أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عصام البغدادي - الدروشة والتطبير في الديانة البوذية






















المزيد.....

الدروشة والتطبير في الديانة البوذية



عصام البغدادي
الحوار المتمدن-العدد: 619 - 2003 / 10 / 12 - 03:50
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



ان الفساد متغلغل في تركيب كل الاشياء فكافحوا باجتهاد-بوذا

المعلوم ان الديانة البوذية ديانة وثنية فالناس يسجدون لاصنام بوذا ومعلميه ويمارسون طقوسهم البسيطة للغاية من تادية الصلوات او التضرع او النذور..والمرءلا يحتاج طويل وقت لفهم الديانة البوذية التى تركت اثرها في مجمل الشخصية للفرد البوذى واهمها الصبر والتحمل والمعاناة بصمت ..لقد زرت معظم دول جنوب شرق اسيا ولاحظت ميزة مهمة في الفرد في هذه الدول هى القابلية العالية على تحمل الالم والصبرفي المعاناة فلا احد يبكى بصوت عال بل يجهشون بنحيب هادى يصرون شفاههم باسنانهم وذلك تقليد ونهج متوارث سلوكيا من عمر ثمانية الى ثمانين عاما فلا تسمع للبكاء عويلا كما تفعل بعض الشعوب.
 يمتلكون الهدوء المميز في الحديث فلا صراخ ولا اصوات عالية تستفز احد ..ذلك ماتركته الديانة البوذية في شخصية الفرد البوذى ففى  ممارستة الطقوس لاتسمع لغطا او تزاحما او صراخا اوصياحا او نداءات مختلفة شتى ..بل انك تحس بعمق احترامهم للمعبد يفوق كل شئ اخر ..المحافظة على الهدوء جزء مهم من سلوك الشعوب التى تدين بالبوذية..

حين جلس "هارتا غوتاما" المسمى تاريخيا بوذا جلسة التامل العميق تحت شجرة البودى-شجرة التنوير- بعد سبع سنوات من نظام صارم في الغابات  حصل فجأة على الوضوح الاخير والمحدد لكل تطلعاته وشكوكه في حقيقة "اليقظة" التى جعلته بوذا أى  "المتيقظ" وصورة بوذا في العالم الشرقي  وهو في حالة تأمل هامة مثل صورة المسيح  وهو في حالة الصلب في العالم الغربي وقد استوحاها مالايحصى من الفنانين  في كل ارجاء العالم الاسيوى فابدعوا منحوتات  رائعة لتامل بوذا.

طبقا للتقليد البوذى ذهب عقب اليقظة فورا ليكرس مذهبه بين اصدقائه  النساك السابقين  وقد عبر عن هذا المبدا الاساسى الذى  لايبتعد عن  تقرير طبيب  والذى يحدد اولا  سبب مرض البشرية  ثم يؤكد ان المرض قابل للشفاء  واخيرا يصف العلاج وفق مبدا الحقائق النبيلة الاربعة في الديانة البوذية.

الحقيقة النبيلة الاولى: (الدولها-اي الالم او الاحباط)  تحدد السمة البارزة للوضع البشرى  هذا الاحباط ياتى من صعوبة مواجهتنا للحقيقة الاساسية في الحياة  وهو ان كل ماحولنا هو غير دائم وعابر. كل الاشياء تولد وكل الاشياء تموت  هكذا قال بوذا ففكرة  ان التدفق والتغير  هي السمات الاساسية  للطبيعة تكمن في جذر البوذية ففي راي بوذا ان الالم ينشا حيث نقاوم نحن تدفق الحياة  ونحاول التشبث  بالاشكال الثابتة التى تسمى كلها "مايا"  سواء كانت اشياءا ام احداثا ام ناسا  ام افكارا فهذا المبدا في عدم  الاستمرارية يشتمل ايضا على فكرة انه لاتوجد انا ولا توجد ذات تكون موضوعا مقاوما لتجاربنا المختلفة فالبوذية تؤمن ان فكرة الذات الفردية المنفصلة هى مجرد وهم فهى شكل اخر "للمايا" انها مفهوم عقلى لا واقع له. فالتشبث بهذا المفهوم  يؤدي الى الاحباط ذاته مثل التشبث بأى نوع ثابت اخر من الفكر.

الحقيقة النبيلة الثانية: وتسمى(الترشنا وهى التشبث او التمسك) وهي تعالج  سبب كل الالالم فمن العقم  التمسك بحياة قائمة على وجهة نظر خاطئة  والتى تسمى (الافيديا) اي الجهالة في الفلسفة البوذية  فانطلاقا من هذه الجهالة نقسم العالم المدرك الى اشياء فردية منفصلة  وبذلك نحاول تقييد الاشكال المتدفقة  للواقع  في انواع ثابتة  يخلقها عقلنا فما دامت  هذه النظرة سائدة  فاننا مجبرون على معاناة الاحباط بعد الاحباط  فمحاولة التشبث بالاشياء  التى نراها وطيدة ودائمة  بينما هي في الحقيقة  عابرة ومتغيرة دائما توقعنا في الدائرة المغلقة  حيث كل فعل يولد  فعلا اخر والجواب عن اي سؤال  يطرح اسئلة حديدة  وتعرف هذه الدائرة المغلقة في البوذية باسم "السامسارا" دورة الولادة والموت تحركها "الكارما-اي الحلقة التى لانهاية لها من السبب والنتيجة" .

الحقيقة النبيلة الثالثة: انه يمكن وضع حد للالم والاحباط فمن الممكن  ان نتفوق على الدائرة المغلقة للسامسارا فتحرر النفس من عبودية "الكارما" ونصل الى حالة التحرر الكلى التى تسمى "النيرفانا" في هذه الحالة تختفى الافكار الخاطئة عن الذات المنفصلة  الى الابد. فوحدانية الحياة بكاملها  غدت احساسا دائما  و"النيرفانا " هي معادلة :الموشكا" في الفلسفة الهندوسية  ولكونها حالة من وعي ما وراء المفهومات العقلانية فانها تتحدى الوصف والوصول الى اليزفا وهى الحصول على اليقظة في البوذية .

الحقيقة النبيلة الرابعة: هي وصفة بوذا للقضاء على كل الام الطريق الثاني في التطور الذاتى الذى يقود الى حالة البوذانية  فالاصحاحان الاولان لهذا الطريق مرتبطان بالرؤية السليمة والمعرفة السليمة ذلك انه بالاستبصار الواضح في الوضع البشري تكون نقطة الانطلاق الضرورية .

وبوذا لم يطور مذهبه الى نظام فلسفى متماسك  وانما عده وسيلة لتحقيق التنوير فتقاريره عن العالم كانت محصورة  في التاكيد على اهمية الاشياء لقد الح على التحرر من السلطة الروحية  وعلى كل فرد ان يسير في هذا الطريق الى النهاية بمجهوده الخاص واخر كلمات بوذا على فراش الموت تبرز نظريته العالمية وموقفه كمعلم فقد قال  قبل ان يموت "ان الفساد متغلغل في تركيب كل الاشياء فكافحوا باجتهاد". 
لقد ظلت البوذية لقرون  طويلة التقليد الروحي السائد في معظم اجزاء اسيا  بما في ذلك بلدان الهند وسيرلانكا والنيبال والتبت والصين  وكوريا واليابان  وكان لها كما كان للهندوسية في الهند  تاثير كبير  على الحياة العقلية  والثقافية  والفنية لتلك  البلدان . وعلى غير ماكانت عليه الهندوسية فان البوذية  ترجع الى مؤسسها بوذا . عاش في الهند اواسط القرن السادس قبل  المسيح خلال فترة غير عادية  شهدت  ولادة عبقريات  روحية وفلسفية  كثيرة مثل "كونفوشيوس" و "لاوتزو" في الصين و"زرادشت" في  فارس و"فيثاغورس " و "هيراقليدس" في اليونان  فاذا كانت نكهة الهندوسية  ميثولوجية وطقوسية فان نكهة  البوذية نكهة سيكولوجية فبوذا لم يهتم بارضاء التطلع البشري يالام الكائنات  البشرية واحباطتها  لذلك لم يكن مذهبه من مذاهب الميتفيزياء بل كان مذهبا في العلاج النفسي .لقد اكتشف نشأة الاحباطات البشرية وطريقة التغلب عليها متخذا لتحقيق هذا الهدف المفاهيم الهندية التقليدية عن المايا والكارما واليزفانا  واضفى عليها تفسيرا ديناميكا مناسبا. وانقسمت البوذية بعد موته الى مدرستين رئيستين :
الهينايانا او العجلة الصغرى وهى مدرسة ارثوذكسية تمسكت بحرفية تعاليم  بوذا وقد وطئت هذه المدرسة نفسها في سيلان وبورما وتايلاند . والمدرسة  الثانية  وهي  الماهايانا او العجلة الكبرى  فابدت موقفا اكثر مرونة باعتقادها ان روح المذهب اهم من صيغته  الاصلية  فانتشرت في النيبال والتبت والصين واليابان وفي الهند تسربت البوذية عن طريق مرونتها وتمثلها الهندوسية فتقبل الهنود اخيرا بوذا باعتباره تجيسدا للرب "فشنو" الكثير الوجوه ، واذ انتشرت البوذية عبر اسيا اتصلت بشعوب ذات عقليات  وثقافات مختلفة وكثيرة ، فسرت مذهب بوذا من وجهة نظرها وشرحت كثيرا من نقاطها الدقيقة بتفصيل موسع مضيفة افكارها الاصلية الخاصة وبهذه الطريقة احتفظوا بالبوذية حية  عبر قرون طويلة وطوروا الفلسفات المعقدة  باستبصارات سيكولوجية عميقة  وعلى الرغم من المستوى العقلاني العالى لهذه الفلسفات  لم تزج بوذية الماهايانا نفسها في التفكير التاملى المجرد وكما هو في الفلسفة الصوفية الشرقية  فان العقل يبدو  فقط كوسيلة  لتوضيح الطريق الى التجربة الصوفية  المباشرة التى يسميها البوذيون  "اليقظة" وجوهر هذه التجربة هو تجاوز عالم التمايزات والتناقضات العقلية للوصول الى عالم "الاسنيتا-العالم غير القابل للتفكير حيث يبدو الواقع " مماثلة "  لاتقسيم فيه ولا اختلاف. 

حضرت طقوسا يقيميها الصينين البوذين في جزيرة "بوخت"  على اطراف الساحل الجنوبي لتايلاند هذه الطقوس تقام عادة في شهر ايلول وتستغرق عدة ايام تتضمن  حلقات  من الراقصين  تنقسم على نوعين  مجموعة تقوم  بغرس النبال والسيوف في افواههم  او تقريب شعل النار من بطونهم وظهورهم ومجموعة اخرى تقوم بتطبير الصدور والظهور ... للوقوف على اسرار الظاهرة وتفسيرها سالت احد الرجال كبار السن عن هذه الطقوس فقال : هذه طقوس الكنجا التى نمتنع فيها عن تناول الاطعمة عدا الخضروات وفيها يقوم المشتركين باظهار القابلية على تحمل الالم البدنى فيقومون بهذه الطقوس..نحن نعتبرها جزء من العلاج الروحى لما في الاجساد من الالام غير المعروف علاج لها وبعد انتهاء الطقوس تجد  ان من يقوم بها  قد شفى من معاناته الجسدية.
كنت جالسا اتامل تلك الطقوس وثمة سؤال يرواد ذهنى : ترى هل ثمة علاقة بين  مايسمى   لدى  الطوائف الاسلامية  ب"الدروشة" او "ضرب الدرباشة" او "التطبير"  وطقوس الكنجا  البوذية ؟؟

سؤال ساتركه لذوى العلم في مناهج  الطوائف الدينية فى العالم الاسلامى.


كاتب عراقي مقيم في تايلاند
Essam20030521@hotmail.com






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,645,603,552
- عندما يحاضر رئيس حكومة في مادة الرياضيات
- دروس للعراقيين من رسائل المنتحرين
- كيف نساند المواقع العراقية وندعمها؟؟
- المسافة القصيرة بين مقتل آنا ليند وعقيلة الهاشمى
- اين الحقيقة في قضية لوكربي؟؟؟ قراءة هادئة لخطاب القذافي واسئ ...
- استراحة عددية مسلية لعشاق الكومبيوتر
- العدد 500 من الحوار المتمدن
- ائق الرئيس يعادل 150استاذ جامعي في في العراق!!
- لماذا يريدون العودة؟
- قناع الفرطوسى
- العلماء العراقيين –مقالة مهداة للكاتبة اميرة بت شموئيل
- سبعة قصص سطرية قصيرة جدا
- الوصايا السبعة
- الزهور
- خط الكسر
- احلام حمزة الحسن هي احلامنا جميعا
- اعتذار الحكومات عن اخطاء رعاياها
- عندما تقلب الحقائق راسا على عقب
- نهاية اللعبة الطويلة
- قضية التفتيش


المزيد.....




- اسرائيل تعيد فتح المسجد الاقصى بالقدس
- أمريكي يقر بذنبه بتهمة محاولة دعم تنظيم الدولة الاسلامية
- دفاعا عن المتعة.. دفاعا عن العقل
- اليوم.. «الشيعة الروافض ومخططاتهم » مؤتمر لـ«الدعوة السلفية» ...
- دعوات فلسطينية اليوم للنفير العام نحو المسجد الاقصى
- قاتل أسامة بن لادن يروي التفاصيل الأخيرة لاغتيال زعيم القاعد ...
- حزب الله يدين إقدام العدو الاسرائيلي علي إقفال المسجد الأقصي ...
- اسرائيل تعيد فتح المسجد الاقصى في القدس المحتلة
- بالصور.. احتفال مهرجان «الأسر الجامعية» بالكاتدرائية
- «الوطن» السلفي: «عملية التهجير» تخوين للسيناوية


المزيد.....

- إقطعوا الطريق على حمام دم في تونس / العفيف الأخضر
- كيف تناولت الماركسية مسألة الدين؟ / تاج السر عثمان
- الدولة الدينية طوعاً أو كرهاً / العفيف الأخضر
- عملية قلب مفتوح فى خرافات الدين السًّنى / أحمد صبحى منصور
- تاريخ الاسلام المبكر / محمد آل عيسى
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل (1) / هشام حتاته
- البحث عن منقذ : دراسة مقارنة بين ثمان ديانات / فالح مهدي
- ق2 / ف2 جهيمان العتيبى واحتلال الحرم عام 1979 فى تقرير تاريخ ... / أحمد صبحى منصور
- الشياطين تربح في تحدي القرآن / مالك بارودي
- الرد على أشهر الحجج ضد نظرية التطور : التعقيد غير القابل للإ ... / هادي بن رمضان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عصام البغدادي - الدروشة والتطبير في الديانة البوذية