من إنصات واهتمام وهو كالآتي: _تقدم للتلميذ ثلاثة نصوص احدها رئيسي متوسط الحجم للتحليل والآخرين ثانويين وقصيرين من اجل الاعتماد عليهما في المناقشة(لا يتعدى حجمها مجتمعة صفحة واحدة ) وتدور تلك النصوص جميعها حول نفس المفهوم الذي لا ينبغي أن يكون بالضرورة موضوع درس من الدروس المقررة بل يستحسن في الغالب اقتراح مفاهيم جديدة لاختبار مدى تحصيل المتعلم للكفايات المنشودة من أشكلة و تحليل ومفهمة ومحاجة ومدى تأصلها جميعا ضمن إمكاناته الفكرية، وبتعبير آخر أن نقدم للمتعلم مواد البناء الخامة لنختبر قدراته الإنتاجية والتحويلية متفادين ما أمكن ذلك أن نتيح له أي فرصة للاعتماد على الحفظ أو الغش.
_نطلب من المتعلم تحديد المفهوم المركزي تحديدا أوليا واستخراج ما يبطنه من تقابلات وفق المنهجية التي مثلنا لها سابقا.
_ نطلب منه القيام بتحليل النص تحليلا فعليا بأن نجزئ له الخطوات المطلوبة كما تم توضيح ذلك سالفا.
_ نطلب منه القيام بالمناقشة ايجابا وسلبا، داخليا وخارجيا، كما تم توضيح ذلك سابقا.
_ الخروج بتركيب على غرار ما أوردناه سابقا أيضا .
_ استثماركل الاشتغال السابق في نقد تصور أو تمثل لقضية أو لمفهوم ما كاستثمار معالجة مفهوم الغير فلسفيا في نقد تمثلاتنا بخصوص قضية الثقافة الأمازيغية.

11 *خاتمة:
كانت هذه الورقة مجرد اقتراحات لا نقدمها على سبيل اليقين من نجاعتها وإنما بالأساس لمشاطرة القارئ الكريم حرقة الغيرة على أوضاعنا التعليمية والانشغال بها فكرا ووجدانا.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,862,947,759
- فلسطين/ دارفور/ الصحراء...تعددت الجراح والشريان العربي واحد. ...
- أين يلتقيان: هيفاء وهبي و عمرو خالد .(1)
- صورة الثقافة الحسانية بين الخطابين الاعلاميين: المخزني و الا ...
- الإرهاب بالإرهاب
- وجه الحقيقة المسكوت عنه بخصوص مستقبل الصحراء
- خطاب البوشيزمية
- هكذا -الأمر- و -كان-
- ; الصحراويون والصحراء
- الحريك: المفهوم المفتاح لقراءة الذهنية والواقع المغربي


المزيد.....




- مقاتلات روسية تعترض طائرات استطلاع أمريكية ونرويجية
- خبير عسكري: القوات المصرية بدأت الاستعدادات لعملية عسكرية في ...
- عاصمة أوروبية تتوقع استمرار الحظر لعام ونصف!
- اكتشاف نوع جديد من أسماك القرش -يمشي في قاع المحيط- لاصطياد ...
- محكمة العدل الدولية تصدر حكما لصالح قطر في قضية الحظر الجوي ...
- اقتراح برلماني لوزير قطاع الا?عمال لتشغيل عمر ا?فندي شارع عب ...
- اكتشاف اثرى حديد بغرب ابيدوس
- الإعـلان عن قبول دفعة جديدة بالمعاهد الصحية للقوات المسلحة ل ...
- رئيس الوزراء يتفقد محور كلابشة على النيل وأعمال ازدواج طريق ...
- تسليم نزل الشباب المخصص للعزل بعد خروج آخر حالة كورونا بأسوا ...


المزيد.....

- الجودة وضمانها في الجامعات والأكاديميات الليبية الحكومية 20 ... / حسين سالم مرجين، عادل محمد الشركسي ، مصباح سالم العماري، سالمة إبراهيم بن عمران
- مدرس تحت الصفر / إبراهيم أوحسين
- مقترحات غير مسبوقة لحل أزمة التعليم بالمغرب / المصطفى حميمو
- معايير الامن والسلامة المهنية المتقدمة وأساليبها الحديثة / سفيان منذر صالح
- التربية على القيم في المدرسة / محمد الداهي
- أصول التربية : إضاءات نقدية معاصرة / د. علي أسعد وطفة
- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر
- استراتيجيات التعلم النشط وتنمية عمليات العلم الأهمية والمعوق ... / ثناء محمد أحمد بن ياسين
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - ابراهيم تيروز - نحو هندسة ديالكتية لدرس الفلسفة