أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - تاج السر عثمان - نشأة وتطور الرأسمالية السودانية( الحلقة الأخيرة)















المزيد.....

نشأة وتطور الرأسمالية السودانية( الحلقة الأخيرة)


تاج السر عثمان

الحوار المتمدن-العدد: 2374 - 2008 / 8 / 15 - 10:47
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


خاتمة
استعرضنا في الحلقات السابقة الملامح العامة والسمات الرئيسية لنشأة وتطور الرأسمالية السودانية ، واشرنا إلى العوامل والمؤثرات والعقبات التي وقفت في طريق تطور ونمو الرأسمالية السودانية والتي حالت دون أن تتمكن من قيادة النهضة الصناعية والزراعية ، رغم أن بذور نشأتها كانت مبكرة ومعاصرة للثورة الصناعية في أوربا ، فقد نشأت في خضم عمليات التراكم البدائي للرأسمال التجاري في سلطنة سنار ، ويمكن أن نلخص أهم الأسباب التي أدت إلى إجهاض دور الرأسمالية السودانية في قيادة النهضة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الآتي : _
1_ لم تستطع الرأسمالية التجارية أن تحقق نصرا حاسما في صراعها ضد الطبقة الإقطاعية في سلطنة سنار والتي كان على رأسها السلطان الذي كان يحتكر سلعتي الذهب والرقيق وبالتالي فشلت في الانفراد بقيادة الدولة كما فعلت الطبقة الرأسمالية في أوربا ، هذا فضلا لتوقف التطور الطبيعي الباطني لهذا الصراع بسبب تدخل عامل خارجي هو الاحتلال التركي للسودان .
2 _ كان الاحتلال التركي المصري جذرا أساسيا من جذور تخلف السودان ومن العوامل التي حالت دون تطور الرأسمالية السودانية وبالتالي دون مساهمتها في قيادة دفة النهضة الصناعية والزراعية. فقد اصبح الاقتصاد السوداني متوجها لخدمة أهداف دولة محمد على باشا في مصر والذي كان يهدف إلى تحقيق نهضة صناعية وزراعية في مصر واللحاق بركب البلدان الأوربية ، ودارت كل عجلة التنمية في ظل الاحتلال التركي لخدمة ذلك الهدف ، إضافة لنهب موارد البلاد المادية والبشرية . لقد احدث الحكم التركي تشوهات والحق دمارا بتركيبة المجتمع السوداني وارهق كاهل المواطنين بالضرائب الباهظة والتي حالت دون النهضة الزراعية والصناعية رغم مظاهر التحديث التي ادخلها الحكم التركي في البلاد مثل إدخال التعليم المدني ونمط الدولة المدني وإدخال المحاصيل النقدية في الزراعة مثل القطن والنيلة وإدخال البواخر النهرية والتلغراف وربط البلاد بالسوق الرأسمالي العالمي . وكان رد الفعل من السودانيين على السياسات التي انتهجها النظام هي المقاومة والانتفاضات المستمرة حتى تم تتويجها بالثورة المهدية .
3 _ ثم جاءت فترة المهدية التي تميزت بعدم الاستقرار والحر وبات المتصلة والصراعات الداخلية والخارجية وإهمال القطاع الزراعي بسبب التهجير الواسع للمزارعين واسرهم تلبية لنداء الجهاد مما أدى لتدهور الزراعة وانتشار المجاعات مثل مجاعة سنة 1306 ه . وبالتالي لم يكن الجو مساعدا لنمو وتطور الرأسمالية السودانية ، كما أن طبيعة الدولة كانت دينية وقامت بإلغاء التعليم المدني وحطمت جهاز الدولة التركي بحسناته وسيئاته ولكنها في مرحله لاحقه اضطرت لللاستفاده من موظفي جهاز الدولة السابق في إدارة جهاز الدولة الجديد ، ولكن رغم الظروف الموضوعية المعاكسة كانت الرأسمالية التجارية تشق طريقها في ظروف وأوضاع صعبة ، ونلاحظ الاتجاه المستمر لتطور الصناعات الحرفية مثل صناعة النسيج والأحذية ، ولكن الاحتلال الإنجليزي _ المصري قطع التطور الطبيعي مرة أخرى ، واصبح السودان خاضعا مرة أخرى لاحتياجات بريطانيا الخارجية .
3 _ كان الهدف الرئيسي للاحتلال البريطاني للسودان هو تحويل السودان ألي مزرعة قطن كبيرة تلبية لاحتياجات مصانعها في لانكشير وغيرها ، ودارت كل عجلة التنمية الاستعمارية لتحقيق هذا الهدف ، وتم إلغاء نظام الرق وصدور قوانين جديدة لملكية الأرض ، وقام مشروع الجزيرة ومشاريع القطن في القاش وطوكر وجبال النوبا ومشاريع النيل الأبيض ، وتم إنشاء خزان سنار ، وقامت ميناء بور تسودان ، وتم ربط أجزاء البلاد بشبكة من خطوط السكك الحديدية حتى يتم نقل القطن من مواقع الإنتاج إلى الميناء ، ثم إلى لانكشير ، هذا إضافة للتبادل غير المتكافئ بين السودان وبقية البلدان الرأسمالية المتطورة والتي تتمثل في تصدير مواد أولية رخيصة الثمن واستيراد مواد مصنعة مما أدى إلى تزايد التخلف بمتوالية هندسية . وانعكس محصول التنمية الاستعمارية على البلاد والذي تمثل في التطور غير المتوازن للبلاد وضعف نسبة التعليم والخدمات الصحية واعتماد البلاد على محصول نقدي واحد ( القطن ) ، واستنزاف الشركات الأجنبية للفائض الاقتصادي وتصديره للخارج وتعميق الفوارق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بين الشمال والجنوب ، حتى انفجرت مشكلة الجنوب في أغسطس 1955 م .
4 _ وبعد الاستقلال لم يحدث تغيير يذكر في التركيبة الاقتصادية والاجتماعية التي خلفها الاستعمار ، وازداد الوضع سوءا بسبب عدم الاستقرار السياسي والانقلابات العسكرية التي عقدت الأوضاع الاقتصادية والسياسية وعمقت مشكلة الجنوب عن طريق الحل العسكري ومصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية ، وكان حصاد 47 عاما من الاستقلال على النحو التالي :
_ انهيار البنيات الأساسية والمشاريع التي خلفها الاستعمار مثل مشروع الجزيرة والسكك الحديدية والنقل النهري والخطوط الجوية السودانية والخدمة المدنية التي كانت تتميز بدرجة عالية من الكفاءة والانضباط.. الخ
_ ديون خارجية بلغت 24 مليار دولار .
_ عجز غذائي ومجاعات ونزوح لامثيل له منذ فترة المهدية من الأرياف إلى المدن بسبب انهيار الخدمات والضرائب الباهظة على المزارعين والرعاة وخاصة في فترة الإنقاذ .
_ توسع وتعمق حرب الجنوب وخاصة بعد انقلاب 30 يونيو 1989 م حتى أصبحت الحرب تشمل دار فور ومناطق الشرق وجنوب النيل الأزرق وجبال النوبا مما أدى للتدخل الأجنبي وفقدان البلاد لسيادتها الوطنية .
_ انهيار خدمات التعليم والصحة و الإنتاج الصناعي والزراعي.
_ عدم تحقيق الأهداف المباشرة المنشودة من التنمية الرأسمالية التي قادتها الأنظمة العسكرية والمدنية في السودان. إضافة للآثار السلبية لتضخيم دور الاستثمار في التنمية .
_ عدم الثقة بالنفس وتزايد الاعتماد على الغير والهبات والمعونات.
_ على أن الوضع اخذ في التدهور المريع منذ بداية انقلاب 25 مايو 1969 م عندما تم تحجيم الرأسمالية الوطنية التي بدأت تلج ميدان الإنتاج الصناعي والزراعي بالتأميمات والمصادرة العشوائية ، ومنذ العام 1978 م وبعد التخفيضات المتوالية للجنية السوداني انهار الإنتاج الصناعي والزراعي وتزايد النشاط الطفيلي الذي دمر الاقتصاد السوداني بتهريب الفائض الاقتصادي للخارج .
_ وبعد انقلاب 30 يونيو 1989 م تفاقم التدهور الاقتصادي بعد سياسات الخصخصة التي اعتمدتها الحكومة ورفع الدعم عن السلع الأساسية والتعليم والخدمات الصحية وإرهاق كاهل المواطنين بالضرائب الباهظة وتم إفقار المواطنين حتى أصبحت نسبة الفقر 94 % حسب الإحصاءات الرسمية ، أصبحت الطفيلية الإسلامية هي السائدة والتي تراكمت ثرواتها من نهب القطاع العام والمال العام ، وتم تجميد أموال ضخمة في بناء العقارات والتي أصبحت هي النشاط السائد وارتفعت أسعار الأراضي بشكل لامثيل له في السابق وازدادت غابات الأسمنت بعد أن تدمير الغابات الطبيعية وبالتالي تم تعطيل فائض اقتصادي كبير كان يمكن توجيهه في التنمية الزراعية والصناعية .
وحتى بعد أن تم استخراج البترول والذهب كان من الممكن أن ينعكس ذلك إيجابيا على حياة المواطنين اليومية وعلى تطور الإنتاج الزراعي والصناعي ولكن ذلك لم يتم ، واصبحت عائدات البترول مصدرا إضافيا لتراكم ثروات الرأسمالية الطفيلية ، اضافة للاستثمار في التعليم والصحة واللذين اصبحا مصدرين من مصادر التراكم الرأسمالي .
وخلاصة القول إن الرأسمالية السودانية فشلت في قيادة النهضة الصناعية والزراعية والاجتماعية والثقافية كما فشلت الأنظمة المدنية والعسكرية التي تعاقبت بعد الاستقلال في إنجاز مهام النهضة الوطنية الديمقراطية وقيام دولة المؤسسات وحكم القانون ورفع مستويات المعيشة وترقية خدمات التعليم والصحة والكهرباء وتوفير البنيات الأساسية اللازمة للنهضة والتطور ، حتى اصبح السودان في ذيل قائمة الدول الأكثر تخلفا فى العالم ، رغم إمكانياته وموارده الاقتصادية والزراعية والحيوانية والبترولية والمعدنية .
وما زالت البلاد تنتظر قيادة جديدة لإنجاز مهام النهضة الوطنية الديمقراطية التي تجدد البلاد وتقيم دولة المؤسسات وحكم القانون وتحقق المجتمع الصناعي الزراعي المتطور والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة بين أقاليم البلاد المختلفة وترسى دعائم الوحدة والسلام المستدام والديمقراطية .





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,322,636,905
- الرحلة من موسكو الي منسك
- نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(9)
- ملاحظات نقدية علي مشروع التقرير السياسي
- نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(6)
- نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(8)
- نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(7)
- نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(5)
- نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(4)
- اتفاقية نيفاشا والصراع السياسي في السودان
- نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(3)
- تعقيب علي رسالة بروفيسور ساندرا هيل
- نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(2)
- نشأة وتطور الرأسمالية السودانية(1)
- خصوصية نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية: 1900- 1956م( الح ...
- خصوصية نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية: 1900- 1956(3)
- الماركسية وطبيعة الحزب في تصريحات الشفيع خضر
- خصوصية نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية: 1900- 1956م (2)
- حول ظاهرة الاسلام السياسي: اشارة للتجربة السودانية
- ماهو ديالكتيك العلاقة بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي؟
- ماعلاقة دراسة المفهوم المادي للتاريخ بالواقع السوداني؟


المزيد.....




- اندلاع مواجهات بين الشرطة ومتظاهري السترات الصفراء في باريس ...
- أهم دروس السيرورة الثورية في السودان:عبد الله الحريف
- الكرسي الرسولي يندد بظاهرة التفاوت بين الفقراء والأغنياء
- الكرسي الرسولي يندد بظاهرة التفاوت بين الفقراء والأغنياء
- القيادي بالحزب الشيوعي السوداني صديق يوسف
- أكثر من 40 عاما من النضال ..”حزب التجمع” يستعد لمؤتمره الثام ...
- تاريخ الثورة الروسية (ج2): كرنسكي وكورنيلوف/ 1
- عودة المتظاهرين إلى شوارع الجزائر وسقف المطالب يرتفع
- عودة المتظاهرين إلى شوارع الجزائر وسقف المطالب يرتفع
- الأخضر رابحي يكشف سبب غياب القيادة في الحراك الشعبي الجزائري ...


المزيد.....

- حول نظرية الحزب في الماركسية اللينينية / برهان القاسمي
- حان الوقت لإعادة بناء أممية العمال والشعوب / سمير أمين
- سمير أمين: في نقد حلم انكسر   / عصام الخفاجي
- متابعات عالمية و عربية - نظرة شيوعية ثوريّة (2)- (2017 - 201 ... / شادي الشماوي
- اليسار في مصر: حدوده وآفاقه في عالم 2011 / علي الرجّال
- كوبا وخلافة فيديل كاسترو / أندريس أوبينهيمر
- من الثورة الثقافية البروليتارية الصينية الكبرى النص الأول / الشرارة
- أهم المعيقات أمام بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين / النهج الديمقراطي
- نقد لرؤى انتهازية معاصرة عن الدولة / الحزب الشيوعي اليوناني
- استنتاجات من استراتيجية الحزب الشيوعي اليوناني في عقد 1940 ف ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - تاج السر عثمان - نشأة وتطور الرأسمالية السودانية( الحلقة الأخيرة)