أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وديع العبيدي - رسالة إلى أبي














المزيد.....

رسالة إلى أبي


وديع العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 2324 - 2008 / 6 / 26 - 07:44
المحور: الادب والفن
    


-أو نقليات العكيلي-

لا تستغرب العبارة المرفقة إلى جانب إسمك في العنوان، ففي ساحتها كانت آخر صورة لك في توديعي ذات مساء حزين من شباط.. الى يمينك وقف ابنك البكر والى شمالك كان صهرك الوحيد .. ثلاثة وجوه غالبت الحزن والحيرة والارتباك.. كل منها كان واثقا أنها الهجرة الأخيرة..
أبي الحبيب..
لم أجدك راضيا طيلة ثلاثين عاماً.. رضاك وأنت تسلم حبيبك للمجهول.. في ساحة كراج العكيلي .. مع حفيديك الوحيدين وكنتك الأولى.. اعذرني يا أبي واغفر لي قسوتي إذ كنت سبب افتضاح دموعك للمرة الأولى في تاريخ عشرتنا اليتيمة.. دموع أب في الستين.. يواجه ابنه بخذلان الوطن .. سامحني لأن قلبي كان ميتاً تماماً فلم أبادلك الدموع ولم أفكر في احتضان صدرك الحنون بوجهي.. قاسيا كنت وعنيدا.. بينما الأرض تميد والجغرافيا تسيح.. ونحن نبتعد.. الوطن يبتعد.. والغربة تدنو وتكبر حتى تغزو كلّ شيء.. أستذكر أيها الحبيب مرافقتك لي إلى البصرة أول عهدي بالجامعة.. أنت شريك ذكرياتي الوحيد وأول شاهد على غربتي.. سوف نتحدث كثيراً عن تلك الأيام في رسائلنا المقبلة.. ثلاثون عاماً.. هي نصف عمرك.. عشناها سوية دون أن نكتشف تلك الصلة السريرية ما بيننا.. ثلاثون عاما من الصمت والوحشة.. انتهت بالدموع والأسئلة .. الجراح التي قتلت صدرك لاحقتني في الغربة.. والخناجر التي طعنتك لم تبخل عليّ.. لم أزعل عليك أبداً.. لكني أحببتك أكثر وأكثر.. حتى تماهيت فيك.. وحين أكتب لك الآن.. كأني أحادث نفسي.. لقد تشابهنا كثيراً.. آه لو رأيت صورتي.. لالتبس عليك الأمر أيها الأب.. بين صورتك وصورة ابنك.. نفس الشيب.. نفس الجبين المتغضن.. نفس الثقة في العينين.. تلك الخطى المتقدمة دائما حتى آخرة العالم.. فلا تلمني على تأخري في الكتابة إليك.. وأنا أجد نفسي فيك.. وأجدك في نفسي وملامحي.. أشياء كثيرة صارت تربطنا لا مجال هنا لتفصيلها.. فقد كبر الأطفال.. أحفادك.. ولديك أحفاد لم ترهم.. يكثرون السؤال عنك..
قررت أن أوجه لك دعوة شخصية لزيارة النمسا.. بعد استلامي رسالتيك الأخيرتين.. رسالتين دفعة واحدة.. وبتاريخين مختلفين.. أعددت المعاملة عند الكاتب العدل وأرسلتها بالبريد على عنوان المنزل.. إشتقت إليك كثيراً.. رسمت برنامجا كاملاً لاحتفالنا المقبل.. لاجتماعك بأحفادك وعائلتك الصغيرة المغتربة.. أخرج حروف رسائلك وأتمعن في خط الرقعة الذي ترسم به كلماتك.. تلك الكلمات القليلة.. أسئل المولى عزوجلّ.. أقبل من نواظر الأطفال.. نفس الجمل المتكررة في الرسائل.. الهمزة التي بقيت تكتبها على الكرسي.. أبيات (الخوريات) التي كنت ترددها في ظهيرات الصيف.. آخر مرة كنا فيها سوية في باصات العلاوي إلى حي العامل.. مرت سيارة (فولكس واكَن) ألمانية فقلت.. أنظر ما أجمل هذه السيارة الألمانية.. لم يمر في خاطر أحد يومها أن أحدنا سيذهب إلى هناك.. إلى حدود ألمانيا والفولكَس واكَن وستكون بلد غربته وموته.. بعد أيام جاءت رسالة.. أسرع رسالة تأتي من الوطن.. حملتها بكل فرحي وقلقي إلى زوجتي وأطفالي.. فتحت الرسالة بشوق.. ووو.... ماذا كان.. هل كانت تلك الرسالة تصل بالسرعة لولا أنها محملة بالموت.. موت قديم.. أقدم من رسائلك نفسها.. لم أشتق لك وأنت في الحياة.. وعندما إشتقت إليك لأول مرة.. كان موتك أسرع من كلّ شيء.. هكذا انحفرت صورة كراج العكيلي ونقلياتها في ألبوم عائلتنا.. صورتك وأنت تغالب الدمع.. لا أذكر صورتك قبل الموت.. لم أرك قبل رحيلك ولم ألحق توديعك كما وقفت في توديعي..
عندما دققت تاريخ موتك (1995).. مع تاريخ وصول رسائلك.. وجدت أنها وصلت بعد رحيلك .. جاءت من العالم الآخر.. كنا قد غيرنا عنوان السكن ثلاث مرات خلال مدة قصيرة.. فاضطر البريد لارسالها من عنوان إلى آخر.. وعندما وصلت عنواننا الأخير.. كنت قد رحلت.. هل انتظرت رسالتي الجوابية.. هل وصفتني بالجحود والعقوق كالآخرين.. ان دموع الحرقة التي التي بذلتها في خبر رحيلك المتأخر أقسى عشر مرات من ألمي لو كنت حاضراً هناك.. وحسبي أنها ستغفر لي عندك.. ومع ذلك.. أكتب لك هذه الرسالة.. وكلي ثقة أنك ستسامحني وتحتضن كلماتي.. وستفرح كثيراً من حكاية الشبه الشديد بيننا..
أحبك كثيراً..
حتى اللقاء
!.

لندن
الأحد المصادف 22 يونيو 2008





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,987,669
- الذي يأتي من بعدي
- حكاية إسمها -شادي-
- الغائب
- رسالة إلى مؤيد سامي
- آشتي تخرج من الحمام
- (ما أسهلَ الكُرْهَ..!)
- رسالة إلى علي هجام
- الزمن نقطة والانسان دائرة..
- تلك الرائحة..
- قبل أن تبرد!
- رباعيات
- مثلَ عُودٍ يَحترقُ..
- شجرة اصطناعية
- العولمة (و) العمال.. حركة المفاهيم والتحديات
- ذاكرة السور
- لم تفرغ الكأس..
- مسكين من لا يعرف الحبّ
- أب
- لاجئ لدبليو ه. أودن
- (أطلس الغبار).. بين قلق المحلي وإشكالية العولمة


المزيد.....




- فنانون لبنانيون يشاركون في المظاهرات
- راغب علامة ووائل جسار.. فنانو لبنان يدعمون مطالب المتظاهرين ...
- سينما الحمراء.. عندما كان في القدس مكان للترفيه
- أغنيتين جديدتين لعملاق الاغنية اليمنية عبدالباسط عبسي
- لقاء بالرباط لانتقاء مستشاري حكومة الشباب الموازية
- ترامب محق بخصوص روما القديمة.. فهل تعيد أميركا أخطاء الجمهور ...
- -جريمة على ضفاف النيل-.. أحدث الأفلام العالمية المصورة في مص ...
- منع فيلم أمريكي في الصين بسبب لقطات عن بروس لي
- تونس... 22 دولة تشارك في الدورة الثانية للملتقى الدولي لأفلا ...
- هذا جدول أعمال الاجتماع الثاني لحكومة العثماني المعدلة


المزيد.....

- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وديع العبيدي - رسالة إلى أبي