أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - ياسين الحاج صالح - ربيع الأقوياء العائد... مخيف حقا!














المزيد.....

ربيع الأقوياء العائد... مخيف حقا!


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 2755 - 2009 / 8 / 31 - 13:00
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


أيام الحرب الباردة، بدت النظم العربية أقوى مما هي في الواقع. كان مفعول الاستقطاب الدولي قد حد من نفوذ القوتين الأعظم ومنح دولنا استقلالية وقدرة حركة أوسع مما تمكنها قدراتها الذاتية. انطوى هذا الشرط عام 1986 حين ضربت إدارة ريغان ليبيا، بينما وقف الاتحاد السوفييتي متفرجا. وطوال نحو عقدين انخفض سعر دولنا جميعا، لكنها بقيت مقيمة بأعلى مما تستحق بسبب التدويل العميق للمنطقة وحاجة الغرب إلى الاستقرار فيها، طالما لا أحد تقريبا يهدد مصالحه الأساسية.
بيد أن الميل العام إلى تراجع قيمة الدول حقق قفزة نوعية بعد 11 أيلول 2001. تعرضت نظم عربية مركزية إلى ضغوط بالغة القوة، سياسية ودبلوماسية وأمنية وإعلامية، من قبل الأميركيين بخاصة. ولبعض الوقت بدت هذه النظم أضعف مما هي في الواقع، ليس أمام الأميركيين وحدهم، بل أمام قطاعات من مواطنيها، من معارضين سياسيين وناشطين حقوقيين ومثقفين مستقلين. ولقد بدا أن إسقاط نظام صدام واحتلال العراق جزء من توجه أوسع نحو "تغيير الأنظمة" و"إعادة رسم الخرائط" في مجال عربي وإسلامي، اخترع له الأميركيون أسماء ومشاريع شتى، كالشرق الأوسط الكبير والواسع وما إليهما. هنا أيضا كانت "الجماهيرية العظمى" طليعية. ففيما وصف حينها، أواخر 2003، بأنه "استسلام وقائي"، كشفت ليبيا خططها النووية وسلمت ما لديها من مواد وتقنيات للأميركيين. وفي هذا السياق نفسه اضطرت القوات السورية إلى الانسحاب من لبنان في ربيع 2005، وبدا مصير النظام مهددا بين عامي 2005 و2006. كذلك جرت انتخابات رئاسية تعددية في مصر في خريف 2005، تبعتها انتخابات برلمانية سجلت حضورا مهما للإسلاميين. وأدخلت دول في الخليج إصلاحات محدودة وشكلية، يرجح مع ذلك أنها ما كانت لتدخلها لولا تلك الضغوط الأميركية.
كان الوضع غريبا فعلا. أميركا تضغط على الدول العربية من أجل أن توسع داخلها السياسي والثقافي والاجتماعي، هذا الذي يناسب الأميركيين بقاءه بالأحرى ضيقا أو مغلقا، بينما من شأن توسيعه أن يفضي إلى استقلالية أكبر حيالهم. بالمقابل تستبسل نظمنا لإلغاء دواخلها، بما يخفف من وزنها في السوق السياسية الدولية، ويحكم عليها بأن تكون ضعيفة حيال الأميركيين وغيرهم. على أن المفارقة ظاهرية. جماعتنا يريدون دوم سلطانهم، ولو مقابل وزن دولي خفيف على المدى الأطول. والأميركيون ظنوا لبعض الوقت أن انفتاحا سياسيا في بلداننا يعني التماثل معهم والتطابق مع سياساتهم، قبل أن يعودوا إلى الاقتناع بأن العكس هو الصحيح.
اقتضت عودتهم تفجر أوضاع العراق، وقد بلغ الذروة في مطلع عام 2006. وكانت نتائج الانتخابات البرلمانية في مصر، ثم في فلسطين بعدها بشهور، دفعت الأميركيين، ووراءهم الأوربيين، إلى إجراء انعطاف عن سياسة "المحافظين الجدد" الثورية ورفع ضغوطهم عن النظم العربية، وإعادة الاعتبار لأولوية الاستقرار بعد انحراف عنها بالكاد استمر خمس سنوات. ولعل تقرير بيكر- هاملتون الذي صدر أواخر 2006 كان الإعلان الأبرز حتى حينه عن فشل البوشية وحاجة الأميركيين إلى مقاربة جديدة في شأن العراق والبلدان العربية عموما. بيد أن الطي النهائي لصفحة تلك السياسة كان ينتظر قدوم إدارة جديدة إلى البيت الأبيض.
فشل السياسة الأميركية السابقة والحاجة إلى سياسة جديدة خبرة مكوّنة لسياسة إدارة أوباما الشرق أوسطية. وإذ يحث ميراث البوشية الفاشل على تغيير الاتجاه، فإن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، وقد تفجرت قبل نحو عام من اليوم، نالت من قدرة الأميركيين الإمبراطورية وقصّرت أيديهم سياسيا. وهكذا عززت الحاجة الحجّة، أو دعم الاضطرار ما أخذ يمليه حسن الاختيار.
هذه الخلفية ربما تلقي ضوءا على شعور الانتصار المنتشر بين النظم العربية. الرئيس مبارك يزور واشنطن هذه المرة دونما حرج، ولا يسمع شيئا عن الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان وما إلى ذلك. ويتكلم هو وإيديولوجيو حكمه عن مخاطر الفوضى والتفكك ومزايا الاستقرار، ويلقى أذنا صاغية عند مستضيفيه. الحكم السوري يشعر بأنه في خير العوالم الممكنة، ولا يكف عن تهنئة نفسه. ويتلقى الكولونيل المزمن في ليبيا اعتذارا مخزيا من رئيس الاتحاد السويسري على تعامل بلاده القانوني مع ابنه ذي السوابق غير المشرفة "حنبعل" (أحد أسوأ ابنين رئاسيين عربيين، وواحد من خمسة عالميا، حسب مجلة "فورن بولسي" الأميركية في تموز الماضي)، قبل أن تتملقه بريطانية بالإفراج عن عبد الباسط المقرحي، المتهم بتفجير طائرة مدنية أميركية فوق لوكربي. والرجل الذي كان قبل نحو عقدين استكثر نفسه على بلده وشعبه (رأى أن "الكتاب الأخضر" مناسب لبلد مثل السويد ولشعب مثل شعبها، لا لليبيا والليبيين) علق على الإفراج عن المقرحي بأنه "يأتي في مصلحة الصداقة الشخصية بينه وبين بريطانيا". هو وبريطانيا! ونطقت جريدة "الشمس" الليبية بشعور نظام طرابلس الغرب بهذا العنوان الرومنتيكي: "عاد عبد الباسط، اعتذرت سويسرا، رمضان يقبل بالانتصارات".
إنه ربيع فعلا!
غير أن ربيع الأقوياء هذا مخيف. من جهة، لم يقترن بمعالجة وحل أية مشكلات اجتماعية أو سياسية أو استراتيجية أو اقتصادية؛ لا معدلات الفقر تراجعت، ولا هوامش الحريات اتسعت، ولا التماسك الوطني تعزز، ولا أراض محتلة استعيدت، ولا اقتصاديات البلاد انتعشت، ولا الثقافة ازدهرت، ولا الحالة الدينية استقرت... العكس أصح في جميع الحالات. ومن جهة أخرى، يبدو الربيع الممضّ هذا رخصة تمديد لسياسات مدمرة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وإنسانيا، متمركزة أولا وأخيرا حول مبدأ حفظ السلطة.
والحال، إن هناك استمرارية بين خريف الأنظمة القصير، من أيلول 2001 حتى النهاية الرسمية لعهد إدارة بوش (عمليا قبل ذلك بأكثر من عامين)، وبين ربيعها الزاهر اليوم، عنصرها الأساسي هو غياب جمهور المحكومين وسقوطه من المعادلات السياسية المحلية والدولية معا. تتخاصم النخب المحلية والدولية ثم تتصالح كما يجري بين العشاق والأصحاب، لكن لا شيء يتغير في علاقة أي منها بجمهور المحكومين في هذا الحيز المنكوب من العالم.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,560,389,980
- عن التماهي مع الشاعر في حضرة غيابه
- سياسة التعقيد ك-جدار فصل- للفلسطينيين عن قضيتهم
- في نقد السياسة.. أو من تأليف القلوب إلى انشراح الصدور
- الحداثة كخير عام، كوني وضروري
- في شأن الذاكرة والسلطة والرقابة
- فيما خص أزمة الثقافة النقدية..
- منظومتا استثناء، لا واحدة، في سورية
- تعقيب على نقاش منتدى -هلوسات- حول مشروع قانون الأحوال الشخصي ...
- في أصول صناعة التشاؤم العربية
- بصدد العنف والنخبوية
- ملحوظات أولية في نقد السياسة
- ماذا يعني مفهوم الحريات الاجتماعية؟
- موقع -الديني السياسي- في وثيقتين معارضتين سوريتين
- من خرافة سياسية إلى أخرى..
- عودة إلى مشروع قانون الأحوال الشخصية السوري
- -الحل- غير موجود... أين هو؟
- في بئري الدين والدولة
- في شأن الديمقراطية والإصلاح السياسي... سيرة استهلاك إيديولوج ...
- الطائفية والأحوال الشخصية في سورية
- عالم السادة الرجال -المسلمين- وما وراءه


المزيد.....




- هل أكد ترامب سرا مفتوحا؟.. وجود -50 سلاحا نوويا أمريكيا- في ...
- الملكة رانيا العبدالله -تخرج عن صمتها- وترد برسالة على -حملة ...
- احجز لقضاء عطلة في منزل باربي الشهير على Airbnb
- سوريا - تركيا: من يمسك بمفاتيح اللعبة؟
- لوال ماين.. من لاجئ إلى صاحب شركة ألعاب فيديو لنشر السلام
- إندبندنت: رجال حول ترامب يصطفون للشهادة ضده بالكونغرس
- مسؤول سعودي يكشف عن مكان سعود القحطاني
- موطنه دولة عربية... علماء يكتشفون أسرع نمل في العالم...فيديو ...
- عودة أكثر من ألف لاجئ سوري إلى أرض الوطن خلال الــ 24 الساعة ...
- مـد خط أنابيب -التيار التركي- عبر صربيا يجري وفقا للخطة وينج ...


المزيد.....

- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى
- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين
- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - ياسين الحاج صالح - ربيع الأقوياء العائد... مخيف حقا!