أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دينا سليم حنحن - حفل تأبين نازك الملائكة في أستراليا















المزيد.....



حفل تأبين نازك الملائكة في أستراليا


دينا سليم حنحن

الحوار المتمدن-العدد: 1969 - 2007 / 7 / 7 - 11:19
المحور: الادب والفن
    



أقام التجمع الثقافي في ولاية (كوينزلاند) الأسترالية حفلا تأبينيا لرائدة الشعر العربي نازك الملائكة، التي غادرت الحياة في 21 من شهر آذار، بعد مرض طويل، في مستشفى القصر العيني بالقاهرة، حيث لم تجد جميع المناشدات التي بعث بها المثقفون العراقيون والعرب آذانا صاغية للحكومة العراقية لغرض معالجتها، بذلك تكون نازك الملائكة ورقة أخرى تسقط من شجرة الشعر العراقي والتي سبقها بذلك الجواهري، البياتي وبلند الحيدري وقافلة كبيرة من المبدعين العراقيين الذين غادروا الوطن قسرا أبان الحكم الديكتاتوري وانتهى بهم المطاف أن يدفنوا في مقابر الغربة.
رأى التجمع الثقافي في (كوينزلاند) ضرورة المشاركة بالمصاب الأليم، فأقيم حفل تأبيني بمشاركة العديد من المثقفين، والجاليات العربية، وفتحت النوافذ أمام بعض الأدباء في العالم من أجل المساهمة بكلماتهم التي قرأت بالنيابة.

وجاء في كلمة الكاتبة والروائية دينا سليم :
سنعبر اليوم مساحات الأفق ليس كي نوقف الشمس عن مسارها، بل كي نستذكر انسانة وشاعرة لم تشكي هموم قلبها الا لقلبها، أعلم أنك تألمت يا نازك بصمت، فقد جئت ملاكا ورحلت مع الملائكة، انك ما تزالين معنا.... ولذلك سنخصص لك يوم 12.6 من كل سنة ، نقرأ لذكراك، وسنفتح بابنا من الآن على مصراعيه لكل محبيكِ....

وجاء في كلمة الشاعر العراقي (كوينزلاند) سعد حمزة:
لأنها تحب الشمس غادرت وطن الظلام، وطن البؤس والقهر بمعطف خبّأت في جيوبه كل النهارات وظلّت فارسة تقاتل من أجل الكلمة الشريفة، منطلقة من مباديء وقيم حضارته العريقة، وظلّت طوال فترة وجودها خارج وطنها الأم أمينة على تراثها وعلى هويتها وأغنت المكتبة العربية بانجازاتها الخلاقة لأنها هي التي أحدثت ثورة في تاريخ الشعر العراقي والعربي، وظلّت علما من أعلام الأمة والعالم، وبرحيلها خسر العراق والعالم العربي واحدة من أهم المجددات في حركة الشعر العربي باسره ولنقف إجلالا واحتراما لنجمة من نجمة الابداع والذي سيظل نورها يشع في السماء أبدا منيرا الطريق الى الأجيال القادمة.

واستلم التجمع مجموعة كبيرة من كلمات التأبين من مختلف البلدان العربية والأجنبية، وما بوسعنا إلا أن نذكر بعض هذه الكلمات، والتجمع بدوره يحيّي جميع الزملاء والزميلات الذين أرسلوا كلمات التأبين عبر البريد الألكتروني شاكرين لهم عمق مشاعرهم الطيبة وما يلي بعض هذه المساهمات، نبدؤها بالصديق الشاعر د. علي كنعان (سوريا – دبي):

" منارة شعرية تزداد توهجا"

الحديث عن نازك الملائكة يطفر بأفكاري إلى أواخر الأربعينات من القرن الماضي، وأنا في تخوم الثانية عشرة من عمري. كانت مجلة "المعارف" اللبنانية ترد من صيدا إلى قريتنا المشلوحة على حافة بادية الشام، وكان اسم نازك الملائكة يتردد في مجالس الأنس والسمر وعشاق الشعر إلى جانب الزهاوي وعمر أبو ريشة والرصافي وبدوي الجبل، فضلا عن شعراء التراث. ولعل قصيدتها "قبر ينفجر" هي التي استأثرت بإعجاب أولئك الشباب، وكانوا يرددونها حتى علقت معظم أبياتها الغنائية العذبة بذاكرة الصبا. وكنت وأصحابي نتسابق أحيانا بترديد الرَّوِيِّ، أعني حرف القافية، وهو يتغير من الراء إلى الباء والدال والقاف والميم، خلافا للشعراء الآخرين المسكونين بقافية واحدة.
ذلك الشجن الوجداني والإيقاع الغنائي الساحر كان لهما تأثير خاص وعميق على ذلك الفتى الذي سأكونه، وإن سرقني شعراء آخرون مثل جبران والشابي وعلي محمود طه والسياب.
رحل جثمان نازك وعاد الرماد إلى جسد أمنا الكبرى، لكن الشاعرة باقية في فضاء الإبداع منارة وردية حالمة، وستظل فياضة بوهجها وعذوبتها وصفائها، فنيا وجماليا وبلاغة على مدى الأجيال. ربما كنت أختلف مع بعض آرائها النقدية، لكني لا أملك إلا الانحناء لذكراها العطرة أسى ومحبة وإجلالا... وأنا لست إلا تلميذا صغيرا في مدرسة أولئك الرواد الكبار الراحلين: بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، خليل حاوي... وصلاح عبد الصبور.
ربما سهوت أحيانا وقرأت في سري على روحها الفاتحة، لكنها ستبقى حاضرة في ذاكرتي كالياسمين الدمشقي ما بقي كل فن أصيل جميل، ولا يمكن أن تطويها ظلمة الغياب مثلما غشيتها سنوات العقوق والجحود والهجران.

اشترك معنا أيضا الصديق الكاتب الدكتور فاروق مواسي (الناصرة- فلسطين) بهذه الكلمة:

نازك كاسمها كانت في الشعر كذلك ، رومانسية رائقة حزينة ، وليس أدل على ذلك من أسماء مجموعاتها وإيحاءات العناوين : مأساة الحياة ، عاشقة الليل ، شظايا ورماد ، قرارة الموجة ، بل إن أسماء قصائدها فيها ما يوحي بالعذاب والمعاناة ، وفيها ما يوحي كذلك بالحلم وصولاً إلى شجرة القمر.

اخترنا لها قصيدة " ماذا يقول النهر " ودرسها طلاب الثانوية ، وقد حللتها مبينًا توزيعة القصيدة وكيف ختمت : بجوهر الشعر في سرية شفافيته :

ماذا يقول النهر ؟
لا تسألي
دعي غلاف السر كثًا عميق
لو كشّف الزنبق ألغازه
لم يبق معنى لشذاه الرقيق

وفي المنهاج الجديد الذي ستبدأ به مدارسنا اخترت ( نا ) لها قصيدة : غسلاً للعار ، وهي قصيدة تروي قصة القتل باسم الشرف ، والقاتل هو الأخ الذي يمسح مديته وهو يقول " غسلنا العار " ، ثم ما يلبث أن ينادي :

يا رب الحانة أين الخمر وأين الكاس
ناد الغانية الكسلى عاطرة الأنفاس
أفدي عينيها بالقرآن وبالأقدار

الشاعرة في القصيدة تنوح وتبكي القتيلة البريئة ، فتتضامن معها وتقول :

يا جارات الحارة يا فتيات القريه
الخبز سنعجنه بدموع مآقينا
سنقص جدائلنا وسنسلخ أيدينا لتظل ثيابهم بيض اللون نقيه
لا بسمة لا فرحة لا لفتة فالمديه
ترقبنا في قبضة والدنا وأخينا

وغدًا من يدري من أي قفار
ستوارينا غسلاً للعار

شخصيًا رافقت نازك عبر جميع كتبها الشعرية والنثرية وأحتفظ بها في مكتبتي ، وخاصة الطبعة الأولى من كتابها الهام (قضايا الشعر المعاصر)، وقد أهدته في حينه إلى الرئيس: جمال عبد الناصر

نازك أعلن عن موتها قبل سنين فأبنوها ، وبقيت حية ، وأظن اليوم ونحن نؤبنها أنها ما زالت حية -
حية في كلماتها وروعتها وهدوئها ...
نعم يا هدوء ! ألم تسمَّ عائلتها بالملائكة ، فهل أبقى العراق اليوم أحدًا في هدوئه وملائكيته ؟


وكانت معنا الصديقة الشاعرة فرات أسبر (سوريا – نيوزيلاند):
نازك الملائكة رحلت بصمتها الحزين ، بصمتها الذي هو اعمق من الكلام، المرأة الشاعرة التي غابت طويلا عن المشهد الثقافي ، الذي تناساها طويلا وهي تحت المرض وما شابه من انواع النسيان الذي تُبتلى به المرأة العربية وعلى جميع المستويات.
لن أبالغ واتباهى بان معرفتي بك بعيدة الجذور.والصدق يقال عرفت السياب قبلك ، وانشودة المطر التي رددناها طويلا وكثيرا مع السياب تنذر بما هو حال العراق اليوم وكأن السياب كان الشاعر العراف .ولكنني تعرفت إليك بمفهوم آخر كيف تقفين ندا للرجل الشاعر .
وها أنت اليوم، في يوم رثائك ،أقرا لك ما كتبته يداك عن مرثية إمرأة عراقية .وكأنك بحسك الانثوي تشعرين بنهايات النساء .

مرثية إمراة

ذهبتْ ولم يَشحَبْ لها خدٌّ ولم ترجُفْ شفاهُ

لم تَسْمع الأبوابُ قصةَ موتها تُرْوَى وتُرْوَى

لم تَرتَفِعْ أستار نافذةٍ تسيلُ أسًى وشجوَا

لتتابعَ التابوت بالتحديقِ حتى لا تراهُ

إلا بقيّةَ هيكلٍ في الدربِ تُرْعِشُه الذِّكَرْ

نبأ تعثـّر في الدروب فلم يجدْ مأوًى صداهُ

فأوَى إلى النسيانِ في بعضِ الحُفَرْ

يرثي كآبَته القَمَرْ.

شكرا لك يا نازك في حضورك وموتك ، واتمنى أن لا ياخذنا النسيان نحن النساء
ولنحيا معك بالشعر

اتحفتنا الشاعرة الزميلة منال الشيخ (العراق) بكلمة وبرسالة وصلت مبلله بالدموع والأسى:
آخر الملائكة رحلت متأخرة .. في زمنٍ لا يليق بها، نعم، لقد رحلت متأخرة، ما كان يجدر بها أن تنتظر حتى هذا الوقت .. ولأنها فهمتنا ولأننا لم نفهمها قط .. ولأنها تكهنت بالآتي . ولأنها لا تملك قرار الرب في رحيلها آثرت أن ترحل إلى أعمق من ذلك. أغلقت باب توهجهها وتركت نتفة من بريقها على المقبض تخترق الأبصار بين الحين والآخر كلما مر عليها خيال ذاكرة هوجاء. الكل كتب والكل تبنى حال المواساة والبعض ذهب إلى أبعد من ذلك، المتاجرة في السبق الإنساني لتبني مراعاة حالتها الصحية المتأخرة. نازك لم تكن بحاجة إلى رعاية أحد .. وهي بكل الطرق قالت وبصمتها المهذب ( أريد السلام لا غير ) وكان سلامها في صمتها وغيبوبتها التي اختارتها لتكون منفاها حتى ترحل إلى الأبد .
خبر وفاتها لم اقرأ عنه في الصحف لأننا صرنا شعبا بلا ثقافة ولا ورق .. ولم أتصفح النبأ في الانترنيت لأنني محكومة بانقطاع التيار المستمر .. فتحت عيني على صباح غريب لا يشبه الصباحات التي اعتدتها منذ سنين وعلى رنة هاتف يحمل رقما مجهولا أو بالأحرى هكذا ظهر عندي المتصل ( مخفي ) وإذا بها صوت زميلة إعلامية من إذاعة الجزائر تتصل بي لتسألني عن ردة فعلي لتلقي خبر وفاة الشاعرة نازك الملائكة .. ماذا أقول لها، هل أقول لها أنني الآن أتلقى الخبر منها وهل أتحجج بالكهرباء وانقطاعنا عن العالم الآخر بشكل قسري ! ولأن الموت صار رفيقنا في الأونة الأخيرة تلقيت الخبر بكل رباطة جأش ولكن العبرة خنقتني لأنني لم اعدّ العدّة لأطلق صوتي عبر إذاعة ربما هي غير مسموعة ولكنها تطلق على الأقل ما كنت أريد قوله في حق من ادّعوا الاهتمام بهذه الشاعرة التي لن اسميها ( الكبيرة ) فهي فوق كل التصنيفات والأحجام التي نشهد ولادة جديدة لها على الساحة الأدبية. نازك لم تكن بحاجة إلى ترويج من أحد للاهتمام بحالتها ولم تكن بحاجة إلى التفاتة الحكومة أو الوسط الأدبي لمجرد العمل على إبراز أسمائهم على حساب تاريخ مدجج بالإقدام والمثابرة اسمه ( نازك الملائكة ). هي اختارت وبملء إرادتها أن ترحل عن هذا العالم لأنها رفضت أن تكون جزءا من هذا الزمن المسخ الذي لا يليق بها وأدركت مبكرا ما آل إليه الأدب من تجاوزات في حق الإبداع والفن. قدمت مشروعها بكل إخلاص وعملت على تاريخها بكل احترام دون الإتكاء على أنوثتها في شيء وهي ليست بحاجة إلى شهادة مني أو من غيري لنقول في حقها ما يجب أن يقال. ولكنه الغيض الذي يحركنا لنتتطرق إلى أزمتنا الحالية. نحن من نستحق الرثاء، على الأقل الملائكة امتلكت الشجاعة على الصمت في لحظة أدركت أنها نفذّت ما كان عليها، وما كانت ستقدمه بعد ذلك ربما لم يكن ليشكل سوى مواصلة مسيرتها. فكم واحد منا يمتلك الشجاعة على الصمت وكم واحد منا سيعترف يوما انه لم يعد قادرا على العطاء لأنه لا يقدم شيئا .. كثرٌ نحن، ولكن زمن الإرادة القوية انتهى بآخر الملائكة.

استلمنا مشاركة الزميل الشاعر حسين علوان- راديو سوا (العراق - واشنطن):
وداعا فاتنة الكلمات
وداعا
فاتنة الكلمات
وداعا
صوب الملائكة
صوب تخوم النور
حيث دوار الكلمات
وجذور الحكمة
ودروب الخالدين السالكة
مكثتِ طويلا في جسد مثقل بالعالم
مضى قبلك الكثيرون
بأرواح تاقت لانعتاقها
وبقيت انت
تدعمين وهن الكلمات
تكابرين الصمت
هناك بعيدا
حيث نسيناك
حيث ذويت في وحدة مريعة
تحركين ألم الحروف
الآن أنت تنسينا جميعا
نحن الذين نسيناك
تذهبين هناك
صوب الملائكة
تلحتفين نور الله
وتضعين عقدا من حروف ناصعة
سيبقى يلمع منذ أول النور
حتى آخر الضياء.
وداعا نازك


وكان معنا الكاتب الزميل عبد السلام العطاري (رام الله- فلسطين) البلد المسكون بالمواجع:

نازك الملائكة ... وعن الأحياء الباقين
" فُجأة تعود إلى نبض الحروف، وفُجأة تسارع الأقلام إلى لَجفِ الكلمات من قاع بئر مهجورة، كذلك تعود الـ(نازك) إلى مجرّتها الكونية الأدبية، عام ونصف العام والأثواب البيضاء وحدها من تقف قربها تعاينها عن قرب، وربما كانت الأسئلة بغير طريقة المثقفين والكتّاب، وكانت على غير شرعة قصائد النعي والندب والحسرات والتألم لرحيلها، كانت وأظنها كذلك مواساة للألم وليس للمرض، وقلة- إن وجدت- من كانت تذكر نازك الملائكة أو يعودها في مشفاها.
نازك التي تعلمانها طلاباً صغاراً قبل أن نُسجَّل تحت يافطات الأدباء والكتّاب والشعراء، نازك التي كانت درساً إلزامياً كي تتخطى بلاغتك القوة، وكي تضيف إلى معرفتك معرفة أخرى في عالم الأدب والبلاغة، لم نكن نحسبها عراقية أو شآمية أو مغاربية، كنا نحسبها عربية تعيش بين سطور الكلمات وتجدها مسافرة بين دفتي الكتب.. هذي نازك التي تعلمناها وحفظناها وعرفانها .
- من قبل وَدعت الكاتبة المغربية مليكة مستظرف الحياة بعد معاناة مع المرض شهدها كل كاتب وكاتبة، ولم يسعفها أحد إلا بعد رحيلها بكلمات النعي والحزن والبكاء ليسجل لها قاعة باسمها، وغيرها وغيرهم كثر الذين لا نستذكرهم أحياء ونبكيهم أمواتاً ونذرف الدموع ونذرذر الحروف ونكتب.
- لم أعرف نازك الملائكة شخصياً وهذا طبيعي جداً، ولكن عرفتها كما عرفت نخب الكتّاب والشعراء في عالمنا العربي... نصاً وكتاباً وإبدعاً، ولا أظن حين يذكر اسمها أن هناك من يتساءل عنها، فهي محفوظة الاسم والإبداع، وحين سمعت خبر وفاتها وقرأت الكم الهائل المتدفق من البكائيات والمراثي كأن الرافدين اجتاحا العالم بما فيهما من ماء لننسى أن هناك بحاراً ومحيطات مائية لكثرة ذلك التدفق السيّال من الكلمات من أجلها.
- كنت أظنها قد توفها الله منذ زمن طويل، وشاطرني الكثير من الكتاب ذلك الظن، واستغرب أين كانت كل تلك الأقلام التي فُجعت وصُعقت وندبت ورثت وقصصت أحزانها وتألمها ووجعها على رحيل نازك الملائكة التي شكلّت أو كانت تشكّل حالة ما في الأدب المعاصر ومحدثة فيه؟!
- وهناك- أيضاً- من تشردنا مع قصائده بين الحدود ومزقت الأسيجة الشائكة أرجلنا وعلقت قطع من أثوابنا عليها، طريح فراش وسرير المرض والمعاناة أيضاً. من يسأل مظفر النواب عن غيابه؟! وهل تعودنا غياب الكبار المبدعين – ربما-؟! متى نسأل عن المبدع الذي نطرب لإبداعه إذا علمنا أنه غائب في حياته؟!
أخشى أن أقلامنا تنتظر الغائب لنستعجله الرحيل كي نكتب لنرفد نهر الكتابة السيّالة بكلمات الوداع والنعي.
أظن أنه بات علينا أن نستذكرهم أحياء كي نؤجل رحيلهم قليلاً، أو حين يرحلون، يرحلون بابتسامة وفرح... بأنَّ هناك من يذكرهم... فيبتسمون عند شهقة الوداع.
وأظن أنه بات علينا أن نعيد ذكرى السيرة لمن نحسبهم أعلام إبداعنا الثقافي والفكري والأدبي، لعلنا نجد منهم حياً يُرزق فيبتسم، ونعيد له روحه الشابة التي أطفأها وأهلكها وأتعبها كي يكون لنا ما نتكئ عليه في إبداعنا... ولعلني أدق ناقوس التذكّر كي نجد من يَذكُرنا نحن كتّاب التدفق اليومي وأصحاب الجزالة والغزارة اللحظية كي نصحو من حالة التذكّر الموسمي لتكون حالة دائمة نكتب فيها عن الحي ليشهد ما يُكتب كي نَصْدُق بعد رحيله حين نكتب نص الرثاء.
- ربما نصحو على خبر عمّا قليل يُنبئنا بموت مي زيادة... ربما!!!

وكان معنا الكاتب الزميل حبيب فارس (سيدني- أستراليا) :
مَجَرّتُنا البيضاءْ

أيتها الملاك
الصّاعد شُهباً
إلى السّماءْ ،
لي عندك رجاءْ ،
ضمّي عنّي
بين جناحيك الدّافئينْ
ملاكي الصّغيرَ ،
قبّليها قبلتينْ ،
اهمسي في أذنها
أنك سفيرة الشّعراءْ ،
ستحبّكِ كما أحبَبْتُها
ستحبّك كما أحَبّتني
ستحبّك كما أحْبَبْتُكِ ،
ستعرفُ أنّها مثلكِ
لم تمتْ ،
حيثُ ستعلمُ أنّك
لا زلت تعيشينْ
في قلوب الأحياءْ
***
سقيتِ بمائكِ العذب
دجلة والفراتْ ،
ليرويا مقابرَ الرافدين
بالطغاةِ والغزاةْ .
ولمّا بكيتِ مصرَ
الفقراءْ ،
صنّعوا من دموعك
والآهاتْ ،
للكوليرا
الدّواءْ .
شكَرتْكِ أرضُ الكنانةِ
ولفّتْ بحبّها
نورَك الأزليّ
مُفنياً الفناءْ
***
هزمتِ هزائمَ
فحولة الشرق ،
بلا مدافع
بلا طائراتْ
بلا نفطٍ
بلا جنرالاتْ ،
بالحبر وحده
سجّلت الإنتصاراتْ .
فلا نساؤنا بعدك
عُدْنَ للغرب
ملح الدّعاياتْ ،
ولا قصائدنا
عادتْ أسيرةَ
القوالب والأبياتْ
***
نازكَ نورٌ
نزلت لتبعثي
فينا الحياةْ ،
وعروساً بيضاءً
صعدت تكحلين
بالأزْرَق
جفونَ سمائِنا
السوداءْ
***
نامي قريرة العين
مجرّتنا الجميلة
فنزولك كان إشارةَ
جلاء امبراطورياتْ ،
ولربّما أعاد صعودك
لمملكة الملائكةِ
الصّفاءْ ،
بعدما عكّرها
ظلامييو الشرق
والغربْ
على حدّ سواءْ ،
مذ نطقوا باسمها
وباسم الأنبياءْ .
ربّما أوحيت
لدجلة والنيل
للأردنّ والفراتْ ،
من العلاءْ ،
ليطهّروا من جديدٍ
بلاد الرّسل
من دنس أباطرة
الظُلم ، الظَلاميةِ
والظَلماءْ

وشارك معنا أيضا الكاتب الزميل ميلود بنباقي ( المغرب ):
الآن فقط تستحق اسمها.

مر القطار...سريعا كما يمر البرق في كبد السماء الواجمة. كما يمر الليل في زحمة الأحلام والنجوم الوارفة.
سريعا مر, و الليل يسألكِ: من أنتِ؟
فيجيبه الفجر نيابة عنكِ: أنا سركَ القلق. العميق. العالق في حلق الوجود صنارة صبار و نار.
لم يعرفكِ الليل , لأنكِ قنعتِ كنهكِ بالسكون. و لم تعرفيه لأنه تجرد من أسمائه الحسنى, و تعرى من استعاراته القصوى, و مما يستدعيه المعنى لاكتمال المعنى.
مر القطار...سريعا كما يمر الإيقاع في زحمة القصائد و التفاعيل. في زحمة الأضداد و حمى الحنين للمعلقات و نقع المعارك.
سريعا سريعا, كما يمضي الماء محتشما إلى أشجار الدفلى المتوهجة عشقا و شوقا لبيت ينوس رغبة للقاء بداياته الأولى.
مر القطار, سريعا سريعا...كما تمر الريح لمجاهل الروح, سائلة: من أنا؟
فتجيبها قافية ملقاة على قارعة الطريق: هي روحها الحيران/ أنكرها الزمان/ هي مثلك في لا مكان.
و يمر القطار, سريعا,صريعا,
و نبقى نمر و لا بقاء
فإذا بلغنا المنحنى
خلناه خاتمة الشقاء.
و إذا أخطأنا الطريق إلى المنحدر
خلناه سرابا ينذر بالبقاء.
يا شاعرة الحيرة, يا عاشقة الليل, مؤنسة الغرباء,
يا الوحيدة على شط الممات
أما زال في وادي الحياة بعض من حياة؟
هي أغنية
فلا تعجب من رحيلك
و لا تعجب من عويلك.
هي أغنية حب للكلمات
طرزتها خيطا خيطا, و نثرتها على القصائد و المواجع. فانفلت الشعرـ بحكمتهاـ من عقال القوافي القديمة, و راح يدندن بأغنية حزينة, متحررا من رق الناقة و سطوة الطلل.
آه, كم تيتم بعدك هذا الشعر, و كم أضحى غريبا رثاء من رحلوا !
و كم أضحى وحيدا خيط غسيل شدته أناملك لشجرة سرو قديمة, كان الرعاة يقيلون في فيئها مع قطعانهم و حكاياتهم الغريبة!
يا عاشقة الليل و واديه الأغن,
ها أنت وحدك على شط الممات
على شط النيل الأزرق. وحيدة كالسماء, كالملح في جوف الطعام, كالوحدة نفسها.
بعيدة عن عيون الفرات الزرقاء, عن أسماك دجلة. عن ضريح السياب , حيث تبرعم الجماجم في ذروة الحرب القذرة. حيث يزهر اللوز في عز الخريف, حيث تضوع روائح الأزهار البرية...حيث يرفرف عطر الصبا و تحن الذاكرة لمجدها القديم, لذاكرتها الأولى.
ساعة كسلى...
على جدران القاهرة
على حيطان الشوق
تدق بعنف على أبواب القلب المثخن بالأغاني. تحصي لحظات امرأة كانت بالأمس القريب, تلهو بأصنام الشعر العربي القديم. تفتتها حجرا حجرا, و تنثرها بيتا بيتا, لتعلي بأنقاضها صرحا يستظل بظله الشعراء.
ساعة كسلى...
تضبط عقاربها على هبوط مفاجئ, عنيف في دورة دموية تعبت من لم الحقائب . فاستعاضت عنه بلملمة الوقت على عجل, لتحشوه في حقيبة يد صغيرة, و تطوح به بعيدا بعيدا, لتخلد أخيرا لغفوتها الأخيرة.
ساعة كسلى...
تلاحق قطيع الوقت الهائم على وجهه في براري الكون و الملكوت. تسند رأسها للجدار و تغمض عينيها المتعبتين. فيفوتها القطار الأخير. يفوتها العمر. هي العمر بحاله و أحواله...
هي العمر البعيد.
و يتوقف دونها الزمن,
هي الزمن, و هي الزبد الطالع من لجة البحر .
هي الزمن المتوقف هنيهة للاستراحة, في نقطة اسمها: 20 يونيو 2007.
سئمت يا زورقي الرحيلا, فتوقف كي أترجل قليلا.
كي أعبر, حافية, إلى الضفة الأخرى من الروح و الوجع.
كي أتوسد ذراعي, و أغفو ريثما يعود الصيادون بشباكهم , من المنابع الأولى.
توقف قليلا, كي أتنسم ـ على مهل ـ هواء النيل, و أتذكر ما حصل في الليلة الفائتة.
أصغ إلى وقع صدى الأنات
في عمق الظلمة, تحت الصمت , على الأموات.
أصغ إلى نبض قلب عاش ثمانين حولا, فما سئم , و ما سئمت منه الحياة. لكنه قرر أن يستبدل نبضه بالصمت, و أن يستعيض عن اختلاجه بالهدوء المطلق.
يا حزن النيل الصارخ مما فعل الموت بأغنية,
بعاشقة,
بمتعبدة في هيكل لا تبلغه النسائم إلا عصرا.
ها هي الآن وحدها على شط الممات.
الآن فقط تستطيع أن تكتب أجمل القصائد و الأغنيات. الآن فقط دخلت محراب الشعر الحقيقي . الآن فقط تستحق لقبها بامتياز: شاعرة مجددة.
هي ماتت
لفظة من دون معنى و صدى مطرقة جوفاء يعلو , ثم يفنى.
هي الآن حية
هي الآن تولد ملفوفة في أبهى القصائد
مشرعة راحتيها لروائح الأهل و مواطن الحنين.
هي الآن تسجل اسمها في دفتر العائلة: نازك صادق الملائكة
هي الآن فقط...تستحق اسمها.

ووصلتنا أيضا ممتنين كلمة الزميل الشاعر موسى حوامده (الأردن):
تفعيلة شعرية كاملة
اجتمعت في نازك الملائكة العديد من صفات الريادة والعبقرية والإبداع، وهي التي جعلتها من أهم المبدعات العربيات في القرن العشرين إن لم نقل في العصر الحديث كله، فنازك شاعرة كبيرة حملت قصائدها تبشيرا بميلاد حركة الشعر العربي الحديث، وساهمت بشكل فاعل في ثورة الشعر الحر، وحتى إن كان هناك خلاف على الأسبقية بينها وبين السياب او البياتي أو سبقها شعراء عرب آخرون، لكنها كانت من أوائل من حرر الشعر من نمطيته، وجمود بحوره ورتابته العامودية، ضمن فهم واسع لما كانت تكتبه، وفق نسق التفعيلة العروضية التي انتزعتها من بنيان العروض التقليدي، والتي أحدثت تغييرا كان مطلوبا في بنية الشعر العامودي برمته، ولم تكتف بكتابة الشعر الحر، بل ظلت تمارس كتابة القصيدة العامودية، لكنها لم تتخل عن القناعة المطلقة بضرورة التجديد في كتابة الشعر العربي، وتنزيله من عرش القافية الخشنة والصعبة والنمطية، إلى طاولات المقاهي وأروقة الجامعات وكراريس الصبايا وزنازين المناضلين، وانفتاحه على الحياة اليومية، مع الحفاظ على موسيقيته وإيقاعه ووزنه وعدم تخريب الذائقة او تدميرها بشكل كامل، بل شاءت أن تحرك الساكن لا ان تدمر الموروث، وتثور حركة الأدب والشعر العربي، وتساهم في انتقاله إلى الحداثة، دون إحداث قطيعة كاملة مع الماضي.
كانت تؤمن بأن التغيير الجوهري يجب أن ينصب في الخلاص من نمطية البيت وليس من الايقاع او الموسيقى، ومع ذلك كتبت غالبية قصائدها على البحور الكلاسيكية، كأنها تريد توجيه رسالة تقول فيها أسعى للتغيير المدروس وليس الفوضى المطلقة، كان هذا فهمها ورؤيتها التي جسدتها في كتابها النقدي الأشهر قضايا الشعرالمعاصر، وكان لآرائها النقدية أفضلية لدى غالبية الدارسين والشعراء الذين تعلموا منها كيفية كتابة الشعر الحر أو دراسته.
هكذا اجتمعت أول صفتين هامتين في الملائكة الموهبة الشعرية المتدفقة والبصيرة النقدية، كل ذلك جاءت به نازك بينما كانت المرأة العربية لا زالت مترددة في الانخراط في الحياة الأدبية والثقافية والعامة، وفيما كانت ولا زالت الكثيرات يرزحن تحت أعباء القبلية والجهل والحرمان والأمية، وعبودية الموروث والورثة، ومن هذا المنطلق كانت المرحومة إحدى رائدات التحرر العربي وتثوير الوعي النسوي بلا ضجيج، ولا فقاقيع وصخب أجوف،
عملت بصمت وكتبت وابتكرت وابدعت بوعي كامل لما تقوم به في مجتمع عربي ينوء بأعباء الماضي، و ليس بأعباء القصيدة الكلاسيكية فقط بل وحتى في نظرته الدونية للمرأة وللادب وللقصيدة.
ومن هذا الباب تعتبر نازك الملائكة أول امرأة عربية شكلت تجربة كاملة في تاريخ الادب العربي لأن من جئن قبلها كانت تجاربهن محدودة، ولم يكرسن كل اهتمامهن لها من الخنساء الى رابعة العدوية إلى ولادة بنت المستكفي إلى غير ذلك من الشاعرات العربيات اللواتي بقيت تجاربهن على هامش الفحولة، ولم يشكلن اختراقا أدبيا ملموسا وبارزاً، كما شكلت الملائكة.
وما ميز تجربة شاعرتنا الكبيرة، كذلك حسها وشعورها العروبي المتدفق؛ فقد كتبت قصيدة اللاجئ وفق التفعيلة عام النكبة الفلسطينية، وكتبت قصيدة الكوليرا عن مصر، وكانت تؤمن بعروبتها وتكتب منطلقة من حسها العروبي وليس القطري، وهذا ما وسع مداركها أكثر ومنحها بعدا إنسانيا كبيرا، خصوصاً وأنها لم تكن حزبية بالمعنى السياسي بل عروبية بالمعنى الانساني الشامل.

وشارك معنا الزميل الصديق الكاتب ناجي ظاهر (الناصره- فلسطين) بهذه الكلمة:

اشارككم في احياء ذكرى الشاعرة العربية العراقية نازك الملائكة بعد رحيلها بفترة لا تزيد عن الاسبوع كثيرا، واحييكم على هذه المبادرة الطيبة لما تحمله من معاني التقدير والوفاء للادب العربي ولاعلامه. ان تكريمكم لهذه الشاعرة البارزة يعتبر مبادرة طيبة لعدد من الاسباب احاول فيما يلي ان اشير الى بعضها بايجاز:

أ- تعتبر الشاعرة نازك الملائكة واحدة من الرواد الاوائل في الكتابة الشعرية العربية الحديثة، صحيح انه يوجد هناك اختلاف طفيف حول من هو كاتب القصيدة العربية الاولى في شعر التفعيلة العربي الحديث، اهو بدر شاكر السياب ام نازك الملائكة، وصحيح ان هناك من يدعي انه لا هذا ولا ذاك هو من كتب شعر التفعيلة في شعرنا العربي الحديث، الا انه لا يوجد هناك خلاف على ان نازك الملائكة هي اول من حاول ان يُنظّر لهذا الشعر في كتابها الرائد" قضايا الشعر المعاصر".

ب- ان نازك الملائكة اعتبرت عبر حياتها المديدة واحدة من الاصوات المهمة في حركة الشعر الحديث، وكانت كل مجموعة شعرية جديدة تصدر لها حدثا ثقافيا يهتم به المثقفون العرب من المهتمين في الشعر في كل مكان تصل اليه هذه المجموعة. وقد لا ابتعد كثيرا عن هذه النقطة اذا ما استطردت قليلا الى انها كتبت للانسان العربي بما فيه الطفل العربي، ملامسة اعماق وجدانها الشعري الحي النابض بكل ما هو اصيل في الشخصية العربية.

ج- ناك الملائكة لم تقطع علاقتها بالثقافة العربية وبالتراث العربي، وانما هي اعتبرت ما كتبته دائما امتدادا للشعر العربي القديم وللقيم الجمالية والانسانية الذي تمتع بها هذا الشعر، ربما لهذا اعتبرها البعض ممن ارادوا للشعر العربي ان يكون مجرد صدى للشعر الاوروبي، دقة قديمة، ناسين او متناسين انه لا توجد هناك دقة جديدة لا تاخذ من رائحة الماضي، ولا تستلهم اجواءه.

د- ان نازك الملائكة عاشت ما عاشته من عمر في عالمنا الفاني هذا مكرسة نفسها للادب والشعر، مقدمة افضل ما امكنها ان تقدمه من عطاء في هذا المجال، في محاولة لا تعرف الكلل والملل، للمزيد من العطاء والتجويد فيما قدمته. انها شاعرة اديبة ومثقفة ادبية واجتماعية، قدمت كل ما ادخرته من قدرة على العطاء وعلى انارة شمعة في ليل الثقافة العربية، لهذا استحقت ان نقدم لها بعضا من الوفاء بعد رحيلها مباشرة، ولعلنا نواصل هذا التكريم لها ولامثالها، ليس باقامة الندوات والامسيات التذكارية وانما باعادة نشرما تركته من ابداع ادبي يستحق ان يقراه من يقراه منا ومن ابناء الاجيال القادمة ايضا.
لكم كل التوفيق.

كما وصلتنا من (بيرث- أستراليا) كلمة الزميل الكاتب وديع شامخ:

قبر المعلّمة البعيد ....قلب الشاعرة القريب

تقول نازك "سمعت ابويّ وجدي يقولون عني انني "شاعرة" قبل ان افهم معنى هذه الكلمة، والطريف في الامر أن الملائكة لقب أطلقه بعض الجيران على عائلتها بسبب ما كان يسود البيت من هدوء ثم انتشر اللقب وشاع وحملته الأجيال التالية. "
فأخلصت للشعر وكانت ملاكا حقا و" عاشقة لليل والرماد والموج والقمر.. ، كانت تغني للانسان وللثورة ، وللبحر حتى يغير الوانه ".

وكبرت نازك الملائكة وصار الحديث عنها يعني بالضرورة الأشارة بسبابة واضحة الى لحظة التحديث والتجديد في الشعر العربي المعاصر، اذ كانت هذه اللحظة عراقية الهوى شكلا ومضمونا ، إذ جاءت قصيدتها " الكوليرا"في أربعينيات القرن الماضي لتعلن بقوة عن السبق في ولادة شكل جديد للشعرالعربي، وان دار الحديث عن ظروف وتجارب لشعراء آخرين ساهموا في تهيئة المناخ العام لولادة هذه القصيدة" كما اعترفت هي في الطبعة الثانية من كتابها قضايا الشعر المعاصر" . لكن الحق تاريخيا وابداعيا يقول ان نازك وزملائها، بدر شاكر السياب والبياتي وبلند الحيدري قد شكلوا الحلقة الذهبية في مسيرة الشعر العربي، الذي اصطلح على تسميه بالشعر الحر أو شعر التفعلية.

أيّ عزاء نقدمه للمعلمة نازك في سيادة الموت المجاني في عراق صباها وبواكيرها ونضجها !!
أي موكب مهيب يليق بتشييع الملائكة غير قلوبنا التي ترفرف تحية لتلك النخلة العراقية الغريبة في أرض الكنانة!؟
أي عار سيحلّ بدعاة الجمهورية الجديدة ونازك دفنت هناك دون ان تتلمس فرحة تموز بشمّ نسائم ثلجية!!؟؟

ووصلتنا أيضا مشاركة الزميل الكاتب أوزان يشار ( مصر):

عندما يغادرنا العظماء من المبدعين أمثال نازك الملائكة , فهم يتركون ورائهم نجم مضيء في الفضاء .. هذا النجم هو خلاصة من أرث تجاربهم و كفاحهم و آلامهم و نصائحهم, نجم يضيء لنا الطريق لكي لا ترهقنا العتمة.. نجم يلهمنا بأن نسير و نستمر مهما أرهقتنا سياط الحياة.. نجم يذكرنا بأنة دائما سيكون قريب منا متى احتجنا إليه و نازك الملائكة ستكون دوماً نجمه ساطعة في سماء الأدب العربي و العالمي فليبارك الله روحها و ليمنحها الحب و السلام كما منحتنا هي في حياتها عطرها الخالد.
Dig in your yesterday
To seek your tomorrow way
Memories are sculptured in our soul
As hard as engraved words on a stone
And no future wind shall make our memories vanish
Because, it is so deep to the bone


ومن (ملبورن أستراليا) وصلتنا كلمة زميلنا الشاعر ذياب مهدي آل غلام:
الملائكة ترحل فيحتضنها عرش الله، ترحل الى السماوات وشعب العراق مثقل بالأعباء، مشرد القلب.
تعرج الى السماء ممتطية براق الشعر الحديث، وقبل الرحيل كانت قد كابدت الاتهامات الرجعية الفكرية، وتخطت سائرة نحو التجديد رائدة فيه كشاعرة مبدعة من ارض الرافدين، من الواقعية الى الواقعية السحرية. كتبت في سفر العشق الوطني، وتصوفت بحب العراق، ولا شىء غير الحب له والله .
كنا صغار الوطن ننشد لنازك الملائكة روائع قصائدها بعيدا عن السطوة الجهنمية للقرون المظلمة التي كانت تخيم على العراق ولا تزال، فاشعارها كانت التحدي لأمرأة الرافدين، كبرنا فكنا نبحث عن الاسلوب المعاصر في تطبيقات الملائكة الشعرية بقدر ما أجادت بها روح الماضي الحي الذي اعطاها نظرة طلائعية وريادة، هي حاملة لوائها وصاحبة شراع مركب الشعر الحديث للقصيدة العربية فكانت في ركب السياب والبياتي والحيدري وسعدي يوسف ولميعة عماره والاجيال المتعاقبة، ومن يا ترى يقوى على ان يتحرر نظريا وعمليا من دون ان يدفع من دمه واعصابه ضريبة التقدم بمركب الشعر في مياه جديدة حيث غربة شراع الشعر العراقي الحديث في المنافي. هكذا ترحل الملائكة مهجرة ومهاجرة من الوطن والبيت والطفولة والذاكرة لكنها لن ترحل من تاريخ العراق والعالم العربي.

وطننا، جراحنا، احزاننا، والآن رحيلك نازك، تكبر الحواجز يوما بعد يوم بين الانسان وأخيه، تغرز الأوتاد وجدران الكراهية. خوفا، رعبا، وسفك دماء، كثرت علامات الاستفهام، وترحل الملائكة، ويرحل معها التحدي الانثوي للمرأة العراقية، أين هي نخلة العراق، سؤال لو يجيبني أحد عليه...

ومن هذا المكان يحيّي التجمع كل الأدباء والكتاب والمثقفين في العراق وهم يواجهون بأقلامهم المبدعة الاحتلال وكل أنواع الارهاب، وأشكال الصراع الطائفي. ويبقى العراق خيمة لكل أبناء العراق في الشمال والجنوب.

وفي الختام أكّد التجمع في كلمة قرأتها الشاعرة، وسكرتيرة التجمع رهام مارون (كوينزلاند- أستراليا) جاء فيها:" يبقى الكتّاب والأدباء في كافة أنحاء المعمورة الواجهة الحضارية لبلدانهم ويبقون اينما حلّوا هم سفراء الكلمة الشريفة ورسلا للانسانية، وتجمعنا الثقافي هنا يحيّي صمود المبدعين في العالم، الذين يعانون ويواجهون المشاكل بجميع أنواعها.

وفتح باب المشاركة أمام الجميع ليشاركوا في الذكرى السنوية الأولى للراحلة نازك الملائكة التي ستقام يوم في 21.6.2008 إما بالمشاركة الفعلية حضورا، أو بارسال المشاركات عن طريق البريد الالكتروني rihamrhm@hotmail.com.

في الختام قامت المبدعة الموهوبة مارلين مارون مشاركة مع الموهوب نزار صليبا (لبنان- كوينزلاند) بقراءة مقتطفات من قصائد الراحلة، وقد قامت في تصميم لوحات القاعة والدعوات الفنانة التشكيلية إليكا فينوفيست (ألمانيا- كوينزلاند).
ودمتم جميعا للكلمة الصادقة النابعة من القلب.
الشاعر سعد حمزة والكاتبة دينا سليم عن التجمع الثقافي لولاية (كوينزلاند) الأسترالية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,684,350,271
- مطلوب حارس شخصي
- ردا على مقال الزميلة رائدة الشلالفة
- صانع الاحتجاجات – باسم فرات
- عيني تمطر خجلا
- بحثت عن أدونيس وقاسم حداد
- صدور (تراتيل عزاء البحر)للأديبة دينا سليم
- عيد البيض
- عيد الأم أشعر أني ملكة
- الثامن من آذار
- قبعتان وغمزة
- طائرات العيد
- هل بقي ما نحتفل من أجله !
- قصة قصيرة-المُهرج الباكي
- المرآة الهشّة لا تخفي الحقيقة
- (عقارب) قصة قصيرة
- كائنات في الظل
- اللوحة الخالدة
- صندوق بريد
- لماذا لا تبكي جدتي
- عيون الليل الحزين


المزيد.....




- جطو يعرض حصيلة مجلسه أمام مجلسي البرلمان
- عكس ماتم الترويج له: محامي البيجدي استقال من الحزب منذ يومين ...
- لماذا تكرر السينما المصرية نفس الوجوه؟
- الفنان المصري خالد النبوي يجري عملية في القلب
- عطاف النجيلي فنانة تشكيلية من غزة
- غوتيريس يستقبل بنيويورك عمدة مدينة الحسيمة
- سيدات الحكومة اللبنانية الست.. جمال وثقافة (صور)
- اعلامية كويتية تهاجم فنانة عمانية بسبب صدام حسين
- فيلم -ولد في سجن إيفين- .. تجربة شخصية لمهاجرة من أصول إيران ...
- تركي آل الشيخ يعد السعوديين بأفراح زاهرة.. -حتى لو الصحه مش ...


المزيد.....

- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني
- ديوان " كسارة الأنغام والمجازات " / السعيد عبدالغني
- أثر التداخل الثقافى على النسق الابداعى فى مسرح يوهان جوتة / سمااح خميس أبو الخير
- زمن الخراب (رواية) / محمود شاهين
- طقوس الذكرى / عبد الباقي يوسف
- مسرحية -كلمات القرد الأبيض الأخيرة- وجدلية العلاقة بين الشما ... / خالد سالم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دينا سليم حنحن - حفل تأبين نازك الملائكة في أستراليا