أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي الحمداني - الشراكة بين الحكومة و المجتمع المدني















المزيد.....

الشراكة بين الحكومة و المجتمع المدني


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 2487 - 2008 / 12 / 6 - 05:56
المحور: المجتمع المدني
    


كان أول ظهور لمفهوم المجتمع المدني في إطار مدرسة الحقوق الطبيعية أو نظرية العقد الاجتماعي فى القرنين السابع عشر والثامن عشر. واهتم أنصار نظرية العقد الاجتماعي بالتمييز بين المجتمع المدني والمجتمع الطبيعي الذي سبق الدولة وفقا لتصورهم. وقد كان جون لوك من أكثر أعلام هذه المدرسة اهتماما بالمفهوم، وقصد به وصف ذلك المجتمع الذي دخله الأفراد طواعية لضمان حقوقهم المتساوية التي تمتعوا بها في ظل القانون الطبيعي. فغياب السلطة القادرة على الضبط فى المجتمع الطبيعي كان يهدد ممارستهم لهذه الحقوق. لذلك، اتفق هؤلاء الأفراد على تكوين المجتمع المدني ضمانا لهذه الحقوق، ومن ثم تخلوا عن حقهم في إدارة شؤونهم العامة لسلطة جديدة قامت برضاهم، والتزمت بصيانة حقوقهم الأساسية فى الحياة والحرية والتملك، كما التزم أعضاء ذلك المجتمع المدني بطاعة تلك السلطة، ما دامت ملتزمة بعناصر الاتفاق.
أما إذا خرجت عليه، فإنها تفقد أسس طاعتهم لها، ويصبح من حقهم أن يثوروا عليها ويستبدلو غيرها بها. وقد كان وراء ذلك الإسهام الفكري واقع اجتماعي وسياسي معين، تستعر في جنباته صراعات سياسية واجتماعية واقتصادية، صراع بين النظام الاقطاعي المتداعي والبرجوازية الصاعدة، وصراع بين أنصار نظرية الحق الإلهي للملوك في مجال السياسة والحكم، وأنصار محاولات تأسيس نظم سياسية تقوم على أسس إنسانية عقلانية رشيدة.
إحياء مفهوم المجتمع المدني
عاد مفهوم المجتمع المدني للظهور من جديد مع بدايات الموجة الثالثة للديمقراطية، التى شهدت انهيار عدد من النظم الشمولية والسلطوية. وبغض النظر عن كيفية هذا الانهيار، فقد حل مكان هذه السلطة أنظمة تقوم على التعددية الحزبية والانتخابات الحرة. انطلقت هذه الموجة من جنوب أوروبا فى منتصف السبعينيات (البرتغال 1974، اليونان 1974، إسبانيا 1979) إلى أميركا اللاتينية فى أواخر السبعينيات (إكوادور 1979، بيرو 1979..) ثم جنوب آسيا (تركيا 1983، الفلبين .. 1986)، وشرق أوروبا في أواخر الثمانينيات، فضلا عن بعض البلدان الافريقية فى أواخر الثمانينيات والعراق كأول دولة عربية ذات طبيعة تعددية. وكان من أبرز أسباب ظهور مفهوم المجتمع المدني فى أوروبا الغربية الاخفاقات المتتابعة التي تعرضت لها دولة الرفاهية. فقد شهدت السنوات الأخيرة عجز دولة الرفاهية عن تحقيق أهدافها الأساسية، وبالأخص قدرتها على إحداث مستوى عال من التشغيل وتقديم برامج للخدمات والرعاية الاجتماعية فى مجالات الصحة والتعليم، ما أدى إلى انحدار شرعية تلك الدول. كما طرحت من جديد مسألة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ما أثار الخصومات العتيدة بين المحافظين الجدد من أنصار الحد من تدخل الدولة وأنصار دولة الرفاهية. فقد استغل المحافظون الجدد هذه المشاكل، مؤكدين النتائج السلبية المترتبة على تدخل الدولة في الأسواق الخاصة للمجتمع المدني بالمعنى الواسع، وطالبوا بتحرير قوى السوق فى جميع ميادين الخدمات، ورفع يد الدولة عنها، مثل التعليم والصحة والمواصلات، وما يترتب على ذلك من تقليص دور الدولة إلى أقصى حد. فضلا عن ذلك، فقد كان لظهور الحركات الاجتماعية في السنوات الأخيرة فى البلدان الرأسمالية الفضل فى ابتكار أشكال جديدة للعمل الجماعي، مثل حركات مناهضة التسلح النووي، وحركات حماية البيئة، وحركات السلام والمرأة، وكذلك حملات الدفاع عن الحقوق المدنية. إن أهم ما يميز هذه الحركات أنها لا تقوم على أساس طبقي واضح، كما ترفض سياسات الحكومة القائمة في تلك البلدان، وأيضا تنتقد الأحزاب المتنافسة فيها، وتسعى للعمل خارج نطاق هذه الأحزاب على أسس جديدة تبتعد عن التنظيم الحزبي الصارم، كما ترفض الأطر التقليدية للمشاركة السياسية.
صورة جديدة من العقد الاجتماعي
أدت كل هذه العوامل إلى طرح رؤى جديدة حول مفاهيم المشاركة والمناهج المختلفة للتنمية، فليس للتنمية طريق واحد، ولكن طرق متعددة. وقد كان مصطلح الشراكة وليد هذه الظروف، وتعبيرا عن فهم جديد لأهمية المنظمات غير الحكومية ودورها في التنمية. ولذلك أعيد إحياء مصطلح العقد الاجتماعي ولكن بمفهوم جديد، قائم على أنه من خلال عملية ديمقراطية لابد من تأسيس مثلث فاعل، أضلاعه الحكومة والمجتمع المدني والسوق، مهمته الأساسية تحقيق التنمية في المجتمع، يضاف إليه في بعض الحالات، خاصة حالات الدول النامية، والهيئات التنموية الدولية. وهكذا، أصبح من المتداول الحديث عن ثلاثة قطاعات أساسية فى مجال التنمية: القطاع الأول المتمثل في الحكومة، والقطاع الثاني وهو القطاع الخاص، والقطاع الثالث وهو المنظمات غير الحكومية. ومع تزايد مجالات التعاون بين الدولة (القطاع الأول) والمنظمات غير الحكومية (القطاع الثالث) في التنمية، كان لابد من مأسسة هذا التطور systematic basis من خلال وضع وثائق وعهود للشراكة. ومما لا شك فيه أن هذه الوثائق تعكس رؤية السلطات العامة، سواء سلطات تنفيذية أو تشريعية لدور المجتمع المدني، وتخلق أسسا للتفاعل البناء مع منظمات المجتمع المدني. تستهدف هذه العقود والمواثيق هدفين أساسيين: تشجيع المشاركة الشعبية في الحياة السياسية، وتأسيس آليات للتعاون تخفف من أعباء الحكومة فيما يتعلق بتقديم الخدمات العامة. يستلزم تحقيق هذه الأهداف النص في عهود الشراكة على مجموعة من المبادئ العامة، وكذلك الخطط التفصيلية. من أهم المبادئ العامة المهمة في هذا الصدد: الإقرار بأهمية دور القطاع الثالث في التنمية الاجتماعية، والمبادئ الحاكمة للتعاون، ثم يلي ذلك كل ما يتعلق بالخطط التفصيلية.
وبالفعل، أدرك كثير من الحكومات أهمية الدور الذي تلعبه المنظمات غير الحكومية في التنمية، لذلك لم يعد التعاون مع القطاع الثالث فقط على أجندة الأحزاب ، فقد أدركت كل الأحزاب، سواء كانت حاكمة أو معارضة، أيا كانت انتماءاتها السياسية، أهمية التعاون مع المنظمات غير الحكومية.
وتغطى تجارب الشراكة مدى متنوعا من المجتمعات، تختلف في طبيعة نظمها السياسية ووضعها التنموي، مما يشير إلى أن الشراكة أصبحت حالة حتمية في الدول التى تبغي تحقيق معادلة تنموية متكاملة، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، بغض النظر عن أية تباينات في أوضاع هذه الدول. يؤكد ذلك مسح الأدبيات المعنية بالشراكة، التي تشمل دولا من جميع قارات العالم: بريطانيا - الدنمارك - كرواتيا - الصين - الهند - بنغلاديش - ماليزيا - البرازيل وغيرها.
ونظرا لأهمية هذه الشراكة والحرص على استمرارها، برزت فكرة العقودCompacts لمأسسة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني. وقد تعددت مسمياتها ما بين العهد أو الاتفاق Compacts في بريطانيا، وويلز، واسكتلندا، وايرلندا الشمالية. و برنامج التعاون مع المنظمات غير الحكومية
Program for Cooperation with Non governmental Organization في كرواتيا وإطار لتطوير المجتمع المدني Concept of Development of Civil Society في استونيا، والاتفاق Accord فى كندا ، وعهد المنظمات غير الحكوميةNGO Charter في فرنسا ، والعهد الخاص بالتفاعل بين متطوعي الدنمارك والقطاع العام في الدنمارك. وبغض النظر عن اختلاف المسميات، فإن دلالة ذلك هي الإدراك المتبادل من قبل الحكومات والمنظمات غير الحكومية لقيمة التعاون والشراكة في تحقيق الرفاهية الاجتماعية.
أضحت الشراكة بين الحكومة والمنظمات غير الحكومية من البدائل الحديثة المطروحة لتحقيق التنمية والحد من الفقر. فلم يعد في مقدرة أية دولة، متقدمة أو نامية، أن تضطلع بكل المهام التنموية في المجتمع، وأصبح من المستقر عليه أن الحد من الفقر مرتبط ارتباطا وثيقا ببناء شراكة مؤسسية وفعالة بين الحكومات والمنظمات غير الحكومية. وعلى هذا، فإن إحداث نقلة كيفية في التنمية مرهون ببناء الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني، وتأكيد مأسسة هذه الشراكة، ولا يكون رهنا باقتناع صانع القرار من عدمه.
يكشف العرض السابق عن أن نجاح الشراكة فى الواقع مرهون بإشكالية كبرى إذا تم حسمها، فمن الممكن التغلب على جميع التحديات الأخرى، وهى إشكالية طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، هل هي علاقة اعتماد متبادل أم علاقة صفرية؟.
إذا حسمت هذه الإشكالية لصالح البديل الأول، وهو علاقة الاعتماد المتبادل، فمن المتوقع أن يتم تحقيق إنجاز على صعيد كل التحديات الأخرى، سواء المتعلقة بالمنظمات غير الحكومية والحكومات كل على حدة، أو المتصلة بالتفاعلات بين الطرفين. وربما يفسر هذا الإلحاح فى كل الأدبيات التي عنيت بالقضية على أن أول شروط الشراكة وأهمها هو توفير بيئة سياسية مواتية، بما يتضمنه ذلك من إطار قانوني مشجع لعمل المنظمات غير الحكومية. ومما لا شك فيه أن البيئة السياسية المطلوبة لا تقتصر فقط على مجرد وضع قانون مشجع أو محفز لعمل منظمات المجتمع المدني، ولكن توجد بجانب ذلك أمور أخرى، مثل الإرادة السياسية والمجتمعية الحاضنة للمنظمات غير الحكومية والمقدرة لأهميتها. وفى هذا الشأن، لا بد من الإشارة إلى قضية أخرى، هي قضية التوافق الوطني بين الأطراف المجتمعية المختلفة على الأسس الحاكمة للمجتمع ومجموعة الأهداف التنموية وما يرتبط بها من استحقاقات اجتماعية، من الصعب - بل من المستحيل - التنازل عنها، على اعتبار أنها الحد الضامن والحامي لكرامة المواطن. ومما لا شك فيه أن أهمية التوافق تبرز بصورة أكبر في المجتمعات التي تمر بتحولات جذرية، تفرز صراعات وانشقاقات بما يؤدى إلى كسر الروابط الضامنة للمجتمع. ولذلك، اعتبر بعض الباحثين أن أحد شروط بناء التوافق الأساسية هو قدرة قطاعات واسعة من المجتمع على التأثير على عملية صنع السياسة.
إن الوصول إلى هذا المناخ المواتي لعملية الشراكة يحتاج بالفعل إلى دولة قوية ومجتمع مدني قوى، ما يخلق علاقة متوازنة بين الطرفين، علاقة تمنع الدولة من السيطرة على المجتمع المدني والهيمنة عليه، كما تمنع المجتمع المدني من فرض سيطرته على أجهزة الدولة وتوظيفها من أجل تحقيق مصالح خاصة ضيقة. ويقصد بالدولة القوية، الدولة التي لديها القدرة على تنظيم حركة المجتمع بما يمكنه من إطلاق طاقاته وتعظيم قدراته، وفى الوقت نفسه تأكيد قيم سيادة وحكم القانون.
فقوة الدولة في الواقع تتحدد بمدى ديمقراطيتها، أي إقرارها بحرية تكوين تنظيمات المجتمع المدني المختلفة، وتوفير مقومات حقوق الإنسان وضماناتها من ناحية، وبمدى قدرتها على صياغة القواعد اللازمة لتحقيق الاستقرار واعمالها من ناحية أخري. أما المجتمع المدني القوى، فيقصد به المجتمع الذي يتمتع بشرعية جماهيرية واسعة تعبر عن تكوينات اجتماعية قائمة في المجتمع، والقادر على طرح رؤى جديدة وبديلة، والذي تسود فى جنباته قيم الديمقراطية وقبول الاختلاف واحترامه، والقادر على استخدام الآليات السلمية والديمقراطية لإدارة الصراعات، فضلا عن قدرته على التنسيق والتعاون، سواء فيما بين منظماته أو مع المؤسسات الحكومية.
إذا توافرت هذه الصيغة، مجتمع مدني قوى ودولة قوية، فلن يكون صعبا التعامل مع كل التحديات الأخرى، سواء المتعلقة
ببناء القدرات أو خلق الآليات المطلوبة للتعاون.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,520,758,618
- الفضائيات والمواطن العراقي
- الوطنية والتعددية
- البطالة 00 الشبح الذي يهدد الجميع
- البنود السرية في الاتفاقية العلنية
- شخابيط في الهواء الطلق
- جوهر المواطنة
- كيف نفهم المجتمع المدني
- تلميذ جيد .. معلم سيء
- متسولون في كل الامكنة
- الجهل والكراهية مادة الفكر المتطرف
- رؤية أمريكا للشرق الأوسط
- العراق والعرب والمرحلة الجديدة
- مفهوم المواطنة في الفكر العقائدي والفلسفي
- شيوخ يقودون المدارس وشباب يفترشون الارصفة
- المجتمع المثقف بين الوصاية والمشاركة والتبعية
- الشباب وقيادة المجتمع
- حرية الاحلام المريضة
- قراءة هادئة لشارع صاخب
- النفط مقابل الكرة
- الجذور التاريخية لمفهوم حقوق الإنسان


المزيد.....




- الأمم المتحدة: المساعدات الغذائية وصلت لعدد قياسي في اليمن ت ...
- السودان يعود بفاعلية إلى المنصات العالمية من بوابة الأمم الم ...
- الأمم المتحدة تحذر من صراع ضخم في الخليج ستترتب عليه نتائج ك ...
- واشنطن تطرد دبلوماسيَّين كوبيَّين بالأمم المتحدة بتهمة تنفيذ ...
- واشنطن تطرد دبلوماسيَّين كوبيَّين بالأمم المتحدة بتهمة تنفيذ ...
- واشنطن تطرد دبلوماسيين كوبيين يعملان في الأمم المتحدة
- اعتقالات ودعوات للتظاهر.. لجنة الانتخابات تطلق رسميا سباق ال ...
- خلاف حول المعتقلين العرب في إقليم كردستان العراق
- إسقاط أحكام إعدام عن متمردين في دارفور
- الولايات المتحدة تطرد موظفين اثنين من بعثة كوبا لدى الأمم ال ...


المزيد.....

- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي الحمداني - الشراكة بين الحكومة و المجتمع المدني