أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف 1 ايار 2009 - اثار وانعكاس الازمة الاقتصادية العالمية على الطبقة العاملة والفئات الفقيرة وسبل مواجهتها؟ - محمود جلبوط - قراءة في أزمة رأس المال المالي















المزيد.....


قراءة في أزمة رأس المال المالي


محمود جلبوط
الحوار المتمدن-العدد: 2653 - 2009 / 5 / 21 - 09:49
المحور: ملف 1 ايار 2009 - اثار وانعكاس الازمة الاقتصادية العالمية على الطبقة العاملة والفئات الفقيرة وسبل مواجهتها؟
    


1_هل الأزمة اختناق لنمط الإنتاج الرأسمالي بثروة رأس ماله المالي؟


لم يكد يمضي أشهر قليلة على تبجح قادة الدول الرأسمالية في المركز(تصريحات لجورج بوش وكندا والمستشارة الألمانية على سبيل المثال لا الحصر) عن الازدهار المتواصل لاقتصادياتهم "الحرة" في ظل قيادة المحافظية الجديدة نتيجة الطفرة التي أنتجتها مضاربات رأس المال المالي والتلاعبات والمراهنات في سوق الأسهم وارتفاع أسعار النفط والعقار ما أسفر في نهاية المطاف عن مصيبة رهيبة شملت جميع قطاعات الاقتصاد العالمي , وكأنما أعاصير تسونامي قد داهمت اقتصاديات "العالم الحر" فقد بلعت في ضربة واحدة وخلال أسبوع واحد خمسة بنوك كبار من ساحة أكبر اقتصاديات "العالم حر" أمريكا في سبتمبر 2008 .
قبل اشتداد الإعصار ظن زعماء الدول الرأسمالية قبل امتداده إليهم أنها أزمة عابرة تخص قطاع العقارات على نطاق ضيق وفي منطقة جغرافية محددة في أمريكا مما حدا , ولو مؤقتا , بوزير مالية ثالث أكبر الاقتصاديات في العالم , الألماني , أن يعلن لأجهزة الإعلام بسذاجة بالغة "أن الأزمة المالية هي مشكلة أمريكية قبل كل شيء" , ولم يمض أسبوع واحد على تصريحاته حتى راحت الأزمة تعصف كالنار في الهشيم في جميع مفاصل النظام الرأسمالي بشقيه المركزي والمحيطي وصل شفا الإفلاس ببعض دوله , ما دفع جميع الدول الرأسمالية المركزية إلى تخصيص مليارات من الأورو والدولار , أموال دافعي الضرائب(واللذين في معظمهم عمال مأجورون) لتقديمها للبنوك والشركات التي كانت مضارباتها الغير شرعية سببا في الأزمة , على النقيض من ادعائهم حول عدم جواز تدخل الدولة في إدارة الاقتصاد كشرط لنموه عندما كان المقصود بتشريعهم هذا الضغط على الدول الفقيرة لاستباحة أسواقها و ثرواتها وجهود عمالها ذوي الأجور الضعيفة من خلال التبادل الغير متكافئ .
وقد أنتجت أزمة رأس المال المالي أزمة اقتصادية عالمية لا يمكن تجاوزها , وبتقدير معظم المحللين الاقتصاديين , قبل مرور سنوات عديدة , ولم يحدث مثيلا لها منذ أن حطت الحرب العالمية الثانية أوزارها .
ركود اقتصادي , وتعطل الصناعات ومعظم الأعمال المتعلقة بها , وفائض في الإنتاج بسبب ضعف القدرة الشرائية للناس على المستوى العالمي , مما دفع أصحاب المصانع والشركات والبنوك للجوء إلى التسريحات الجماعية لعمالها وموظفيها ومستخدميها وقذف المزيد والمزيد من العمال إلى سوق البطالة المتخمة أصلا بسبب السياسات الرأسمالية السابقة , فتناما الفقر واستشرى الشقاء مما أدى , وتحت ضغط هذه الرؤية السوداء , لاتساع رقعة التململ والغضب لدى الكتلة الشعبية في عموم الدول الصناعية المركزية الكبرى ضد مسئولي الأزمة من أصحاب رأس المال المالي بشكل خاص والرأسماليين بشكل عام اللذين أصابهم بعض من قلق وخوف بأن تؤدي الأزمة إلى احتجاجات شعبية تضغط على جهاز الدولة لاتخاذ إجراءات تفضي إلى تأميم لبعض البنوك التي تعرضت للانخساف نتيجة المضاربات الوهمية والفوضوية والشركات المتعثرة أو التي على وشك إعلان إفلاسها .
ومن خلال الاطلاع على مجريات الأمور في ألمانيا كأحد قاطنيها على سبيل مثال على ما جرى في دول المركز الرأسمالي فقد ذكرت الإحصاءات المالية بأن الحكومة الألمانية وضعت في الأسبوع الأول من الأزمة هبة ب 50 مليار أورو تحت تصرف بنك Hypo Real Estate Bank لإنقاذه من الإفلاس , ولم يكد يمضي أسبوعا آخر عادت وخصصت بدفعة واحدة 500 مليار أورو أخرى كمساعدة لإنقاذ البنوك الأخرى المتعثرة , ثم عادت مرة أخرى وخصصت في نوفمبر 2008 من خلال ما أسمته الحزمة الأولى من خطة لإعادة تنشيط الاقتصاد 31 مليار أورو , وفي كانون الثاني مطلع 2009 خصصت ومن خلال الحزمة الثانية من الخطة الاقتصادية 50 مليار أورو ثم 100 مليار للسكان وقروض للمؤسسات الصناعية , ومازالت اتحادات الشركات الاحتكارية الأخرى تنتظر متسولة: كشركة أوبل وكونتننتال والبنك التجاري بناءا على وعود تلقوها من الحكومة علنا كانت أم همسا .
ورشح عن كواليس قريبة من الحكومة الألمانية أنه قد أُعدّ في أكتوبر 2008 في دائرة مغلقة وبشكل محموم وعاجل خطة طوارئ تصل ميزانيتها إلى 500 مليار أورو بإشراف لجنة مراقبة قد شكلت من الاحتكارات المالية(منهم رؤساء البنوك) وستملي هذه الاحتكارات المالية على الحكومة والبرلمان شكل عقود الدعم الحكومي لإنقاذ نظامهم المالي , ولما لا , فإن 500 مؤسسة احتكارية , مالية وصناعية وزراعية تسيطر اليوم على العالم , وتملي على الدول والمجتمعات إيقاعها الخاص .


إن المصيبة الكبرى التي تكمن في إجراء كهذا هو أن العمال المأجورين قد تعرضوا للسرقة في الطالعة وفي النازلة كما يقولون في المثل الشعبي , فقد سلبهم رأس المال مرات مضاعفة : عند إنتاجهم السلعة قبل عرضها في السوق للتبادل , كمشترين لهذه السلعة من سوق التبادل , كمودعين لمدخراتهم في البنوك , وأخيرا عند قيام رجالات دولة رأس المال بدفع المليارات التي جبتها من دخولهم كضريبة وكتأمينات اجتماعية وصحية إلى البنوك والشركات التي ينبغي أن تتحمل لوحدها مسؤولية ما سياسة المضاربات الوهمية التي انتهجتها أو السرقات التي مارسها بعض مدرائها .
من العسير على المرء أن يفهم أنه ينبغي على دافعي الضرائب للخروج من الأزمة , هذا إن كان هناك ثمة مخرج منها , أن يتحملوا إنفاق ملياراتهم تعويضا عن خسائر قد نهبها أصلا بعض مدراء هذه البنوك أو خسائر قد تسببت بها سياساتهم الجشعة للربح من خلال مضاربات المشبوهة ووهمية لأصحاب الملايين من حاملي الأسهم في البورصات المحلية والدولية؟
أن تفرغ الدولة صناديقها المالية المباشرة والاحتياطية التي جمعتها من مدخرات وضرائب هؤلاء المساكين على مدار سنوات عملهم الطويلة بفشخرة مبالغ بها من أجل حفنة من السراقين والنصابين المتلاعبين بمصائر الناس والدول شيء لا يصدق , حتى أنها أقدمت على خطوتها دون أدنى نية تفكير لبحث أسباب هذه الأزمة التي تسببت بالكارثة وبكل هذه الفوضى غير عابئة بأن سلوكها هذا ربما يوصلها إلى حافة الإفلاس كما حدث في سويسرا .
ليست الأزمة وليدة يومها , بل إن جذورها تمتد أصلا إلى نزوع الشركات الاحتكارية للربح , ثمتراكم هذا الربح ليتحول رأس مال مالي , ولماّ ضاقت به السوق المحلية تم تصديره عالميا , وعندما أشبعت الأسواق العالمية بالسلع بسبب التنافس وفوضى الإنتاج وخلل بنيوي يخص الإنتاج الرأسمالي لم يجد رأس المال ما يعمل به لاستجلاب الربح فأصابه الكسل .
لقد تداولت الأخبار أنه في نهاية كانون الثاني الماضي قد وصلت قيمة الأوراق المالية "الكسولة"(رأس المال المالي الغير مستثمر في أي قطاع من الاقتصاد المحلي أو العالمي) قد بلغ بليون أورو , وهذا يساوي تقريبا أربعة أضعاف ميزانية الدولة الألمانية مما جعل رجال الدولة الرأسمالية يتغنون ويتباهون بسحر سياساتهم التي انتهجوها للبرلة السوق المالية وخصخصة المرافق الاجتماعية العامة ومنشآت الدولة وسن قوانين عمل منحازة دون مواربة لأصحاب المعامل والشركات.
وقد أدت هذه السياسة من وجهة نظرهم إلى ارتفاع معدلات الإنتاج والتصدير والربح إلى نسب خيالية مما دفع لارتفاع مذهل ومدهش لأسعار الأسهم في السوق المالية , وشكلت هذه المبالغ , وحسب ادعاء الدولة , وذلك قبل حصول الكارثة المالية طبعا , "مظلة إنقاذ وحماية" للمجتمع ومتطلباته , العناية بالصحة العامة وضمان الصناعة واستمرار إنتاج السلع وتغطية تكاليف العاطلين عن العمل والمحتاجين للمساعدة الاجتماعية , وفجأة وكأن نارا قد التهمت هذه المظلة أو أن الدولة كانت قد جمعت الأموال في برميل ليس له قرار , أفاق رجال الدولة وقد أصابهم صداع ما بعد سكرة الأمس يراقبون كيف تهشمت الوصفة اللبرالية السحرية إلى شظايا , وأمام قطع زجاج أعجوبتهم الاقتصادية المكسرة أعلنوا حالة الطوارئ العامة .



2_كانت الأزمة رقصا على فوهة بركان


صرح أحد رموز المحافظية الجديدة في خضم الأزمة وهو وزير المالية النرويجي " إننا نلاحظ الآن , ومن خلال الأزمة التي نعايشها , أن كافة النظريات الاقتصادية للسنوات الأخيرة قد أودت إلى البؤس والشقاء , وأن المال لا يثمر فقط بالمال وإنما , وقبل كل شيء , عبر عملية الإنتاج الحقيقية".
لم تحل معاداة الرجل العتيدة للشيوعية عن تحوله بطرفة عين لأحد مريدي الشيخ كارل ماركس من خلال إقراره بالحقيقة الأساسية التي قد توصل إليها الشيخ منذ ما يقارب القرنين من الزمن .
نعم : إن حجم الأرباح الخيالية التي جنتها وتجنيها الرأسماليات العالمية من المليارات و البليونات الدولارية والأورية هي من نهب فضل القيمة الذي تنتجه كتلة الطبقة العاملة في سيرورة العملية الإنتاجية للسلعة , ومن خلال الحجم الهائل للتبادل المتصاعد والغير متكافيء لقيمتها التبادلية مع الدول الطرفية الفقيرة كتعبير عن نهب مضاعف لجهود عمال دول الرأسمالية الطرفية .
وما يجري هذه الأيام أيضا في ظل الأزمة المالية العالمية وما تتخذه رجالات الحكم في الدول الرأسمالية مركزية كانت أم طرفية يساعدهم في ذلك أصحاب الياقات البيضاء من قادة النقابات وقوى اليسار , ما هو إلا سلب ممنهج ومنظم لميزانية الدولة على حساب السواد الأعظم من العمال والمستخدمين المأجورين لتصب في خزائن الشركات الاحتكارية المتسولة , وما تسويقهم لنظرية "ضعف القدرة الشرائية" قاد إلى الأزمة الاقتصادية الملمة بالأسواق العالمية سوى ذر الرماد بالعيون وتضليل وتعمية عن لب القضية بل وإصرار على قلب الحقيقة رأسا على عقب منطلقين في تحليل هذه الحقيقة بعد أن أوقفوها على رأسها , ولكي تستبين الحقيقة من جديد ينبغي إعادة إيقافها على قدميها , وبعدم الاكتفاء بنقاش ما يظهر في الصورة من نتائج للأزمة .
والحقيقة هي أن الانهيار المدوي للكتلة السوفياتية وحلف وارسو وإعلان انتصار الغرب في الحرب الباردة فتح شهية اتحادات الشركات الرأسمالية الاحتكارية على مصراعيها فسعت كل منها حثيثا وبتنافس شديد وغير مسبوق فيما بينها لإنتاج السلع وإعادة إنتاجها بشدة وعلى قدم وساق بوتائر جبارة لتكدسها في مستودعات هائلة الاتساع على المستوى العالمي ومن خلال استغلال لم يسبق له مثيل للجهد العضلي والذهني للطبقة العاملة على أمل أن تستولي كل منها لوحدها باندفاع أعمى , وبتنافس وتزاحم وحشي مع اتحاد الشركات الأخرى , على أكبر ما تستطيع من الأسواق العالمية بشكل منفلت , خاصة الأسواق الكبيرة التي أسالت لعابهن كالصين والهند والبرازيل وشرق أوربا والجمهوريات السوفييتية السابقة من ضمنها روسيا حتى أشبعتها فوق طاقتها الاستهلاكية محليا و عالميا من أغذية وماكياج وأدوية وسيارات وأجهزة الكترونية وكهربائية بسبب القانون الشهير الذي يسم ويلازم نمط الإنتاج الرأسمالي : الفوضى في الإنتاج .
عندما عجز الناس عن استهلاك هذا الكم الهائل من السلع حدثت الفوضى بسبب الخلل بين العرض والطلب , وللخروج من أزمة تدني الأرباح لدى الشركات الاحتكارية سعت إلى رفع الأسعار في المواد الغذائية والدوائية التي أدت إلى شبه المجاعة في بعض الدول الفقيرة في حينه عندما ترافقت بشكل خاص مع القفزة الهائلة في أسعار النفط .
أدى تراكم هذه الأرباح في أرصدة الشركات إلى تراكم هائل لرؤوس أموال لم يتمكن أصحابها من إعادة تثميرها في عملية إعادة الإنتاج لتخمة الأسواق بالسلع بسبب المنافسات الحادة والفوضوية للرأسماليات على مستوى العالم فتكسلنت , ولأنها لا تستطيع البقاء هكذا دون استجلاب للربح انسجاما مع نزوعها لم تجد طريقا لها سوى سوق النقود فعملت بالمضاربات المالية المشبوهة والخطيرة في سوق بورصات الأسهم والعقارات , وبسبب الربح السريع والكبير الذي حققته من دورته القصيرة أغرت معظم رؤوس الأموال المالية أن تحذو حذوها , فتكوّن في السوق المالية فقاعة مدهشة وغريبة اسمها فقاعة المضاربات المالية في سوق الأسهم على المستوى العالمي , ولكونها فقاعة كان مصيرها أن تنفجر لأنها تخالف في حركتها المنطق الطبيعي للنمو الاقتصادي الحقيقي , وعندما لجأ خبراء الاقتصاد الرأسماليين لتفسير أسباب الأزمة وانفجارها بعد تقليب وجوهها المتعددة لجؤوا إلى لغة ضبابية وإلى التضليل والتعمية عن الحقيقة , مع أنه ومنذ 150 عاما قد بينها ماركس مؤكدا أنها واحدة من الأزمات الدورية التي تلحق بنمط الإنتاج الراسمالي كجزء من تركيبته البنيوية "والسبب دائما كان نمو الفقر وتراجع القدرة الاستهلاكية لدى الكتلة الشعبية مقابل نزعة توسع الإنتاج والقوى الإنتاجية للنظام الرأسمالي لدرجة شبع السوق واستيفاء الحد الأقصى من إمكانية الاستهلاك فيها".

لقد وضعت الحكومة الأمريكية للخروج من أزمة الركود الاقتصادي التي ألمت بالاقتصاد الأمريكي بين عامي 2001- 2003 بعد وصول جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض على رأس المحافظين الجدد خطة عتيدة (طبعا إلى جانب خطة غزو العراق للسيطرة على منابع النفط في المنطقة العربية وإيران) يسمح بموجبها للبنوك بالإقراض بفوائد منخفضة مما دفع بمئات الألوف من الأمريكيين على الاقتراض لتحقيق أحلامهم بامتلاك منازل خاصة مع فرشها وسيارات فارهة فنشطت بذلك السوق المالية فأعطت انطباعا وهميا لنمو اقتصادي كان بمعظمه على أرض الواقع فقاعة , أي نمواَ مصطنعا بسبب التفاوت الشديد بين القيمة الاسمية والفعلية للرأسمال المتبادل , فقد وصلت "القيمة الاسمية" "للمشتقات" المالية للمضاربات عام 2007 ما يقارب 600 بليون دولار بينما لم تكن قيمتها الفعلية تتجاوز 15 بليون دولار أي بمعدل زيادة أسمية 40 ضعفا من رأس المال المضارب به .
وكانت الطامة الكبرى عندما دفعت هذه الظاهرة البنوك العالمية أن تحذو حذو البنوك الأمريكية طمعا في ربح شبيه , بل راحوا يتبادلون معها ودائعها المدونة وذلك قبل انقشاع الحقيقة وقبل أن تنفجر هذه الفقاعة و تفضي إلى ما بات يعرف بأزمة القروض العقارية ثم تنفلش إلى أزمة في رأس المال المالي وتنتهي إلى أزمة اقتصادية شملت الإنتاج الرأسمالي بمجمله , لقد كانت عمليات المضاربات المالية تشبه الرقص على فوهة البركان .

لم يمنع الانهيار المدوي الذي حصل البنك المركزي الأمريكي في ظل الأزمة من تقديم عروض للاقتراض بفائدة اقتربت من الصفر , ناهيك عن ضخ مبلغ 5,2 بليون في أكتوبر ونوفمبر لوحدهما كإجراءات لإدارة الأزمة المالية للبنوك , لكن كل هذا المبلغ الضخم لم يمنع الانهيار المدوي للنظام المالي العالمي بل وكأن هذه الإجراءات الحكومية التي أدت إلى تخفيض ما لديها من رأس مال مالي قد نفخ في بور المضاربات المالية ثانية لتعود وتشتعل من جديد وبذا أعادت الأزمة إلى نقطة انطلاقها , مثل رأس المال المالي في هذه الحالة مثل مدمن هيروين منتش (والمال هنا بمثابة الهروين) يقود سيارته بأقصى سرعة ممكنة فتصطدم سيارته بحائط صد باتجاه الوادي , وعندما يفيق من الصدمة والسكرة معا يصرخ أن يأتوه بجرعة مماثلة من الهروين , وتطيعه الدولة بجلب المزيد من المال ليعود لنشوته وسكره , ولن يكون ذلك في الحقيقة سوى تحضيرا لاصطدام آخر قادم , لأن القيادة بالسرعة القصوى من قبل سائق قد تناول جرعة كبيرة من الهروين وانتشى لا تودي به إلاّ إلى قعر اللجات .




3_هل الأزمة حقا من صنع أفراد "مجرمين"و"عديمي الأخلاق" أم هي جزء من بنية الإنتاج الرأسمالي الفوضوي؟


لقد تعرض أصحاب البنوك ومدرائها لنقد من حكومات ورؤساء الدول الرأسمالية وصل حد التوبيخ على ما أوكت أيديهم للسوق المالية وما تبعها بعد ذلك من أزمة اقتصادية عالمية من جهات سياسية وحزبية متعددة : من الرئيس الأمريكي أوباما إلى الرئيس الألماني كولر , وبالطبع من قبل أحزاب اليسار فيها , ولكن أغلب ما أثير من رأي في الغرب حول الأزمة لم يتعدى القشرة أو لم يدخل إلى جوهر الأزمة الحقيقية .
فزعم قادة الرأسمال الغربي أن الأزمة عبارة عن " تقديرات خاطئة لأصحاب ورؤساء البنوك وسوء إدارة" سعيا لتكوين انطباع أن هذه الأزمة المالية التي أودت إلى أزمة اقتصادية عالمية ما هي إلاّ عمل خاطئ قد اقترفه "أفراد" مجرمون "عديمي الأخلاق" ليس هو الحقيقية رغم صحة وصف هؤلاء .
لا ندري إن كان هذا الإقرار بأن أصحاب رؤوس الأموال يفتقرون إلى الأخلاق ويستعيضون عنها بالسعي إلى سلب الأموال والسلطة معا , على كل حال , ما كادت فترة وجيزة تمضي على هذه التصريحات حتى عمت حمى الأزمة كل البنوك في العالم بل مجمل الاقتصاد الرأسمالي العالمي مما يدل على أن القضية لا تتعلق بأخلاقية بعض الأفراد وإنما بآلية الإنتاج الرأسمالي نفسه .
انضمّ إلى هذا التنديد أحزاب اليسار الرسمية , ولكي يضفوا على نقدهم طعما يساريا ادعوا أنه من الضروري " تأميم البنوك وتنظيم ومراقبة وتشذيب السوق المالي".
و نحن نسأل هذه الأحزاب اليسارية بشكل خاص إن لم تكن قد أحيطت علما, ألم تجري هذه المضارات تحت رقابة رجالات الدولة ووفقا لقوانينها وتشجيعها وحمايتها؟ ألم تكن قوانين الدولة هي التي حكمت وأدارت وحمت مضاربات هذه البنوك؟ إنها نفس الدولة التي يدعونها أن تؤمم هذه البنوك والمؤسسات . أليس العمل بقوانين الدولة الرأسمالية هو الذي قاد إلى ضياع هذه المليارات؟ وأن هذه الدولة تخضع بالكامل للقانون الرأسمالي ولسيطرة تجمع الشركات الاحتكارية , وأن أصحاب هذه الشركات ورجالات الدولة مندمجين ومصالحهم مشتركة وترضخ الدولة بالكامل لسلطتهم المطلقة .
ترغب أحزاب اليسار الرسمية أن تتقدم السياسة على دكتاتورية السوق المالية الخارجة عن السيطرة وتنسى أن هذه مجرد تمنيات .
إن القضاء على فوضى الإنتاج الرأسمالي وأزماته لا يأتي بالتمنيات الصالحة والدعوات الأخلاقية .
ينبغي الإقرار أنه لا يوجد اقتصاد رأسمالي دون بورصة ولا يستقيم بدونها حتى ولو أرادت دولة ما ذلك , وكلنا راقب الضغوط التي تمارسها دول الرأسمال الاحتكاري على أي تجربة اقتصادية مهما صغرت تحاول حماية نفسها من الابتلاع , والأمثلة أكثر مما أن تحصى .
ولا نتصور أيضا أن هناك بورصة بلا أسهم وبلا قروض ولا مضاربات .
بيت القصيد هو أن خلق الأشغال في نمط الإنتاج الرأسمالي هو من أجل إنتاج سلع تحتوي على قيمة تبادلية التي تتطلب بدورها إلى نشاط تجاري , "والتجارة ترتبط بالمضاربات بعلاقة عضوية وثيقة , ومن الصعوبة بمكان أن تكف هذه العلاقة بينهما" كما أكد شيخنا الأول ماركس ورصده منذ زمن بعيد .
وفي مرحلة الرأسمالية المعولمة , وبقيادة المحافظية الجديدة يستولي الرأسمال المالي المضارب المحلي والمصدّر على مجمل العلاقات الاقتصادية العالمية , ويستعمر الاحتكار المركزي من خلال تصديره جميع دول الرأسمالية المحيطية , لقد حول الرأس مال المالي هذا كل شيء في الحياة وخيراتها إلى مضاربات , القمح , الأرز , الماء , النفط وكل مصادر الطاقة ,ومواد البناء , والصحة والأدوية , حتى الضمان الصحي والاجتماعي , كل شيء , كل شيء , إنه حقا لانحطاط فظيع هذه الرأسمالية في مرحلتها المعولمة .
العلاقة إذا عضوية لا انفصام فيها , والمضاربات باقية بقاء الإنتاج الرأسمالي والرأسمالية , فهل للمرء أن يحد من هذا الانحطاط أو أن يمنعه بسن قوانين في ظل دولة رأسمالية؟ كيف؟
كيف يمكن القضاء على المضاربات دون التحضير لهدم قاعدتها الأساسية في الإنتاج الرأسمالي؟ .
يتصور الكثير من الأحزاب اليسارية , في المركز والأطراف معا , أنه يكفي أن ننزع عن الرأسمالية المعولمة وجهها المتوحش فتصبح رأسمالية نظيفة , ذا وجه إنساني , ونسوا أن الرأسمالية عبارة عن حوض سمك قرش لا يستقيم أن يعيش معه سمك للزينة , إن محاولة تدجين رأس المال المالي وهم وسعي فاشل .
ما هو جدير بالعمل من أجله وضع حد لهذا الانحطاط في نمط الإنتاج الرأسمالي و تخطيه لإفساح المجال لبناء نمط أكثر عدلا وإنسانية يحفظ للإنسان , أي إنسان , آدميته .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- 61عاما على النكبة ....كأنها حدثت الأمس
- لاهوت للتحرير ولاهوت في خدمة رأس المال والاستعمار والصهينة
- يسار مقاوم..يقاوم ويسار متصهين...يتصهين
- عودة إلى المشهد السوري
- حول مشروع حل الدولة الفلسطينية الواحدة(3) والأخيرة
- حول مشروع حل الدولة الفلسطينية الواحدة(2)
- حول مشروع حل الدولة الواحدة في فلسطين(1)
- سولانا ورزمة إغراءاته المقدمة لإيران
- في النكبة
- رسالة إلى السياسيين الألمان(مترجمة عن الألمانية)
- رسالة إلى القراء بمناسبة قيام دولة إسرائيل
- هل وقعت المقاومة في الفخ الذي نصبه لها المتساوقون مع التآمر ...
- مشروعا صغيرا للفرح والمقاومة
- يوم للتضامن مع الأسير العربي والفلسطيني معا
- حكاية حب
- هل من مهمات العلماني العربي شتم الإسلام ومن متطلبات التغيير ...
- حول شعار تحرير المرأة وأخواته
- أحجية القصة القصيرة
- لا تندهي ما في حدا فقد تأسرلنا
- وجهة نظر في أسباب تخلفنا


المزيد.....




- التلفزيون السوري: مقتل 14 مدنيا وإصابة 32 آخرين بغارة للتحال ...
- بالصور والفيديو.. الجيش السوري يتقدم باتجاه -المحطة الثانية- ...
- ليبرمان: القصف على الجولان جاء دون علم الأسد
- "فيفا": جائزة "الأفضل" لرونالدو لاعبا ول ...
- إسرائيل باعت أسلحة لميانمار تمّ استخدامها ضدّ الروهينغا
- دنفورد: سنواصل عملياتنا في النيجر رغم الهجوم الدامي ضد جنودن ...
- الملك عبد الله للصدر: يجب تغليب الحوار للحفاظ على سلامة العر ...
- خمس طرق لتحسين قدرتك على التركيز
- رونالدو.. حاصد جوائز يلتهم ميسي
- قتلى من فصيل موال لتنظيم الدولة في غارات بدرعا


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف 1 ايار 2009 - اثار وانعكاس الازمة الاقتصادية العالمية على الطبقة العاملة والفئات الفقيرة وسبل مواجهتها؟ - محمود جلبوط - قراءة في أزمة رأس المال المالي