أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عامر عبد زيد - إشكاليات الحداثة والتراث















المزيد.....


إشكاليات الحداثة والتراث


عامر عبد زيد

الحوار المتمدن-العدد: 2608 - 2009 / 4 / 6 - 09:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



أن المثقف يفكر بصورة مباشرة أو غير مباشرة انطلاقا من تفكير مثقف سابق يستوحيه عبر التأثر بمقولاته وطرق معالجته منهجا ورؤية لهذا أما أن يسير على منواله ، يكرره أو يعارضه سعيا إلى تجاوزه انطلاقا من اختلاف المواقف والانتماءات ، التي لا تعود ذاته بل قد تختلف معها المعالجة

ومن هنا فالتفكير دائما في موضوع الذي بدوره ينقسم أما أفكار أو معطيات الواقع الطبيعي والاقتصادي والاجتماعي وهي القضايا التي يعمل المثقف على التصدي لها وإيجاد حلول وهذا يفترض أن يتم عبر التفكير بالمفاهيم والنظريات لها مرجعيات وهذه المرجعيات تتباين بين التراث وامتداداته في الحاضر فإذا ما اتخذنا ذاتنا الحاضرة مركز للرؤية ، حيث يغدو التراث ذلك الأخر الذي نسميه التراث يوجد ( هناك ) في فترة من فترات الماضي انه تراث حضارة أصبحت بعيدة عن واقع العصر الذي نعيش فيه والفكر الأوربي الذي أصبح اليوم فكرا عالميا ، يوجد هو الأخر ( هناك) بوصفه حلقة في سلسلة التطور لم تعش بدايتها ولم نواكب تطوراته أما حاضرنا فهو متمثل بتلك القضايا الاقتصادية والاجتماعية وهو بالتالي المحفز على خلق تلك العلاقة بين التراث والحداثة عبر إيجاد آليات فكرية تقدم العون إلى الواقع وتجعلنا قادرين على حل مشاكلنا بصورة أكثر دقة فهذه عملية عقلية قد تبدو ذاتية بالمفكر لكن المفكر لاشك مرتبط بالمرجعيات الفكرية وهي التراث والحداثة معا .

بين التراث الذي يمثل ماضي لا يمكن إلغاءه بل يفترض التحاور معه عبر منطق حواري تكاملي يعمق الهوية لا بصيغة رجعية تدافع عن الماضي ولا بصيغة إيديولوجية تسعى إلى طرد التراث بل لأيد من صيغة جدلية واعية تحقق تخطي التاريخي دون ان تعرض فهمنا الحاضر على الماضي وهو ما يسميه بول ريكور ( انصهار الأفاق ) ، وهذا يتحقق عبر اجتراح حلول وإمكانيات جديدة للفكر فالنقد الحداثوي كما يقول علي حرب ( أن الفاعلية النقدية هي فضح لنقائض العقل بقدر ما هو كشف لنقائض الواقع ) .

- الرواية العربية والموروث الحكائي أ.م.د. علي كاطع خلف / اداب الكوفة

نشأت الرواية العربية وهي تحبو على أثار الرواية الغربية التي كانت قد أرست تقاليدها الأدبية الرصينة خلال ما يزيد على قرن من الزمان ، وقد كانت في نشأتها هذه تستوحي مضمونها وشكلها من قرينتها الغربية ، ولاسيما الروايات التي تسعى إلى إرضاء الذوق الشعبي لجمهور القراء ، وتسطير عليها النزعة التجارية والبعد عن كل ما يثير الملل لدى القارىء .

ثم قامت محاولات لبعض الأدباء لاستغلال بعض الإشكال القصصية ( العربية القديمة وخاصة المقامة متأثرين في ذلك بفكرة بعث التراث العربي القديم وذلك للتعبير عن أفكارهم في مجال الإصلاح الاجتماعي وهو الاتجاه السائد الذي يتجه إليه كبار المفكرين ) ."

ويعني ذلك ان الحافز الذي يكمن خلف ذلك الاستغلال للموروث الحكائي كان حافزا تعليميا وليس فنيا ، وبعد التطورات التي شهدها المجتمنع العربي ، نتيجة احتكاكه بالحضارة الغربية في بداية القرن العشرين ، بدا أن الرواية العربية تتحول " من كونها مجرد عمل يهدف إلى التعليم المباشر أو إلى التسلية والترفيه إلى محاولة الارتباط بواقع المجتمع والى التخلص من التقليد المباشر للنماذج الأوربية التي تتلاءم مع الذوق الشعبي إلى التأثر بالروايات الأوربية الجادة ، مما نتج عنه ظهور الرواية الفنية.

أي أن الرواية العربية بدأت مرحلة أولى من مراحل تطورها باستبعاد تلك المضامين المنسجمة مع الذوق الشعبي لتعالج موضوعات اقرب صلة بالمجتمع العربي الذي أنتجها من الروايات الأول المستلهمة للنماذج الروائية الشعبية الأوربية ، وانعكس ذلك كله على طريقة معالجة الموضوع ـ أي على الشكل الفني ، لكن هذه الرواية ما تزال في كثير من نماذجها تسير على نهج الرواية الغربية شكلا ، بعد أن قامت ببناء مضامينها الخاصة بها والمعبرة عن الواقع الذي ولدت فيه كما يشير إلى ذلك الروائي العربي الكبير نجيب محفوظ بقوله : " ان تجربة الرواية العربية الحديثة قصيرة العمر لا تتجاوز الستين عاما . لقد نشأنا فوجدنا طه حسين وسلامة موسى وسواهما من قادة الفكر يمجدون النموذج الأوربي في الحضارة والثقافة والأدب ، فاعتقدنا مثلهم أن الشكل الغربي للرواية هو الشكل العالمي ، فاحتذيناه ، وكان هذا خطا إذ تبينا فيما بعد انه شكل غربي مرتبط بالحضارة الغربية . وانه توجد إشكال متعددة للرواية والأدب والفن في العالم . لذا نعود اليوم إلى التراث القصصي العربي ، محاولين تأصيل الشكل الروائي العربي بعد أن تمكنا خلال العقود والأعمال السابقة من تعريب المضمون الروائي " .

إن مشكلة تأصيل الشكل التي يشير إليها نجيب محفوظ ، هي يلاشك اشد تعقيدا من تعريب المضمون وتستلزم وقتا أطول من ذلك الذي اقتضاه تعريب الأخير ، إذ ليس من السهل الخروج على تقليد أدبي استمر أكثر من قرنين كاملين .

تآزرت عوامل كثيرة على بنائه وتكوينه وكان نتاج حضارة متقدمة هي الحضارة الغربية ، مع إننا لا نعدم من يذهب إلى وجود ( الرواية ) في أماكن وحضارات أخرى مثل اليابان أو الصين ، ومنذ قرون كثيرة خلت ، قد ترجع إلى القرن الثاني عشر الميلادي في اليابان والقرن الخامس عشر في الصين .

ولكن الرأي السائد ، هو أن الرواية إنما هي نتاج المجتمع الغربي وتحديدا منذ نهايات القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن عشر ، فمنذ ذلك الوقت بدأ يتكون تقليد (tradition) حقيقي للأدب السردي في ذلك العالم ، إذ أن كل فن هو في حقيقته تقليد ، أي أن الفنانين يتعلمون صنعتهم من أسلافهم إلى حد بعيد ، ويمكنهم أن يضيفوا إلى التقليد فاتحين بذلك امكانات جديدة لم يخلفهم ، ومع ذلك فهم لابد أن يبدلوا بتقليد ما ، كما يؤكد ذلك كل من روبرت شولز وروبرت كيلوغ

إن الأهمية التي يحظى بها التقليد الأدبي في مجال الرواية لا يقتصر على كونه يوضح الخطوات التي يجب على الروائي أن يتبعها للوصول إلى بناء عمله الإبداعي حسب ، وإنما تعين للقارىء مؤشرات محددة يمكن أن يتخذها معيارا لضبط طبيعة العمل الأدبي الذي يقدم له وادخله في ضمن جنس بعينه ، ليسهل فهمه وتفسيره ، ومن ثم استجابته أو عدم استجابته للخروجات التي يعمد إليها الكاتب في عمله ، إذ أن التقليد الأدبي يغدو مفهوما أكثر ويحظى باهتمام اكبر حينما يكون نتاج اتفاق عام في الرأي . من هنا نستطيع أن نتبين مدى الأهمية التي يحظى بها التقليد إلى الحد الذي يدعو عبد الرحمن منيف إلى القول : " أن الرواية العربية بلا تراث وبالتالي فان أي روائي عربي معاصر لابد أن يبحث عن طريقه في التعبير بدون دليل أو بأقل ما يمكن من الأدلة ، ولذلك فانه معرض إلى أن يقع في بعض الأخطاء وان يكون لديه بعض النواقص " .

ومن المؤكد أن ما يقصده منيف هنا بالتراث ماهو إلا التقليد الأدبي وليس المكونات الموضوعية التي تتألف الرواية منها . إذ أن المشكلة تكمن في الشكل وصياغته الفنية بالدرجة الأولى ولا سيما في مثل هذه الظروف التي تظهر فيها أنواع أدبية جديدة أو يحدث تحول أو تطور في الأنواع القديمة وبهذا الصدد ، تقول ديانا سبيرمان : " عند ظهور الرواية بوصفها شكلا أدبيا كان التغيير في التكنيك أكثر منه في محتوى الكتاب هو ذو الأهمية الكبرى ".

بل أن هذه الأهمية التي يحظى بها الشكل الروائي يجعل لها أيان وات النصيب الأوفر في الرواية ، فنحن " عندما نتحدث عن التكنيك ، إذن نحن نتحدث عن كل شيء تقريبا " .

على حد قوله ، ويجب أن لا يفهم من هذا الكلام أن محتوى الرواية لا قيمة له ، إذ أن الرواية أكثر من أي شكل أدبي أخر قدرة على التعامل مع أوسع طيف من الموضوعات الاجتماعية والتاريخية والثقافية العامة

من خلال تلك الأهمية التي يحظى بها الشكل الفني للرواية وطبيعة محتواها والتقاليد الأدبية المؤسسة لها على مر السنين وتعاقب أجيال الروائيين ، يمكننا أن نفهم مدى المعاناة التي يكابدها الروائي العربي في سبيل شق طريقه لبناء عمله الروائي النابع من صميم مجتمعه شكلا ومضمونا ، كما عبر عن ذلك منيف ، وليس بالسير على خطوات كتاب الغرب أو باستعارة الإشكال الروائية الغريبة عن بيئتنا العربية وبنيتها الثقافية العريقة .

حداثة الرؤية في قراءة النص القديم / تومان غازي
لا تستعمل كلمة ( حداثة ) بمعنى زماني بسيط ، بوصفها مرادفا قريبا لـ( جديد ) أو ( معاصر ) ، مع اضاقة توكيد ايجابي وسلبي للقيمة . وإنما يمكن استعمالها على نحو عام جدا ، من خلال الاحتمال الإشكالي لوجود الأدب كله في الحاضر ، وكونه يعد أو يقرأ من خلال وجهة نظر تستدعي الاشتراك معه بإحساسه بالحاضر الزماني.

ولهذا يمكن نظريا إلقاء سؤال الحداثة عن أي أدب أو ( نص) ، وفي أي زمان ، سواء كان معاصرا لنا أم لم يكن، بتوفر شروط معينة تساعد على وضع النص في سياق ثقافي وحضاري إنساني معاصر .

واهم هذه الشروط ، شرطان جوهريان ، اولهما : وجود القارىء ذي الرؤية الحديثة . وثانيهما : قابلية النص على حمل المعاني المتضمنة أو الدلالات المتضمنة الرمزية التي تتجاوز المعنى الصريح المجرد الذي يشير إلى واقع خارج النص .

وهذان الشرطان ، وان كانا يبدوان متوازيان ، أي : يعملان معا على بلورة الرؤية الحديثة التي تعمل على إنتاج الدلالة ، ألا أنهما في الواقع متعارضان تعارضا تكامليا . فتحديث النص يحتاج إلى قارىء حدا ثوي ، لكن النص لا يعطي نفسه بسهولة لهذا القارىء أو ذاك ليعمل على تحديثه بحرية ، ما دام النص القديم بالأساس له سياقه التاريخي الذي يعمل على تصلبه وجموده ، في الوقت الذي تشع فيه علاقاته النصية إشعاعات ذات وقع في نفس القارىء الحد اثوي تشابه وقع وعيه المعاصر .

وعلى هذا الأساس يمكن بيان أبعاد هذين الشرطين بشيء من التفصيل فيما يأتي ، موضحا إياهما بالأمثلة .

1- حداثة الرؤية :
الرؤية ببساطة : هي نمط من الوعي الحاد . وإذا حددت في ظرف الحاضر فأنها تعد شرطا أساسيا للحداثة . وبهذا يمكن تعريف حداثة الرؤية أجمالا بأنها : ذلك النمط من وعي الإنسان المعاصر بأهمية اللحاق بحركة الزمن

أي انه يمثل نزعة تجديدية في النظر إلى الحياة والعالم يتجاوز تلك الأسس التي تشكل ثوابت في الذوق والحساسية ، وترتبط بالتقاليد البالية .
ويشترط لهذه النظرة – بعض الباحثين – أن تبدأ من ألذات وخصوصيتها ، فتختزل موقفها الفكري والجمالي من الحياة ، ومن النص والعالم . نظرة تجددها من الداخل
وهذا يعني أن هذا القارىء يصبح حرا في اختياره لهذا النمط من الوعي بالقياس إلى الوعي القديم في قراءة النص ، حتى يقوم النص القديم بسد حاجة التعبير عن ذلك الوعي الجديد ، بنسبة معينة . في الوقت الذي ينتشل فيه القارىء الحد اثوي النص من سياقه التاريخي الميت نسبيا أو الضيق من وجهة نظر حديثة .

وعلى الرغم من تقيد النص بسياقه التاريخي ، وسياقه اللغوي ، إلا أن القارىء الجيد يكون متلقيا ايجابيا ، بمعنى انه يقرأ بسياقه الثقافي الخاص ، الذي هو حصيلة ثقافية واجتماعية ونفسية تتلاقى مع النص . وبهذا يستقبل القارىء الحد اثوي النص على وفق معجم يمده بتواريخ الكلمات سواء وعاها كاتب النص أم لم يعها (. فتتضاعف دلالة النص ويكتسب قيما جديدة فضلا عن قيمته الدلالية القديمة .

وشرط الحرية في قراءة النص القديم ضروري ، يبعد عن القارىء القراءة الاسقاطية . التي لا ترتكز على النص ، وإنما تمر من خلاله وتجعل منه وثيقة لإثبات قضية شخصية أو اجتماعية أو سياسية ، في الوقت الذي تجعل القارىء مدعيا عاما . على النحو الذي تؤول فيه المذاهب الدينية والأحزاب السياسية النصوص القديمة المعتبرة لتعزز موقفها من قضية ما ، وتسقط الخصم في الخطل في آن واحد .

مثل هذه القراءات غالبا ما تفصل النص عن سياقه اللغوي الذي يحدد نطاق دلالته ، وتوجد من يعارضها ويحاول إعادة النص إلى سياقه اللغوي ، أو التاريخي . وهذه العملية قد تستحضر النص القديم ، إلا أنها لا تفجر طاقاته ، وتجعله فاعلا في الحاضر فعالية إنتاجية مثمرة .

2- رمزية النص القديم :
النص القديم الخالد رمزي بطبيعته ، وبعبارة أخرى انه قديم حديث في آن واحد . وبهذا يمكن أن نقول : أن سر خلوده يرجع إلى استعمال الرمز الفني ، الذي يمكن إجمال تعريفه بأنه : صورة تنشأ من علاقة شيء يوحي بشيء أخر . والشيء الأول ظاهر أو حسي ، ويسمى الشكل أو الصورة ، والأخر مجرد وخفي ـ أو روحي كلي ، وأحيانا مطلق يؤطى به ولا يتقرر . وعليه فان الرمز يصور شيئا لا نهائيا وفكرة تتردد فيها ظلال الروح ، وترتبط بما هو خالد ، وكل ما هو غير مستقر وغير واضح .

وينشأ الرمز الفني من التراكم المجازي الذي ينكشف من تداخل الصور ، ونفوذ بعضها ببعض وتداعيها في سياق نبتة جمالية موحدة بين الجزئي المحسوس والكلي المجرد ، بمعنى أن الصور تتجاوز الطابع الحسي إلى الأساس الذي يسندها .

وعليه فان الرمز الفني بعد ان ينتزع من الواقع يصبح طبيعة مقتطعة مستقلة بحد ذاتها . وليس بينه وبين الشيء المادي المقتطع منه من علاقة الا بالنتائج. التي توحي بالتشابه بين الدال والمدلول من خلال تشابه وقع كل منهما على النفس ، أي تشابه الأثر النفسي .
ومثل تلك النصوص مهما كانت قديمة فأنها حاضرة أبدا ، وان وظفت فيها الأساطير وذكرت فيها الآلهة وإنصاف الآلهة والخرافة في صياغة الشكل ، الا أن باطنها يعبر عن حقائق وإبعاد وظواهر اجتماعي ونفسية وكونية متجذرة في ضمير الإنسان .

ومن هنا نستطيع أن نقول : أن إعادة قراءة مثل تلك النصوص برؤية حداثوية لا تخرج عن ثلاثة إبعاد . الأول : محاولة إعادة وضع الإنسان بالنسبة للنص . والثاني : إضاءة تفاصيل مهمة كانت مجملة في تعبيرها . والثالث : محاولة تكييف النص مع وضع جديد كانت لا تشير إليه لعدم وجود أو ظهور هذا الوضع في حينه .

وهذا لا يتم الا اذا كان النص يحتمل التأويل ، وبالا حرى انه يوحي به ، مقابل النص المحكم الذي لا يحتمل أكثر من معنى . وقد أشار إلى مثل هذا قوله تعالى : " هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ، وأخر متشابهات ، فإما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ، وابتغاء تأويله .... " .

والنص الرمزي هو المتشابه ، وعليه اشتراط في القارىء الحداثوي شرط الحرية لفصله عن القارىء الاسقاطي الذي يعكس في تأويله زيغه أو مرض قلبه . ولا يعكس الحقيقة التي اتخذت وصفا جديدا ، ودلالة جديدة بسبب تغيير علاقاتها لا بسبب تغيرها بوصفها حقيقة لذاتها

ومن الأمثلة على ذلك ما رآه قارىء محدث في رمزية المرأة بقصيدة كعب بن زهير المسماة( بالبردة) التي يقول فيها :
تجلو عوارض ذي ظلم اذا ابتسمت كأنه منهــل بالـــراح معلــــــــول

اذ يرى القارىء أن كعبا أقام من ( سعاد ) رمزا) لجاهليته أو العصبية ) من الذين وقفوا موقف الخصومة من النبي ( ص ) ودعوته ، ثم انتهى بهم الأمر إلى خذلان الشاعر بدخولهم في الإسلام .

فهل كانت هذه الرؤية الجديدة في ذهن الرسول (ص ) ؟! .. أم انه (ص) رأى فيها إجادة كعب لهذا التقليد الفني الراسخ في ذهن ذائقة وثقافة الإنسان العربي آنذاك ، الذي يوجه قراءة النص في سياقه الزمني ، مما جعل القصيدة تطير في الأفاق حاملة على أجنحتها القيم المفهومية المتمثلة في غرض القصيدة الرئيس وهو مدح الرسول (ص ) والمسلمين ، والإقرار برسالتهم ونصرهم ، حتى أصبحت فتحا إعلاميا للإسلام يوازي الفتح الميداني لمكة المكرمة ؟ !.. .

الجواب لا يخفى على احد ، وهو أن النبي (ص) لو رأى رأي القارىء المحدث لما خلع على كعب بردته وعفا عنه ، وكان قد أهدر دمه (22) . قبل ذلك . ولم تختلف رؤية ابن قتيبة ( ت 276 هـ) عن رؤية النبي(ص) إلا بتفسير سر استجابة القارىء للنسيب لان : " النسيب قريب من النفوس لائط بالقلوب ، لما قد جعل الله في تركيب العباد محبة الغزل وألف النساء ....."

وهذا لا يمنع أن نرى بعدا أخر في قراءة حديثة ، بعدا كان له وجود باهت لطغيان الدلالة الأولى عليه في القرون الأولى لإنتاج النص ، وربما تستمر تلك الرؤية عند بعضهم ، في حين تضعف عند آخرين الدلالة الأولى وتبرز دلالة ثانية ، وربما ستبرز دلالة ثالثة ورابعة في المستقبل ما دام النص يحتمل التأويل ويوحي بدلالات جديدة لقارىء ذي أفق حدا ثوي جديد .


- الخطاب المسرحي بين التراث والمعاصرة - د . باسم الاعسم / آداب قادسية

إن القدرة في التجاوب مع روح العصر تعد من ابرز واهم خصائص الخطاب المسرحي الذي امتلك خاصية الدينامية ، من جراء تشبثه بالحياة ومعطيات الراهن المصيري ، فمنحته تلك الخاصية صفة الديمومة ، بل الخلود .

فضلا عن المحمولات الفلسفية والفكرية والجمالية المرحلّة من خطاب النص إلى نص العرض والمبثوثة عبر الأنساق البصريّة والحركية التي تؤلف مجتمعة ما نصطلح عليه بمنظومة العرض البنائية
وبانتماء الفن المسرحي إلى الحاضر دائما ، فان ذلك لا يحول دون أنجاز خطاب مسرحي تقدمي يتخذ من الراهن الاجتماعي والثقافي جسرا موصلا لتمتين أواصر التلاحم بين التراث بوصفه مرجعا وبين المعاصرة بعدها مثالا للتجديد والحداثة على صعيد الرؤى والأساليب والمقاربات الحداثية .

ولان الفن عامة والخطاب المسرحي خاصة يمثل منظومة رمزية مشفرة ، فان هذه الخاصة تجعل الطريق معبدة امام الطروحات والمعالجات الساعية باتجاه عصرنة التراث بحيث تردم الهوة المفترضة بين التراث والمعاصرة عقب إخضاع أنساق اللعبة المسرحية إلى مقتضيات الراهن المعاصر ، مما يتوجب الأمر التحرر من الأساليب المعلبة والأطر المألوفة التي لا تقوى على الانفلات من هيمنة الموروثات وما تفرضه البيئة والواقع الاجتماعي من محددات تبقى أسيرة محدوديتها .

في حين أن المسرح الحديث قد نسف المنظومة التقليدية للطروحات الفكرية التي فرضت حضور الانتشار على الخطاب المسرحي من اجل إبقاؤه ضمن حدود المسارح المغلقة . وبالفعل فقد شهد المسرح المعاصر ولادة اتجاهات مسرحية ذات تقنيات عالية الجودة خرجت بالمسرح من القاعات المغلقة إلى الساحات المفتوحة ، فاضحي الخطاب المسرحي يحاكي منطق العصر وراهنية الظرف فتعمقت بأثر تلك الثورة المسرحية استراتيجية التلقي وترسخت أصول اللعبة المسرحية بين المتلقي والعرض المسرحي .

بهذا الصدد نستذكر تجارب شعراء المسرح أمثال توفستنوجوف وماير هولد وبرشت وبروك وباربا وقاسم محمد الذي سعى طوال مخاضا ته من اجل عصرنة المسرح من خلال مسرحة التراث ومحاولة مسك العصا من الوسط بقصد تحقيق قدر من الموازنة بين التراث والمعاصرة .

وكذا الحال المخرج المشاكس د. صلاح القصب بيكاسو المسرح العراقي الذي خلخل النسق المرجعي للمتلقي واربك الذائقة الصدئة بفرشاة مخيلته التي صاغت منجزه الجليل وأيقظ العقول النائمة بجنونه الجميل ، اذ لم يعرف القصب مبدأ الثبات ، بل أن الثابت في مسرحه الصوري هو المتحرك البصري ، انه مسرح يعبر عن منظومة صورية تنتمي إلى ما وراء المسرح ، ولذلك ، فان النخب الواعية تشكل رصيدا دائما للقصب في فهم تجاربه المغايرة لما هو سائد

الهوامش
1 تطور الرواية العربية الحديثة فيمصر ، د. عبد المحسن طه بدر ، ص 46 – 47 .
2 المصدر نفسه ، ص 47.
3 نقلا عن محاولات على طريق تأصيل الرواية العربية ، احمد محمود عطية ، مجلة أبداع ، العدد (1) ، 1985 ، ص 138 .
4 The nature of narrative , Robert Schooles . Robert Kellogem p.9
5 The novel and Society, Diana Spearman, p.88.
6 The Nature of Narrative, p.4.
7 نقلا عن الرواية العربية مقدمة تاريخية ونقدية ، روجر ألن ، ترجمة: حصة منيف ، ص 193.
8 The Novel and Society , p.88.
9 The Novel annovator, lan Watt, p.11.
10 The Theory of the Novel ed Philip Stevick,p.3
11 ينظر : الثقافة الأجنبية ، الغنائية والحداثة ، مقال : بول دي مان ، ترجمة : سعيد الغانمي ، مجلة فصلية تعنى بشؤون الثقافة والفنون في العالم ، العدد الأول ، السنة الثالثة عشرة ، 1993 ، ص 26.
12 ينظر : الحداثة ، تحرير ما لكم براد بري ، وجميس ماكفارلن ، ترجمة : مؤيد حسن فوزي ، دار المأمون للترجمة والنشر ، وزارة الثقافة والأعلام ، بغداد ، 1987 ، ص 24.
13 ينظر : في حداثة النص الشعري ، دراسات نقدية ، د. علي جعفر العلاف ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، ط1 ، 1990 ، ص 13.
14 ينظر : الخطيئة والتكفير ، قراءة نقدية لنموذج إنساني معاصر ، مقدمة نظرية ودراسة تطبيقية ، د. عبد الله محمد الغذامي ، النادي الأدبي في جدة ، ط1 ، 1985 ، ص 78 .
15 المصدر نفسه ، ص 78.
16 ينظر : الموسوعة الفلسفية ، وضع لجنة من العلماء والاكادميين السوفيت ، بأشراف م. روزنتال و.ب يودين ، ترجمة : سمير كرم ،دار الطليعة ن بيروت ، ط5 ، 1985 ، ص 229 .
17 ينظر : الرمز الشعري عند الصوفية ، د. عاطف جودة نصر ، دار الأندلس – الكندي ، ط2 ، 1978 ، ص 114 – 115
18 ينظر : الرمزية والأدب العربي الحديث ، أنطوان غطاس كرم ، دار الكشاف ، بيروت ، 1969 ، ص 9.
19 سورة أل عمران :7
20 الموسوعة الشعرية ( قرص ليزري ) الإصدار (1) أبو ظبي ، الأمارات العربية المتحدة
Emial : Cultural @ Cultural , org. ae
21 هذا ما رآه الدكتور عناد غزوات في تحليله للبردة في بحثه المنشور في العدد الخامس من مجلة الطليعة الأدبية ، طبع دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 1979 .
22 الموسوعة الشعرية ، المصدر السابق.
23 المصدر نفسه .
24 الشعر والشعراء ، لابن قتيبة ، تحقيق وشرح : احمد محمود شاكر ، دار المعارف ، مصر ، ط1 ، 1966 ، ج1 ، ص 74 – 75 .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,654,176,647
- قراءة في كتاب الحروب العدوانية وما أفرزته من قروض وتعويضات ب ...
- مختارات
- من اجل ترسيخ ذهنية التسامح
- قراءات في مفهوم الدستور
- المؤتمر الفلسفي السنوي السابع : فلسفة الحوار … … رؤية معاصرة
- اركولوجيا الوعي عند مدني صالح
- نقد التمركز الغربي
- إشراقات النص وتجليات التلقي
- التعلم وثقافة اللاعنف
- مقاربة في اليات التسامح والامل
- تاثيث الذاكرة عند زيد الشهيد
- الخطاب السياسي في العراقِ القديمِ
- الحداثة العربية الناقصة
- حفريا المعرفة في الحدث الحضاري العراقي
- الأسطورة والأدب
- انطولوجيا الموت والحياة في العراق القديم
- قراءة في ديوان (ايماءات بعيدة)
- شعرية السرد
- قراءات في المتن الابداعي الحلي
- نقد النقد ام نقد تهافتي؟


المزيد.....




- -المغتصب هو أنت-.. التونسيات في الشوارع للتنديد بالعنف ضد ال ...
- الأردن.. نبش قبر إمام أسبق للحرمين ومفتي بلاد الشام بحثا عن ...
- مصر.. شبان يهينون عامل نظافة ويتنمرون عليه في طنطا (صورة)
- السلطات السعودية تتحرك ضد متورطين بنشر فيديو -نزع العباءة-
- الدفاع الروسية تحذر دول أوروبا التي ستحتضن صواريخ أمريكية جد ...
- العاهل المغربي يدعو الرئيس الجزائري الجديد إلى فتح "صفح ...
- شاهد: البرازيل تفتتح مكتبا تجاريا في القدس وتؤكد العمل عل نق ...
- العاهل المغربي يدعو الرئيس الجزائري الجديد إلى فتح "صفح ...
- شاهد: البرازيل تفتتح مكتبا تجاريا في القدس وتؤكد العمل عل نق ...
- مدينة نيويورك تدفع 625 ألف دولار لأم انتزعت الشرطة طفلها من ...


المزيد.....

- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر
- عرج الجوى / آرام كرابيت
- تأثير إعلام الفصائل على قيم المواطنة لدى الشباب الفلسطيني (د ... / هشام رمضان عبد الرحمن الجعب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عامر عبد زيد - إشكاليات الحداثة والتراث