أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - توفيق أبو شومر - إدمان الولاء للحاكم















المزيد.....

إدمان الولاء للحاكم


توفيق أبو شومر

الحوار المتمدن-العدد: 2471 - 2008 / 11 / 20 - 08:55
المحور: حقوق الانسان
    


لماذا يسعى الرؤساء في الدول الصغيرة إلى جعل فترة حكمهم تعادل حياتهم كلها ؟ سؤالٌ جعلني أستعيدُ إجابة الفيلسوف الساخر والمفكر الكبير فولتير في القرن الثامن عشر ، عندما سئل : لماذا يحكمُ معظمَ الدولِ ملوكٌ ؟
فأجاب ساخرا : اسألوا الفئران التي اقترحتْ تُعليق أجراسٍ في رقابِ القططُ وذيولها !
ومن بدهيات أنظمة الحكم في الدول الصغيرة أن معظم الرؤساء والمسؤولين فيها ، ينشغلون طوال حكمهم في قضية واحدة لا غير ، وهي كيف يطيلون فترة حكمهم، فتارة يصنعون المكائد والمؤامرات فتنشط أجهزة مخابراتهم في مطاردة المنافسين والطامحين فتتخلص منهم بطرق شتى ، وطورا يتصنعون العدل فيلجأون إلى ناصحيهم ومرشديهم من الدهاة ، فيرشدونهم إلى أن أقصر الطرق لتحقيق الخلود في الحكم ، وهي تعديل القوانين فيعيدون صياغتها من جديد بعد أن يجمعوا جوقتهم البرلمانية الموسيقية ، ويقفون أمامهم وهم يحملون العصا ، ويطلبون منهم أن يُدلوا بأصواتهم بحرية، وفي لحظات تصبحُ القوانين كلها على مقياس الحاكم ، وإذا لم يتمكنوا، فيصبح همهم وشغلهم الشاغل كيف يتمكنون من إقحام أبنائهم وقرة أعينهم في السياسة ، وكيف يجعلونهم خلفاءهم بطرقٍ ومسارب ملتوية، يُلصقون عليها يافطات الديموقراطية والحرية !
أعلم بأن كرسي الحكم سيظل هو الحلم الذي يقتتل عليه بنو البشر ما دامتْ الحياةُ ، غير أن كرسي الحكم عند كثيرين مرضٌ وإدمانٌ ،لا يعادله إدمان ، بل هو أخطر بكثير من كل أنواع الإدمان الأخرى ، لأنه مرضٌ مُعدٍ ينتقل من بلد إلى آخر بسرعة فائقة ، كما أن مواطني دول إدمان كرسي الحكم يصابون أيضا بأخطر أمراض الشعوب ، وهو مرض إدمان الولاء ، فتصبح الحياة كلها في هذه الأوطان هي الولاء المطلق للحاكم ،وما الشعب إلا عبارة عن براويز لصور الحاكم المطلق ، ويحلُّ الحاكمُ الرقيبُ في نفسِ كل فردٍ يُرافقه في يقظته، أينما حلَّ وارتحل، ويسيطر عليه حتى في أحلامه ، ويتحول الحاكم إلى كابوس مُرعبٍ .ويصغر الوطن ويتلاشى في صورةُ الحاكم الفرد، وتصبح عقوبة نقدُ الحاكم والاستهزاء به هي الموت المحتوم، كما فعل الشاعر دعبل الخزاعي حين انتقد الخليفة المعتصم وهو الثامن في ترتيب سلالة الخلفاء الوراثية بأبيات شعرية جارحة وخالدة فقال:
ملوكُ بني العباس في الكتبِ سبعةٌ
ولم تأتِنا عن ثامنٍ لهمُ كُتبُ
كذلك أهلُ الكهف في الكهفِ سبعةٌ
كرامٌ إذا عُدُّوا وثامنهم كلبُ
ويصل الحاكم الفردي الأبدي الديكتاتوري إلى درجة لويس الرابع عشر الذي قال مفتخرا بجبروته :
أنا الدولة والدولة أنا !
سأظلُّ أتمنى أن أرى حاكما لدول من دول إدمان الولاء للحاكم الفرد، يعتزلُ الحكم بمحض إرادته واختياره، وأن يتيح للأجيال الصاعدة أن تتولى الحكم بدلا عنه.
كنت أتمنى حاكما على شاكلة مهاتير محمد الذي أعلن شبعه من الحكم ، ورغبته في أن يرى وجها جديدا يقود الدولة ، كنت أتمنى أن يستقيل كما استقال ديغول عما 1969 ،أو أن يفعل مثلما فعل جاك شيراك أحد خلفاء ديغول حين رفض أن يرشح نفسه لولاية أخرى جديدة . كنتُ أتمنى أن يكون كبوتن في روسيا عندما رشّح ديمتري مدفيديف لرئاسة روسيا الاتحادية بدلا منه باختياره وإرادته ، كنـتُ أتمنى أن أرى رئيسا عربيا يعلن استقالته من الحكم بعد إحدى الهزائم التي حلَّتْ بسبب وجوده في الحكم ، كما فعلت غولدا مائير رئيسة حكومة إسرائيل التي استقالت بعد فشل جيشها عام 1973 .
وما أكثر الأمثلة في العالم عن استقالات الرؤساء والوزارات ، وما أقل الاستقالات في عوالم الضعف وإدمان الولاءات !
وساءلتُ نفسي عن الأسباب التي تدفع حكامنا إلى شرب كأسٍ الحكم حتى الثُمالة والاستماته فوق كرسي الحكم ، باعتباره الغاية والنهاية ، فوجدتُ بأن الرؤساء المستميتين فوق كرسي الحكم حصلوا على الرئاسة ، لا بفضل كفاءتهم وقوة فكرهم ، بل حصلوا عليها ، إما بمحض الصدفة ، وإما بمكيدة من المكائد ، ومعظم هؤلاء هم من النمط الثاني ، أي ممن حصلوا على الكرسي بمكيدة وبمؤامرة ،جعلتهم يصلون إلى الكرسي وهم يسيرون فوق كومةٍ من الجماجم ، هؤلاء سينشغلون ليل نهار بمطاردة أعدائهم من شعبهم وأهلهم ، فتصبح مطاردة الأهل ، أهم من ملاحقة أعداء الوطن وأهم من إصلاح أوطانهم ، وهذا يجعلهم يحسون بالرعب حين يتخيلون أنفسهم مطرودين من كرسي الحكم ، لأنهم يخشون من ثارات الموتورين والمظلومين والمقهورين وما أكثرهم ، لهذا فإنهم يعتبرون نزولهم عن كرسي الحكم هو يوم نهايتهم .
وهناك سبب آخر لالتصاق كثيرٌ من الحكام بكرسي الحكم بلاصقٍ قويٍّ ، وهو أن أكثرهم لا يملكون من المواهب ما يؤهلهم لأي عملٍ مبدعٍ من الأعمال ، أي أنهم لا يجيدون أي عملٍ مُنتجٍ ، وبالتالي فلن يتمكنوا من الإشراف على مراكز دراساتٍ وأبحاثٍ مثلا ، ولا يعرفون كيف يستثمرون خبرتهم الطويلة في الحكم حتى في كتابة مذكراتهم ، لأن أكثرهم أيضا يُكتب لهم ، فهم لا يكتبون .
ومعظمهم أيضا لا يُجيدون أية لغة أخرى غير لهجاتهم الدراجة .
وحسبي أن أذكر ما يفعله بعض مرشحي الرئاسة والرؤساء في الدول الكبيرة ، فما أزال أذكر المرشح اللبناني لرئاسة أمريكا رالف نادر الذي أسس أروع مؤسسة مهمتها مطاردة الغِشِّ التجاري من الجنود المُسرَّحين من الخدمة العسكرية ، وأصبح الأمريكيون يطلقون على ظاهرة مطاردة الغشّ صيغة مشتقة من اسمه ( نادرزم) واتخذ من هذه المؤسسة جواز سفر نحو الرئاسة .
حتى كلينتون الذي أبعدته الفضيحة ،أصبح رئيسا لجمعية (العطاء) ومن مهماتها مكافحة التلوث البيئي والاحتباس الحراري، ومكافحة أخطر أمراض العصر البدانة والسمنة.
من المعروف أن من أسباب تقدم الأمم أنها استفادت من تجاربها القديمة في أنظمة الحكم ، وتخلصت من عهود سلالة الحكام النقية، المتمثلة في عشيرة آل بربون الطاهرة النقية الخالية من الشوائب ، والسلالة البطرسية في روسيا ، والهنرية في بريطانيا ، وحوَّلت بعضُ الدول أنظمتها الملكية إلى متاحف أثرية وطنية يتفرَّج عليها الزائرون وطلاب المدارس ، فبعد الثورة الفرنسية 1798 لم تشترط دول أوربا في حكامها أن تكون دماؤهم بربونية ، فأصبح الحكام إفرازا حزبيا ، يحكمون بلدانهم بالنيابة عن أحزابهم ، وتتحمل أحزابهم أوزارهم ، فهم عند أمتهم ليسوا سوى موظفين لا غير .
وحسبي أن أذكر أيضا أن كثيرا من رؤساء ووزراء أوروبا أتت بهم أحزابُ من نوع آخر وهي أحزاب الخدمات العامة كأحزاب البيئة وجمعيات الخدمات العامة والرعاية والتعليم ، فحزب الخضر للبيئة مثلا ما يزال دفيئةً لتفريخ المسؤولين في ألمانيا .
ولم أسمع عن انقلابٍ عسكري جاء برئيسٍ أو مسؤول في الدول التي تحترم تاريخها وتسعى للنهوض بشعوبها،لأن أبجديات الحريات ألا يقبل أي رئيس أن يتولى الحكم وهو ينزل من الدبابة العسكرية المسلحة منتصرا بعد أن يقطع رؤوس النظام البائد ويستولي على محطة الإذاعة ويذيع البيان الأول الذي أبدعه كاتبٌ مغمور، ليس هو الزعيم الجديد بالطبع وعلى وقع مارشات عسكرية حزينة ، ودافعه إلى ذلك أن يشفي نفسه من الشبق السلطوي،وهو يبدأ حكمه دائما بالسير وسط حُرَّاس الشرف الذين يصطفون على الجانبين ، وأقدامه تغوص فوق بساط مخملي أحمر على نغمات جوقة الشرف العسكرية ، هذا لا يحدث أبدا في الدول التي تحترم تراثها ، لأن ذلك لا يتنافى مع مبادئ الأخلاق والوطنية فقط ، بل يتنافى أيضا مع أبسط قواعد الديموقراطية في عالمنا الجديد، حيث أصبح الأطفال يُدركون معناها .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,423,885,847
- مصطلحات إعلامية إسرائيلية ساحرة !
- مسكين باراك أوباما
- مجزرة الأسهم في قلعة النيكي والنازداك
- فاتنات السياسة
- تجارة الرقيق في الألفية الثالثة
- مرتبات القطط السمينة والأزمة المالية العالمية
- تسفي ليفني في الدين اليهودي
- أسمهان ونابليون الحكيم
- مزايا وأفضال الهاتف الجوّال
- هل يُسجن أولمرت كما سُجن أرييه درعي ؟
- أنواع أقلام الكُتَّاب
- الرقابة الذاتية عند الصحفيين الفلسطينيين
- ماذا بقي من اليسار الفلسطيني؟
- موسم القحط الثقافي
- بذرة خضراء.. آخر أُمنيات محمود درويش
- الفضائيات والتلوُّث العقلي
- هل تبخَّر اليسارُ الإسرائيلي ؟
- نصائح للراغبين في ركوب قطار العولمة !
- هل المثقفون هم فقط الأدباء؟
- أوقفوا (جموح) الصحافة الإلكترونية !


المزيد.....




- حزب الكتائب اللبنانية يطالب بنزع السلاح من مخيمات اللاجئين ا ...
- استقالة رئيس وزراء كوسوفو بعد استدعائه من القضاء الدولي بتهم ...
- الولايات المتحدة وروسيا تحذران من تزايد تدهور الوضع الإنساني ...
- -العفو الدولية- تتعهد بدراسة المعلومات المتعلقة بالسجن السري ...
- ارتفاع عدد طالبي اللجوء في ألمانيا إلى 1.8 مليون
- مسؤول بحماس يصل لبنان لبحث أوضاع اللاجئين الفلسطينيين
- الكويت: اعتقال نشطاء "بدون" بسبب اعتصام سلمي
- مقابر جماعية وشاحنات قمامة... ما خلفية الجدل وراء دفن جثث ال ...
- الأمم المتحدة تحرج السعودية والإمارات بتصريحات مفاجئة
- -حقوق الإنسان- تطالب الحكومة العراقية بالعمل على إصدار قرار ...


المزيد.....

- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الحق في حرية الراي والتعبير وما جاوره.. ادوات في السياسة الو ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - توفيق أبو شومر - إدمان الولاء للحاكم