أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دينا سليم حنحن - لماذا لا تبكي جدتي














المزيد.....

لماذا لا تبكي جدتي


دينا سليم حنحن

الحوار المتمدن-العدد: 1648 - 2006 / 8 / 20 - 11:05
المحور: الادب والفن
    


أتيتُ الى العالم بلا مساومات، هكذا وبدون مقدمات، ولدتُ دون اختياري في منتصف الطريق على طول زمن الترحال. خبأتني جدتي بعباءتها وكبرتُ في حضنها أتخبط بأريج رائحتها. تزعزعني الأيام تسافر بي السنوات فترديني قتيلة الذكريات.
الهبتني بكلماتها، أودعت داخلي سر الكينونة، وهبتني ما تحتاجه كل امرأة تتحصن الحياة، علّمتني ان للوجود شروط وللهروب شرور .
ما دمتِ حية يجب إجادتها...أي الحياة .
استذكر نصائحها كلما خَطرتْ على بالي وكلما خطوتُ ميلا آخر في سبيل الأقدار .
الحياة يا صغيرتي كشلّة صوف ان أتقنتِ التعامل معها فلن تتعقد ...
وإن تعقدتْ أمامي ماذا أفعل؟
لا تفعلي أي شيء الا التّعلم من التجارب فتتحصن خطاكِ ، إياكِ والهزيمة...
عندما رحلنا من بيتنا العتيق لم تستطع جدتي النوم ليال طوال، المحها تنتقل من جدار الى آخر ومن غرفة الى أخرى، تسند جسدها الواهن تارة وتارة تقف مشدوهة وسط دارها الجديدة تستذكر القديم الذي تركتهُ هناكَ بمعية رائحة الأحباب، رائحة العبق القديم الذي نام في حضن السنوات.
تترك بيت العز دون شكوى أو ملامة فتنال المزيد من ثنايا الأفكار فتتراكم داخل رأس أمتلكهُ الشيب ، لم تكف عن البحث، وكأنها تحاول شمّ رائحة بخور الأعزاء، تنتظر انتشاره من بين الثقوب فلا يأتي أبدا، تعلّق نظرها على صور الأحباب، تطيل النظر تتعاقبها تنهيدة حزن غائرة ...غاب عنها العبق والبخور في آن .
لم تترك مجالا للحزن ولم تسمح بأن يشفق عليها احد، تتظاهر أمام الجميع بالقوة وما كان يضاهيها أحدا وهْنا وضعفا.. لم أرها تبكي .. استحالت دموعها الى ابتسامات وعيونها البراقة الى تحدّي ... طالما تساءلتُ :- متى تبكي جدتي !؟ ولها آلاف الأسباب للبكاء !
أرملة تعيش وسط بناتها الخمس، بعد سنوات اليتم الحقيقي، تذكر أمها الشابة يغطيها السواد ما يلبث أن يتبدل الى ثوب ابيض يخفي داخلهُ طيفها ويبتعد بلا رجعة داخل الضباب.
أمضت جدتي عمرها وهي بعيدة عن أهلها وذويها ، تفقد بنتا وابنا، تتناوب عليها أفكار رجعة جدّي الذي ذهب في صومعة الحرب الخاسرة ، بعد رحيلها تورثنا ذات الأفكار فبتنا مثلها تماما نتناوب انتظار رجوعه حتى اضمحل الانتظار وتحول الى عادة سيئة ، انتظار اللا شىء...
أذكر يوما حملوني به الى المستشفى ،عشتُ غيبوبة الأربعين ، فتحتُ جفناي الثقيلان أسأل عن سبب مجيء الكاهن وعن سبب صلاة الوداع، تنهمر الدموع عليّ كالطوفان تغطي وجنتيّ الشاحبتين تودّع طفلة تفارق الحياة ، تصل اليّ حارقة تلهبني حرارة ما بعد الجمود فتزهق روح عزرائيل، استفقتُ من غيبوبتي متسائلة: أين هي دموع جدتي !؟
انهمكتْ تطعمني قطرة تلو القطرة بواسطة إبرة استعارتها من احدى الممرضات حتى قويت عظامي ونما عقلي .
وكانت حرب الستة أيام أجد نفسي داخل عباءتها ، تغطي وجهي بمنديلها وكأنها بهذا تحجب نيران الحرب عني، اسمع دقات قلبها المتسارعة، المح وجهها الشاحب وبيديها المرتعشتين تهدىء من روعي تبقيني في حجرها ساعات طويلة بينما يتسرق الى أذنينا ولولة النسوة وبكاء الأطفال المرعوبين ... إلا جدتي لم ألمح لها دمعة بل هي نظرات الوقار والقوة، الصبر والتحدي .
ضبطتْ نبضات قلبها عندما رأتني أتوسط نساء الحارة ، يعانقنني بنشوة الحنين مودعين خطاي الى منهل العلم . ما زلتُ أذكر دموعهن الممزوجة بطعم الحبور... لم أرَ دموع جدتي، كل الذي أذكرهُ حضنها الدافىء وصدرها الخفّاق الذي احتواني حتى فجر مغادرتي.
وجاء يوم مغادرتي البيت الى الأبد، من خلف طرحتي البيضاء بحثتُ عن دموع جدتي لم أجدها ولم أجد لها دموعا .. وحتى الآن اتساءل، اين كانت جدتي ؟
جاءتني بعد سنة تدللني كقطة تطعمني بيدها وتناولني فلذة كبدي، تدربني على حملهِ وكيفية اطعامه. تبتسم لطفل عمري تتسع ابتسامتها كلما رأتني سعيدة به، تحيطنا انا والطفل معا فحضنها يتسع الجميع فهي أرض الوطن تجلس القرفصاء على البسيطة تتربع بشموخ وكبرياء، تومىء اليَ بنظراتها الحنونة تدعوني الى كنفها كلما احتجتُ لها .
وكانت صدمتي الاولى بدموع جدتي التي خلتها لا تبكي أبدا، تذكرتُ للحال شلة الخيطان التي تعقدت وتعددت عقدها فبدت كمعضلة لا حلّ لها . دموع جدتي تخترق ذاكرتي ودموع طفلي تكويني وتحرق قلب الأمومة داخلي، كلما نظرتُ اليهِ يتململُ وجعا ويولول ألما .
أيقنتُ أن لجدتي دموعا... دينا سليم Australia
[email protected]




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,025,316,015
- عيون الليل الحزين
- السماء لا تمطر أقنعة
- وتر بلا عازف
- استسلام بكبرياء
- ناطحة سحاب وبرج حمام
- وفي قلمها ينطوي العالم الأكبر...!!!
- ناجي ظاهر بين التفاؤل والحزن والتعلق بالمكان
- في يوم المرأة العالمي وعيد الأم أناجي أمومتي
- لماذا نخفي رؤوسنا ونغمض أعيننا أمام الشعارات الزائفة
- امرأة من زجاج
- لا تنزع عنكَ أبدا قناع الحرية
- دموع الشموع
- * هل جاء (الحلم المزدوج) ليكون للحقيقة لسان ؟


المزيد.....




- المغرب ورواندا يوقعان على اتفاقيتين للتعاون الثنائي
- 160 مليون درهم لصندوق التكافل العائلي في مشروع قانون المالية ...
- أبرز الصور الفائزة في المسابقة الدولية للتصوير الفوتوغرافي 2 ...
- مذيع الأخبار التلفزيونية.. جديد محمد كريشان ومعهد الجزيرة لل ...
- مجلس الأمن: الراديكاليون في روسيا ينشطون في نشر الإسلام بين ...
- 10 أفلام تثير مخاوفك كلما شاهدتها رغم عدم تصنيفها في فئة الر ...
- حبيب يوجه إهانات لماكرون باللغة العربية بسبب النبي محمد مع ص ...
- تبدو الحياة طبيعية.. عودة المشهد الموسيقي إلى نيوزيلندا في ظ ...
- مشروع فيلم مغربي يفوز بالجائزة الكبرى لـ-منصة الجونة السينما ...
- فيلم مصري يفوز بجائزة السعفة الذهبية بمهرجان كان


المزيد.....

- جورج لوكاتش - مشكلات نظرية الرواية / صلاح السروى
- أثنتا عشرة قصيدة لويس غلوك / إبراهيم الماس
- أنطولوجيا مبارك وساط / مبارك وساط
- على دَرَج المياه / مبارك وساط
- فكر الأدب وادب الفكر / نبيل عودة
- أكوان الميلانخوليا السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- التآكل والتكون السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- رجل يبتسم للعصافير / مبارك وساط
- التقيؤ الأكبر السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- الهواس السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دينا سليم حنحن - لماذا لا تبكي جدتي