أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - ماركس وفلسفة التاريخ الفعلي






















المزيد.....

ماركس وفلسفة التاريخ الفعلي



ميثم الجنابي
الحوار المتمدن-العدد: 2644 - 2009 / 5 / 12 - 09:11
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


"هناك علم واحد فقط هو علم التاريخ:
تاريخ الإنسان وتاريخ الطبيعة"
(ماركس)
إن مهمة هذه المقال محصورة فقط بإبراز كيفية ظهور وتبلور فكرة ماركس عن التاريخ ورؤيته التاريخية أي قراءته للتاريخ. وبالتالي، فان هذا المقال هو استكمال لما سبقه واقصد بذلك (ماركس المرايا المتحطمة) و(شروق الماركسية وغروبها). كما انه المقال قبل الاخير بهذا الصدد. لهذا وضعته دون الخوض في تحليل وتركيب البنية الداخلية للمفاهيم ومنطق تراكمها الداخلي وتدقيقها ضمن سياق تهذب وتكامل فلسفة التاريخ عند ماركس. وذلك لاعتبارين أساسين، الأول هو انه موجه للقارئ العام عبر المواقع الالكترونية. من هنا ضرورة تيسيره بالعبارة والشرح لكي يكون مقبولا ومفهوما، بمعنى إزالة كل التعقيد المميز لتقاليد المدرسة الفلسفية الألمانية. والثاني هو أن الخوض في الجدل حول الماركسية ومفاهيمها يفترض على الأقل دراسة كل ما فيها. بينما كان الباعث وراء كتابة هذه السلسلة من المقالات هو الكشف عن مستوى وطبيعة الادعاء الأيديولوجي عما يسمى بتجديد وتطوير الماركسية مع الجهل شبه التام بها. إذ أن مجرد القول، بان "ماركس لم يقرأ التاريخ"، يعني أن المرء لم يقرأ ماركس لا بالمعنى الحرفي للكلمة، ولا بالمعنى المتراكم في "قراءة الخطاب" المميز للمدارس الفلسفية الحديثة، ولا حتى بالمعنى السائد في التعبير الصحفي العادي كما نسمعها عادة في سؤال الصحفيين المصاغ بعبارة:ما هي قراءتك للحدث؟
وبالتالي فان ما يجري التطرق إليه في هذا المقال يتناول بقدر واحد دراسة وتركيب المكونات الذاتية والأبعاد التلقائية في تراكم الرؤية المنهجية عند ماركس عن التاريخ، باعتبارها الأساس النظري لرؤيته السياسية بشكل عام والثورية بشكل خاص، أي الأساس المنهجي القائم وراء تزاوج وتداخل الرؤية العلمية والنزوع الأيديولوجي في آراء ومواقف ماركس من التاريخ. مع ما يتبعه بالضرورة من كشف عما في التقليد الأيديولوجي "للماركسية العربية" من تخلف مزر بحيث تجعل من لا علاقة له بالأمر يسعى لتجديدها!
غير أن هذه القضية كما يقال من طراز وميدان آخر. من هنا عدم جدوى الخوض في جدل على هذا المستوى. والسبب يكمن في أن الإقرار بوجود فلسفة تاريخ عند ماركس شيء اقرب إلى البديهة. وحالما تتحول البديهيات إلى أمور غامضة، بل ومادة للجدل الفكري، فان ذلك دليل على سيادة أو انتشار أو غلبة سفسطة الوعي وابتذال القيمة المعرفية للتاريخ نفسه، أي التعلم منه بطريقة نقدية تخلّص المرء من بذل جهود كبيرة لاكتشاف حقائق مكتشفة منذ زمن طويل، أو التبجح بأمور هي اقرب إلى البديهة، مثل الجدل حول ما إذا كانت مكة كعبة المسلمين أم لا! وهذا أيضا لا باس به أحيانا. غير أن مفارقة "التجديد" الأيديولوجية تقوم في كونها تنطلق من نفي أصولها. وهذا تناقض عصي على الحل. وذلك لان نفي الأصول جزء من تقاليد الفكر الحر ولا علاقة له بالأيديولوجية من حيث كونها تقاليد أو تقليد.
فالوظيفة الفعلية للأيديولوجية محصورة دوما بحدود المواقف العملية وتأسيسها الفكري. ونقد الأصول له أصول ينبغي استمدادها وتمثلها من تقاليد الفكر والفكرة نفسها. والماركسية هي نتاج التقاليد الأوربية بشكل عام والألمانية بشكل خاص. من هنا لا بأس للأيديولوجية العربية أن تتعلم كيفية تأسيس رؤيتها الخاصة لإشكالاتها الخاصة، وضمن تاريخها الخاص، ومستوى تطورها الفعلي، أي من خلال تأسيس أصولها الفكرية أولا والأيديولوجية ثانيا. وذلك لأن حقيقة القيمة النظرية في إدراك ومعرفة الفلسفة الماركسية تقوم في الاستفادة من تجربتها التاريخية وليس من أدلتها العملية. فالأولى جزء من تراث الفكر النظري، والثانية جز من معاناة الأمم في حل إشكاليات وجودها التاريخي. وهذه مستويات مختلفة من حيث المنهج والإمكانية والبدائل. لاسيما وأن إبداع ماركس التاريخي عن التاريخ لم يكن يخلو من تأثير التلازم الخفي بين رؤيته النظرية المنطقية وتاريخ ألمانيا المتشنج، أي الحافل بمختلف المواجهات الدموية للصراع الأيديولوجي وتحارب الأيديولوجيات. وفيما بينهما كان يتصارع زمن الرذيلة وتاريخ الفضيلة في الفكر والسياسة على السواء. وليس مصادفة أن تتميز ألمانيا (القرن التاسع عشر) أكثر من غيرها من دول أوربا في ميدان الإبداع النظري بشكل عام والتاريخي بشكل خاص. كما انه ليس مصادفة أن يتمحور اهتمام الفكر الألماني بشكل عام والفلسفي بشكل خاص على امتداد ثلاثة قرون متتالية بقضيتين – الدين والتاريخ.
فقد كانت ألمانيا مصدر ومرتع وميدان الإصلاح الديني (البروتستانتية). مع ما أدى إليه من ظهور الرؤية الفلسفية للدين كما هو جلي في كتابات غيس، وهيردر، وباولوس، وشليرماخر، وغازه، وانعكاسها النظري الكبير في فلسفة هيغل عن الدين، ثم مناقشتها ونقدها الفكري الواسع في كتابات روغه، وفيورباخ، ودافيد شتراوس، وبرونو باور، وماركس. الأمر الذي جعل من ألمانيا ميدانا بل مختبرا هائلا لتصنيع ونقد الأفكار الدينية والتاريخية.
فالتقاليد الألمانية هي الأولى والأكبر من بين نظيراتها الأوربية في مجال دراسة ونقد الدين. وفيها أيضا جرى تذليل تقاليد نقد الدين المتراكمة في الفكر الأوربي. فإذا كانت التقاليد الفرنسية على سبيل المثال تركز بشكل خاص على نقد الدين من خلال نقد الذهنية، أي عبر إبراز فاعلية الجهل في ظهور الدين والعقائد الدينية كما هو الحال عند ديدرو وفولتير وغولباخ وغيرهم، فان التقاليد الانجليزية ركزت على الأبعاد السياسية ورؤية المصالح في نقد الدين. وقد تكون الفكرة التي بلورها المؤرخ الانجليزي الشهير ادوارد غيبون، القائل، بان عوام العالم القديم (اليونان والرومان) جميعا كانوا يعتقدون بصحة وسلامة اعتقاداتهم وعباداتهم (طقوسهم)، بينما كان الفلاسفة جميعا يعتقدون ببطلانها، أما أهل السلطة فكانوا جميعا يعتقدون بفائدتها" إحدى الصيغ النموذجية في الموقف من الدين. طبعا أنها لا تستنفذ التقاليد الانجليزية بسبب تنوعها الكبير والهائل بهذا الصدد لكنها مؤشر عن احد النماذج النظرية "المرجعية" في الموقف من الدين.
أما التقاليد الألمانية فقد رفعت مختلف نماذج ومستويات الموقف من الدين إلى مصاف الرؤية الفلسفية المنهجية. من هنا لم يكن بإمكان أي فيلسوف أو متمرس في ميدان الفكر النظري المرور شأن عابري السبيل على ما في التقاليد الألمانية من لهيب حار لصقل إرادة العقل والمعرفة والوجدان في الموقف من الدين.
فقد كان الصراع في ألمانيا حول الدين هو الوجه "المتسامي" للصراع الأرضي. وليس مصادفة أن تظهر فيها اغلب المدارس الفلسفية التاريخية الحديثة. الأمر الذي جعل من ألمانيا أيضا مصدرا ومرتعا وميدانا للتأمل الفلسفي للتاريخ بشقيه العام (العالمي) والخاص (القومي)، ومستوييه المجرد (فلسفة التاريخ) والملموس (كما هو). وفيها ظهرت اكبر تقاليد المدارس التاريخية من حيث الرؤية ومستوى وتنوع التحليل والمناهج. وهذا بدوره ليس إلا الوجه النظري و"المتسامي" لما يمكن دعوته بتاريخ الأمة المعذبة بقدرتها الجبارة وشللها الجزئي بسبب التجزئة السياسية للدولة.
ومن الممكن العثور على هذه الحالة في تلك القوة العارمة المميزة للخطاب الألماني المتنوع المستويات منذ فيخته حتى نيتشه، مرورا بكانط وشيلنغ وهيغل وفيورباخ وماركس، والمتلألئ في إبداع عشرات الأدباء والشعراء الكبار من هيردر إلى غوته، وفي الموسيقى من بتهوفن إلى فاغنر. وهو تنوع يعبر عن الصيغة الوجدانية العارمة لسيول الروح المعذبة من فقدان ألمانيا لوحدتها القومية وعزتها الذاتية. من هنا سيادة وانتشار فكرة العام، إي الفكرة المنطقية في تناول التاريخ. ومن هنا أيضا فكرة العقل المطلق والتاريخ العالمي والأممية البروليتارية وغيرها. فهي صيغ متنوعة للرؤية التاريخية الألمانية، أي الصيغ المتسامية للواقع الخشن الذي أراد بيسمارك أن يصنع منه بروسيا الكبرى، وهتلر الرايخ الثالث! ولكل حالة جبروتها ومثالبها الكبرى.
بعبارة أخرى، لقد كانت النزعة التاريخية والاهتمام الشديد بها يقفان وراء "العنف الألماني" في الموقف من التاريخ والدين أيضا. فكلاهما في الفكر الألماني يتداخلان في لضم خيوط النسيج المرهف لصناعة "العقائد المتسامية". وهو المصطلح الذي يمكن العثور على تنويعاته العديدة ومذاقه بما في ذلك في خطاب ماركس أيضا، وبالأخص في تلك الحالات التي يصبح الجدل حراكا وعراكا مع النفس أولا وقبل كل شيء.
***
فقد كان الحراك والعراك الشخصي مع النفس عند ماركس جزء من صيرورته الفردية. وبالقدر ذاته كان النسق الفكري لكينونته العقلية والمنهجية والعملية. وكلاهما (الصيرورة والكينونة) كانا يتهذبان في مجرى الفورة الفلسفية الهائلة التي أحدثها هيغل في الوعي الألماني بشكل عام ومنطق التفسير والتأويل الفلسفي للوجود والفكر بشكل خاص. وفيما لو أهملنا صيرورته الفردية باعتبارها جزء مما يواجهه المرء في أطوار الوجود التاريخي لمسار الشخصية أيا كان وزنها وحجمها، شأن كل موجود، فان كينونته الفكرية تتمثل تقاليد المنطق الجديد الذي أدخلته الفلسفة الألمانية للوعي من جهة، وكيفية انكساره فيما أسميته بالكينونة العقلية والمنهجية والعملية لماركس من جهة أخرى. بمعنى كيفية تبلور رؤيته الفلسفية اللاحقة في مجرى المعاناة الشاقة لمواجهة تاريخ الفكر والواقع على أنهما وحدة واحدة. وهو انكسار واضح وجلي ودرامي أيضا يمكننا العثور عليه في تلك التحولات العاصفة والراديكالية السريعة التي اجتازها في غضون ثلاث سنوات (من عام 1841-1844) كما تجتاز الأمم زمن الثورات في غضون فترة وجيزة (كما سيقول ماركس نفسه) ما تجتازه في مجرى قرون من الزمن. وهي فكرة لم تكن نتاجا لتأمل حالة التحولات الكبرى التي كشفت عنها سلسلة الثورات المتكررة في أوربا القرن التاسع عشر، التي أغرته لاحقا بابتداع يقين الثورة العالمية وديمومتها الأبدية ما لم تبلغ البشرية شاطئ الأمان التام بعد مرورها بعواصف التاريخ المزيف للملكية الخاصة، بقدر ما كانت تكمن في اثر المنطق الهيغلي نفسه، الذي كان يحتمل في ذاته إمكانية تذليل زمن التأمل البطيء بتاريخ التحولات الكبرى العاصفة. الأمر الذي جعل من الفكرة الهيغيلية عند ماركس منذ البداية وحتى النهاية، سلاحا عقليا حادا، ومنهجيا اشد حدة للعقل النقدي النظري والعملي. وهو شيء جلي حالما يجري استعراض أسماء كتبه الأولية، أي تلك التي ميزت مرحلة الانتقاد العاصف والنزوع النقدي، مثل (نقد النقد النقدي) و(الأيديولوجية الألمانية) و(فلسفة البؤس) وغيرها، أي تلك العناوين والمضامين النقدية العنيفة من حيث الشكل والمحتوى. وهذه بدورها لم تكن في الواقع سوى الوجه النظري الخارجي عن طبيعة التحول العاصف في الرؤية العقلية والمنهجية لماركس نفسه.
فقد جرى عراكه الأول بهذا الصدد من خلال الانتقال السريع إلى الهيغيلية، أي الابتعاد عن الغوص في عوالم الإغريق القدماء وتأملاتهم الفلسفية إلى هيغل، ومن خلاله إلى الغلوّ فيه ثم الابتعاد أو الانفصال عنه، أي الانتقال إلى "الهيغليين اليساريين" ومنه إلى نقدهم عبر الرؤية الفيورباخية وتأملاتها الإنسانية. وفي مجرى نفيهما العقلي أخذت بالبروز ملامح ماركس الأولى ونزوعه النقدي للتراث الهيغلي "اليساري" و"اليميني"، أي الانتقال صوب التأويل السياسي المتركز حول إشكاليات الدين. فهي الإشكالية التي بلغت ذروتها في النقد الفيورباخي لهيغل. لكنه سرعان ما جرى تذليلها من خلال دفع الفكرة الهيغيلية والنقد الفيورباخي صوب الأبعاد العملية القصوى. وهي عملية استغرقت في مجرى سنوات سبع (1841-1848) الانتقال الحاسم من مختلف اجتهادات الفكر النظري السياسي الليبرالي واليساري إلى مواقع الشيوعية. وهو انتقال تراكمت فيه وتداخلت الصيغة الجديدة لوحدة العقل النظري والعملي باتجاه يختلف اختلافا جذريا عن تقاليد الفلسفة الألمانية السابقة.
فقد كان الفلاسفة الألمان الكبار بدأ من كانط وانتهاء بفيورباخ عادة ما يبدءون بنقد الفكر والواقع وينتهون بالانزواء في منظومة الفكر المجرد. وهو عالم مغر وثري ويحمل بقدر واحد سعادة الاندهاش وحزن الحكمة. وليس مصادفة أن يقول كانط في احد آخر واكبر أعماله النظرية (نقد العقل العملي) من أن هناك شيئين فقط يملأن قلبه بالسعادة والحبور، ألا وهما نجوم السماء الساطعة من فوقه، والقانون الأخلاقي في أعماقه. وهي عبارة تحتوي بقدر واحد على التأمل الحزين للحكمة والاندهاش بتأمل الكون. ومات منزويا. وهي الخاتمة التي يمكن رؤيتها على مثال حياة هيغل وشيلنغ وفيورباخ، كل بطريقته الخاصة. وإذا كان من الممكن العثور في عبارة كانط ونماذجها اللاحقة عن غياب الأحبة والأصدقاء، فان حقيقتها تقوم في فناء كل شيء وبقاء معالم الروح بوصفها القوة الوحيدة الحية الباقية في الظاهر والباطن. وذلك لأنها تعبّر عن إحدى حقائق الكون الاجتماعي التاريخي الكبرى للإنسان والقائلة، بأن الأشباح سرعان ما تزول وتندثر ويبقى روح المعاناة وقدرته على التجدد في التاريخ. وسواء أدرك ماركس منذ وقت ومبكر هذه الحقيقة أم لا فأنه سار باتجاه آخر. بمعنى الإبقاء على مكنون التجربة الألمانية الفلسفية ولكن من خلال إدراجها في مهمة الفعل الاجتماعي وفلسفة التغيير، أي كل ما كوّن عنده لاحقا مضمون فلسفة التاريخ.
بعبارة أخرى، لقد تراكمت الفكرة التاريخية عند ماركس من خلال نفي الرؤية النقدية العقلانية بمعايير الهيغيلية "المثالية"، ثم اليسارية ثم الفيورباخية ثم الاستقلال الذاتي. وفي ميدان الأيديولوجية والفكر السياسي من الراديكالية النقدية إلى الاشتراكية الحالمة (الطوباوية) وعبرها إلى الاشتراكية الديمقراطية ثم الشيوعية. ذلك يعني، إننا نقف أمام سبعة تحولات كبرى في حياة وشخصية ماركس الفكرية والسياسية، بوصفها حلقات تجربته النقدية الحرة واجتهاده النظري. وفيها ومن خلالها تبلورت "الماركسية" في فلسفة الفكرة الكونية العملية، وليس فلسفة الروح الكوني. بمعنى تلازم وتوازي التجربة الفكرية النظرية الشخصية والالتزام العملي بنتائجها السياسية. ومن تفاعل هذين المكونين ظهرت ملامح الكينونة العملية للماركسية، أي الانتقال من الفكرة المنطقية المجردة إلى عالم التاريخ الواقعي والملموس.
فإذا كانت فلسفة التاريخ الهيغيلية هي فلسفة الروح من خلال تتبع تاريخها المنطقي، فان الانقلاب الذي أحدثه ماركس بهذا الصدد، على الأقل في ملامحه الأولى آنذاك، كان يقوم في الخروج المتدرج من ثقل الكينونة الهيغيلية القابعة في أعمق أعماق ذهنيته الفلسفية. وليس مصادفة أن تتفرع من الرأس الهيغلي هذه الكمية المتناثرة من الرؤؤس الطائشة والراديكالية والثورية، أي تلك الكمية التي تبدو مظاهرها نقيضا حيا لما في الهيغيلية من رزانة يصعب على هؤلاء الشباب حمل وزر أثقالها دون أنين العقل والوجدان. وهي الصورة الرمزية التي يمكن رؤيتها في تلك الحماسة المفرطة للنزعة النقدية التي أوقفت ماركس بعد سنوات قليلة لتأمل ما فيها من غرور وإجحاف للعقل نفسه. فقد أدى هذا الإفراط النقدي إلى بلورة سفسطة العقل والوجدان وابتذالهما لحقيقة الهيغيلية من خلال الولع بالعيش والبذخ على ما فيها من وليمة مجانية.
أما ماركس فقد سار من حيث الجوهر بخطى الذهنية الهيغيلية ومشروعها الكوني، ولكن من خلال نقلهما إلى ميدان التاريخ الواقعي. وهي المهمة التي ستحصل على نموذجها الشهير في عبارة "إيقاف الديالكتيك الهيغلي على قدميه بعد أن كان يقف على رأسه". وقد كانت ملامحها الأولى تجري من خلال الرجوع إلى ما في هيغل من تلازم خاص بين المنهج والمنظومة. فقد كان هذا التلازم يحتوي على إغراء يؤسر العقل والوجدان. بل يصعب الفرار منه حالما يقف المرء ضمن دائرته الحية، تماما كما لا يمكن للمرء الإفلات من منطق ابن عربي حالما يدخل ضمن صيرورة رؤيته لإشكاليات الوجود والروح المعرفة. والسبب يكمن في حبكة الرؤية وطابعها المنظومي الدقيق وتجانس مكوناتها القادرة على أن تجعل من اشد المساعي راديكالية جزء معقولا في منظومة العقل الكوني.
فقد تأثر الجميع آنذاك بهيغل وتحول إلى مصدر الحركات الفلسفية المتنوعة والمختلفة والمتصارعة في تمثيلها وتمثلها للرؤية الهيغيلية. وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى ماركس بوصفه واحدا من أولئك الشباب الذين اكتووا بنار المنطق الهيغلي. من هنا تمازج وتداخل الرؤية النقدية وفكرة الروح الكوني، أي تلك التي ظهرت أولا الأمر في تمثل المنهج الهيغلي ونزوعه النقدي الحاد تجاه مختلف تيارات اليسار واليمين (الهيغلي)، كما هو جلي في نقده "للعائلة المقدسة" و"الأيديولوجية" الألمانية، أي لكل ذلك الرعيل الهيغلي الأول الذي ترعرع ماركس نفسه بين صفوفه، ولاحقا في فكرة الأممية (البروليتارية)، بوصفها الذروة التي يبلغها "العقل التاريخي" في تتبع قوانينه المادية. وكلاهما كانا يكمنان في الروح والمنطق الهيغلي. وليس مصادفة أن يكون كل تلامذة هيغل، بما في ذلك ماركس، شديدي الولع بقضايا التاريخ بشكل عام وتاريخ الدين والمجتمع بشكل خاص. وكلاهما وجهان لعملية وعي الذات، التي حورها ماركس لاحقا وانزلها من علياء الروح المطلق ومساره صوب ملكوت الحرية، إلى واقع الحياة الخشنة وتاريخها المتلوي بين قبضات وتشنجات وآلام الصراع الطبقي من اجل بلوغ ملكوت الحرية الاجتماعية. وليس مصادفة أيضا أن ينحصر اهتمام ماركس بقضايا الدين والتاريخ في مجرى صيرورته الفكرية الأولى، كما نراه في نقده للمسألة العبرية (اليهودية). فقد كانت تلك مجرد الصيغة النقدية الأولية للمشاركة الفكرية في نقد الدين وتدقيق الرؤية التاريخية المميزة "لليسار الهيغلي" (برونو باور ومجموعته) والهيغيليون الوسط (دافيد شتراوس) في أبحاثهم الفلسفية بهذا الصدد.
غير أن المسار الخاص لماركس بهذا الصدد يقوم في توجيهه تلازم الذهنية الهيغيلية والمشروع الكوني في مجرى صيرورته الفكرية والروحية صوب ما يمكن دعوته بالتاريخ الفعلي، أي صيرورة العقل النظري والعملي ووحدتهما في نظريته الاشتراكية والشيوعية. وهو الانقلاب الذي دفع ماركس لاحقا صوب الفناء التام في هموم المستقبل، أي "التاريخ الحقيقي". وليس هذا بدوره سوى الصيغة اللامعة أو الفلسفية المجردة للرؤية النقدية تجاه الحاضر.
لكن الرؤية النقدية لماركس لم تقف عند حدود التأملات الفلسفية الأولى للفكر والواقع كما نعثر على صداها في (المخطوطات الفلسفية الاقتصادية لعام1844)، بل وبتعميقها اللاحق صوب تأسيس منظومة الرؤية الفلسفية للتاريخ العالمي. وقد احكم ماركس هذا التوجه واستحكم به بقدر واحد حالما أصبح تاريخ التطور الاجتماعي والاقتصادي ميدان وموضوع فلسفة التاريخ العالمي، أي كل ما سنعثر عليه في إعادة ماركس وتجديده وتجسيده في منظومة فكرية لما أسميته بتلازم المنهج والمنظومة المميز للفلسفة الهيغيلية ولكن من خلال البحث عنه في "منطق" التاريخ الواقعي بوصفه تاريخا عالميا. ولم يكن هذا في الواقع سوى الصيغة الأخرى المكلمة وليست المقلوبة لمنطق هيغل التاريخي، أي لمنطق التاريخ العالمي.
فالتاريخ بالنسبة لماركس، كما هو الحال بالنسبة لهيغل، تاريخ كلي واحد (عالمي). انه ليس مجموعة تواريخ متنوعة مختلفة متفرقة جزئية (تاريخ فن وفلسفة وأدب وسياسية وملوك أمراء ودول وأمم وما شابه ذلك)، بل تاريخ واحد هو تاريخ الإنسان والطبيعة. وهي البذرة التي ستتفرع لاحقا في ثمار التاريخ الواقعي بمختلف أشكاله ومستوياته. فإذا كان التاريخ الروحي لهيغل هو التاريخ المتجرد والمرفوع إلى صراط الفكرة المنطقية، فان ماركس يضيف إليه الخط الموازي، أي التاريخ الفعلي. وليس هناك من تاريخ فعلي خارج إطار العلاقات الاجتماعية الاقتصادية.
لكنها موازاة لا تحاذي المنطق الهيغيلي تجاه التاريخ إلا فيما يتعلق ببنية المنهج المجردة وفعالية المقولات في كيفية كشفها لديناميكية الحركة الفعلية للتاريخ الواقعي. وهو انقلاب كبير في منظومة الرؤية والمفاهيم، وبالتالي في الاستعداد الذاتي للعمل والنشاط السياسي. بعبارة أخرى، إن هذه الموازاة الجديدة في الرؤية المنطقية للتاريخ كانت تحتوي على انقلاب تاريخي في المفاهيم والقيم والوسائل والغايات. ومنها كانت تتراكم نوعية الانفصال بين المنهج الهيغلي والماركسي في الموقف من التاريخ. وضمن هذا السياق يمكننا القول، بان ماركس يعيد في فلسفته التاريخية إنتاج الموقف الهيغلي من التاريخ، بما في ذلك من خلال تعميق وتدقيق الرؤية المنطقية للمفاهيم والمقولات. بمعنى انه يتتبع حيوية المنهج الهيغلي في الديالكتيك، ولكن من خلال نقلها من عالم الفكر المجرد والمسار المنطقي للتاريخ الواقعي إلى ميدان التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأيديولوجي، أي إلى ميدان التاريخ الفعلي المباشر.
فعندما يقول ماركس بأنه عمل من اجل وضع الديالكتيك الهيغلي على قديمه بعد أن كان يقف على رأسه، فانه لم يقصد بذلك سوى مهمة تفعيله من خلال إعادة النظر في "ثلاثية" الديالكتيك الهيغلي. أي ليس فكرة – واقع – فكرة، بل واقع – فكرة – واقع. وهو انقلاب هائل في الرؤية المنهجية للتاريخ مع ما يترتب عليه من تغير جوهري في المواقف العملية. إذ لم يعن منهج ماركس في ثلاثية الواقع – الفكرة – الواقع، سوى الاستيعاب العملي لحقيقة المنطق الهيغلي. أو على الأقل انه لا يخرج عنه فيما يتعلق بادراك قيمة الفكرة بوصفه منطقيا، والمنطق بوصفه فكرة بالمعنى الذي بلورته تقاليد الرؤية الفلسفية منذ أفلاطون.
إن محاولة ماركس قلب الديالكتيك الهيغلي كانت ترمي أولا وقبل كل شيء إلى إعادة النظر بالتاريخ الواقعي. فهي النتيجة الكامنة في مجرى الاقتراب من حيثيات هذا التحول بما في ذلك في مجال المنطق. فإذا كان المنطق عند هيغل هو الذي يحدد أنموذج التاريخ أي مساره وفعله من خلال الطبيعة، وان الطبيعة مجرد ميدان انفتاح وتناثر وتراكم وتنظيم الفكرة من جديد، فان الطبيعة بالنسبة لماركس كانت اكبر بما لا يقاس من أن يجري حصرها بالصيغة الهيغيلية. إن الطبيعة ليس صورة خلفية للتاريخ، وليست ميدانا له فحسب، بل ومصدره الذي أنتج نماذج الفعل (الأفعال) التاريخية.
طبعا أن هيغل كان أيضا يشعر بالقرف من "المثالية العندية" (الذاتية) التي تتعامل مع الفكرة كما لو أنها شياطين الغواية، أو أحلام الرحمة المبسوطة في خيال المؤمنين عن ملائكة الرب. فالفكرة لا توجد فقط في رؤؤس الناس. إن للفكرة تاريخها الخاص واستقلالها النسبي والمطلق في السير داخل الرأس وخارجه، أي في المنطق والتاريخ الفعلي. أنها توجد في الطبيعة والتاريخ. غير أن هيغل أراد بناء منظومة تاريخية محكومة في تطورها بمنطق مجرد ومتسام عن "الطبيعة". وبالتالي فان الحتمية فيه محكوم بقوة الضرورة المنطقية. بينما سيرجعها ماركس إلى حالة الطبيعة. وهي حالة لم تكن فيما يبدو معزولة عن نفسية وذهنية ماركس المهمومة بالطبيعة بمعناها الواسع، والتي نعثر عليها في أول أعماله التجريبية الفلسفية (أطروحته عن الفلسفة الطبيعية في الفلسفة الإغريقية) حتى آخر عباراته البلاغية المتعلقة بالحالة الاجتماعية المنبسطة لمزاج الروح والجسد في ملكوت الشيوعية! فقد أراد هيغل رؤية التاريخ الحقيقي(المنطقي) بوصفه مسارا طبيعيا، بينما أراد ماركس صنعه. من هنا كانت محاولات هيغل تصب ضمن التيار القائل بضرورة تحرير الرؤية الفلسفية للتاريخ من ولع الاستنتاجات السريعة للعلوم الطبيعية، بينما سعى ماركس بالعكس تماما، بحيث تتحول كل ما تتوصل إليه العلوم (التجريبية والنظرية) إلى مكونات جوهرية في الرؤية الفلسفية للتاريخ، سواء كان الأمر يتعلق برؤية أصول الأنواع لدارون أو الاكتشافات الأولية لعلوم الفيزياء والكيمياء والانتروبولوجيا لكي تكون مفاصلا في رؤية "تحول القرد إلى إنسان" و"ديالكتيك الطبيعة" و"أصل العائلة" والطبقات والدولة والمجتمع وظهور الأفكار والعقائد والقيم والمفاهيم والفن والجمال، باختصار كل شيء. وهو اختلاف يعكس في الأغلب كمية الرؤية وطابعها الحسي الطبيعي، أكثر مما يمس الأنساق العميقة للمنطق المجرد كما وضعه هيغل. ف"الرأسمالية" على سبيل المثال عند ماركس و"البروتستانتية" عند رانكه (ولاحقا عند ماكس فيبر) هي "أفكار" بالمعنى الهيغلي و"مقولات" بالمعنى الكانطي. لكنها ستتخذ عند ماركس لاحقا هيئة "الشكل" و"التشكيلة"، التي يصنعها البشر وتصنعهم. وهي صيغة تعكس في الوقع نفس عملية النفي والتوليف المميزة للمنطق الهيغلي، بمعنى أن الانتقال من حالة إلى أخرى هي مجرد سلسلة مترابطة ومظاهر متنوعة للارتقاء والتقدم نفسه. وهذه بدورها ليست معزولة عن تلك العناصر الجوهرية في الوعي التاريخي الأوربي (فكرة التقدم والارتقاء) التي أخذت تشق لنفسها الطريق إلى خلايا الوعي النقدي والرؤية العملية كما سنعثر على احد نماذجها الراديكالية الكبرى عند ماركس.
فقد انطلق هيغل من أن بنية التاريخ تتراكم من خلال الأفعال بوصفها تمظهرا للفكر والتفكر. وبما أن للفكر حدوده من حيث كونه بنية منطقية، كذلك للتاريخ بنيته الداخلية من حيث كونه شروط ومقدمات. ومنهما يتبلور "القانون" وفكرة القانونية. ولا مجال لفعل هذه الفكرة - القانون غير الطبيعة. غير أن ما يحددها هو الفكرة ذاتها. من هنا يصبح المنطق مفتاح الرؤية التاريخية، أي فهم التاريخ. طبعا أن ذلك لا يعني بان هيغل لم يكن يعرف الفرق الهائل بين المنطق المجرد للعقل المطلق ومنطق التاريخ الواقعي. لاسيما وان الأخير هو نتاج الفعل الإنساني المحكوم بفكرة (ولتكن غير منطقية) لكنها تخدم مسار المنطق. أما ماركس فقد حاول الجمع بين مادية القرن الثامن عشر الطبيعية (كل شيء له أصل طبيعي) وديالكتيك هيغل. من هنا ظهور وتبلور وتدقيق وتجسيد "المادية الديالكتيكية" في موقفها من التاريخ التي ستحصل لاحقا على مفهوم "الفهم المادي للتاريخ"، أي "الفهم المادي الديالكتيكي للتاريخ". وهي الذروة التي بلغها ماركس في "قراءته" للتاريخ، أي في تأسيسه لفلسفته التاريخية، بوصفها فلسفة عامة كونية جامعة شاملة بالمعنى الذي بلورته تقاليد المدرسة الألمانية (التاريخية والفلسفية). لكنها وحدة محكومة ليس بمعايير الجزئية المفرطة في تضخيم مكوناتها، بل بمعايير الواحدية المنهجية المهمومة بقضايا البديل الفعلي الشامل للوجود الإنساني(يتبع...).






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,684,459,579
- الأموية والسنّة – خلفاء عتاة وجبرية مقدسة!
- الأموية والفتنة
- شروق الماركسية وغروبها
- ماركس -المرايا المتحطمة-!
- المثقف ومهمة صنع التاريخ القومي
- المثقف العراقي وحقائق المرجعية الأبدية للروح
- أفاق الأصوليات (الدينية) السياسية في العراق
- المثقف وروح القلق واليقين
- الراديكالية السياسية للغلاة الجدد!
- المثقف – الحلقة الرابطة لديمومة الروح التاريخي للأمم
- الراديكالية الشيوعية والبعثية العراقية وانقلاب القيم!
- المثقف وإبداع الأبد
- الموجة الأخيرة للزمن الراديكالي
- طوفان الزمن الراديكالي وبداية التاريخ العقلاني
- المثقف ومرجعيات الروح المبدع
- المصالحة الحقيقية وأشباح الموتى!
- الزمن الطائفي والتاريخ العربي
- الحركة الصدرية – (تيار الداخل) وصعود الباطن العراقي(4)
- مقدمات المعترك السياسي والأيديولوجي للحركة الصدرية(3)
- الحركة الصدرية-غنيمة الزمن العابر وتضحية الانتقام التاريخي ( ...


المزيد.....




- بالفيديو.. صلاة الغائب في انديانا على "كاسيغ" الذ ...
- هامليتون يفوز في أبوظبي ويحرز لقب فورمولا
- 64 ألف إسترليني للعشاء مع كيت ووليام
- جمعية الصحراويين بفرنسا تعقد لقاء تواصليا مع الناشط الحقوقي ...
- رأي.. ماذا يعني امتلاك حزب الله صواريخ فاتح 110 ؟
- حريق في محطة قطارات بلندن دون إصابات
- تباين المؤشرات الخليجية في تعاملات الأحد
- بالصور: الانتخابات الرئاسية التونسية
- البحرين: هل يعد البرلمان المنتخب ممثلا حقيقيا للخريطة السياس ...
- البرلمان الأفغاني يقر اتفاقية أمنية جديدة تضمن بقاء القوات ا ...


المزيد.....

- الفلسفة الماركسية جذورها و ماهيتها / ثيودور اويزرمان
- الفلسفة الماركسية جذورها و ماهيتها / ثيودور اويزرمان
- نظرية الأوتار الفائقة من منظور الفلسفة العلمية / رائف أمير اسماعيل
- مابين الفيزيائي والمحتوى الكوني / هيبت بافي حلبجة
- اسرار الوجوه في التعامل مع الاخرين / احمد رياض
- في الأسس الفلسفية للسميولوجيا جدل المربع والدائرة / بتول قاسم ناصر
- نيتشه : مولد المأساة من روح الموسيقى / عادل عبدالله
- وقائع موت الشعر في فلسفة هيجل 2 / عادل عبدالله
- موت الشعر في فلسفة هيجل / عادل عبدالله
- الكتابة بوصفها خلاصا من الكتابة - مقاربة شعرية لفهم (اختلاف) ... / عادل عبدالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - ماركس وفلسفة التاريخ الفعلي