أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عدنان عاكف - آينشتاين والقنبلة الذرية






















المزيد.....

آينشتاين والقنبلة الذرية



عدنان عاكف
الحوار المتمدن-العدد: 2361 - 2008 / 8 / 2 - 10:47
المحور: الطب , والعلوم
    


في ذكرى مأساة هيروشيما
غداة إزهاق ارواح عشرات الألوف أوتشويه أبدان الكثيرمن أهل هيروشيما ونغازاكي بالقنبلة الذرية، قال آينشتاين: كان يجب حرق أصابعي قبل أن أكتب تلك الرسالة الى الرئيس روزفلت...

الصديق الذي عرفني على ألبيرت آينشتاين رحل عن هذه الدنيا في 6آب، قبل أكثر من عقد. وقد انحفر هذا التاريخ في ذاكرتي لأنه صادف نفس اليوم الذي رحل فيه نحو 66 ألف ياباني قضوا نحبهم في هيروشيما خلال أقل من دقيقة واحدة. ولكن قبل هذا قد انحفرت في ذاكرتي معلومة أخرى أخبرني بها ذلك الصديق الراحل، وهي ان آينشتاين هو المسؤول الأول عن تصنيع القنبلة ، وإشتهر بأنه " أبو القنبلة الذرية ".. ولو تصفحت أية وسيلة إعلام عربية فانك لن تفاجئ من معلومة كهذه. وأعترف باني لم أكن أشعر بالارتياح وأنا أقرأ عن إنجازاته الكبيرة التي انطبع بها العلم المعاصر، لهذا السبب بالذات. لكن من خلال قراءتي خلال العامين الماضيين، والتي تزامنت مع إستعدادات دوائر ومؤسسات علمية والكثير من الجامعات في أنحاء العالم للاحتفال بالسنة العالمية للفيزياء والسنة العالمية لآينشتاين، بدأت الصورة الحقيقية لآينشتاين تتكشف تدريجيا. وقد أصبت بدهشة كبيرة عندما عرفت قصته مع القنبلة الذرية، وهي كما سنرى من هذه المقالة على نقيض ما عرف عنه تماما.

في عام 1905- وهي السنة التي أطلق عليها العلماء فيما بعد سنة العجائب، لكونها شهدت نشر أربع مقالات علمية في الفيزياء النظرية لشاب مغمورهوالبيرت آينشتاين- تعرف العالم العلمي على معادلة رياضية قدر لها ان تصبح فيما بعد رمزا للفيزياء الحديثة، وهي المعادلة التي لخص فيها العلاقة القائمة بين الطاقة والمادة :( الطاقة تساوي الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء ). تبين هذه المعادلة ان كمية ضئيلة من الكتلة يمكن أن تتحول الى كمية هائلة من الطاقة. وهكذا لو توفرت إمكانية تحويل كمية معينة من بعض المواد الى مادة جديدة يمكن ان نحصل على قدر لا يمكن تخيله من الطاقة.

لم يخطر على بال آينشتاين وهو يخط معادلته غير العادية، بقلم رصاص إعتيادي انه كان يضع الخطوة الأولى لاكتشاف سوف يكون له دور حاسم في إعادة التفكير في عالمنا المعاصر ومستقبله والمخاطر التي يمكن أن تجابهه. لم يكن له دور مباشر، كما يعتقد البعض، في صناعة القنبلة الذرية. وقد أكد على هذه الحقيقة بنفسه، حين قال بعد أكثر من أربع عقود على نشر معادلته : " لا أعتبر نفسي الأب الذي حصل على الطاقة الذرية. كان دوري في هذا الشأن غير مباشر كليا. وفي الحقيقة اني لم أكن أتوقع ان يحصل ذلك ( يقصد صتاعة القنبلة ) خلال حياتي. كنت فقط مؤمنا انه أمر ممكن من الناحية النظرية. وقد تم التوصل الى ذلك بعد الاكتشاف العرضي للتفاعل المتسلسل، وهذا لم يكن بالحسبان، ولم يكن بوسعي توقعه. ".
أماالذي رأى وجود إمكانية التوصل الى طريقة للحصول على الطاقة الذرية فهو ليو زيلارد Leo Szilard: عالم فيزياء مجري قدم الى ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، والتحق فيما بعد بمعهد قيصر فيلهلم حيث عمل بصحبة آينشتاين لبضع سنوات. وغادر ألمانيا في عام 1933هربا من الحكم النازي، واستقر به المطاف في لندن، وأصبح فيما بعد من المساهمين الكبار في صنع أول قنبلة ذرية .

عام 1934 انتهت أول محاولة بريطانية للتوصل الى التفاعل المتسلسل للنتيترون بالفشل. ولكن زيلارد واصل أبحاثه في هذا المجال لبضعة سنوات أخرى في اكسفورد. بعد تفاقم التدهور في العلاقة بين ألمانيا وبريطانيا قرر ان يغادر الى أمريكا. في عام 1938 وصل الى نيويورك. وباشر تجاربه في جامعة كولومبيا عام 1939.

في صيف 1939 وبعد مرور نحو ستة أشهر على اكتشاف ظاهرة انشطار ذرات اليورانيوم، بدأ الحديث عن آفاق الطاقة الذرية واستخداماتها يدور على صفحات الصحف والمجلات الأمريكية بشكل علني. في ذلك الوقت كان غالبية الفيزيائين في الولايات المتحدة ما زالوا يشككون بامكانية الحصول على الطاقة اللازمة لتصنيع للقنبلة الذرية. اندهش زيلارد بسبب عدم اكتراث الدوائر الرسمية في أمريكا تجاه هذه القضية الخطيرة، خاصة بعد ان اتضح ان تصنيع قنبلة ذات قوة تدميرية هائلة لم يعد بالأمر المستحيل، وقد اشتد قلقه بعد ان توقفت ألمانيا عن بيع خامات اليورانيوم من مناجم شيكوسلفاكيا، بعد ان أصبخت تحت سيطرتها . وكان يفتفـرالى وسيلة توصله الى المسؤولين
قرر زيلارد ان يستعين بصديقه القديم آينشتاين. وفي اللقاء الأول بين العالمين قدم زيلارد شرحا وافيا عن المستوى الذي بلغته الأبحاث العلمية في موضوع اليورانيوم، وركز على الأدلة التي تشير الى انه يمكن، من خلال الانشطار الذري، أن يبدأ تفاعل ذري متسلسل، وهو التفاعل الذي يجعل من تصنيع القنبلة الذرية احتمالا يمكن تحقيقه في المستقبل القريب. شكلت تلك المعلومات صدمة كبيرة لآينشتاين. فقبل أربع سنوات فقط كان قد عبر عن إمكانية إنتاج الطاقة بهذه الطريقة بقوله : " ان ذلك يشبه عملية إطلاق النار على الطيور المحلقة في الجو في منطقة لا يوجد فيها غير عدد قليل منها ". لم تكن القنبلة النووية بحد ذاتها ما كان يثير قلق العالمين ، بل احتمال ان تتوصل ألمانيا الى القنبلة قبل غيرها من الدول، وبذلك سيتعرض العالم كله الى خطر سيكون من الصعب جدا تصور وإدراك كل أبعاده.

اتفق العالمان على ضرورة التحرك السريع قبل فوات الأوان. الخطوة الأولى كانت مفاتحة ألكسندر ساشيس بالموضوع، إذ كان يعتبر مستشارا غير رسمي للرئيس روزفلت وصديقا له. اقترح ساشيس على زيلارد ان يقوم آينشتاين بكتابة رسالة الى الرئيس. ووعد بانه سوف يوصلها اليه شخصيا.

في اليوم الثاني من آب وقّع آينشتاين الرسالة. رأى من الضروري ان يضع ما لديه من معلومات عن محاولات الحصول على النوع الجديد من الطاقة تحت تصرف الرئيس الأمريكي. لذلك بدأت الرسالة بالحديث عن النجاح الذي حققه العلماء في مجال تحويل معدن اليورانيوم الى مصدر لطاقة جديدة هائلة. وأضافت الرسالة " أصبح بالإمكان البدء بسلسلة من التفاعلات في كتلة كبيرة من اليورانيوم ينتج عنها كميات كبيرة من الطاقة وعدد كبير من العناصر الكيميائية الجديدة الشبيهة باليورانيوم. ونتيجة لهذه الإنجازات العلمية أصبح من الممكن صنيع قنابل بالغة الخطورة". وأشارت الى إن القدرة التدميرية لمثل هذه القنبلة تكفي لتدمير مرفأ بكامله مع المناطق المجاورة له. وتضمنت الرسالة بعض المقترحات ذات الطابع العملي للشروع الجاد في تهيئة المستلزمات العلمية والمالية والتنظيمية لانطلاق العمل في برنامج متكامل. وكان من الضروري ان يبلغ الرئيس ان الألمان قد باشروا العمل في هذا الاتجاه منذ فترة، وان ألمانيا أوقفت بيع اليورانيوم المستخرج من المناجم التشيكية... ، لم تصل الرسالة الى الرئيس الأمريكي بالسرعة المتوخاة. . ولم يستطع ساشس مقابلة الرئيس الأمريكي الا في اليوم العاشر من تشرين الأول

في مطلع أيلول اخترقت القوات الألمانية الحدود البولونية، وكان ذلك إشعارا ببدء الحرب العالمية الثانية. أما رسالة اينشتاين فكانت إشعارا لبدء العمل في أضخم وأخطر مشروع علمي في العصر الحديث، والذي عرف فيما بعد باسم " مشروع مانهاتن ".

كان العمل في البداية يسير ببطء، لان غالبية العلماء الأمريكان العاملين في موضوع اليورانيوم كانوا يشكون بامكانية التوصل الى إنتاج الطاقة من هذا العنصر. بعث آينشتاين وزيلارد برسالة ثانية في 7 آذار 1940 الى الرئيس ، ليؤكدا على أهمية الإسراع في العمل لان اهتمام ألمانيا باليورانيوم قد تضاعف بعد اندلاع الحرب. فاستجاب الرئيس، لما ورد في الرسالة واقترح على اينشتاين ان ينضم الى المجلس العلمي الذي يشرف على المشروع. لكن أينشتاين قد اعتذر بدون ان يذكر الأسباب.
خلال تلك الفترة اخذ الموقف السياسي للولايات المتحدة يتزحزح عن الحياد باتجاه التحالف مع بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي. فأصدر الرئيس أوامره بضرورة الإسراع بالعمل. وخلال فترة وجيزة كانت التهيئة لصنع السلاح الجديد على قدم وساق فولد برنامج جديد هو " مشروع مانهاتن ". وقد أنيطت مسؤوليّته بالجنرال ليسلي غروفس، و أنيطت بالعالم المعروف روبرت أوبينهيمر مهمة قيادة الفريق العلمي. فكان أوبينهيمر هو " أبو القنبلة الذرية " الحقيقي.

أينشتاين ومشروع مانهاتن :

كانت رسالته الى الرئيس هي مساهمته الأولى في تعجيل إطلاق المشروع أما مسااهمته اللاحقة فلم تستغرق منه سوى يومين. كان المسؤول عن تنسيق الأبحاث العلمية المتعلقة بالقنبلة قد طلب في الأول من كانون الأول 1941من آينشتاين المشورة في مسألة نظرية تتعلق بالموضوع. علما ان هذا المنسق وزملاؤه في المشروع قد استبعدوا آينشتاين عن المساهمة في أي عمل له صلة بالقنبلة، وذلك بعد إستشارة الجهات الأمنية التي شككت في ولائه لأمريكا وقد إستند مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) الى تقرير قديم، كانت منظمة نسائية يمينية قد أعدته عن آينشتاين، وأرفقه بمعلومات أخرى معظمها مزيفة أو من أنصاف الحقائق، وبعث بها الى المخابرات العسكرية، مع توصية ختامية تفول :" ان هذه الدائرة لا ترشح د. البيرت آينشتاين للعمل في أية مشاريع ذات طبيعة سرية، قبل القيام بتحريات دقيقة. كما يبدو على ضوء خلفيته الراديكالية ان رجلا بمثل هذه الخلفية لا يمكن ان يتحول الى مواطن أمريكي مخلص خلال مثل هذه الفترة الزمنية القصيرة ".
فرفضت المخابرات العسكرية منح آينشتاين تزكيتها للعمل في البرنامج، مع انه الرجل الذي كان له الفضل الأول في وجوده أصلا...وعلى العكس من تشدد المخابرات العسكرية، كان موقف القوة البحرية أكثر انفتاحا تجاه آينشتاين. ففي عام 1942 عرضت عليه القوات البحرية ان يعمل كمستشار علمي في موضوع يتعلق بتصنيع مواد شديدة الانفجار، فوافق على العرض بدون تردد، لا بل يذكر من التقى به انه كان سعيدا جدا لهذا التعاون. وقد نشرت صورته في بعض الصحف، مع بعض رجال البحرية. على أثر نشر المعلومات عن تعاون القوات البحرية مع آينشتاين بادر أحد المسؤولين عن برنامج منهاتن للاتصال به وعرض عليه المشاركة في المشروع، لكنه اعتذر. هل كان آينشتاين غاضبا من الموقف السلبي السابق حبن رفض العرض الجديد بدون تردد، أم كان رفضه لأسباب علمية بحتة ؟
لماذا منع أشهر عالم في ذلك الوقت من العمل في أهم مشروع علمي قدر للبشرية ان تجابهه؟ فسر بعض من كتب حول الموضوع ان آينشتاين كان يفتقر الى الخبرة في التكنولوجيا، في حين أن صنع القنبلة كان بحاجة الى خبراء كبار في هذا المجال، وان نظرياته لم تعد ضرورية في دراسات الذرة. إضافة الى ان طبيعة آينشتاين كانت تنزع الى العمل الفردي، في حين ان مشروع القنبلة كان يتطلب، بالدرجة الرئيسة، عمل مجموعة كبيرة جدا من العلماء والمهندسين. ويرى أخرون ان السبب في منع مشاركة آينشتاين في المشروع يعود الى مواقفه السياسية في ألمانيا وفي الولايات المتحدة على حد سواء، وخاصة مواقفه اليسارية الصريحة. غير ان عددا غير قليل من العلماء الذين ساهموا في المشروع كانوا قد قدموا من الخارج ومن معسكر اليسار بالتحديد. وهناك من يرى انه أراد أن ينأى بنفسه عن المساهمة ببرنامج " علمي " قد تكون نتائجه وخيمة على العالم. وهناك من قال ان اينشتاين رفض طلب روزفلت بالانضمام الى المشروع لكونه جاء متأخرا، وانه بهذا الرفض كان يثأر لكبريائه.

مهما كان الأمر، فان الواقع يقول ان " أب القنبلة الذرية " لم يشترك في برنامج صناعة القنبلة، لكن هذا لا يعني انه ابتعد كليا عن الموضوع. قبل أن تصنع القنبلة، وقبل ان تضع الحرب أوزارها أخذ ينظر الى المستقبل ويفكر بالمشاكل الكبيرة التي ستجابه البشرية. وقد بعث برسالة الى الفيزيائي الشهير نيل بور في الأول من كانون الأول 1944 يدعوه الى العمل من أجل حث العلماء الكبار من مختلف الدول – وبضمنها روسيا – لبذل جهود استثنائية من أجل " تدويل القدرات العسكرية، أي وضعها تحت إشراف وتصرف دوليين. ودعا الى حماية المستقبل من المخاطر . وكتب يقول : " بعد ان تنتهي هذه الحرب سوف تبدأ في جميع البلدان التهيئة والاستعداد لحرب جديدة ، وسيكون ذلك بوسائل تكنولوجية مدمرة، وستؤدي لا محالة الى تدمير كل شيء".

في 12/4/1945 توفي الرئيس روزفلت. وخلفه ترومان. بعد أقل من شهر أعلنت ألمانيا استسلامها.. في حزيران قامت مجموعة من العاملين في برنامج مانهاتن، وفي مقدمتهم كل من سيلاهرد( الذي لعب أكبر دور في الوصول الى القنبلة ) ، والحائز على جائزة نوبل جيمس فرانك بتقديم مذكرة الى وزارة الحرب، تحذر من ان استخدام القنبلة ضد اليابان سوف يعرض أخلاقية أمريكا للشبهة. و ذكر آينشتاين فيما بعد ان تقرير فرانك قد إقترح إسقاط القنبلة على منطقة مهجورة لاقناع اليابانيين بالاستسلام دون حاجة الى استخدام السلاح النووي. وإنحازأكثر من 150 عالم من العاملين في برنامج مانهاتن الى هذا الموقف. ولكن موقف العلماء لم يستطع ان يزيح الساسة عن مواقفهم. ففي الثامنة و15 دقيقة 6 آب 1945 ، قامت مقنبلة أمريكية بإسقاط قنبلة ذرية على هيروميشا، دون تحذير مسبق. وبعد دقيقة كان 66000 من سكانها هيروشيما قد لقوا حتفهم. ووصل الضحايا الى نحو 100 ألف مدني من مختلف الأعمار. وهلك 100 ألف آخرونن يموتون لاحقا بتأثير الإشعاع النووي..

عقدة الذنب:

يقال ان آينشتاين لم يعلق على خبر تفجير القنبلة في هيروشيما، إلا بعد مرور سنة على الحادث، لكن ملف آينشتاين السري في مكتب التحقيقات الفدرالي يقول: " البروفيسور ألبيرت آينشتاين... قال اليوم انه متأكد لو ان الرئيس روزفلت مايزال حيا لمنع ضرب هيروشيما بالقنبلة الذرية. ونقل عنه أيضا : " كان عليّ ان أحرق أصابع يدي، قبل أن أكتب رسالتي الأولى الى الرئيس روزفلت ". وفي تصريح لاحق أكد : " لقد شجبت دائما استخدام القنبلة ضد اليابان ...". وهناك قول كرره في أكثر من مناسبة : "لا أعتبر نفسي أبا القنبلة النووية، ولم أعمل أبدا في إنتاجها ". ونقل عنه بانه كان على ثقة ان الولايات المتحدة لن تتستخدم القنبلة النووية ضد أحد، مع انه كان أول من نصح الحكومة الأمريكية بالإسراع بإنتاجها لأن الأخبار كانت شير الى احتمال توصل الألمان الى إنتاجها قبل نهاية الحرب. لذلك كان من الضروري امتلاك مثل هذا السلاح الرادع ضد الألمان للحيلولة دون انتصارهم في الحرب .. وقد صرح في مقابلة نشرت في آذار 1947 : " لو كنت أعرف ان الألمان لن ينجحوا في صنع القنبلة لما أيدت مشروع صنعها.. ". وبلغ شعوره بالذنب ذروته عند سماع نبأ التدمير الشامل لمدينة هيروشيما إذ قال " ويل لي !! "

وكانت مجموعة من الذين شاركوا في برنامج مانهاتن، وفي مقدمتهم زيرالاد وأوبنهايمر ، إضافة الى بعض كبار قادة الجيش ومنهم آيزنهور قد طالبوا الحكومة الأمريكية بعدم استخدام القنبلة ضد اليابانيين، ما دام أمر استسلامهم قد أصبح محسوما. ورأوا ان تقوم الحكومة الأمريكية باستعراض عضلاتها النووية وذلك من خلال إلقاء القنبلة في مكان مهجور ليسرع باستسلامهم. وكان آينشتاين من هذه المجموعة الرافضة والنادمة. وقال" كان بإمكان الأمريكيين الاكتفاء بتفجير القنبلة في مكان قفر لكي يفهم اليابانيون ان عليهم وقف الحرب ". ولكن لا أينشتاين ولا مجموعة العلماء الذين رفضوا استخدام القنبلة في الحرب كانوا يدركون ان الساسة الأميركيون عندما أهلكوا المدينتين اليابانيتين كانت عيونهم تنظر باتجاه السوفيت الذين أخرجتهم الحرب الى الساحة الدولية منتصرين، رغم تحملهم الدمار الأكبر.

بعد بضعة أشهر على مأساة هيروشيما قام عدد من العلماء من جامعة شيكاغو، ومن الذين عملوا في مشروع مانهاتن بتشكيل فدرالية علماء الذرة. فساعدت خلال أقل من عام على تشكيل "اللجنة الوطنية للمعلومات الذرية" التي مثلت خمسين نقابة، وكنائس ومنظمات مدنية . وتشكلت "جمعية العلماء للتثقيف الذري".التي ارسلت علماء مندوبين عنها الى الاجتماعات التي كانت تعقد في مختلف الولايات لشرح مخاطر استخدام الأسلحة الذرية، وما ينتظر العالم في المستقبل القريب.

صنّاع القنبلة يتصدون للقنبلة

في شهر آيار طلب سيلاهرد وزميل آخر من آينشتاين ان يترأس " اللجنة الطارئة لعلماء الذرة ". كان جميع أعضاء هذه اللجنة ، باستثناء آينشتاين، قد شاركوا في بناء القنبلة، وأعلنت اللجنة انها تتحرك بدافع الضرورة القومية الملحة وبدافع ضميرهم الجماعي.. وحددت هدفها الرئيسي في استنهاض الأمريكيين من أجل أن يفهموا حجم الأزمة التي تجابههم، والتي لم يسبق لها مثيل، على المستوى الوطني والدولي.

في نهاية عام 1946 أعلن آينشتاين في أحد الاجتماعات : " ان عالمنا المعاصر يواجه أزمة، ما زال أولئك الذين يمتلكون القدرة على القيام بالخيار الكبير بين الخير والشر، لا يستطيعون إدراكها. ان إطلاق العنان لطاقة الذرة قد غير كل شيء، باستثناء أسلوب تفكيرنا، ولهذا ترانا ننجرف نحو كارثة فريدة من نوعها ".و في اجتماع للجنة الطارئة لعلماء الذرة، عقد في تشرين ثاني 1946، أعلن آينشتاين ان المهمة الأولى يجب ان تنصب على " ان نوصل قناعتنا الى الآخرين، بان الحرب يجب ان تمنع مهما كانت التكاليف.. وقد خرج المؤتمر باستنتاجات في غاية الأهمية، كان في مقدماتها: لا توجد وسائل عسكرية دفاعية ضد القنبلة الذرية، ومن غير المتوقع التوصل الى مثل هذه الوسائل، لأن باستطاعة الدول الأخرى التوصل الى القنبلة، فالاستعداد لمقاومة القنابل الذرية أمر عبثي، ولا جدوى منه، لو نشبت الحرب سوف تستخدم القنابل الذرية، وهي بكل تأكيد ستقضي على حضارتنا؛ لا حل لهذه المشكلة إلا من خلال الرقابة الدولية على الطاقة الذرية، والعمل على التخلص نهائيا من الحرب..وفي عام 1947 سعى للقاء وزير الدفاع لإقناعه بان حكومة عالمية بقوات عسكرية هي الوحيدة القادرة على تجنب كارثة الحرب الذرية. ومن بين ما قاله يصدد تقييم مرحلى ما بهد استخدام السلاح الذري :
" اختراع القنبلة الذرية لم يخلق مشكلة جديدة. كل ما استحدثته هو انها جعلت من قضية حل المشكلة القائمة أكثر إلحاحا. يستطيع المرء القول بانها أثرت فينا كميا وليس نوعيا... ما دامت هناك هيمنة للدولة التي تمثل القوة العظمى، فان الحرب محتومة. كان هذا حقيقة قبل ان تصنع القنبلة. كل ما تغير هي القوة التدميرية للحرب...".

بيان برتراند راسل – آينشتاين

قبل أيام من وفاته فانحه عالم الرياضيات والفيلسوف البريطاني برتراند راسل للانضمام الى بيان حول الأمن والسلم في العالم، موقع من قبل تسعة علماء آخرين. وقد عرف هذا البيان لاحقا ياسم " بيان آينشتاين – راسل ". وقد مهد هذا البيان لانطلاق حركة سلمية جديدة ، لتنظم الى الحركات المختلفة التي تناضل من أجل السلم والأمن في العالم. وتعرف هذه الحركة التي انطلقت في عام 1957 باسم " مؤتمر باكاش ". كان أصغر العلماء التسعة الذين وقعوا البيان، هو العالم الفيزيائي جوزيف روتبلات ، الحائز على جائزة نوبل من أجل السلام في 1995 ( عالم بولوني غادر بلاده قبل احتلالها من قبل قواة هتلر واستقر في بريطانيا )،. وقد ترأس مؤتمر باكاش لفترة طويلة، وتوفي قبل بضعة أشهر عن عمر 96 سنة. وهو الوحيد بين العلماء الذين عملوا في مشروع تصنيع القنبلة الذرية، الذي انسحب من المشروع بعد ان تأكد بان ألمانيا لم تعد قادرة على صناعة القنبلة، إذ شعر ان مواصلته للعمل في المشروع أصبح غير مبرر من الناحية الأخلاقية. وقبل وفاته ترك لنا في عام 2005 بعض من ذكرياته عن آينشتاين، أقتطع منها الكلمات التالية : جعلنا آينشتاين نفكر في كل شيء – لا شيء هو المطلق؛ كل شيء هو النسبي. لقد كان عالم، ولكنه واقعي واع بشأن كل ما كان يحدث في العالم.... وأنا لا أعتبره عالما عظيما فحسب، بل هوإنسان عظيم أيضا. ..كان آينشتاين عملاقا بين الرجال، بقي طيلة حياته يحارب بعناد من أجل السلام... ان رسالة آينشتاين للإنسانية ما زالت ملائمة ليومنا، كما كانت خلال حياته......".
فحري بنا أن نقرأ آخر سطرين من تلك الرسالة، لأن فيهما ما ينبغي ان يبقى يشكل ناقوس خطر لا يهدأ ما دام على وجه هذه المعمورة كابوس أسود اسمه السلاح النووي. فحين سألوه عن نوع السلاح الذي سوف يستخدم في الحرب العالمية القادمة، أجاب : بصراحة لا أستطيع أن احدد نوع الأسلحة التي سوف تستخدم في الحرب العالمية الثالثة. لكني واثق ان سلاح الحرب العالمية الرابعة سيكون من العصي والحجارة ".......






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,383,758,276
- في ذكرى مأساة هيروشيما آينشتاين مناضل من أجل السلم -2
- في ذكرى مأساة هيروشيما آينشتاين مناضل من أجل السلم -1
- - طب وشعر كيف يلتقيان - ؟؟
- - الشرعية الثورية - و - الشرعية التاريخية -
- الصراع بين الشعر والعلم - 1
- المسلمون الأوائل وكروية الأرض - 3
- المسلمون الأوائل وكروية الأرض – 2
- المسلمون الأوائل وكروية الأرض - 1
- ثورة تموز و - الديمقراطية الملكية -
- 14 تموز بين الموقف العاطفي و الموقف الطبقي
- 14 تموز: تلبية لإرادة الشعب أم تحقيق لمطامح العسكر ؟؟
- نحن وثورة الرابع عشر من تموز 1
- آينشتاين والاشتراكية


المزيد.....


- البرنامج النووي الايراني بين الحقائق العلمية والصراعات السيا ... / مؤيد الحسيني العابد
- فضفضة ثقافية (الحلقة الثالثة والعشرين) / محمود سلامة محمود الهايشة


المزيد.....

- رئيس كولومبيا: جارسيا ماركيز ليس مصابا بالسرطان لكن حالته ال ...
- اختيار «12 أبريل» يوما للناجيات من السرطان
- امين بغداد بالوكالة نعيم عبعوب يعترض على مجانية الخدمات البل ...
- غوغل تطلق وظيفة تضمين الصور في -جي ميل-
- صورة.. تعرّف على أفضل 10 دول في حرية الإنترنت
- -غوغل- تطرح شروطا لمسح البريد الالكتروني
- الرئيس الكولومبي ينفي إصابة غابرييل غارسيا ماركيز بالسرطان
- أندرويد ينطوي على ثغرة أمنية خطيرة!
- مرضى السرطان.. وعلاج -ثوري- مرتقب
- جاك سِيرْفْيِيه مُصنِّع الأدوية الفرنسي يفارق الحياة عن 92 ع ...


المزيد.....

- الرياضيات_1 / برتراند راسل
- الرياضيات_2 / برتراند راسل
- سرعة التفاعلات الكيميائية / ظافر شعلان
- مهمة التلسكوب الفضائي بلانك تلقي ضوءاً جديداً على صيرورة الو ... / جواد بشارة
- صيرورة الكون المرئي وماهيته من الأصل إلى الكل الحي / جواد بشارة
- كيف ركب آينشتاين نظرية النسبية ؟ / هشام غصيب
- رحلة الكون عبر الزمن / سامح سعيد عبود
- تقدم علمى تأخر فكرى / سامح سعيد عبود
- رحلة الكون عبر الزمن / سامح سعيد عبود
- رحلة لاكتشاف الوجه الخفي في أعماق الكون المرئي / جواد بشارة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطب , والعلوم - عدنان عاكف - آينشتاين والقنبلة الذرية