أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ابراهيم ازروال - شيزوفرينيا ثقافية















المزيد.....



شيزوفرينيا ثقافية


ابراهيم ازروال

الحوار المتمدن-العدد: 2152 - 2008 / 1 / 6 - 10:42
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يبدي المسلم كثيرا من التردد والتوتر والنوسان بين المتناقضات منذ سقوط الحضارة الإسلامية . فالمسلم المعاصر يظهر استماتة كبرى ، في مواجهة الابدالات الفكرية للعصر الحديث ، وممانعة قوية إزاء المنظومة القيمية للحداثة . إلا أنه مرغم ، على الانغماس في السياق الثقافي والحضاري للتحديث المؤسسي بل الحداثة الفكرية والفلسفية أحيانا .
فالمسلم المعاصر ، يعبر شعوريا أو لا شعوريا ، على اعتزازه بمنظومته العقدية وبإطارها الفكري والابستيمي ، وبتفوقهما المستند إلى دعامة متعالية وغيبية على المنظومات القيمية أو الأطر الابستيمية الوضعية والمحايثة والمعلمنة. كما يعتقد المسلم بتفوقه الأنطولوجي على سواه ، وبالاصطفاء الإلهي للأمة الإسلامية . فالمسلم لا يتمثل ذاته إلا باعتبارها ذاتا مصطفاة ومصفاة من شبهات العقائد التشريكية و الوضعية ، ومنذورة للسيطرة على الأغيار والتحكم في مسار السيرورة التاريخية على إيقاع الشريعة .
فهو ملتزم بمقررات المنظومة العقدية الإسلامية ، القاضية بتمتيع المسلم بموقع الشاهد العقدي على الآخرين ، وبموقع المجاهد المكلف بنشر عقيدة التوحيد الحق في دار الحرب ، وبموقع المؤتمن على معتقدات وشرائع دار الإسلام . فالوعي الإسلامي ، لايتصور العلائق البشرية خارج الصراع الأبدي بين دار الإسلام ودار الحرب وخارج الجدل بين أمة الدعوة و أمة الاستجابة وخارج التدافع بين القيم المتعالية واللاقيم التعديديو أو التشريكية أو الوضعية . لقد حاولت الإصلاحية الإسلامية ، التخفيف من غلواء ، المقررات الأكثر أرثوذكسية للمنظومة العقدية الإسلامية ، وسعت إلى تأويل بعض المقررات الشرعية تأويلا شبه ليبرالي . إلا أنها انتهت في الغالب إلى تأويلات متعسفة ، يسهل على الاكليروس الإسلامي ، السني والشيعي على السواء ، أن يشغب عليها وان يظهر ، منافاتها للأصول المعتقدية المقررة لدى السلطات العقدية المكرسة منذ قرون .
وهكذا ، يواجه المسلم المعاصر ، العالم والآخرين ، بذهنية أو عقلية أو لا شعور مؤثث بعناصر ومفردات مستعارة من الزمن الوسيط ومن الإبستيمي القروسطي . فهو يعتقد باصطفائيته معتقده ومنظومته القيمية ، وبدوره الكوني القاضي بإرشاد الناس إلى طريق النجاة . إلا انه يصدم ، بعالم مختلف عن عالم المناظرات القروسطية ، وعن العالم المحكوم بأطر واليات وصور المتخيل التوحيدي . فقد أحدثت الحداثة الفكرية والسياسية ، شرخا في معمار الميتافيزيقا الوسيطة ، ووجهت التاريخ وجهة لا دينية في الغالب ، وغلبت مقررات جديدة محل المقررات القديمة للانطولوجيا الدينية . لقد اكتشف العالم الغربي الإنسية وبوأ الإنسان الدهراني ، المنفصل عن الإنسان الديني ، موقع الصدارة وموقع الفعل المتجرد من الاعتبارات المتعالية الفوقية . كما سمحت الحداثة الفكرية للإنسان ، ببلورة أنساق ومنظومات فكرية ، مخالفة للأنساق السكولائية واللاهوتية التقليدية ، و أفرغت الأنساق الميتافيزيقية من مادتها المتعالية ، ووجهتها وجهة ناسوتية دهرانية علمانية صريحة في الغالب ( أحيل هنا إلى مؤلفات سبينوزا و بالأخص إلى كتاب " الايطيقا " ) . وبعد الكشف عن القدرات التدليلية والاستدلالية والبرهانية للعقل البشري ، عمدت الأنوار إلى تقويض الأركان الكبرى للنظام الابستيمي اللاهوتي القديم ، وللمنظومة القيمية اليهودية / المسيحية . وبعد البرهنة على قدرات العقل التدليلية الكبرى من خلال الأنساق الفكرية الكبرى لديكارط وسبينوزا وليبنتز وولف وكانط ، انبرت العقلانية الأوروبية للتدليل على قدرة العقل على توجيه التاريخ والهيمنة عليه من خلال أعمال هيجيل وماركس خصوصا .
لقد واجه المسلم المعاصر ، عالما جديدا خارجا من رحم القطائع والانقلابات والثورات الفكرية والابستيمية ، بعتاد فكري سلفي ، بلوره محمد عبد الوهاب وبتأويلات استصلاحية بدون سند تراثي مكين ( أحيل هنا إلى تراث الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده والمراغي وشلتوت و أمين الخولي ....الخ ) .
فالحقيقة أن المسلم المعاصر لا يدرك أن الحضارة الإسلامية انتهت إلى التلاشي ، و أن الثقافات الإسلامية ، تعيش استعصاءات جوهرية ، داخلية وخارجية ، وأن عقيدة بلا إطار ثقافي متجدد ، آيلة لا محالة ، إلى وضعية مفارقة ، تاريخيا ومعرفيا وقيميا . فهذه هي غربة الإسلام الحقيقية ، تحقيقا !
من أعراض الشيزوفرينيا الإسلامية
العرض الأول
يغلب المسلم المعاصر ، الاعتبارات العقدية على كل الاعتبارات السياسية والجيوستراتيجية والاقتصادية . ويمكن القول ، إجمالا ، أن المسلم المعاصر ، لا يتصور العالم والخريطة الجيو-استراتيجية الدولية ، خارج المقررات الفقهية للسياسية الشرعية وخارج المسوغات النفسية /العقدية .
فهو متعاطف ، على نحو تلقائي مع القضايا السياسية الإسلامية( أفغانستان والبوسنة والهرسك مثلا ) ، ومستعد لتقديم كل المساعدات الممكنة لرفع الحيف عن إخوانه في الدين لا في الإنسانية .
فالمسلم المعاصر، لا يؤمن ، بالحداثة السياسية ولا بالقانون الدولي ، ولا بمنظومة حقوق الإنسان الكونية . فهولا يتعقل العلائق الدولية ، إلا من خلال ، الأطر التصورية الموضوعة من قبل الفقهاء والأصوليين المستلهمين للنصوص المرجعية والوقائع التأسيسية للعالم الفكري الإسلامي في عصر التدوين على الخصوص .
لقد قدمت الفصائل الفلسطينية الديمقراطية واليسارية القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر من الاستعمار ؛ إلا أن خطابها بقي خطابا استعاريا حداثيا ، غير ملائم ، للكتل الإسلامية المترعرعة في الأجواء القروسطية المستندة إلى المقتضيات التصورية والإجرائية للسياسية الشرعية .
وعليه ، فإن مواجهة إسرائيل ، بمفردات القانون الدولي وببلاغة الحركات التحررية ، لا يدل على تعلمن حقيقي أو انخراط جدي في الحداثة السياسية أو انغراس عميق في قيم العصر الحديث .لقد قدم الثوريون ، صورة حالمة عن الفلسطيني المضطهد وسكتوا عن مضمراته الثقافية وعن إطاره القيمي الرافض ، جوهريا ، للإنسان الحديث وللمنظومة القيم الكونية .
فالمسلم لا يتعقل ، العالم ، إلا كمسرح كوني لاستعراض قوته وهيمنته ، ومادة لإعادة التشكيل وإعادة الصياغة العقدية والقيمية والمعرفية . إلا أن العالم المعاصر بلور أطرا وأجهزة ومنظومات ، منتمية إلى إبدال ثقافي مختلف ، والى منظومة قيم دهرانية إنسانية مختلفة ، جوهريا ، عن منظومة القيم المذهبية أو الطائفية . فهيمنة الغرب ، على الساحة الدولية ، و إقرار منظومة حقوق الإنسان الكونية ، لا تعني للمسلم المعاصر ، إلا التدليل النظري والعملي على اختلال جوهري في الصيرورة لا بد من استدراكه عبر الجهاد الدعوي أو الجهاد القتالي .
فالمسلم المنذور لدور كوني تاريخي ، بمقتضى الشريعة ، صار ملزما ، بالرضوخ لمقررات وضعية ، تؤمن بالمساوة المبدئية بين الناس ، وتكرس حرية الاعتقاد أو اللااعتقاد ، وتخضع العلاقات الدولية لمقتضيات قانونية مناقضة ، روحا وفكرا ، لمقررات السياسة الشرعية .


العرض الثاني
كرس العصر الحديث ، حرية الاعتقاد أو اللاعتقاد . كما تم خوصصة الاعتقاد ، وحصره في الحيز الشخصي . وقد سبق التكريس القانوني لحرية الاعتقاد أو اللااعتقاد ، نقد النصوص التأسيسية للعقدية اليهودية والمسيحية ، وكشف الكثير من المفكرين عن المضمرات الابستيمية والفكرانية للمعتقدات اليهودية / المسيحية . وكشفت الدراسات الفيلولوجية والتاريخية والاركيولوجية ، عن الأصول التاريخية للمدونات النصية للاعتقاد اليهودي / المسيحي ، وعن تناصها مع المدونات العقدية والأسطورية لحضارات الشرق الأدنى القديم(أشير هنا إلى تناص ملحمة غالغاميش البابلية مع سفر التكوبن واستناد العهد القديم إلى الأساطير والعقائد المصرية) . وهكذا ، فالاعتراف بحرية الاعتقاد أو اللااعتقاد ، هو نتيجة لنقد متواصل لبنى ووظائف الإطار المرجعي اليهودي – المسيحي ، ولقدرة العقل الدهراني المتحلل من الزامات العقل اللاهوتي على بلورة منظومات فكرية متماسكة ابستمولوجيا ومنهجيا .
يحاول المسلم المعاصر الاستفادة من واقعة تحرير الاعتقاد وخوصصة الدين ، لاستقطاب علمانيي ومسيحيي ولا أدريي الغرب ، لمعتقده ، لكنه يرفض ، من حيث المبدأ حرية الاعتقاد المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان(............) ، ويسلط سيف الردة على المؤول كما في حالة محمد محمود طه صاحب( الرسالة الثانية من الإسلام) أوالمرتد عن الاعتقاد الإيماني الإسلامي كما في حالة مصطفى جحا صاحب ( محنة العقل في الإسلام ) . والأكثر من ذلك ، أنه يرفض نقد الحقيقة الإسلامية والكشف عن تاريخية الوعي الإسلامي ، وتطبيق مناهج العلوم الاجتماعية والإنسانية على تراثه الفكري و العقدي ، بدعوى اختلافها الجوهري عن المدونات النصية التأسيسية للوعي اليهودي / المسيحي وبدعوى التفارق الجوهري تصوريا بين علوم وضعية مادية وعقيدة روحية / أخلاقية شاملة . وهكذا يستقبل إسلام رونيه غينون وروجيه جارودي بفرح غامر في الأوساط الإسلامية فيما يشتد التعتيم على تنصر يوحنا محمد عبد الجليل وناهد محمود متولي ويحتفل بشنق محمد محمود طه وباضطهاد ناصر حامد أبو زيد وسيد القمني بمتعة سادية منبتة عن العصر وعن إثباته القانوني والايطيقي لحرية المعتقد .

العرض الثالث
لا جدال في أن العلم التجريبي ، من المؤثرات الجوهرية في سيرورة الحضارة البشرية الحديثة منذ القرن السابع عشر على الأقل . لقد تمكن العلم التجريبي ، من مقاربة العالم والإنسان والطبيعة ، مقاربة جديدة ، مختلفة ، عمقيا ، عن مقاربة النظر الديني المتعالي . استطاع العلمي التجريبي ، قراءة العالم على نحو دهراني محايث ، بعيد عن آليات ومفاهيم ومتصورات النظر الأسطوري و الديني ، وعن تمثلات الفكر السكولائي . وقد نتج عن الاكتشافات الثورية أو الانقلابية ، للفيزيائيين والرياضيين والبيولوجيين والكيميائيين ، تغيير جذري في مقاربة الكون والعالم والإنسان والمعنى ، وتجاوز المقاربات العقدية التقليدية المتشكلة من مزيج من المعطيات التأملية غير المدللة ومن المتصورات العقدية الميثية ومن الاستدلالات البعدية اللاهوتية ومن الصور الميثية . والأخطر من ذلك ، فالعلم التجريبي ، لم يكتف بتغيير المنظور العلمي ، والتدليل على اللامطابقة الجوهرية للمنظومات العقدية وعلى افتقارها إلى التلاؤم والتماسك والنفاذية ، بل انخرط في استثمارات عملية ، تحول الإنسان العصري بمقتضاها من إنسان متعبد أو متأمل في آيات الكون العجائبي إلى إنسان تقني ، يصيغ العالم صياغة جديدة عبر الفكر العلمي و التقنية والسياسة وتنظيم الاجتماع البشري على نحو علماني .
عوض تمثل المعنى العميق ، لسيرورة العلم التجريبي ودوره في النقلة الحضارية ، اكتفى المسلم باجتياف النتائج العلمية والتقنية ، وبرفض منطلقاته النظرية . وقد برز تيار كبير في أوساط المتسلفين ، ينكب على المنجزات العلمية الغربية ، للبرهنة على الصحية المطلقة للمدونات النصية الإسلامية المرجعية . وهكذا ، تحول رافضو التعقيل المتشبعون بتراث السلف وبحرفية المعتقدات والشرائع ، إلى مؤولين مستعدين لتجاوز بعض تفسيرات وتأويلات السلف . والحقيقة أن المؤولين العلميين للأصول الإسلامية ، يكتفون بتأويلات جزئية ، يحاولون بمقتضاها البرهنة على علمية المعتقدات والمقررات الإسلامية ، بما في ذلك المقررات البعيدة عن مقتضيات العقل .وتقدم المنافحات التقريظية عن حديث الذباب منذ أزيد من قرن ، أنموذجا مثاليا عن عقلية المؤول العلمي الإسلامي، وهشاشة مسلكه المنهجي وطرائقه التدليلية والحجاجية . ويقدم كتاب ( مشكلات الأحاديث النبوية ) لعبد الله القصيمي ، نماذج عن صعوبة تأويل ما لا يقبل التأويل ، ولا يقبل الإدراك والتعقيل إلا في سياقاته الميثية والأسطورية .
يعتقد المسلم المعاصر ، أن احتواء العلم التجريبي ، أمر وارد ومطلوب شرعا ، في ضوء الإقرار شبه الكوني بسلطة العلم ، واستحالته قاعدة لا مندوحة عنها للنظر السديد ؛ كما يعتقد أن دعم اليقين الإسلامي ، يتم عبر التلويح بمطابقة المعقول العلمي للمنقول الإسلامي في استعادة مرهنة للمقولات التيمية . فلئن اعتمد العلم التجريبي ، مسالك وطرائق ومناهج برهانية دقيقة ، فإن التأويلات العلمية للقرآن ، سلكت مسلكا حجاجيا بيانيا ، هو أقرب إلى التعجيز منه إلى الاستدلال والبرهنة وتعزيز سلطة العقل والعلم التجريبي . وهكذا حول المسلم المعاصر ، العلم إلى أسطورة باسم عقلية وعلمية المسلمات الإسلامية بما فيها المقررات الغيبية غير الخاضعة أصلا للتعقل التجريبي أو الوضعي .
فالمسلم المعاصر ، لا يتخذ مواقف علمية متماسكة في تعامله مع العلم التجريبي ؛ فهو يتبنى نظرية الانفجار الأكبر بيسر ويرفض في الغالب نظرية التطور( انظر موقف هارون يحيي من نظرية داروين ) ، ويؤول الحقائق الغيبية الإسلامية( أحيل هنا إلى ذهاب زغلول النجار إلى اكتشاف سرعة الضوء في زمان سليمان ) ويرفض الاستنساخ باعتباره عملا شيطانيا ( موقف إدريس الخرشاف من الاستنساخ ) . فهؤلاء المؤولون ، يظهرون تقديرا تكيتيكيا للنتائج العلمية ، إلا أنهم سلفيون في العمق ، يظهرون صلابة كبرى في الدفاع عن جوهريات التراث العقدي الإسلامي . كما أنهم يستبعدون المنهاج والقيم العلمية ، وتطبيق النقد التاريخي / الفيلولوجي / الأركيولوجي على الأصول المرجعية الإسلامية .
يكتفي المسلم المعاصر ، بالتعامل مع نتائج العلم التجريبي ، بتجزيئية وابتسار كبيرين ، ويستبعد أية مقاربة علمية نسقية للأصول الإسلامية ، لاعتبارات عقدية ، مناقضة للعلم التجريبي ، روحا ومعنى .

العرض الرابع
من المسلمات غير القابلة للنقاش ، انشغال الناس في الفضاء الثقافي الإسلامي ، بالتراث والتاريخ وبقيم الأصالة . يعتقد المسلم المعاصر ، أن الزمان التراثي ، المتواصل هو الإطار الزماني الأمثل ، لاستمرار الشخصية الإسلامية في إشعاعها الإيماني وفي توهجها الكوني . فالشخصية الإسلامية ، هي سليلة تاريخ تليد ، امتزج فيه عبق القبيلة مع وجه الأمة المصطفاة ، ونتاج الصهر العقدي للمكونات التاريخية لأمة الوسط . وهكذا يعتز المسلم المعاصر ، بتاريخه وبأبطاله (صلاح الدين الأيوبي مثلا ) ويستحضر القيم التراثية في موقع الممانعة أو المدافعة الثقافية والحضارية ضد الحداثة والحضارة الحديثة .
إلا أن المفارقة تمكن في التمثل التجزيئي للتاريخ وللتراث . فالمغاربي مثلا ، يعتزبتاريخه الإسلامي ، ويعتبره ركنا ركينا في الهوية المغاربية التليدة . إلا أنه يقرأ تاريخه قراءة فصامية في العمق ؛ فهو يسقط أزيد من ألفية من تاريخه ، ويلغي تواريخ أبطال تاريخيين وثقافيين وحضاريين من تمثله وتصوره( أشير هنا إلى يوبا الثاني وتكفريناس وبوكوس واوغسطينوس ودونات وتيرتوليانوس القرطاجي وافولاي الماداوري ) ، ويلغي حلقات جوهرية من تاريخه العقدي ، ويتبنى سرود الغازي /الفاتح وتأولاته باعتبارها حقائق تاريخية أو أنثروبولوجية أو لا هوتية غير قابلة للنقاش .
إن تجزيء التاريخ وتبني رؤية الغازي ورؤيته للعالم ، لا تدل على تعمق في إدراك جوهريات التاريخ ، ولا في استقراء ممكناته . فهي القرينة الدالة ، على تفقيه وتكليم التاريخ ، فيما ينص التاريخ الحديث على علمنته وتدهيره ونزع الهالة الأسطورية عنه .
إن من علامات الاستلاب ، أن يقبل المغاربي ، المعتز بتاريخه وتراثه ، إلحاق تاريخه بتاريخ مركزي ذي جذور اثنيه محلية في العمق ، وتصييره تاريخا طرفيا هو مجرد صدى للصوت المشرقي .
فهل من المنطقي أن نرفض الاستعمار الاستيطاني بالجزائر والصهيوني بفلسطين ، ونقبل تغيير الخارطة الديمغرافية واللسانية والثقافية لشمال إفريقيا ، ونلحق تاريخها المتعدد الموارد ( أشير خصوا إلى المورد اليهودي والمسيحي والفينيقي واليوناني والروماني ) ، بتاريخ محلي ،حوله الفقهاء والمتكلمون والأصوليون إلى تاريخ مثالي اعتباري ونموذجي ؟ فهل من المنطقي ، أن تلغى مساحات زمانية وثقافية وعقدية من تاريخ المغارب السياسي والعقدي والثقافي ، لمجرد أنها لا تقاسم الأرثوذكسية الإسلامية ، تصورها المركزي المرتكز على الغاء ونسخ تواريخ الآخرين والغاء الذاكرة الجماعية وتجفيف منابع المتخيل الأمازيغي ؟ هل من المنطقي ، أن يصمت المغاربي على معنى مقاومة القديس دوناتوس وأكسيل ودهيا وعن مهابدات عقبة بن نافع وحسان بن النعمان وموسى بن نصير الإسلامية في ارض المغارب ؟ هل من السهل بعد هذا أن نذم السياسات الأمريكية وكيلها بمكيالين ؟
العرض الخامس
لا يلقى مسار التحديث بالعالم الإسلامي ، تقريبا ، أية مقاومات من قبل الاكليروس الإسلامي . إلا أن الحداثة ، لا تلقى إلا الرفض الصريح من قبل الكهنوت ومن جمهرة المثقفين ما خلا نخبة معزلة تاريخيا وسوسيولوجيا ، وغير مؤثرة معرفيا . وتكمن فصامية سلوك المسلم في إقباله على التحديث ورفضه للأساس الفكري والرؤيوي للتحديث أي الحداثة .
وللتدليل على ما نذهب إليه نشير إلى موقف المسلم من التقنية ؛ فهو يقبل التقنية ويقبل أحيانا على اقتناء مذهل هو أقرب إلى العوالم الفنطازية ؛ إلا أنه يرفض القاعدة الفكرية للتقنية أي العلم التجريبي . فإقبال المسلم على فك الارتباط بين التقنية أو التكنولوجيا والعلم ، موقف فصامي في العمق ، ولا يدل على أي حذق في التعامل مع مدلولات الحضارة الحديثة . و الأنكى ، أنه يستعمل التقنية في نفي ، عملي لمقرراته الشرعية . فالتكنولوجيا الحربية الحديثة المستعملة من كل التيارات الإسلامية ، إصلاحية وتسلفية ، مناقضة للمرسخات الحربية الإسلامية . لقد ركز الدعاة الإسلاميون على شمولية الشريعة لكل القضايا الحياتية بما في ذلك القضايا الحربية والقتالية ، لكنهم لم يتمكنوا قط من التسويغ الشرعي لاستعمال الدول والتنظيمات الإسلامية بما في ذلك التنظيمات السلفية الرافضة للتشبه بالكفار أي بالغرب ، للتكنولوجيا الحربية الحديثة . إن مسلكهم العملي ، يقتضي تفنيد متصوراتهم النظرية ، وإدراكهم لقضايا العصر المختلفة جوهريا عن مرادات الشريعة .
فالحقيقة ، أن التسليم بشمولية الشريعة لكل القضايا الحياتية ، واشتمال الشرع على تفاصيل الجهاد القتالي ، وتحريم التشبه بالكفار ، ورفض الأسس الفكرية للحداثة الغربية ، كل ذلك يقتضي رفض التكنولوجيا الحربية الحديثة ، جملة ، والتمسك بالتقنيات الحربية الموجودة طي الكتب الفقهية المعتمدة لدى الاكليروس السني والشيعي على السواء .
من البديهي ، أن المسلم المعاصر ، يعاني من ميل العقلية الفقهية إلى الجزئيات والعمليات ، وافتقاره إلى تدبر الكليات والنظريات . فالعقلية الفقهية تتعامل مع الحداثة الفكرية ومع متعلقاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، باعتبارها نوازل أو واقعات لا بوصفها منظومة كلية ذات ثوابت ابستيمية مختلفة كليا عن الثوابت النظرية للفكر الديني .
نقرأ في القرآن الآية التالية :
( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) [الأنفال : 60]
نقرأ في صحيح البخاري ما يلي :
( حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل عن حمزة بن أبي أسيد عن أبيه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر حين صففنا لقريش وصفوا لنا : " إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل . ")
( البخاري – صحيح البخاري – اعتنى به محمود بن الجميل – مكتبة الصفا- الطبعة الأولى 2003-المجلد الثاني - ص 39)
(حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد قال : سمعت سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم على نفر من أسلم ينتضلون فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا ارموا و أنا مع بني فلان " قال : فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما لكم لا ترمون ؟" قالوا : كيف نرمي و أنت معهم ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ارموا فأنا معكم كلكم ". )
( البخاري – صحيح البخاري – اعتنى به محمود بن الجميل – مكتبة الصفا- الطبعة الأولى 2003-المجلد الثاني - ص 39)
نقرأ في سنن ابن ماجة ما يلي :
( حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا هشام الدستوائي ، عن يحيي بن أبي كثير ، عن أبي سلام ، عن عبد الله بن الأزرق ، عن عقبة بن عامر الجهني ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن الله ليدخل بالسهم الواحد الثلاثة الجنة : صانعه يحتسب في صنعته الخير ، والرامي به ، والممد به " ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ارموا ، و اركبوا ، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ، وكل ما يلهو به المرء المسلم باطل إلا رميه بقوسه ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته امرأته ، فإنهن من الحق ". )
(- ابن ماجة – سنن ابن ماجة – اعتنى به وقدم له : محمد بربر – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – الطبعة الأولى – 2006- الجزء الثاني – ص 494).
فكيف يقبل المسلم المعاصر ، سواء أكان إصلاحيا أم سلفيا ، الاستغناء عن السيوف والرماح وركوب الخيول ورمي النبال ،ويقدم على استخدام التقنيات الحربية الحديثة مع أنها مستجدات وقتية غير منصوص عليها في المصادر الشرعية ؟ كيف يقبل التخلي عن تفعيل نصوص قطعية الدلالة والثبوت ، ويقبل على استخدام تقنيات وأدوات حربية مستحدثة ، وذات متعلقات ومتضمنات مناقضة لمتعلقات النصوص الشرعية ؟
مما لا شك فيه ، أن التمسك بظواهر النصوص في قضايا ( الشعائر مثلا ) ورفض تأول النصوص تأويلا ليبراليا ( أشير إلى رفض تأويل آيات الحدود مثلا ) ، ونسخ نصوص قطعية الدلالة والثبوت عمليا ، دون امتلاك جسارة طرح أسئلة نظرية بخصوص الإطار التأويلي الإسلامي وشمولية الشريعة وانعكاس التحديث والحداثة على القضايا الجوهرية للإيمان الإسلامي نفسه ، كل ذلك لا يدل إلا على فصامية معرفية وعدم تماسك في قراءة الحداثة باعتبارها إبدالا بديلا للنظر الشرعي .

العرض السادس
تعرف الساحة الإسلامية منذ عقود ، تشددا مسترسلا في مقاربة قضايا المرأة وتدبر الجسد والجنسانية . والأكثر من ذلك ، أن الحجاب والنقاب ، اكتسحا أجزاء كبرى من الفضاء التعبيري والسيميولوجي الإسلامي بدعوى ، إلزامية الحجاب بشهادة نصوص قطعية الدلالة والثبوت . ويبدو بعد مستجدات الساحة الإسلامية منذ الثمانينات ، أن التأويلات شبه الليبرالية للإصلاحية الإسلامية في هذا الموضوع( أشير هنا إلى كتاب " تحرير المرأة " لقاسم أمين و " امرأتنا في الشريعة والمجتمع " للطاهر الحداد و "السفور والحجاب" لنظيرة زين الدين و" الحديث عن المرأة والديانات "للصادق النيهوم و "حقيقة الحجاب وحجية الحديث " للمستشار سعيد العشماوي ) ، لم تفلح في التغلب على التيار السلفي ، المتمسك بظواهر النصوص وفهوم السلف والهندسة الاجتماعية الإسلامية التقليدية القائمة على تراتبية باطرياركية متصلبة .
لقد انتهت تأويلات واستصلاحات الإصلاحية الإسلامية المتعلقة بإشكالية الجسد والمرأة والجنسانية ، إلى تراجعات تراجيدية ، تمثلت في عجز المجتمعات الخاضعة للرمزية الإسلامية ، عن تدبر مقاربة جديدة للجسد وللجنسانية ولموقع المرأة الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي . إلا أن المفارقة ، تمكن في قبول جمهرة المسلمين التشدد في قضايا المرأة والإقبال على أشد التفسيرات حرفية للنصوص الشرعية على سبيل " سد الذرائع " أو التطابق الكلي مع المأمورات الشرعية أو مع فهوم وسلوكيات السلف من جهة ، وقبول الإلغاء العملي لنصوص شرعية قطعية الدلالة والثبوت من جهة أخرى( الرق وملك اليمين ) .
فمحمد سعيد رمضان البوطي يستنتج من حادثة إرغام بني قينقاع لامرأة مسلمة على كشف وجهها ، إلزامية النقاب رغم وجود آيات وأحاديث منافية لذلك وضرورة مراعاة السياق السوسيو-تاريخي والسوسيو- عقدي للصراع الكياني بين الإسلام الناشئ واليهودية المرجعية آنذاك بيثرب .
( وهويدل على أن الحجاب الذي شرعه الإسلام للمرأة سابغ للوجه أيضا، و إلا لم يكن هنالك أ ي حاجة إلى أن تسير هذه المرأة في الطريق ساتر? وجهها ، ولو لم يكن سترها لوجهها تحقيقا لحكم ديني يأمرها بذلك ، لما وجد اليهود ما يدفعهم إلى ما صنعوا ، لأنهم إنما أرادوا من ذلك مغايظة شعورها الديني الذي كان يبدو جليا في مظهرها . )
(- محمد سعيد رمضان البوطي – فقه السيرة النبوية – مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة – دار الفكر المعاصر – دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع – القاهرة – الطبعة الرابعة – 1997- ص. 168) .
لقد أقبلت قطاعات من المسلمين على التفسير الحرفي المتشدد للنصوص الشرعية المتعلقة بتنظيم و بتدبير الجسد والجنسانية والعلائق بين الجنسين والتسليم بإلزامية الحجاب ، وأقبلت فئات أخرى على التفاسير السلفية الأكثر إيغالا في مراعاة التدبير السلفي البطرياركي للجسد والجنسانية وتوزيع الوظائف بين الجنسين من خلال حصر دور الأنثى في وظيفة بيولوجية –جنسية غير قادرة على الانعتاق من إسار الحتمية البيولوجية أو من طوق الحتمية الأنثوية بله من حتمية الميراث النبوي أو الخلافي أو السلفي .
لقد تمكنت السلفية الصاعدة من إقناع قطاعات واسعة من المسلمين بإلزامية الحجاب وبفلسفة باطريركية مضادة ، جوهريا ، للجنسانية الحداثية ولفسلفة الجسد والجسدانية الحداثية ؛ وتمكنت
بعض فصائلها المتسلفة من إلغاء فعالية الجسد الأنثوي في المجال العام ، عبر إقناع فئات بإلزامية النقاب والزامية مراعاة أدق التفاصيل الموجودة في كتب سلفية لم تسلط عليها بعد أنوار العقلانية النقدية والدراسة التاريخية والانثروبولوجية المقارنة .
بناء على تفسيرات أو تأويلات المفسرين والمفكرين المتسلفين ، صار بديهيا في الفضاء الثقافي الإسلامي ، أن يحضر الحجاب والنقاب في الفضاء العام . إلا أن المفارقة ، تتمثل في إصرار المسلم المعاصر على تطبيق فحاوي النصوص الشرعية المتعلقة بتدبير الجسد وتنظيم أشكال حضوره في الفضاء الاجتماعي ، وسكوته عن تطبيق نصوص شرعية قطعية الثبوت والدلالة وبينة المرامي والمغازي أكثر من النصوص السابقة بما لا يقاس أحيانا .
يقول الزمخشري في ( تفسير الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ) في معرض تفسيره للآية 59 من سورة الأحزاب :
(ومعنى { يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ } يرخينها عليهنّ، ويغطين بها وجوههنّ وأعطافهنّ. يقال: إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدنى ثوبك على وجهك، وذلك أن النساء كنّ في أول الإسلام على هجيراهنّ في الجاهلية متبذلات، تبرز المرأة في درع وخمار فصل بين الحرّة والأمة، وكان الفتيان وأهل الشطارة يتعرّضون إذا خرجن بالليل إلى مقاضي حوائجهنّ من النخيل والغيطان للإماء، وربما تعرّضوا للحرّة بعلة الأمة، يقولون: حسبناها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهنّ عن زي[بلبس] الأماء الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه، ليحتشمن ويهين فلا يطمع فيهن طامع، وذلك قوله: { ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ } أي أولى وأجدر بأن يعرفن فلا يتعرّض لهن ولا يلقين ما يكرهن.)
(- الزمخشري – تفسير الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل – المجلد الثالث – منشورات – محمد علي بيضون – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – 1995- ص. 543) .
فإقرار الحجاب أو النقاب مرتبط بوضعية سوسيو-اجتماعية منظمة على أساس تراتبي صارم ، تعتلي فيه الذكورة عرش الامتياز والكرامة فيما تكتفي الأنوثة بخدر السلبية والانقياد لحتميات محايثة تاريخية تقدم غاليا ، بما هي حتميات متعالية أو مفارقة ، أو عابرة للتاريخ الكوني . كما تنهض تلك التراتبية ، على تكريس تراتبية جزئية في الأنوثة والذكورة معا ، بناء على الوضع القانوني للشخص . فالحجاب والنقاب ، يكرسان التمييز بين الحرائر والإماء ، ويقران باستحقاق الأنثى الحرة ، للكرامة والأمن البطريركيين ، فيما لا تخرج الأمة عن أن تكون موضوع امتلاك جنسي .
تكمن شيزوفرينيا المسلم المعاصر هنا فيما يلي :
1- الذهول عن قراءة مستجدات العصر المعرفي والحضاري ، وعن تنسيب الفضاء الثقافي الأصلي للعقيدة والشريعة الإسلامية ؛
2- الإصرار على تنفيذ حرفية المنطوق القرآني مع غياب شرائطه الأصلية ، ونشير هنا إلى إلغاء العبودية وملك اليمين عمليا في العالم الإسلامي ،
3- إنكار العلاقة الشرطية أو العلية بين التمييز بين الحرة والإماء وتمييز الجسد الحر بوضع دلالي وسيمويولوجي خاص ،
4- السكوت عن انقسام الجنسانية الإسلامية إلى جنسانية مقوننة بإحكام و منغلقة ،وجنسانية مندلقة مصحوبة بالامتلاك الجنساني الكلي للأمة بوصفها موضوعا للفعل الجنسي الأكثر قربا من التهتك ( أحيل هنا على جماع الفهر و إعارة الفرج عند الشيعة مثلا .) .فإلغاء العبودية وملك الإماء ، يعني إلغاء أساس الحجاب والنقاب من الأصل ، كما أن يعني إلغاء جنسانية إسلامية شرعية ، هي الجنسانية المرتبطة بحقل ملك اليمين .
فإن كان الإسلام كلا ، غير قابل للتبعيض أو التجزيء، فإن المسلم المعاصر يسكت ، على إلغاء نصوص قطعية الدلالة والثبوت ، ويتمسك بنصوص قابلة لقراءات وتفسيرات مرنة على أساس "فتح الذريعة " أو " دوران الحكم مع العلة وجودا وعدما "أو مراعاة مقاصد الشريعة وغير ذلك من المبادئ والآليات المعتمدة عند المؤولين منذ المعتزلة .

العرض السابع
يعتقد الكثير من المفكرين بوسطية الإسلام ، استنادا إلى نصوص قرآنية صريحة في تأكيد الوسطية . وتأكيد وسطية الإسلام ، تعني في العالم المعولم الراهن ، تمتع أمة الوسط ، بامتياز أنطولوجي ومعرفي وتاريخي ، ليس لسواه من العقائد والفكرانيات . فالمسلم المعاصر ، رغم التهقر التاريخي للحضارة الإسلامية ، وتفكيك العقلانية الحديثة لكثير من الأصول المعرفية للرمزية والاجتماع الإسلاميين ، مازال مصرا على رؤية العالم والأغيار الحضاريين والثقافيين والعقديين والفكرانيين من منظور التميز الوسطي والاصطفاء العلوي لأمة الوسط . ومن المعلوم ، أن الوقائع الثقافية والحضارية الحديثة والمعاصرة ، تقدم الأدلة والقرائن الكثيرة على عدم صوابية ذلك الامتياز الانطولوجي ، وعلى ضرورة قراءة اللاهوت الإسلامي من مطل تاريخ الأديان المقارن والانثروبولوجية الدينية لتتضح للوعي الإسلامي ، جينيالوجيا وأصول الكثير من أسسه وثوابته القاعدية .

فالمسلم المعاصر المتسلف تخصيصا ، لا يرى إلى الآخر إلا برسم الممانعة أو الاحتواء أو التطويع .والحقيقة أن فشل الحوار المسيحي /الإسلامي ،دليل على استعصاء قبول الاختلاف والغيرية العقدية والفكرية والفكرانية على المسيحية والإسلام على حد سواء .
وليست الوثوقية العقدية او الفكرانية ، خاصة بالسلفي فقط ؛ فللإصلاحي نصيبه منها ، بشهادة نص للصادق النيهوم .
(والواقع أن معاداة الجسد الإنساني ، ليست فكرة إسلامية ، بل فكرة يهودية ، مصدرها التفسير الوثني للتوراة ، التي روت في قصة الخلق ، أن آدم وحواء ، اكتشفا انهما عريانان ، عندما أكلا من الشجرة المحرمة ، وطفقا يغطيان عورتيهما بأوراق الشجر . وهي قصة ، لا يجوز تفسيرها حرفيا ، إلا في منهج وثني مثل منهد اليهود في تفسير نصوص الدين ، أما بلغة الدين نفسه ، فإن القصة لا تتحدث عن عري الجسد ، بل عن عري الروح ، بسبب ارتكاب الخطيئة ، وهو عري آخر ، يسمى "عورة " ، لأنه نقص طارئ على الإنسان ، وليس قطعة من جسده الحي . )
( - الصادق النيهوم – محنة ثقافة مزورة – صوت الناس أم صوت الفقهاء – رياض الريس للكتب والنشر – الطبعة الثالثة – 2000- ص. 70)
يعتقد المسلم المعاصر أن جوهر الإشكال موجود في الاستعمار أو الرأسمالية أو الماسونية أو الماركسية أو المادية أو الصهيونية أو العولمة ، ناسيا أن الإشكال الأكبر يتمثل في عدم قدرته على تطبيع رؤيته للعالم وقبول الغيرية بوصفها تجليا للإنساني وممارسة جلية للإنسية أو الأنسنة وفي عدم قدرته على تجاوز القراءة الاحترابية الوسيطية للعلائق بين المختلفين . فالمسلم المعاصر ، يرفض العالم جوهريا ، من حيث إن العالم لا يخضع لتميزه الانطولوجي على الأغيار ، ولرسالته الكونية القاضية بتغليب رمزيته الأنطولوجية على سائر الرمزيات الكونية .
فمتى سيخرج أهل الكهف من سرمديتهم السلفية ؟
ومتى سيدركون أن للبلاغة حدودا ، وأن للاستعارات سقوفا لا تتعداها ؟





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,518,350,722
- الإشكالية الدينية في خطاب الحداثيين المغاربة-( نموذج الجابري ...
- واقع الثقافة بسوس-قراءة في وقائع نصف قرن
- من سوس العالمة إلى سوس العلمية
- تأملات في مطلب الحكم الذاتي لسوس الكبير
- الأخلاق والعقل-التسويغ العقلاني للأخلاق
- تأملات في المعضلة العراقية
- نحو فكر مغاربي مختلف بالكلية


المزيد.....




- الإيغور: فيديو يثبت استخدام تقنية التعرف على الوجه في المساج ...
- الإخوان المسلمون.. لا يتذكرون شيئا ولا يتعلمون شيئا (1)
- السفير السعودي بالكويت: قادرون على حماية أراضينا والدفاع عن ...
- أمين عام رابطة العالم الإسلامي: الإسلام السياسي يمثل تهديدا ...
- جامعة القرآن الكريم بالسودان تُكرِّم عضوًا بـ”الشئون الإسلام ...
-  وزير الشئون الإسلامية السعودي: الرئيس السيسي “مجاهدا” حافظ ...
- بالصور... ابنة قاديروف تفتتح متجرا للأزياء الإسلامية في موسك ...
- حركة مجتمع السلم الإخوانية بالجزائر: الانتخابات الرئاسية ممر ...
- مناقشة أولى رسائل الدكتوراه في مجال العلوم الإسلامية بروسيا ...
- مصر... المؤبد لـ11 متهما من -الإخوان- والسجن 15 عاما لـ106 ف ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ابراهيم ازروال - شيزوفرينيا ثقافية