أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - جوزيف بشارة - دور تأويل النصوص المقدسة في مأساة المسيحيين العراقيين















المزيد.....

دور تأويل النصوص المقدسة في مأساة المسيحيين العراقيين


جوزيف بشارة

الحوار المتمدن-العدد: 2439 - 2008 / 10 / 19 - 09:01
المحور: القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
    


في مجتمعاتنا التي ابتليت بالتخلف تهدر حقوق الإنسان وتختفي الحريات العامة وتستباح دماء الأقليات وتهدر كرامة الضعفاء وتزداد تعاسة الفقراء. وفي مجتمعاتنا التي انكسرت أمام التطرف الديني يغيب التسامح وتستفحل الكراهية وتنتفي الوحدة الوطنية وتقمع الأغلبية الأقليات الصغيرة التي لا حول لها ولا قوة. وفي مجتمعاتنا التي تغلغل فيها الإرهاب الأحمق يفقد الأبرياء أرواحهم ويسقطون شهداء لعقائدهم التي أمنوا وتمسكوا بها. وفي مجتمعاتنا التي غيب عقولها الجهل بات الحاضر عصيباً والمستقبل مظلماً وأصبحنا نذرف الدموع أنهاراً على الماضي الذي الأفضل حالاً والأكثر تسامحاً. هذا هو حال مجتمعاتنا المخزي، لا حقوق ولا حريات ولا احترام للأقليات ولا كرامة للضعفاء، ولعل الاضطهاد الذي تتعرض له الأقلية المسيحية في العراق والذي لم يسبق أن تعرضت له جماعة بسبب عقيدتها في العصر الحديث هو انعكاس دقيق للحال المتردي مجتمعاتنا.

لم يعان المسيحيون، العنصر التاريخي والأصيل في العراق، طيلة سنوات الحكم الدكتاتوري لحزب البعث، ولكن مأساتهم بدأت مع حالة الانفلات التي تسبب بها الأمريكيون والحكومة "الديمقراطية" الضعيفة التي فرضوها على مجتمع ما فتيء غراقاً في عالم القبلية والطائفية. والغريب أن أحداً لم يحرك ساكناً لمساعدة المسيحيين في محنتهم. فلا القوات الأمريكية المنتشرة بالعراق مستعدة لبذل الجهود لتوفير الحماية الأمنية اللازمة ربما خوفاً من اتهامها بمحاباة المسيحيين، ولا الحكومة العراقية جاهزة لتقديم أي من أنواع المساعدة، ولا الشعب العراقي المسلم راغب في عزل المتطرفين الذين يرتكبون الجريمة تلو الأخرى بحق المسيحيين.

لست أبالغ إذا قلت بأنه كان اجدي بالعراق أن يفخر بأقليته المسيحية بدلاً من أن يضطهدها ويجبرها على مغادرة البلاد. فمسيحيو العراق أخلصوا لوطنهم وقدموا له الغالي والنفيس على مدى الأزمان والعصور. ومسيحيو العراق لم يتنكروا يوماً لبلدهم الذي كانوا يشكلون فيه حجر الأساس. ومسيحيو العراق لم يتحالفوا أبداً مع كل من اتخذ من العراق عدواً. ومسيحيو العراق لم تتلطخ أياديهم بدماء أبناء الوطن كغيرهم، وحتى حين تعرضوا للاضطهاد المنظم والمنتظم من قبل جماعات الإرهاب الأحمق لم يحملوا السلاح للدفاع عن أنفسهم في وجه الهجمات البربرية التي واجهوها وما زالوا يواجهونها. ومسيحيو العراق لم ينحازوا إلى طرف دون أخر في الحرب الأهلية التي يعرفها العراق في السنوات الخمس الماضية. ومسيحيو لم يشتركوا أبداً في عملية تدمير وتفتيت العراق التي ترتكبها قوى محلية باعت العراق لمصلحة قوى إقليمية معروفة.

المسئولية المباشرة لعمليات التطهير العرقي ضد المسيحيين تتحملها جماعات إرهابية تدّعي أنها تتخذ من الإسلام ديناً ومن القرآن دستوراً ومن الرسول زعيماً، وهو الأمر الذي يجب على المسلمين مواجهته من دون مواربة أو هروب من المسئولية في هذه اللحظات المهمة في تاريخنا الإنساني. من المؤسف أن يعلن إرهابيون ارتكابهم أعمالهم غير الإنسانية باسم الله أو باسم الإسلام، ولذلك فإن مسئولية هائلة تقع على عاتق رجال الدين الإسلامي المعتدلين لتبرئة الله والإسلام من الهمجية والبربرية. لكن المحاولات الحالية المبذولة لإخلاء مسئولية الله والإسلام منقوصة وغير مؤثرة لأسباب كثيرة يأتي على رأسها أولاً: تصلب الجماعات المتطرفة وعدم رغبتها في الحوار، وهو ما يجب معالجته بالقوة والحزم، وثانياً: فشل المسلمين المعتدلين في التواصل مع المتطرفين، وهو ما يستدعي مراجعة الخطاب الإسلامي المعتدل في مواجهة التطرف، وثالثاً: وجود نصوص "مقدسة" يعتمدها المتطرفون كمرجع لرتكاب أعمالهم الإرهابية، وهو ما يتطلب مراجعة شاملة لأصول النصوص وتفسيراتها.

مسألة النصوص "المقدسة" التي يفسرها كل مسلم بطريقته الخاصة أصبحت من المسائل بالغة الأهمية في وقتنا الراهن، إذ أنها تلعب الدور الأكبر في انتشار الفكر المتطرف والأعمال الإرهابية في كل ركن من أركان العالم. وقد أكد على ذلك الإرهابيون الذين ارتكبوا مذبحة بالي بأندونيسيا قبل ستة أعوام في حوار أجرته معهم شبكة الأخبار الأمريكية "سي إن إن" قبل أيام قليلة. فحين واجه المحاور دان ريفيرز الإرهابي إمام سامودرا بالقول بأن المتطرفين يسيئون إلى الإسلام بارتكابهم أعمالاً إرهابية من دون سند قرآني، فاجأ الإرهابي سامودرا محاوره الغربي بأن اتهمه بعدم فهم أمور الإسلام وبأن اعتبره كافراً. وأشار الإرهابي إلى أنه يفهم صحيح الإسلام الذي ينتمي إليه، وأكد على أن القرآن يدعوه إلى قتل الكفار انتقاماً لدماء المسلمين التي تسفكها القوات الامريكية الكافرة بالاشتراك مع حليفتيها البريطانية والأسترالية.

القضية تفرض نفسها بإلحاح هنا لأن الإرهابيين يدّعون أنهم يستندون على نصوص من القرآن والسنة تحتم عليهم الجهاد في سبيل الله عبر التخلص من غير المسلمين وبخاصة المسيحيين الذين يعدون الهدف الأول للإرهابيين. من النصوص القرآنية التي يدّعي الإرهابيون استنادهم عليها ما ورد في سورة التوبة 5 "فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" وما ورد في سورة التوبة 14 "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ" وما ورد في سورة التوبة 29 "قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ." ومن المؤسف أن العلماء المسلمين المعتدلين يتجنبون تماماً مناقشة الإرهابيين وتفنيد دعاواهم، وهو الأمر الذي يفتح المجال أمام تفريخ المزيد من المتطرفين والإرهابيين.

من المؤكد أن للمسلمين العراقيين المعتدلين دور مهم في رفع المعاناة عن اخوتهم المسيحيين. وبعيداً عن الحماية الأمنية المفترضة التي يجب أن توفرها الحكومة العراقية وبعيداً عن التضامن الكامل الذي يفترض أن يظهره الشعب العراقي المسلم مع المسيحيين، وبعيداً عن بيانات الاستنكار والتنديد المشكورة ولكنها لا تحل قضية الإرهاب من جذورها، فلعل الدور الأبرز الذي يمكن أن يلعبه المسلمون المعتدلون يتركز في الإفصاح بصوت عال ومن دون خجل أو مواربة عن رؤاهم الإصلاحية وتفسيراتهم المعتدلة للنصوص الدينية التي تتناول أموراً مثيرة للجدل كالجهاد والقتال ضد غير المسلمين بما يتواءم مع العصر وبما يتلاءم مع الحريات العامة وبما يتفق مع مباديء حقوق الإنسان. ولعل المسلمين يقتدون في ذلك الأمر بالمسيحيين الذين يرون أن الحروب والنزاعات الواردة بالعهد القديم من الكتاب المقدس هي جزء من تاريخ شعب بني إسرائيل، وعلى أنها غير قابلة للتطبيق بعيداً عن هذا السياق.

إن عمليات التشريد والتهجير والقتل الجماعي التي يتعرض لها المسيحيون من أبناء العراق في السنوات الأخيرة، والتي ارتفعت وتيرتها في الأيام الأخيرة في الموصل، تحتاج وقفة جريئة وحازمة وحاسمة منا جميعاً للحد من أثارها التدميرية على الوجود المسيحي في بلاد الرافدين. ولعله من المهم التأكيد على أن قضية الإرهاب ستظل تراوح مكانها وستبقى تلقي بظلالها الداكنة على وجه الإنسانية ما لم يظهر رجال دين معروفين بنفوذهم القوي كمفتي السعودية والمرشد الأعلى للثورة في إيران والشيخ القرضاوي في ثياب المعتدلين، وما لم ينقض هؤلاء الأسس التي يبني عليها الإرهابيون تفسيراتهم للنصوص الدينية التي توظف كسند شرعي للعمليات الإرهابية. لم يعد هناك وقت للصمت تجاه الجرائم التي ترتكب بحق المسيحيين في العراق، ولم تعد تجدي المحاولات غير الأمينة لتبرير ما يحدث من تطهير عرقي ومجازر، فالنزيف المسيحي ينبغي أن يتوقف فوراً، والعمليات البربرية التي ترتكب بحق المسيحيين العراقيين يجب على المسلمين المعتدلين جميعاً ومن دون استثناء العمل بجدية وبأمانة ومن دون تردد لإيقافها.

وأخيراً ليت المتطرفين المسلمين الذين يسعون لتطهير العراق من الوجود المسيحي يعون أن المسيحيين لا يكنون نحوهم أية ضغينة، وذلك طاعة وتنفيذاً لتعاليم المحبة التي بشر بها السيد المسيح. وليت المسلمين المعتدلين يعون أن المسيحيين العراقيين يستحقون بذل المزيد من الجهود لمساعدتهم في الأوقات الحالكة التي يتعرضون لها. وفي الختام ليت المسيحيين العراقيين الذين فقدوا ذويهم أو طردوا من منازلهم أو سلبت ممتلكاتهم أو احرقت كنائسهم يتذكرون قول السيد المسيح في بشارة يوحنا الأصحاح السادس عشر "سَتُطْرَدُونَ خَارِجَ الْمَجَامِعِ، بَلْ سَيَأْتِي وَقْتٌ يَظُنُّ فِيهِ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُؤَدِّي خِدْمَةً لِلهِ......... أَخْبَرْتُكُمْ بِهَذَا كُلِّهِ لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سَلاَمٌ. فَإِنَّكُمْ فِي الْعَالَمِ سَتُقَاسُونَ الضِّيقَ. وَلكِنْ تَشَجَّعُوا، فَأَنَا قَدِ انْتَصَرْتُ عَلَى الْعَالَمِ."





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,397,477,788
- قرار العفو الرئاسي وثمن حرية إبراهيم عيسى
- اتهام المسيحيين بالحقد على الإسلام والمسلمين باطل
- النظر بإيجابية لتداعيات 11 سبتمبر
- جريمة التحول إلى المسيحية في مصر المحروسة
- صلوات المسيحيين من أجل المسلمين في رمضان
- رصد كوميدي ساخر لواقع تراجيدي مؤلم في حسن ومرقص!
- تحول نجل قيادي حمساوي إلى المسيحية بين الدين والسياسة
- إسرائيل ملجأ المضطهدين الفلسطينيين!
- العدالة الدولية: ضروراتها وتحدياتها
- مزحة عربية سودانية
- 46664
- انتصار حزب الله وهزيمة لبنان وإسرائيل والثمن الباهظ لصفقة ال ...
- حول المؤتمر السعودي للحوار بين الأديان والحضارات والثقافات
- نحو معيار دولي واحد للتعامل مع الأنظمة الدكتاتورية
- عندما يفسد التطرف الديني المنافسات الرياضية
- حول المطالبة بمقاطعة المسلمين لعادل إمام
- هل يقود أوباما الولايات المتحدة إلى المجهول؟
- مسيحيو بلاد المسلمين بين خيارين أحلاهما بطعم العلقم
- عبد المعطي حجازي ومقارنة أنصاف المواهب بين فيروز وأم كلثوم
- رغم سلبياته: إتفاق الدوحة خير من دولة حزب الله


المزيد.....




- روسيا تؤكد أن الطائرة الأمريكية المسيّرة كانت تحلق في مجال إ ...
- ألمانيا ستحظر تصدير الأسلحة الصغيرة خارج الاتحاد الأوروبي وح ...
- ارتفاع ملحوظ في نسبة "اللا دينيين" في الوطن العربي ...
- الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: صفقة صواريخ S-400 الروسية قضي ...
- ارتفاع ملحوظ في نسبة "اللا دينيين" في الوطن العربي ...
- وزير خارجية باكستان ليورونيوز: "التوتر الأمريكي الإيران ...
- رسميا.. هوس الألعاب الإلكترونية مرض يستلزم العلاج
- أرضنا ليست للبيع.. الفلسطينيون ينتفضون ضد مؤتمر المنامة
- ما قصة محاولة الانقلاب الغامضة في إثيوبيا؟
- تعرف على الوزراء الجدد في الحكومة العراقية


المزيد.....

- كراس كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق / كاظم حبيب
- التطبيع يسري في دمك / د. عادل سمارة
- كتاب كيف نفذ النظام الإسلاموي فصل جنوب السودان؟ / تاج السر عثمان
- كتاب الجذور التاريخية للتهميش في السودان / تاج السر عثمان
- تأثيل في تنمية الماركسية-اللينينية لمسائل القومية والوطنية و ... / المنصور جعفر
- محن وكوارث المكونات الدينية والمذهبية في ظل النظم الاستبدادي ... / كاظم حبيب
- هـل انتهى حق الشعوب في تقرير مصيرها بمجرد خروج الاستعمار ؟ / محمد الحنفي
- حق تقرير المصير الاطار السياسي و النظري والقانون الدولي / كاوه محمود
- الصهيونية ٬ الاضطهاد القومي والعنصرية / موشه ماحوفر
- مفهوم المركز والهامش : نظرة نقدية.. / تاج السر عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - جوزيف بشارة - دور تأويل النصوص المقدسة في مأساة المسيحيين العراقيين