أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نضال نعيسة - الحوار مع القردة والخنازير: فاقد الشيء لا يعطيه









المزيد.....

الحوار مع القردة والخنازير: فاقد الشيء لا يعطيه


نضال نعيسة

الحوار المتمدن-العدد: 2355 - 2008 / 7 / 27 - 11:14
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


نازعتني النفس الشريرة في أن أكتب أو لا أكتب عن حوار الأديان، لعلمي اليقين بأنه حوار عبثي لن يكتب له النجاح، طالما أن الأديان لم تكن متصالحة ولا متسامحة فيما بينها تاريخياً، ومعظم الحروب الكبرى في التاريخ، وبمجانينها المعروفين الذين كانت تنهش عقولهم الأساطير الدينية، كانت ذات خلفية أسطورية ودينية لاهوتية، وطالما أن النصوص المقدسة لا تسمح لأحد بتحويرها أو التلاعب بها، والكل يعلم ما تضمره هذه الأديان "المتحاورة" بعضها لبعض. الأديان، افتراضياً، يجب ألا تتحاور لأنها في نسق قدسي واحد من عند الله الذي أنزلها بتلك البنية المعرفية على عباده الضالين ليهديهم إلى طريق الحق وجادة الصواب ويدخلوا بعدها الجنة حيث الحور العين والغلمان المخلدون. ومن يدعو إلى حوارات للأديان، والتآلف فيما بينها فهو يتعدى على صلاحيات ومهمات ليست من اختصاصه على الإطلاق، بل هي من صلب وظيفة من هو في السماء، لأنه هو ولحكمة ما، قدمها على هذه الصورة والتركيبة. فلا أعتقد أنه يوجد هناك اليوم من يتجرأ ويدّعي بأنه الوصي والقيم على أي دين من الأديان لا في مكة، ولا في هيكل سليمان، ولا حتى في الفاتيكان، فالأديان، والإيديولوجيات الدينية بشكل عام، هي ملك مشاع يقتنيه كل من يشاء شريطة أن يؤمن ويسلم دون نقاش بأساطير السماء. فترى أمريكياً يعتنق البوذية، ومسيحياً يصبح مسلماً، ومسلماً يصبح نصرانياً، ولا دينياً قد يصبح متشدداً دينياً، وكله مقدّر ومعروف وفي اللوح المحفوظ.

أليس واحداً من أسرار النفس البشرية الكبرى هو هذا التعلق الغريزي المحموم بالحياة، بالرغم من كل ما فيها من عبثية ولا جدوى وألم وعذاب ومطاردة للوهم والسراب؟ هنا يبرز دور الفكر الديني كحل جاهز لكل تلك المعضلات الفلسفية العالقة، ذلك الفكر الذي يدغدغ مخيلة المؤمن، ويلبي تفسيراً مبهماً ومبتسراً وجاهزاً لغريزة البقاء، ويعطي راحة للنفس الحيرى من أرق الغموض الكوني، ويمنـّي الأرواح الهائمة بعودة لاحقة، في زمن غير محدد، إلى هذا الوجود المضني لاجترار تجربة الحياة مرة أخرى( والإنسان المؤمن يسر ويفرح ويستأنس، طبعاً، لهذه السردية والسيناريو المستحيل ويفرح به لأنه يداعب خيالاته وأحلامه). والأسئلة "الحرجة" العامة جداً حول الموت والبعث والحياة، لم يجب عليها حتى اليوم أي دين من الأديان، لا الأرضية ولا السماوية. ومعظم ما طرح حتى اليوم، يندرج في إطار التمنيات والنظريات والرؤى والتكهنات، ليس إلا، وظلّ الوجود والكون وأسراره الغامضة والكثيرة ألغازاً ساحرة تحيـّر، بقد ما تؤرق، الفلاسفة والمفكرين والعلماء، غير أنها لا تعني أي شيء لعموم المتدينين الذين لديهم وصفة سحرية، وجواب جاهز لكل سؤال.

ومع انعدام أي مثال حي ومعروف لشيء اسمه "ثقافة حوار" في التاريخ العربي والإسلامي، حيث كان السيف هو الفيصل، والمحاور المفضـّل والوحيد في معالجة كافة القضايا الطافية على السطح. فكم من رجل فكر بالحوار، أو "كافر أو مرتد"( حسب الخطاب البدوي)، في التاريخ البدوي القديم، مثل السهروردي وابن الراوندي والحلاج والجعد بن الدرهم، وابن المقفع، وابن أبي العوجاء، كان قد قضى قبل أن يكمل جملة حوارية واحدة لا تروق لأولي الأمر والفقهاء، ولم يسمح له بأن بنبس ببنت شفة، أو يتساءل عن أي أمر، فما بالك بأن يتاح له بأن يجري أي حوار "جدي وساخن"، مع نجوم النحر وسفاحي البدو الكبار ممن يضفى عليهم هالة من القداسة والتصنيم. وحتى اليوم، (وعلى أساس أننا في عصر التنوير وحقوق الإنسان والعياذ بالله وأستغفر الله لي ولكم على أي حال)، فإن كلمة معارضة ترتبط بشيء من الإثم والذم والقدح والامتعاض والازدراء في صفوف العامة من الناس. وعلى الدوام، كانت كلمة الكهنوت الحاكم، المدجج بالسيف والفتاوى والفقهاء، هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى والمرذولة واللعينة النجسة التي لا يعترف بها يوم القيامة والحساب حيث تسوّد وجوه حفدة القردة والخنازير الملاحدة والملاعين الكفار الذين سيـُصـْلـَون نار جهنم وسوء العاقبة والعذاب. وتكاد تنعدم في التاريخ البدوي القديم، أية أمثلة لحوارات، أو لمجالس استشارية، أو هيئات منتخبة ديمقراطية، اللهم باستثناء تلك "الحوارات" الرائعة جداً التي تمت بالسيوف ذات يوم في مكة، وبدر، ويثرب، وخيبر، وصفين، والجمل، وحطين، واليرموك، وعمورية....إلخ.

ومن هنا فقد أتت الدعوة لمؤتمر حوار الأديان، ومن قبل أطراف عربية وإسلامية فاعلة، مثيرة وغريبة بقدر ما هي "مريبة"، في توقيتها، ومقاصدها وأهدافها، كون أي متطلب من متطلبات إجراء الحوارات لدى الجهة الداعية لهذه الحوارات لم تتحقق، ولم يتغير شيء في الواقع يوحي بأن هناك أرضية لنجاح مثل هذه الدعوات. فالسؤال الأهم في هذه المناسبة ما هو الطارئ والجديد والمتغير الإيديولوجي والبنيوي المعرفي الانقلابي والثوري الذي سمح للبعض بالتنازل لإجراء مثل هذا الحوارات مع من لا زال يسميهم في خطابه الرسمي بحفدة القردة والخنازير؟ ولماذا تتحاور الأديان أصلاً؟ وعلى أي شيء تتحاور ما دام أنها تنزيل عزيز مقتدر حكيم؟ وجل الخطاب الرسمي الدعوي الصحوي التكفيري السائد الآن، والذي ترعاه وتموله نفس الجهة التي دعت لحوار الأديان، قائم على فكر الاستعلاء والكراهية والعنصرية والبغضاء والدعوة للحرب وإخضاع الأمصار ولفتح روما ليحكمها خليفة بدوي يحاورها بالسيف الفتاك.

بعكس أقلام تلك الإمبراطورية الإعلامية المأجورة وأبواقها المعروفة، فإنه ليس ثمة ما يوحي بالثقة في مثل في مثل هذه الحوارات ونجاحها طالما أنها تكتيكية، وليست إستراتيجية، وطالما أنها تندرج في إطار السعي للخروج من المأزق الحضاري والإنساني الكبير الذي وجد الصحويون والدعويون أنفسهم فيه وبدأ يهدد أمن وسلامة وعيش المسلم المسكين المهاجر في الغرب، وطالما أن الذي دعوا لها وجدوا أنفسهم في حال وصورة لا يحسد عليها بعد عقود من تصدير خطاب دموي وعنصري وتكفيري صار يهدد أمن نفس تلك المجتمعات التي صدرته للعالم وحاولت تهديد أمنه وتعايشه. ( ألقي القبض مؤخراً في السعودية على "خلية" واحدة تتألف فقط، (وحصوة في عين اللي ما يصلي ع النبي)، من 700 إرهابي وقاتل كانت على وشك تنفيذ عمليات كارثية، ولن نتحدث هنا عن جيوش الخلايا النائمة في أرجاء الإمبراطورية البدوية المترامية الأطراف).

وحسب الخطاب الدعوي البدوي البترولي، لا ندري كيف سيتحاور سليلو خير أمة أخرجت للناس مع مجرد حفدة القردة والخنازير الخاسئين وأعداء الله الخائبين؟ وكيف سيجلس المعصومون والناجون من النار مع سكان جهنم والنار أعداء الله المشركين من الملاحدة الملاعين اليهود والصليبيين الذين لن يرضوا أبداً عن هؤلاء المتحاورين حتى يتبعوا ملتهم؟ وكيف سيتقبل الله حوارهم، مع من لا دين ولا ذمة ولا عهد لهم، وهو القائل إن الدين عند الله الإسلام، ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ؟ وناهيكم عن كل ذلك لماذا لم تستنكر هذه الهيئات التي هداها الله لـ"بدعة" الحوار بيان الـ 22 عالماً سعوديا الذي كفـّر الشيعة وحزب الله واتهمهم بكل شنيعة واعتبرهم أشد كفراً وضلالاً من الأباليس والشياطين وعبدة النار؟

فبحق الآلهة التي تعبدون، إلى أين أنتم ذاهبون، وعلى من تضحكون؟





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,513,539,792
- التطبيع العربي العربي أولاً
- نعم لاتحاد من أجل المتوسط
- اعتقال البشير: ومن البترول ما قتل
- العربان دوت كوم
- حول تغطية أحداث سجن صيدنايا
- غسان الإمام: والشياطين البترولية الخرساء
- الحجاب كهوية عنصرية
- سوريا:موضة الخادمات الآسيويات
- تهنئة للإخوان السوريين
- التّمثيلُ بالأحياءِ: ضرورةُ تجْريمِ ِأُمراءِ وأشياخِ الوهابي ...
- الوهابيّة أم ِالنازيّة؟
- أنقذوا السوريين من العنصرية والاستعباد
- تَجْريمُ الفِكر القَوْمي
- لا لعودة سوريا للصف العربي
- برقية تعزية ومواساة
- همجية الوهّابية
- فرسان رفعت الأسد
- نَسْفُ الثقافةِ العربية
- خبر عاجل: اختفاء معارض سوري
- صدِقَ البعثيّون ولو كذبوا


المزيد.....




- منظمة التعاون الاسلامي: رفضٌ وإدانةٌ لخطة نتنياهو ضم أجزاء م ...
- منظمة التعاون الاسلامي: رفضٌ وإدانةٌ لخطة نتنياهو ضم أجزاء م ...
- -الجمهورية الصينية- أو دار الإسلام بالنسبة لمسلميها.. رسائل ...
- وزراء خارجية «التعاون الإسلامي» يؤكدون على مركزية القضية الف ...
- البطريرك كيريل: مأساة انفصال الكنيسة الروسية في الخارج انتهت ...
- كان الوريث المحتمل للقاعدة.. كيف كانت حياة حمزة بن لادن؟
- -ليست أكذوبة-... الحكومة السودانية تتحدث عن -دولة الإخوان ال ...
- تحالف المعارضة الماليزية يتعهد بحماية الملايو ومكانة الإسلام ...
- ترامب يؤكد مقتل حمزة بن لادن في عملية عسكرية
- بعد تسريبات صحفية.. ترامب يؤكد مقتل حمزة بن لادن نجل زعيم ال ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - نضال نعيسة - الحوار مع القردة والخنازير: فاقد الشيء لا يعطيه