أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نقولا الزهر - استطرادات لغوية وفكرية















المزيد.....

استطرادات لغوية وفكرية


نقولا الزهر
الحوار المتمدن-العدد: 2636 - 2009 / 5 / 4 - 07:45
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


-1-
أطلق العلماء على الإنسان أوصافاً مختلفة :" الإنسان القرد" و "الحيوان الناطق" و "الحيوان الواعي" و" الحيوان المفكر" و" الحيوان الصانع" و"الحيوان الاجتماعي"، وقد سمَّاه أرسطو "الحيوان السياسي". تكمن أهمية كلام أرسطو في أن السياسة هي نشاط موضوعي من طبيعة الإنسان الاجتماعي، ولو غلف أحياناً بطبقات سميكة جداً من (التقية). والتقية بحد ذاتها هي إحدى مظاهر الممارسة السياسية للإنسان في ظروف الاستبداد والخوف.. و أكثرالبلدان نبذاً لمقولة أرسطو هذه على المستوى العالمي هي البلدان العربية ..
-2-
وفي بدايات المعرفة لدى الإنسان الواعي، كانت الميتافيزيكا، أو ما وراء الطبيعة، هي المسيطرة على العالم البدائي الموغل في القدم. ومعظم الأشياء كانت تكتنفها الأسرار، والشيء الذي لم تتوغل المعرفة في أدغاله، كان يحيل إلى القداسة لدى الإنسان البدائي تلقائياً. هنا كانت بداية الأديان، فالإنسان كان يعبد كل شيء لا يعرف كنهه.
وبالنسبة للميتافيزيكا، فمهما سبر الإنسان بعلمه أغوارها، فهي لا تصل إلى الصفر بالمعنى الرياضي. أي لا تنتهي، وسيبقى دائماً مجاهيل لدى الإنسان. ودوام العلم والمعرفة من دوام الميتافيزيقا. إن الميتافيزيقا هي غابة المعرفة التي لا تنضب. وفي اعتقادي (الماديون جداً) يخطئون كثيراً حين يلغون موضوعية الميتافيزيقا، لأن هذه الأخيرة هي موضوع العلم ومنجمه، وإنهاؤها يعني إبقاء العلم محروماً من موضوع شغله الدائم. وهؤلاء يلتقون في النهاية مع التماميين والسلفيين الذين وقفوا في علمهم عند حدوده قبل خمسة عشر قرناً...
-3-
اختلف العلماء فيما أيهما قبل، "الحيوان الناطق" أم "الحيوان المفكر"؟ ولكن يبدو في النهاية استقر الرأي تقريبا على أن تطور عملية التفكير لدى الإنسان كان متزامناً مع تطور عملية النطق والكلام. فاللغة أداة التفكير. وقد سألوا كارل ماركس عن اللغة فقال : "هي توسط بين الفكروالواقع".. هذا الدور الكبير للغة معروف منذ القديم . اللوغوس في الفلسفة اليونانية تعني (اللغة) و (الله) و (العقل). وقد قال يوحنا اللاهوتي في مقدمة انجيل يوحنا، في البدء كان الكلمة ...والكلمة هو الله. و اعتبر الأديب الألماني الكبير (غوته) الكلمة فعل. والترجمة الفرنسية لافتتاحية انجيل يوحنا اعتبرت أيضاً الكلمة فعل: ( في البدء كان الكلمة =Au commencement etait le verbe). وكذلك في أيام الجاهلية قالت العرب : أول الحرب الكلام.
-4-
يفرق هيجل بين الذهن والعقل، فيعتبر الأول موجوداً في الدماغ وهو عضو التفكير؛ بينما العقل يوجد خارج الرأس. يوجد العقل في الواقع، والواقع هو الذي يعقِل الفكر خلال الممارسة بشتى أنواعها. الواقع يعقل الفكر خلال الطريق (المكاني /الزماني) من (الهدف) الذي يضعه الفكر في بداية الممارسة الإنسانية إلى (النتيجة) التي تقررها شروط الواقع في نهايتها.
وفي إطار هذه اللحظة المعرفية ،يتكلم هيجل عن (مكر العقل) أو (مكر التاريخ= الطريق الزمكاني) و (مكر الواقع)، والقرآن يتكلم عن (مكر الله) في المعنى ذاته تماماً.. وكذلك الفلسفة الشعبية في بلادنا تسهم بدورها في هذا الموضوع حين تقول: " لم ينطبق حساب الحقل على حساب البيدر". شروط الواقع مسؤولة عن الفرق بين الحقل والبيدر. وكذلك في الفلسفة الشعبية يقال: " لم ينطبق حساب القرايا(جمع قرية) على حساب السرايا". وكذلك الفلسفة الشعرية لم تفتها مسألة مكر الواقع ومكر الله فيقول المتنبي : تجري الرياح بما لا تشتهي السفن"، وهنالك العشرات من الأمثال والأبيات الشعرية التي تحيل إلى المعنى ذاته. وفي أيامنا نرى الكثير من السياسيين والقادة الذين يتورطون في مكر الواقع، ليصبحوا غير قادرين على التراجع والمناورة، ويغدو ممرهم الوحيد الهروب إلى الأمام.
-5-
إن المادة موجودة قبل وجود الإنسان الواعي والمفكر. وبطبيعة الحال في سياق تاريخ الطبيعة: المادة قبل الفكر. ولكن منذ بدأ الإنسان يعي ويفكر ويصنع ، بدأ الجدل بين المادة والفكر والتأثير المتبادل بينهما، في سياق العلاقة العامة بين الفكر والواقع. وعلى مستوى الممارسة الإنسانية فمنذ أن تبلور الإنسان المفكر و "الإنسان الصانع "، فالفكر مقدمة للممارسة العملية. وخلال الممارسة، الواقع يقوم بعملية النفي. وعملية النفي تحتاج أحياناً لمئات أو آلاف السنين. مثل تعدد الآلهة فعملية نفيها احتاجت لفترة طويلة جداً، حتى تم طرحها من أخناتون والفيلسوف اليوناني هيراقليط وعشرات الأنبياء والرسل والحكماء والمصلحين.وقد قال هيراقليط قال عن الإله الواحد أنه نافي الآلهة"
ويقبض لينين على عملية الجدل بين الفكر والمادة وعلى أسبقية الفكر في بداية الممارسة فيقول: "إن البنَّاء يضع مخططاً قبل أن يبني البيت، والنجار يضع شكلاً للطاولة قبل أن يصنعها ". فلا بد من التفكير قبل الشروع في العمل . وعلينا ألا نستغرب، فلينين بعد 1920 ، أملى الواقع الاقتصادي والاجتماعي الروسي بعد ثورة أوكتوبر عليه، ضرورةَ تصحيح أفكاره والقيام بعملية نفي لفكر سابق، وأطلق ما سماه آنذاك سياسة " النيب" (السياسة الاقتصادية الجديدة)، التي لم يحالفه الحظ على تطبيقها بسبب مرضه، فجاء خليفته ليبقي هذه السياسة الإصلاحية حبراً على ورق، لأنه لم يكن يعتقد بالنفي ويمقت كثيراً نفي النفي. نعم يوسف ستالين لا يؤمن بالنفي ولا بنفي النفي. وإلا كيف يمكن أن نفسر تصميمه على تحنيط لينين في الوقت الذي أوصى هذا الأخير أن يدفن إلى جانب والدته في بطرس بورغ. إن المصريين القدماء لم يعتقدوا بالنفي ولا بنفي النفي، ولذلك عندما كان يموت الإنسان عندهم كانوا يحنطونه ويضعون إلى جانبه سنابل القمح وحبوب الرز ليتغذى عندما يجوع.
-6-
لينين كان يؤمن بالنفي ونفي النفي، ولا يقدس النص، وفي اعتقادي لو طال به الأجل وعاش إلى أواخر العشرينات وقرأ (ماكس بلانك) وباقي علماء ميكانيك الكمّ لأعاد النظر في كتابه "المادية ومذهب النقد التجريبي"، ولغيَّر وجهة نظره من الحتمية العلمية( Detrminisme ). لأن ماكس بلانك أثبت موضوعية الريبية، وأنه لايمكن في آن واحد تحديد موقع الجزيء وسرعته، فيمكننا في لحظة محددة إما إثبات موقعه أو إثبات سرعته.
فالعلم نسبي وليس مطلقاً، والممارسة والتجربة تعمل على تصحيحه باستمرار. والعلم مجرد أن ننظر إليه كحتمية وننقله من النسبي إلى المطلق يتحول إلى دين. وبالمناسبة ففي الولايات المتحدة الآن كنيسة للعلم لها أجواؤها وطقوسها. وأي علم ينقطع عن الفلسفة، هذا الفضاء الرحب، يتقوقع ويتحول إلى دين. وجريمة ابن رشد بالنسبة إلى فقهاء عصره، أنه كان طبيباً وقاضياً وعالماً وفيلسوفاً. فاهتمامه بالفلسفة أدى إلى تكفيره وإحراق كتبه في ساحة قرطبة. وأصدر الغزالي لائحة الاتهام في كتابه (تهافت الفلاسفة). لكن ابن رشد العالم والفيلسوف لم تلن عزيمته فأصدر كتابه (تهافت التهافت) الذي دافع فيه عن الفلسفة. ونقلت فلسفته الأرسطية إلى أوربا.
وفي الواقع الرياضيات على أهميتها وضرورتها، بدون الفلسفة والعلوم الإنسانية لا تشكل تحصيناً من وباء الحتميات والأفكار الثابتة. وأن الرياضيات المقطوعة عن الفلسفة والشك والريبية والاحتمالات ومبدأ الصدفة وعلم الزهر Hazard)) كما يقول المرحوم الياس مرقص تحيل إلى الماضي وليس إلى الواقع والمضارع والمستقبل.
-7-
وعلى سيرة القطع بين الرياضيات والفلسفة، يمكننا أن نعرج على القطع بين التحديث(Modernisation) والحداثة(Modernity)الذي يتجلى بكل أشكاله أيضاً في الدول ذي الأنظمة الشمولية الاستبدادية. ففي هذه البلدان يمكن التكلم عن استيراد كل التقنيات وبناء الفنادق الضخمة والسيارات الفارهة والأدوات الأكترونية، ولكن الكلام محرم عن الحداثة ومضامينها مثل الحرية والديموقراطية وحقوق المواطن السياسية والمدنية، وحقوق الإنسان وتغيير قانون الأحوال الشخصية واعتماد الزواج المدني، وكل هذا التحريم تحت يافطة الخصوصية والأصالة والحفاظ على التراث والتقاليد.
-8-
إن مقولة الحتمية التاريخية من أكثر المقولات التي أضرت كثيراً بالتجربة الشيوعية العالمية، وبالماركسيين العرب التي جعلوها من المقولات المقدسة. في السبعينات من القرن الماضي، بعد إقالة نيكيتا خروشوف وسيطرة بريجنيف في الاتحاد السوفييتي، انتشرت كثيرا حتمية قرب انهيار الرأسمالية وبداية انتصار الشيوعية. وفي تلك الأيام سئل أحد الأمناء العامين العرب حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في بلده، فأجاب بأن بلاده قد انتصر فيها النظام الاشتراكي ولم يبق من بقايا الرأسمالية غير بعض الباعة كالسمان " أبو أحمد" وبائع الخضار" أبوعلي" واللحام "أبو ممدوح".....
-9-
من جانب آخر، وقع في مطب "الحتمية التاريخية" منظر رأسمالي كبير هو (فرانسيسكو فوكوياما). فبعد انهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي وتجربة أوربا الشرقية في عامي(1990-1991 )، خرج هذا المنظر الأميركي ذو الأصل الياباني بنظرية (نهاية التاريخ) التي اعتبر فيها النظام الرأسمالي آخر الأنظمة الاجتماعية ونفى إمكانية مجيء نظام آخر بعده . ولكن واقع تطورات النظام الرأسمالي في مرحلته العولمية الأخيرة وتناقضاته وأزماته التي بدأت منذ أواسط التسعينات في اليابان ومن ثم في بلدان النمور الآسيوية، ومن بعدها في المكسيك والأرجنتين، دفعت هذا الرجل لأن يتراجع بروح علمية عن مقولته، بدون أي تزمت إيديولوجي، في عدة مقالات نشرت له. ثم جاء انفجار الأزمة المالية العالمية الأخيرة ليثبت واقعية وموضوعية التناقض في النظام الرأسمالي، وهذا يطرح بالتالي إمكانية صيرورة النظام الرأسمالي باتجاه نظام اجتماعي آخر أكثر تقدماً وأقل تناقضاً. حتى الآن هذه الإمكانية لا يمكن أن نحدد لها زمناً ، ولكن يمكن توقعها. وعلى أرض الواقع، هنالك مناضلون من أجلها على المستوى العالمي. وهذا النضال متركز في الوقت الراهن في البلدان الرأسمالية الأكثر تطوراً. وابتدا تفجره الأول في الولايات المتحدة (سياتل) وانتشر إلى أوربا والبرازيل والمكسيك واليابان والهند.
ولكن هذه الحركة النضالية نكاد لا نجد لها أثراً ملموساً في البلدان التي خرجت منذ فترة قريبة من شموليتها(دول الاتحاد السوفييتي السابق واوربا الشرقية)، وكذلك في البلدان التي لا تزال غارقة في استبدادها وشموليتها وتخلفها؛ لأن نضال الشعوب في هذه البلدان، ومن ضمنها بلداننا العربية، لا يزال في طور النضال من أجل الحرية، وهو النضال الأساس لديها في الوقت الراهن.
دمشق في 26/4/2009





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,919,219,070
- حكاية الأعداد والأيام والكواكب والآلهة
- معرفتي حول النيروز وأعياد الربيع
- النيروز وأعياد الربيع
- في العراق تراجع الهويات المذهبية أمام الهوية الوطنية
- حول الخصوصية والحامل الاجتماعي في الديموقراطية
- ليس انتصاراً!! لكنه احتجاج فردي مكثف بتعبيراته ورمزيته؟؟
- مبروكة للحوار المتمدن سبعه الملاح
- مشهد عولمي من قبل الميلاد
- مقاربة فكرية حول الأزمة الاقتصادية العالمية
- روسيا بين أن تدافع عن وجودها....وألا تنزلق إلى حرب باردة
- بقايا صور من الحياة اليومية/المكان
- العلمانية والديموقراطية والمجتمع المدني بين فكي التسلط والتط ...
- مشاهد متقطعة من الطفولة المبكرة
- فيروز والرحبانيون
- طيور سورية جديدة تحفر أعشاشها في جدار الخوف
- ما كل ما قبل الثورة جاهلية
- تلميذ يعيد الاعتبار لأستاذه
- هل يأتي المخرج من الشعب الفلسطيني
- الحوار اللبناني يمشي على الحبال الدولية والإقليمية
- اضطرام الجغرافية السياسية في الشرق الأوسط


المزيد.....




- كندا: مجلس النواب يصف الجرائم بحق الروهينغا في بورما -بالإبا ...
- سلاح الجو الإيراني يجري تمرينا بالخليج وبحر عُمان
- داعية يثير جدلا بصورة يقارن فيها عاشوراء عند السنّة والشيعة ...
- خمسة جرحى بينهم طفلة في إطلاق نار في نيويورك
- مقتل 86 شخصاً على الأقل في حادثة غرق عبارة في بحيرة فيكتوريا ...
- فتح تحقيق في واقعة الطرد.. كيف سيعاقب رونالدو؟
- مباحثات عمانية أوروبية بشأن الأزمة الخليجية
- الحرب الالكترونية.. واشنطن تتوعد القراصنة
- مليارا دولار تغير شهادة بومبيو تجاه حرب اليمن
- غوتيريش للجزيرة: اليمن حالة معقدة للغاية


المزيد.....

- التحليل النفسي: خمس قضايا – جيل دولوز / وليام العوطة
- نَـقد الشَّعب / عبد الرحمان النُوضَة
- التوسير والرحلة ما بين أصولية النص وبنيوية النهج / رامي ابوعلي
- مفاهيم خاطئة وأشياء نرددها لا نفطن لها / سامى لبيب
- في علم اجتماع الجماعة- خمسون حديثا عن الانسان والانتماء والا ... / وديع العبيدي
- تأملات فى أسئلة لفهم الإنسان والحياة والوجود / سامى لبيب
- جاليليو جاليلي – موسوعة ستانفورد للفلسفة / محمد صديق أمون
- نفهم الحياة من ذكرياتنا وإنطباعاتنا البدئية العفوية / سامى لبيب
- أوهامنا البشرية - وهم الوعى وإشكالياته / سامى لبيب
- أساطير أفلاطون – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ناصر الحلواني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نقولا الزهر - استطرادات لغوية وفكرية