أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيدي المولودي - ديموقراطية في سبيل الله















المزيد.....

ديموقراطية في سبيل الله


سعيدي المولودي

الحوار المتمدن-العدد: 2307 - 2008 / 6 / 9 - 07:21
المحور: الادب والفن
    


ـ 1 ـ
"باب ذكر فضائل "الغولف"

زعموا أنه في غابر الأزمان، وفد حكيم على بلاد كان اسمها "المغرب" قديما. وكان قد انتهى إلى سمعه ما بلغته من رخاء وما حققته من أسباب التقدم وأخشاب الازدهار، فعزم وتوكل على أن ينعم بظلال تلك البلاد ويستزيد من فاكهة العرفان، ويتقرب من أعشاش الحلم... رحل الحكيم هو وفسحة من الأصحاب الأربعة أو الثلاثة كانوا’ اجتازوا البراري والبحار، والمفازات والوعور، وفي قسوة الطريق فقد الحكيم أصحابه، وحزن لذلك الحزن الكبير، وبكى بلل الفراق والضنى، ويكاد يعود الأدراج، ويسكب أمله في حوض الخيبة، ولكنه آخر اللحظة تماسك ، واستنفر قائظة العهد، والكشف، وقال:
ـ إني لهذه البلاد، السائر، الزائر، سأصلي في محرابها. وعد الحر سيف عليه. وفاء على الأقل لرغبة الأحباب...
وسار، حتى بلغ أرض المغارب، نزل أول ما نزل قرية ميتة يتعب فيها زبد الفقراء، عنيدة تشاكس الفراغ، وذباب المسافات الطويلة، وشاع بين سواد الليل وبياض النهار أن الحكيم وضع الرحل على مشارفها. كانت ثمة ربوة تطل على سمائها، وجدها الحكيم أعذب وأطيب، وحط رماله. وارتج النبأ في أوساط الصغار والكبار. قال الفتيان من أهل القرية:
ـ هذا الطائر الميمون المرتقب، قطب زمانه ومدفأة العرفان..
وتنافسوا في عوائد الجلوس في حضرته. وكان الحكيم عن قرب يلامس بهجة العين والقلب، ويقول لداخله:
ـ لمثل هذه العترة تؤكل أشواك الحكمة وباكورها..
ومضت الأيام واستعاد الحكيم غسيل المودة، فقرر فتيان القرية أن يستلذوا بشمعة الحضور، ويأخذوا الحكمة من فم رجلها، فصعدوا الربوة رغبة في اللقاء، واستقبلهم الحكيم برحابة متقدة حافلة. تقدم كبيرهم، وقال:
ـ نحن أحبابك يا مولانا، جئناك نلتمس القرب والأمان، والطريق لساقية الإشراق...
اعتدل الحكيم في جلسته قليلا، قال:
ـ الأهل والسهل، يا ذرية الأحباب، إنما أنا حبيب مثلكم، مسكون بوهج الأماني يغتالها الأعداء كل صباح... لقد هالني بالأمس وأنا الجائل بأرض البلاد وقرص الجهات، بلادكم المدمنة على الهبوط، فغمرني بأس الحماس، قلت في نفسي سأرسم في وجه هذه البلاد الحقيقة الراقصة، حيثما تعتريني،وأغرف من فيضها...
قاطعه الفتيان، وعمت معالم من فوضى ، وعصف من أصوات ، هتفوا به. صمت الحكيم برهة، وقال:
ـ رويدكم يا ذرية الأحباب..
قالوا بصوت واحد:
ـ ليطمئن شيخنا. فما قول مولانا في عادة " الغولف" وما يكون منه..
فأطرق الحكيم هنيهة، ضرب الأرض بعصاه ضربات خفيفة، قال: يا ذرية الأصحاب، إنما أنا عبدكم المأمور، و" الغولف" من آفات هذا العصر المحشو بالنار والعار،وقد بليت به بلادكم، ولن أخفي عنكم جرة الأسرار، إذ قبل ساعات فقط كنت أتوزع في قراءة مخطوط نادر من نوادركم، وقفت فيه، على أن " الغولف" في تقدير السلف القائح، هو ميراث عظيم مما خلفه الأجداد من تلة الأتعاب، وفنون الرياضات وضروبها، وهو من النفائس التي لا يفرط فيها إلا الجاهلون الذين لا يقدرونها حق مقدارها، ولا يدركون عظيم نفعها، فيفوتون بتفريطهم على أنفسهم وعلى من عداهم حق الاستمتاع والانتفاع بهذا الكنز الذي لا يفنى، وإنه لمما تبتلى به الشعوب والأمم أن يرث رياضاتها أبناء جهلة ألداء لا يقيمون وزنا لمجدهم، وما ورثوا، فتنفلت جادة تلك الألعاب والرياضات من بين أيديهم، ومن خلفهم، وهم لا يعلمون عظيم الجرم الذي يقترفونه بسوء صنيعهم وفساد تدبيرهم، وهذا ويم الله من الأسباب القارسة التي تذبل بها جنان الحضارات، وتموت أغصانها..

و"الغولف" ـ أيها الأحباب ـ جسر روحاني فريد يربط الحاضر والماضي، والسهل والمنحدر، وهو أعظم من العبادات التي تحفزنا نحو الصفاء والسماء... وقد اعتبره البعض رياضة بالي لا تغني ولا تسمن، ولا تؤخر ولا تقدم، ومن كان نهجه كذلك فإنما يسفه نفسه، ويزدري آدميته المجبولة على حب" الغولف" وشعائره، ولا يفعل ذلك إلا جاحد ومكابر عنيد، وإنه لمما يقاس به تقدم الأمم والشعوب اليوم ارتباطها العضوي المتين برياضة "الغولف"وفضاءاتها المولوية الزاهية، وعمق نظرتها إليها وسموها، وقد غدا هذا الأمر بدهيا، ومن أجلى مظاهر التقدم والمجد التالد والعز والسؤدد.. وإن أنت شئت أن تحكم على أمة أوشعب فانظر إلى مدى صلته ب"الغولف"، فإن ألفيته مشدودا إليه بقوة لا تقهر، فاعلم أنه شعب يضع قدمه الثابتة على مشارف مستقبل وارف سعيد، وغد مشرق رغيد، وإن وجدت أسباب الوصل منقطعة، فاعلم أنه شعب يسير نحو الحضيض، ومآله حتما إلى الاضمحلال والزوال..

والشعب الذي لا يبني فلسفة عملية ومنهاجا صارخا للانغماس بله الإدمان على "الغولف"، هو شعب لا يزال يحيا في سهوب الغفلة وعلى هامش التاريخ الذي لا يموت، ويخال الأمور وكأنها تسير كيفما اتفق بلا ضوابط أو حدود، وإنه لمن الحماقات أن تنفق الأمم والشعوب من خزائنها الأموال الطائرةن الطائلة ، المستطيلة من أجل تشييد المدائن والمدارس والمستشفيات والقناطر والطرقات وما إلى ذلك، ولا تكاد تنفق عشر معشار هذا من أجل تشييد ميادين وملاعب " الغولف" والتشجيع عليها، بما ييسر لطقوسه الربانية سبل الانتشار، ليقل بذلك الإنفاق ويكثر الانتفاع..

وكانت رياضة "الغولف" منذ الأزل ـ يا ذرية الأحباب ـ مدخلا كبيرا لسائر الرياضات والمعارف الكبرى، وسميت بأم المعارف، تقديرا لجلالها، وتنبيها لأثرها الجلل على مختلف أوجه حياة بني البشر، ولهذا غدا محتما على بلادكم ـ يا ذرية الأحباب ـ بكل قواها الوطنية وغير الوطنية، أن تفكر مليا وأن تقدم على إحداث ما يجب من تغييرات جذرية في عقلية سواد الأمة وفي طرق عملهم وسلوكهم اليومي ليكونوا أكثر اقترابا، وانفتاحا على عادات " الغولف" وطقوسه وارتياد مسالكه، ف" الغولف" رياضة روحانية، برانية وجوانية شاملة، وهو عنوان الرخاء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ومحرر الشعوب من كل شوائب التخلف، وباب الديموقراطية الفضلى... فله المجد أيها الأحباب، ولكل من سار على مسالكه الخضراء أو الحمراء أو الزرقاء...

وفي هبوب اللحظة دبت أنامل التعب في ألوية الفتيان، قالوا:
ليمهلنا مولانا ، سرير العرفان...
قال الحكيم: لكم أعشاب الراحة.
وضرب لهم موعدا ليوم ثان.
ـ 2 ـ
"ديمقراطية في سبيل الله"

وكان اليوم الثاني..
شمس مشرقة تنشر سيبها على السطوح والصخور الشاهدة، والقرية هادئة كمقبرة عتيقة. استيقظ الحكيم صباحها باكرا، قضى أوطاره الصغيرة وطفق واحدا يتصفح وريقات كان ينتزعها الحين بعد الحين من كيسه الذي رافقه الحياة كحزام أو حبيب يمضغ الأسرار. انفتحت أكواب الفرحة في ثناياه وبدا يفكر في قسوة الانتظار، إذ سيلتف حوله الفتيان ويتعب في أن تقهرهم الحكمة، والخوف حجة لهم.
كان الحكيم قد هده الشوق، تذكر يباب الأصحاب والأحباب، والذكريات الصغيرة، وبينما هو غارق في قمصان النسيان التي كانت تراوده، تراء ت لعينيه ظلال وأطياف ، وجلبات وصخب متعال، كأنها السيل يقترب من عطره، ولم يتمالك، رفع رأسه، وغمرته كتائب الفتيان، قالوا :
ـ عمت صباحا، مولانا. ها نحن جئناك الأتباع فما يقول مولانا...
اعتدل الحكيم كالعادة في بهو جلسته، قال:
ـ بت الليلة، صاعقا، يا معشر الأحباب، وحيدا أصارع النجوم، والحكمة القديمة، والليل كله لم أتحر شبرا من جيشان يذرع فراشي ولا يهزني قدر ما يستطير.

كانت أسراب صمت عابر كالموت تتساقط على رؤوس الفتيان، والقرية تتراءى ككوكب منطفئ يصل هواؤها مهدودا، وخشي الفتيان أن تتيه بصدورهم أمواج الحكيم، وقال كبيرهم:
ـ وعدك بالأمس مولانا... فما قولك في "الديمقراطية" وما كان لها..
تململ الحكيم رافعا عينيه للسماء، كأنما يتفقد شيئا، نقل عصاه في هدوء وأناة، وضعها في موازاة مع قامته بحيث تسند رأسها للأطراف السفلى من الكيس، القارب الشاخص بالمحاذاة منه، وهو يعب بعض سائل لعله الدواء، كان في الآنية بالقرب منه، مسح أدغال لحيته الكثة من البقايا المتناثرة، وعيون الفتيان تأكل حركاته الثقيلة الصغيرة، تنحنح وقال:
ـ حسنا .. يا ذرية الأحباب... إن المسافات تمضي بنا، وثمة حكمة قديمة تحضرني الآن هي أن الديمقراطية هي حكم الشعب لنفسه بنفسه، وهي وجه لسلطة خضوع الشعب لإرادته كما ترون، ولكن مع ضرورات أن تكون في هذا الشعب" نفس " وألا يبيع نفسه في سوق النخاسين، المرابين، النهابين الذين يتزيأون أزياء الديمقراطيات، ويتشدقون بألوانها، وهم في حقيقتهم أعداؤها الألداء، وأنتم غير بعيدين من هذه الموبقات والكبائر التي تزرع بذور وأشرعة الديموقراطيات من كل لون، مشيعة بأساليب فيها الغلو في التهييج، والإفراط في التهريج، ويكون الأمر فيها من قبل ومن بعد مجرد ذر للرماد والرمد في العيون...

وكنت زمانا أيام العز والشباب، قد حضرت في أي من بلاد الله الضيقة مناظرة عابرة، ودار بيني ويسن بعض حكمائها الأدعياء جدال ولجاج عميق..
قال:
ـ يا هذا، لون الديمقراطية أبيض، كأسنان الحليب، أو ندف الثلج، أو الملح على الجرح، أو الكفن، أو الجير الذي تطلى به الواجهات والأرصفة والحارات، حيث الزينة الخادعة تشيع الرهبة وتطلق عناد جندها..
قلت:
ـ .. لعله الأحمر..
قال:
ـ كالشفق الغادر، أو حب الرمان، أوشقائق النعمان، أو الدم المراق،أو الرايات التي ترفرف في المتاهات تتطاول في المهب وتضج بظلالها الممرات الموءودة، تترقرق فيها دماء غير مرئية...
قال:
ـ بل أصفر، كأوراق الخريف النائمة على الشتات، أو التبن البليل، أو الرعب ، أو المجاعات التي لا تنتهي، أو النقابات أو القهقهات، أو الحقول اليانعة المستباحة..
قلت:
ـ لعله أزرق..
قال:
ـ كالبحر، أم السماء أو الجن أو الموت...
قال:
ـ بل أسود، كالحداد، أو ظلام القبر، أو الغراب، أو السوق، أو الحبة، فلا تجعل اللهم لنا فيها المراد..
قلت:
ـ بل أخضر..
قال:
ـ كالحناء، أو خضراء الدمن، أو الأعشاب السامة، أو الجزيرة، أو القات...
قال:
ـ .. بل لا لون لها، كالماء والهواء والسراب والخراب والذهاب والعباب والعذاب... تمسي على حال وتصبح على حال، من كان أعمى فقد كفانا شر الإشارة، ومن كان ظامئا فليرتو من دمعه، ومن كان فقيرا فليتهدم فهو ملك بؤسه، ومن جاءه الغنى ضاعفنا من فرص غناه... من صلب الديموقراطية أن يأتي الموت صاحبه والقبر بين يديه، وأن يخرج المرء من بيته فلا يأمن الرجوع إليه، وأن تراوده فتنة الأحلام فلا يأمن الشرطة البارزة والمستترة أن ترده إلى الصواب، وأن يستيقظ من نومه فيخمد الله أن لم تكن نومته الأخيرة، وإن ضاقت به شجون الحياة الدنيا، قال هذا ما جنيت به على نفسي، فلا سامع لشكواه، ومن النباهة أن يتعلق عادة دخول سوق رأسه ولا تطيف به الظنون، كي لا يكون مطلوبا...

قال صاحبي، وكان أن خرج الشعب عن بكرة أبيه يولول في الطرقات صائحا، يتسول الأمان، ويمد يديه متوسلا:
ـ ديموقراطية في سبيل الله..
ومرت الحكومات بالشدة كعادتها مر السحاب، وهي تقول:
ـ" الله يسهل"...

وكان للديموقراطية ـ أيها الأحباب ـ قديما وجهان: شرقي وغربي، وما بينهما شمالا أو جنوبا لم يكن له أي اعتبار لأنه بإرادة الله والأوضاع السائدة إما تابع وإما متابع. وكانت الحرب بين الوجهين من الضراوة بمكان، ترسو أحيانا على معاقل البرودة وأحيانا على مشارف النيران الموقدة... واليوم ـ ولله الأمر من قبل ومن بعد ـ تلفنا مخالب العالم الجديد كما ترون برعبها القاسي، وأهوالها الدامية، ويحيا الوجه الواحد، الأحد للديمقراطية، لتغدو عملة ذات وجه واحد..( فهل رأيتم ـ أيها الأحباب ـ عملة ذات وجه واحد ) ...

وفي إيوان اللحظة، كان شيخ القرية يسير في اتجاه مجلس الحكيم، بصر به الفتيان من بعيد يلملم قامته الكليلة، وقد طال الوقت، فقالوا:
ـ ليعدنا مولانا..
قال الحكيم، وهو كذلك. وافرنقع الملأ..


ـ 3 ـ

باب "العولمة"

وكان اليوم الثالث..
هب الفتيان من خرائب القرية، وتنادوا بحبوب المودة، أو تواصوا بزجاج الصبر، قال كبيرهم لقد طال الأمد، ونحن نستظل هوى الحكيم، فماذا لو احتفينا به. وقالوا جميعا: هكذا تكون الهمة. وساروا في ركبهم محملين بالذبائح والقرابين والبخور..
كان الصحو يفترس أنداء القرية، وهم يمشون، كأنما الربوة تبتعد، لم يكن ثمة أمارات ترفع نحو طلعة الحكيم، راودت الشكوك بعضهم، قالوا: هل يهرب الحكيم؟. قال الآخرون: قد يكون ضايقه الشيخ أو المقدم في وحشة الليل.. ولكن مع اقتراب الخطوات كان ثمة شيء ينبيء بالعكس، وتبددت الرهبة في قلوب الفتيان لما أيقنوا أن الحكيم ما زال على شفا الحياة...

كان الحكيم لم يستيقظ بعد من نومه، واقتربوا منه فوجدوه غارقا في بركة نومه، مبللا بالعرق كأنما خرج لتوه من قعر الجب. كانت معالم سعادة خفية تشرئب من سحنته، عيناه الغامضتان تشعان البداءة وأغلال البراءة، ويداه المتهدلتان كعناقيد من عنب، وعصاه الممدودة تلتمع كعروات البروق. كل ذلك زاد من غبطة الفتيان ارتباطا. وعلى المهل أيقظ الفتيان حكيمهم، فرك عينيه ورأى ما رأى، وابتسم مليا، فقال:
ـ يا ذرية الأحباب، إنما جئت هذه البلاد لأنعم ببعض الأمان، أكان هذا مجرد وهم انتابني، أيها الأحفاد..
وما لبث أن راعه مشهد الاحتفال الذي يتهيب له الفتيان. ورأوا في وجهه بعض الغضب، قال:
ـ ردوا متاعكم يا معشر الأحباب، فمواعد الفرحة لم تحن بعد، ردوا بضائعكم، فقد أستعيد نومي، وأواصل طريق الحلم..
قال الفتيان:

ـ لا ترجيء دموع فرحتنا ، يا أبانا..

كان الحكيم قد تناول شذرات من فطوره المعتاد، واستوى في قعدته الخافقة،قال: عذرا، يا أحبتي، فتهافت إليه جمع الفتيان، قالوا:
ـ ما قول مولانا.. فقد شاع بيننا في هذه الأزمنة السوداء فزع اسمه "العولمة" يهتف به الصغير والكبير، وتفتح باسمه أبواب الجنة والنار..
قال الحكيم، مبتسما:
إني فعلا سامع هذه الغرائب، ولا خوف عليكم أيها ألأحفاد فإرادة الآلهة ترعاكم، إنما الأفراد والشيع عبيد ظروفهم، ولقد بلعني أمر هذه "العولمة" وما فعلت بالعقول والنقول، والأمم والشعوب والحكومات، حتى إن أي حديث في هذه الأزمنة عن الشجون الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، الصغيرة والكبيرة منها، الحقيقية منها والزائفة، لا يصفو ولا يتحقق خارج التذلل أو التمسح بتلابيب هذه "العولمة" والتماس طيبها وبركتها الموصولة ونفعها الدائم وتأكيد دورها الثاقب المشبع بالنعم والخيرات في مجرى النهوض بشؤون الكون ومعرفة خباياه، ما يسيء منها وما يسر وما ينفع وما يضر...والحقيقة ـ يا ذرية الأحباب إن"العولمة " وباء استشرى منذ عقود جراء انحدار الدول القديمة المسماة في ذلك العهد بالدول الاشتراكية أو الشيوعية التي كانت جارية بحقائق الأشياء، ذات النجوم الزاهرة، والأحلام الطائرة، بعد سقوط جدار جليدها المعروف، الذي كان سندها وأصبح متلطخا ببلواها، إذ على أنقاضه غدا الكون أسير قبضة نظام عات أركانه الثابتة الرعب والرهبة الخانقة، وقسوة الافتراس والبحث الماجن عن المغنم في الأرض والسماء وما بينهما.

وهذا النظام السافل يا أحفادي، هو النظام الرأسمالي الذي تكون وسائله وغاياته الثابتة والدائمة، النهب والسلب والغزو، والاستثمار الجارف من أجل أكداس الربح ، الربح من أجل الربح، لا يراعي للحق حرمة ولا للسواد حدودا، وقد وجد الفرصة سانحة له لما استتب شأن الاعتراف به، وبوحدانيته وهيمنته الحسنى، واختص بأبشع الطباع وافتراس الضباع، فأغرق الكون في سقمه وعدواه..
ويطمح هذا النظام ـ يا ذرية الأحباب ـ لأن يجعل العالم تحت إمرته وسطوته،وخاتما في إصبعه الكاسر ليدكه دكا، ويخلق منه سوقه الرحيبة، ورحبته التي يعرض فيها ويلاته بلا حسيب ولا رقيب، ليخضع بخزائنه الملأى كل الرقاب، وكل الأنظمة والممالك، وتسير بهديه المشارق والمغارب، وبالصورة التي يراها أجدى لأن يأتمر له كل شيء ويستفيد هو من كل شيء..

والحق ـ يا ذرية الأحباب ـ فإن هذا النهج إنما يكرس الجور والطغيان، والمقاذر والخسران، ويضل الرأي، ويرفع من شأن كل جبار عنيد، ليقف وسع الكون عند حدود مشيئته، لكي لا يكون للضعيف منه منجاة، ويجد نفسه أبدا في صيد المخافات بعد المخافات، ولا يملك عن رضاه فكاكا... وباختصار ـ أيها الأحباب ـ فإن العولمة هي أعلى مراحل الرأسمالية المتوحشة، الهوجاء التي لا تبقي ولا تذر، وهي ما يلي "الإمبريالية" التي وصفها أسلافنا ونددوا بمهاناتها تنديدا..

وكأنما اشتد حنق الحكيم وضاقت به سلاسل القول، وظهر أساه، فقال متحسرا،وأنا لا أملك يا أحبتي في الختام غير ان أقول:
لعن الله في السر والجهر الاكتشافات الجغرافية، والمكتشفين والرحالات المغامرين، والقراصنة الأنبياء، والبحار وما وسعت، والجوابين آفاق البرية، وكولومبوس، وفاسكو دي كاما، وأولئك الذين اكتشفوا دابة هذه العولمة "أمريكا" التي أشهرت حقدها الدائر في الظواهر والبواطن وكشرت عن أنياب عداوتها لتفترس فسحة هذا الكون، وتجعل منه أشلاء، أشلاء..

لاحظ الفتيان مواقيت التعب على محيا الحكيم، قالوا:
ـ ليسترح مولانا...
وتنفس الحكيم صعداء صمت وارف، قال:
ـ .. كأني بجبال الصبر قد ذبلت أيها الأحباب..
كانت الشمس تشق طريقها في بادية المغيب هادئة، وكأنما رحل الفتيان، وتوزعتهم الريح كالصدى في عدوة الأنحاء.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,675,338
- مثل الدجاجتين
- باب الفتنة
- باب القران
- باب العداوة
- ذكر ما جاء في باب التفويت
- باب التدشين
- لماذا تأسيس نقابة بالتعليم العالي
- بصدد الجدل الدائر حول الإطار النقابي للتعليم العالي: -إصابة ...
- في أن تحويل إطار نقابة التعليم العالي إلى -جمعية- أمر مقصود ...
- في حضرة الإمام مولانا الغلاء
- في الحاجة إلى تأسيس نقابة للأساتذة الباحثين بالتعليم العالي
- رسالة مفتوحة إلى الوزير الأول
- ما تحت جلباب الإصلاح الجامعي ( 1 )-المراقبة- و-المعاقبة-المس ...


المزيد.....




- ندوة لمناقشة رواية -كيميا- للكاتب الصحفى وليد علاء الدين
- الجامعات الجزائرية تغيّر لغة المراسلات من الفرنسية إلى اللغة ...
- الجامعات الجزائرية تغيّر لغة المراسلات من الفرنسية إلى اللغة ...
- بنشعبون أمام البرلمان لتقديم حصيلة تنفيذ قانون المالية
- بعد أزمة الملاحة البحرية في الخليج.. بوريطة يكشف موقف المملك ...
- كودار يقاضي بنشماس ويطعن في قرار طرده من البام
- كواليس: جليل القيسي وتواضع الفنان!
- كاريكاتير العدد 4476
- ميكائيل عكار -بيكاسو الصغير- الذي أذهل الوسط الفني في ألماني ...
- شاهد.. بعد هوس فيس آب.. تطبيق جديد يرسم صورتك بريشة كبار الف ...


المزيد.....

- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سعيدي المولودي - ديموقراطية في سبيل الله