أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاضل سوداني - تحولات الاشياء في فن المنفى















المزيد.....

تحولات الاشياء في فن المنفى


فاضل سوداني

الحوار المتمدن-العدد: 1993 - 2007 / 7 / 31 - 11:51
المحور: الادب والفن
    


عن تجربة الفنان علي جبار التشكيلية

يحدث التناقض بين ثقافة الفنان وثقافة المنفى عندما يعيش الاغتراب المفروض عليه بعيدا عن بيته الأول ، منبت الوعي التأسيس ، وعن تلك العوامل التي شكلت وعيه الفني والجمالي ،ولكن بالرغم من هذا فان المنفى يفرض حالة من دمج الثقافات واغنائها . وبالتأكيد فان هذا يعتمد على وعي الفنان ذاته في إعطاء مهمته الفنية بعدا جديدا يؤدي إلى أن تتحول غربته إلى تاريخ جديد من الإبداع في مكان وزمان جديدين. وهذا هو جوهر مهمة الفنان في منفاه .

إن ضرورة هذا الوعي تحتمه طبيعة المجتمع الأوربي التجريدية ، لأنها تفرض على الفنان قيما جديدة لاتشكل ذات الاهتمامات الفنية التي يحاول الفنان من خلالها معايشة الوجود والالتحام المصيري ، فتنشأ فوضى التناقض ، ويبدأ التصادم بين القيم الثقافية والحضارية التي تشكل وعيه الفني وبين تلك التي تميز ثقافة المنفى ، وعليه أن يحافظ على خلفيته الثقافية حتى يستطيع أن يتوصل إلى التفرد
والأصالة . وهذه قضية جوهرية لها أهميتها في مواجهة حالته الاغترابية في المجتمع الأوربي الذي اضطر إلى العيش فيه .

إن مشكلة الفنان في منفاه الاغترابي تكمن في أهمية مقاومتة للضياع الفني الذي يحتمه المجتمع الاستهلاكي .
وهنا تكتسب الحصانة الداخلية الواعية أهمية كبيرة ليس في إبداع الفنان وانما في حياته أيضا ، حتى يبتعد في فنه عن "استهلاكية الثقافة واستهلاكية الوعي " .وعلى عكس هذا فان جذوة الروح تخبو و تنطفئ شعلة النار التي اختزنها الفنان في روحه ، ويفقد مصباح النور القدسي الذي عثر عليه في أحد دروب الدنيا المليئة بالأسى ، فيتحول الوعي الفني إلى وعي استهلاكي ، يُخضع الفن الحقيقي للهامشية التى تحوله الى لوحات تزين قاعات البنوك ومؤسسات الصيارفة التي تتحكم بالمجتمع المعاصر.

وهذه قضية أساسية ، فمعايشة المنفى في سنواته الأولى تؤدي إلى حالة الانبهار والاندهاش والضياع التي تصيب الفنان في منفاه الأوربي الجديد، لان الأشياء تصبح هي الجوهرية في مجتمع الوعي الاستهلاكي فيتأثر الفنان بهذا التشيؤ ، أما فنه فيخضع لمتطلبات تجارة السوق ، ويصبح تأثيره كالذي يعزف على طبل مثقوب .
إذن ماهي الموضوعات التي تشكل اهتمام الفنان في المنفى وخاصة الفنان العراقي .

تدهشنا منذ الوهلة الأولى لوحات الفنان العراقي علي جبار القديمة والجديدة لكونها استمرارا لتلك الموضوعة التي حاول دائما التنويع عليها وهي " الإنسان وأشياؤه" أو "تحولات الأشياء " ، بمفهومها الفلسفي في الكثير من الأحيان . إضافة إلى التكنيك الخاص الذي استخدمه في معارضه الأخيرة وخاصة المعرض الذي أقيم في صالة NODADA والمعرض الآخر في جاليري PROJECT في كوبنهاغن. بحيث امتلكت الأشياء وجودها في فضاء اللوحة وامتداد معناها خارج هذا الفضاء .ولكن هذه الأشياء لايمكن أن تتكامل او تمتلك كيانها ومعناها في فضاء اللوحة إلا بجانب الانسان ومن خلاله فقط ، فتبدو علاقتهما أزلية .

وبالرغم من أن الإنسان لايمكن ان يتخلى عن أشياؤه إلا بالانفصال الوجودي النهائي ، وخاصة الأقنعة البشرية التي تميز دواخل الإنسان .إلا أن الأشياء الواقعية المرتبطة بفضاء الزمان والمكان الواقعي تؤشر اثر الإنسان وهمس مشاعره ازاء الاشياء التي تعايش معها ( كالملابس والأقنعة والأحذية والاماكن التي تترك تأثيرها في وعي الإنسان ) والموجودات والأشياء الأخرى التي تحيطه دائما ، وتثقل عليه ولا يستطيع التخلي عنها لأنها جزءا من خصوصياته الحميمية ، جزءا من مشاعره وأفكاره وتاريخه الشخصي ،ويلتصق بها كأنها قدره .

وقد عبر يوجين يونسكو عن هذا الالتصاق وقدرية العلاقة بين الإنسان وأشياؤه في إحدى مسرحياته بتراجيدية ووعي فلسفي متميز . ولهذا فان الأشياء تلاحق الإنسان في رحلته الأبدية . ومن هذا المنطلق عبر فان كوخ عن مشاعر الإنسان ووجوده من خلال أشياءه كما في لوحته الكرسي أو لوحة الأحذية أو لوحتة الشهيرة The Bedroom، أو انه رسم لوحة كرسي غوغان للتعبير عن طبيعة العلاقة بينهما ، حتى يدفعك هذا إلى التفكير بان الإنسان يشبه أشياءه وان الأشياء تشبه مالكها.

وبالتأكيد فان هذا حتم على الفنان علي جبار أن يتناول الإنسان بشكل يبدو مشابها لأشياءه ، فاذا كانت هذه الأشياء خاضعة أساسا للتشوه والتلف في طبيعتها فإنها تعدي الكائن الذي يمتلكها . والإنسان " الفيكر " في لوحاته يبدو مأخوذا و في حالة من التشوه والانسحاق والتشيؤ بالرغم من انه يبدو متماسكا خارجيا . وهذا متأت من أن الأشياء غير المجدية تفرض وجودا غير مجديا على الإنسان لا يؤدي إلى تغيره أو بناء ذاته، وانما يؤسس للخراب كما هو الحال بالنسبة للأقنعة البشرية التى تؤدي لسقوط الإنسان بشيزوفرينيا الذات .

إن الأشياء في لوحات الفنان تبدو أحيانا وكأنها تمتلك قوتها وعظمتها الفارغة (إذا جاز التعبير )وهي شاهدة على فعل الإنسان الحياتي ، فأي شئ تعامل الإنسان معه في حياته أو عبث به في الواقع اليومي يكشف عن طبيعة العلاقة بينه وبين أشياءه ، أي أنها تعطيك التصور الكامل بان الإنسان كان هنا ورحل للتو ، فهو يغادر هذه الدنيا لكن أشياءه تبقى مكانه وكأنها خالدة ، بالرغم من إن هذا يبدو وهماً لان كل الأشياء زائلة .

ومن اجل التعبير عن هذه العلاقة فان الفنان علي جبار نفذ لوحاته بحيث تبدو الأشياء وكأنها أجزاء مقتطعة من الإنسان ومركبة من جديد بدون أن يشعر . واعادة التركيب هذا يعد وعيا مقصودا بسبب اعتماد الفنان على ذاكرته الانفعالية التي اغتنت بالظروف والأزمنة الاستثنائية . فنرى هذه اللوحات وكأنها إعادة لمشاهد حياتية كانت مخزونة في ذاكرته .

إن تشويه الإنسان ( الفيكر ) الذي اعتمده الفنان في مجمل لوحاته ، يعبر عن عدم تماسك الحياة وهشاشتها من وجهة نظر الفنان ذاته ، وهو نوع من الاحساس والشعور" بالاّ جدوى " أحيانا ، وهنا يطرح الفنان وعيا فلسفيا في نظرته للحياة . ولكن إعادة تركيب الواقع والإنسان وأشياؤه من جديد تخضع إلى قانون الوعي الجمالي للفنان ، بالرغم من إن الكثير من الأشياء التي تكوّن موضوع اللوحة لا تنسجم مع العناصر الأخرى المجاورة لها و المتنافرة معها . غير إن وجودها بهذا التركيب المشوه والقسري لا يعني إطلاقا إظهار القبح في الحياة أو التأكيد على الجانب اللاإنساني فحسب بقدر ما يعني الإحساس بعبثية الحياة .

الحرب وتشيؤ الإنسان

إن الحروب الكثيرة في التاريخ البشري خلقت ثقافات وفلسفات متنوعة بعضها بنائي كرد فعل للدمار
و كنتيجة منطقية، والبعض الآخر كان عدميا . والفنان علي جبار عاش ظروف الحروب الأخيرة اللا مجدية في بلده ، لذلك فانه اختزن في ذاكرته تلك المسببات التي أدت إلى تشويه الإنسان ، بالرغم من انه يؤمن بوجود حروب ذاتية أيضا لها علاقة بالصراع من اجل البقاء والبحث الأبدي في موضوعة الجمال وحيوية الحياة وشفافية الحب ، فيطلق العنان لذاكرته أو لاوعيه لكي يربط تلك المسببات التي تعمل على تشويه الإنسان مع الأفكار والموضوعات التي تساهم في بناء وعيه الجمالي من اجل كشف جملة المتناقضات هذه في حياتنا .

وبالقدر الذي تصبح فيه المعالجة الفنية لموضوعة الحرب ضرورة قصوى ، فان الحياة والحب السري والمرأة الخائفة على ديمومة الحب والخصب في هذا الواقع الملتبس ، هي موضوعات تدخل ضمن وعي الفنان وقلقه وتصبح عناصر تكاملية بعضها للبعض الآخر، فيبتعد الفنان في معالجتها بشكل مباشر ، لأنه يبحث عن تلك الرؤيا الجمالية التي تفرض وجودا فنيا .فإذا كان الإنسان في الحرب يتحول إلى شــئ أو مادة قابلة للانفجار في أية لحظة ، فان الإنسان " الفيــكر " في العملية الفنية هو شــئ مشوه أيضا لكنه يمتلك أبعاده الفنية والجمالية في ذات الوقت .

من هنا فان علي جبار يؤكد في لوحاته دائما ، على العلاقة بين تشيؤ الإنسان في الحرب ( وهي قضية لاإنسانية ) وبين جمال الحب وشفافيته ، الذي تشكل المرأة قطبه الأساسي ( وهي قضية إنسانية ) . فيتعامل مع الحب على اعتباره موضوعا للجمال الحُلمي المثالي الذي ليس له وجود إلا في لاوعيه . أو انه يعمد إلى تشويه ذلك الجمال لأنه لا يتناسب مع واقع القبح زمن الحرب .

وكان هذا واضحا في لوحات الفنان الأخيرة بشكل مكثف بحيث تتحول المرأة فيها إلى موضوع للحب أو إلى حوار هذياني غير مفهوم لكائن حالم يهمس في ليالي الشجون ليكمل ذاته وقرينه " الرجل " وخصب الطبيعة في ألان ذاته . لهذا فان فضاءات اللوحة اصبحت اكثر اتساعا من السابق ، وامتلأت بمواد ( أشياء ) بعيدة عن الالتزام بدقة التفاصيل الواقعية والمفهوم الاكاديمي في بناءها .فيتراءى للجمهور بان فضاء اللوحة لم يَعْد كافيا للتعبير عن امتداد الموضوع ، فيشكل الفضاء المحيط باللوحة ـ خارج إطارها ـ امتدادا لا مرئيا لموضوعها مما يمنحها بعدا ديناميكيا وفعالية مؤثرة في وعي المشاهد المتمعن .


تحولات الإنسان وأشياؤه

لايمكن اعتبار موضوعة " أشياء الإنسان" التي عالجها الفنان علي جبار ، بديلا عن " الإنسان " كموضوع أزلي في الفن بشكل عام والفن التشكيلي تحديدا .لكن هذه الأشياء تعبر عن تحولات منفى الإنسان سواء كان هذا في منبت وعيه الأول أو في سفره الدائم في الغربة . إلا أن استخدام هذه الأشياء بهذا الوعي ( للتعبير عن تشيؤ الإنسان ) يعتبر موضوعا متميزا وغريبا في طبيعة معالجته ، وبالتالي فان هذه الثيمة متفردة أيضا في تطور الفن العراقي والعربي بشكل عام .

يعد التشيؤ موضوعا فلسفيا ووجوديا تحديدا ، لذلك فان ملامسة موضوعة خراب الوجود ، هي وعي له صداه الواضح في الفن بشكل عام .وقد استطاع الفنان التعبير عن هذا الخراب من خلال تأكيده على التشيؤ فمنح الأشياء استقلاليتها ووجودها المكثف في فضاء اللوحة ، بحيث تعبر عن تأزم الإنسان وقلقه الدائم ومأساته الوجودية وبهذا فانها تؤثر على وجوده .
فالأقنعة والوجوه الضبابية المشوهة والحيوانات الأسطورية والعلاقة الغريبة للأشياء والالتباس الذي يكتنف الحياة وغيرها لها علاقة واضحة بالخراب الذي ينخر في داخل الإنسان أو الذي يحيطه كشبكة سرعان ما تلتف حول عنقه .
ولكن هذه الأقنعة بالرغم من طابعها الجمودي ، غلا انها تمتلك تلك النظرة الحيوية الغريبة التي تمنحها الحياة ، وهذا شئ انعكس على طبيعة التكنيك الفني الذي استخدمه الفنان في تعامله مع الأشياء بشكل عام ، بحيث تشعر بثبوتها وجمودها وحيويتها في ذات الوقت .
إن التعبير عن الإنسان من خلال أشياؤه ، أقنعته ، ملابسه وغيرها من الأشياء التي استخدمها منذ الأزل ومازال ، تمثل في الحقيقة أقنعة للجسد والروح والذات . ولكن التعري من هذه الأقنعة والتخلص من ثقل الأشياء ( كما في بعض اللوحات ) ، هدفه الوصول إلى الذات الحقيقية ، وبمعنى آخر تجريد الإنسان من غثاثة الحياة ولزوجتها ، إضافة إلى مواجهة الذات ، بالرغم من إن الإنسان دائما محاصرا بمحيط غريب من الكتل والوجوه الميتة والأقنعة والأشياء المشوهة الأخرى التي تفرض وجودها .

تعّود الكثير من الفنانين على رسم وجوههم للتعبير عن الوجه الإنساني عموما ، وقد كان هذا تحت تأثير بيكاسو ، فرديناند ليجيه ، رمبرانت أو تأثرا بالمدرسة التعبيرية في الفن . بحيث يكون الوجه الإنساني هو المفردة الوحيدة للتعبير عن الإنسان . ولكن في لوحات الفنان علي جبار نلمس وبشكل بارز إن الأشياء بسكونها وثقلها ولزوجتها بما فيها الأقنعة أيضا هي المفردة الرئيسية للتعبير عن الحياة والوجود الإنساني .

لذلك فأننا نرى في جميع لوحاته شئ من شحوب الألوان وبرودتها، دلالة على طبيعة الحياة التي يعيشها الفنان ذاته في غربته الدنمركية ، وهذا ما يؤكد عليه تدرج الألوان الباردة أو طغيان الألوان الزرقاء والخضراء كلوحة بانورامية تشمل جميع أعماله ، بالرغم من إن استخدامه للون مازال يحتاج إلى تلك اللمسة العنيفة التي بالضرورة يجب أن تعبر عن هستيريا الروح البشرية .
وبالرغم من وضوح تأثيرات تكنيكية وفنية جديدة في عمل الفنان من خلال معايشته لتطور الفن التشكيلي
ألد نمار كي والاسكندنافي إلا انه يحاول المحافظة على وعيه الشرقي وخلفيته الثقافية من اجل تطوير قدرته التشكيلية .
لقد فرضت طبيعة مواضيع لوحاته الجديدة تمردا واضحا على الأصول الأكاديمية ، كما في لوحة
" العربة الملكّية " ، حيث استخدم الفنان في لوحة واحدة وللتعبير عن موضوع واحد ، تقنيات عديدة ومختلفة ، إضافة إلى التركيز على الطابع النحتي لموضوع اللوحة . وبالتأكيد فان هذا يعتبر وعيا خاصا هدفه التأثير على وعي المشاهد للإحساس بالكتلة وشكلهما وفرض وجودهما في فضاء اللوحة .

إن عالم الفنان القلِق والسرابي هو الذي يدفعه أيضا إلى استخدام تقنيات أخرى متعددة كالتخطيط بالقلم والألوان والكتل وغيرها .وبالرغم من صعوبة المزج بين هذه التقنيات في لوحة واحدة ، إلا أن التعبير عن الحالات غير المحسوبة أو المشاعر التلقائية للإنسان في علاقته باشياءه باعتبارها مرادفة ومكملة للحياة ،هو الهدف الأساسي من التركيز على هذا التكنيك .

ففي لوحة " عزلة " هنالك مزج بين الدقة المكثفة والتفصيل في الكتلة واللون وهنالك إحساس بانسيابية الأشياء وكأنها تود الخروج من إطار اللوحة ، ولكن في ذات الوقت نلاحظ عدم وجود تفصيل في الشخصيات أو الأشياء فتتداخل في جو ضبابي يعبر عن خصوصيته وغرابته .

يمتلك الفنان علي جبار ( كأي فنان عراقي ) حساسيته الخاصة ليس في فنه فقط وانما في فجيعته العراقية ، لذا فانه يعبر عن هذا بشكل غير مباشر وخاصة في لوحة " عاشقان" . ففي زمن الحرب يتكثف الشعور الحميمي والإحساس الخاص بأهمية وقدسية الحب كخلاص مؤقت ـ وهذه طبيعة إنسانية عامة ـ ومادام هدف الحرب هو تخريب الحياة والإنسان وفرض الاستثناء الجحيمي ، يكون من الضروري الخوف على الحب كحلم شفاف أيضا ومشاعر إنسانية .
ولكن الشعور المفروض على الوعي هو الشعور بغربة هذا الحب الإنساني في زمن الحرب اللاإنساني . لهذا فان الحوار الذي حاول الفنان أن يخلقه من خلال لوحاته وخاصة ـ الحوار بين الرجل والمرأة ، بين الإنسان والأشياء ـ يتحول إلى همس أزلي مشوب بالغرابة والخوف والالتباس مادام الإنسان يعيش في حياة غامضة في شموليتها .
وقد عبر الفنان بشكل قصدي من خلال تقنياته التشكيلية عن الإحساس ببرودة الحياة ومأساويتها . ولذلك فانه فرض علينا مشهدا رماديا مشوبا بالأسى والألم لكي يخلق في د واخلنا الشعور برمادية الرؤيا .

نلاحظ من خلال إحدى لوحات المتميزة واعني لوحة شارع المشي Gogade (أحد شوارع كوبنهاغن الشهيرة ) ، تركيز الفنان المكثف والهادف لخلق تلك الغرابة المتأتية من غرابة الأشياء وتلقائيتها
وعفوية إيقاعها اللامرئي ـ تلك الأشياء المعروضة في مخازن هذا الشارع ـبثقلها وتنوعها ودلالاتها التي تعبر عن اختلاف أذواق ومشاعر الإنسان المتباينة ، سواء كانت هذه الأشياء واقعية أم متخيلة تمتلك وجودها في لاوعي الفنان .

والميزة الأخرى لمجمل لوحات الفنان وجود مسرحة للحياة ، حيث يشبه فضاء اللوحة خشبة مسرح تبدو فيها الأشياء ، مثل الأقنعة والملابس والوجوه الحقيقية ورؤوس الحيوانات الأسطورية والهمس الغامض للواقع اللامرئي وغيرها ، وكأنها تتحرك في فضائها المسرحي . ومن اجل هذا فرض الفنان أن تكون كتله وأشياءه بمواجهة المشاهد مباشرة ، وهذا يعني مواجهة الأشياء للذات البشرية وبالعكس . لكن التأكيد على الأشياء وفرض ثقلها وزمنها في وعي المشاهد .. هو تأكيد للشعور باغتراب الإنسان ذاته .

لقد تميزت لوحات الفنان بمناقشة موضوعات وهواجس معاصرة تخلق قلقا في داخل المشاهد الحاذق
ـ وتدفعه إلى التفكير بجدية الخوف على مصيره ـ ليس من خلال الفرض المباشر لأفكاره وطبيعة ألوانه ، والتكنيك الفني لمعالجة مثل هذه المواضيع وانما باستخدام موضوعة تحولات الأشياء وأهميتها أحيانا أو عبثية وجودها في الحياة .

لقد كانت لوحات الفنان علي جبار حوارا وهمسا غامضا عن تلك الأشياء التي تثقل حياة الإنسان وتميزها ، أو أنها كانت ضجيجا صاخبا اقلق المشاهد في منفى الفنان .


كوبنهاغ





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,362,259,588
- خمس ساعات فقط في ظهيرة الزمن
- لورنا سليم زهرة الأسرار تتألق في الشمس العراقية
- د. سوداني :بيان حول ذاكرة الجسد في المسرح البصري
- ظهيرة الخروج
- سرية الإبداع بين المخرج والمؤلف في المسرح العربي
- شكسبير و الوجه القبيح للطاغية (ريتشارد الثالث وصدام حسين ) ...
- الضفة الأخرى من الجريمة والعقاب
- همس الليالي البيضاء في العرض المسرحي البصري
- المفكرون العرب لا يمتلكون الاحساس بالزمن
- المخرج المسرحي العراقي د.فاضل سوداني .....الحضارة الشرقية غن ...
- خيال الظل العربي الاسلامي
- الدلالات السميولوجية في فضاء العرض المسرحي
- جلجامش …….. والبعد السميولوجيي للنص البصري المعاصر
- فان كوخ يعرض طقسا مسرحيا
- النقد المزدوج وغربة المسرح العربي
- الفنان العراقي عوني كرومي وبرتولد برخت
- العراق والسياسة والمنفى والغرب ومسرح الصورة
- جحيم الحرية والتباس الحقيقة الذاتية
- بصريات الجسد في الطقس المسرحي
- ذكرى عنادل العمارة ( ميسان) المهاجرة


المزيد.....




- مهرجان كان: لغة الجسد تطغى على الكلام في فيلم مثير للجدل للت ...
- انجح ثم انصح! (قصة قصيرة)
- دوري رمضاني يشعل فتيل الحرب بين البام والكتاب بمرتيل
- المغرب يستجيب لدعوة القمة العربية غير العادية في السعودية
- في ضرورة الثورة الفكريـة ( الجزء الثاني ) بقلم: حمه الهمامي ...
- خطأ جسيم يكاد يقتل ضيفة -رامز في الشلال-! (فيديو)
- كيف تعرفت نانسي عجرم على زوجها طبيب الأسنان؟ (صور)
- الصاوي: مبارك يستحق كل وسام حصل عليه!
- عظمة اللغة العربية وخلودها ومكانتها ترجع إلى ارتباطها بالقرآ ...
- مجلس الحكومة يوافق على اتفاق بين المغرب وصربيا


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاضل سوداني - تحولات الاشياء في فن المنفى