أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - المنصور جعفر - نقاط من تاريخ الثقافة الرأسمالية في بريطانيا، بعض تفاعلات الدين والعلم والسياسة















المزيد.....



نقاط من تاريخ الثقافة الرأسمالية في بريطانيا، بعض تفاعلات الدين والعلم والسياسة


المنصور جعفر

الحوار المتمدن-العدد: 1967 - 2007 / 7 / 5 - 08:00
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


مـقـدمـة:
هذا المقال الثنائي الخفيف يتناول بعض النقاط من تاريخ الثقافة الرأسمالية في بريطانيا، من خلال فحص تفاعلاتها وجدلياتها في مجال معين، وهو مجال التعليم ونسق "التعليم العالي" خاصةً بإعتباره المبلور العام لأعظم المقومات (التحتية) أو الأساسية في المعرفة البشرية وفي الثقافة (الإجتماعية) ومدى توجيهها بهذه السياسة أو تلك إلى حالة معينة سياسية وغير سياسية، بشكل يتصل فيه التوجيه السياسي للمعرفة والتعليم في بعض جوانبه بثقافة الدين وطريقة أو أسلوب طرحه في المجتمع و في الدولة، كما يتناول هذا المقال الثنائي بعض النقاط من تاريخ الثقافة الرأسمالية في بريطانيا إلى جهة التصورات العامة عنها والتقديمات المأدلجة لها في بعض الكتب السائدة عن التاريخ الأوربي والبريطاني من ناحية ومن جهة الوقائع والحوداث التاريخية الفعلية المتصلة بها من ناحية ثانية ومن جهة تقييم هذا كله في ناحية ثالثة ناتجة بحث الجهتين السابقتين وصولاً إلى نفي وإلى توكيد بعض الملاحظات حول هذه الظاهرة المجال كمقدمة لبحث أوفى:


تنويه : بعض أسماء الأعلام مكتوبة بنفس أسلوب كتابتهاالقديم الوارد في مراجع هذه المقالة



المقال الأول:

نقـاط من تاريخ الثقافة الرأسماليـة في بريطانيـا، بعـض تفاعـلات الديـن والعلم والسياســة


تشكل بريطانيا في الوقت الحاضر إحدى الأقانيم العظمى لدعاوى المدنية والحريات والأخذ بالأسباب العلمية للتقدم الإجتماعي، وهي دعاو قيمة وفاضلة إلا من تثريب واحد قد يؤخذ عليها هو الظن الذي يواشج بعض المتصلين بها وإعتقادهم به في ثلاثة أشياء:
 الأول: الإعتقاد بان هذه الحريات والعلوم قديمة.
 الثاني: الإعتقاد بإن هذه الحريات والعلوم أساس (للرغد) الذي تعيشه بريطانيا مقارنة بدول العالم الثالث الجاهلة الديكتاتورية
 الثالث هو الإعتقاد بأن هذه الحقوق والحريات، الجاري تقليصها، هي أساس العلم والتقدم التكنولوجي المشهود في هذه البلاد.
ولغرض دعم النواحي الثقافية في الحركة النقابية ودعم النواحي النقابية في الحركة الثقافية يحاول هذا المقال إيضاح بعض الحقائق التاريخية للتطورات التي واشجت مدنية بريطانيا وحرياتها وتمحيص العناصر الأولية والمجريات العامة لهذه التطورات وبعض التشكلات التي تبلورت بها، بتركيز أشد على مجرى نمو حركة التعليم.


البدايات الأولى الصغيرة:
كانت بيريطانيا وسطاً في المعركة الطويلة بين جنوب العالم المتحضر وشماله البدوي فمرة تقع سيطرة الفايكنغ سكانها القدماء الأوربيين الشماليين ومرة تقع تحت سيطرة الروم إلى أن جلوا منها مع بدايات إنهيار إمبراطورية روما في القرن الخامس الميلادي حيث تركوها لقمة سائغة للفايكنغ، بكل القلاع ومعسكرات التدريب التي اقاموها فيها. وغرقت الجزيرة من ثم في لجج نزاعات القبائل والقوميات إلى سنة 1066 حيث إحتلتها جيوش الملك الشمالي (النورماندي) القادم من فرنسا وليام الفاتح، الذي رصد نفوسها ومواردها في كتاب تعداد عم كل بيت و قرية وصقع حتى سمي كتاب يوم القيامة من شدة حصره، وسهل الحكم الجديد نشاط الدعوة المسيحية في ذاك الزمان الذي كان فيه الناس على دين ملوكهم. ومن ذلك بنيت كنائس وإرساليات إهتمت بتعليم مبادئي الدين بما في ذلك من قراءة وكتابة وحساب بسيط، وقد وجه الفقراء جداً من الناس أبنائهم إليها لما توفره من سكن دافي وغذاء وحياة آمنة ومكانة معنوية في مجتمعهم، اما الفقراء والأقحاح فقد قبعوا يفلحون الأرض يتعلمون الزراعة من أبائهم ويرثونها إلى أبناءهم، مضافة إليها مشقات الحياة الجديدة وتكاليفها الزائدة في ذلك الزمان الإقطاعي العصيب الذي كان من الصعب فيه على الفرد الخروج من أرض الإقطاع ولو إلى السوق إلا بإذن الإقطاعي سيد الأرض.

وإلى جانب الحياة الزراعية كانت حرف الإصطناع متجمعة في بعض البلدات والقرى الكبيرة وأهمها ما كان في منطقة "لندن" التي كانت السوق الخلفية الموازية لمنطقة ومدينة كانتربري العاصمة الإدارية والدينية لبريتينيا في ظل الإحتلال الروماني، وفي لندن مع جيوش الحرفيين والتجار اليهود والفرنسيين النورمان القادمين مع الملك وليم الأول، نشأت الحرف والصناعات إختص فيها كل بجانب من المدينة السوق (= (City التي لم تتجاوز مساحتها -حتى الآن- ميلاً واحداً مربعاً كان النشاط والتعليم الحرفي يتخذ فيه سماته المهنية – العائلية في منشط وفق شخصية ونشاط صاحب الحرفة وعلاقاته وذوقه المهني والإجتماعي وحسه التجاري.وفي الناحية الدينية والناحية المهنية من التعليم والتدريب لم يكن هناك نظام واحد سوى التقسيم الثلاثي المعتاد منذ القديم لمراحل التعلم أولي ووسط للأطفال والصبيان وتعليم (عال) للفتيان والشباب وقتكانت المناهج مختلفة زماناً ومكاناً حتى بالنسبة للتخصص الواحد إلا قدر من العموميات مشترك.


البدايات الكبرى:
بأثر إحتكاك الأوربيين الجديد بالعرب في الأندلس وفي شرق المتوسط الحروب الصليبية نشأت جماعة كجماعات الإسماعيلية و إخوان الصفا سميت جماعة فرسان ذوالنون القدس St. John’s Knights of Jerusalem وأصلها من الجماعات الصوفية المسلمة واليهودية التي سادت في الأندلس وفي صقلية وقبرص التي بدورها كانت مراكز العبادة االأوربية القديمة ذات الأصول النوبية وأشكالها المصرية والبابلية واليونانية إضافة إلى تراث الأوربيين القديم حيث جمعت هذه الجماعة في شأنها وشؤون أفرادها بين الزهد والتصوف وبين الحركية العسكرية والحركية المدنية تحمي الحجيج وتشغل أموالهم وتساعد الكنيسة في أمور الخير كبناء الكنائس وإعالة بعض الأيتام، مثلما كانت كانت تقوم بنقل الخبرات المهنية والعلمية والعملية التي تصلها وتعيد غرسها بين الكادحين وأرباب الحرف في المدن والقرى الأوربية حسب ظروف كل، ومن تلك الجماعة نبتت كثير من الجماعات الإصلاحية أهمها حركتان حركة إخوة القديس فرانسيس وحركة الأخوة القديس دو مينيكان، وبفضل رواد الجماعة الأولى ورعاية الحركتين تأسست في باريس حوالى سنة 1200 أول (جامعة) في أوربا، وكان الطلاب الإنجليز ينهلون فيها من العلم الذي لم يكن يتجاوز آنذاك سوى إحكام الدين، واللغة اللاتينية، وبعض الحساب والهندسة والفلك،بفلسفة ما وكان ذلك شيئاً مهولاً بالنسبة للأوربيين في ذلك الزمان.


العالمية:
كانت المسيحية حسب الإعتقاد الأوربي أو بالأصح حسب الإعتقاد الرومي لها هي العقيدة النفسية والفكرية المهيمنة على الأذهان وكانت لغتها في أوربا هي اللغة اللاتينة مزيجاً من بعض اللهجات الإغريقية والرومية القديمة، وهي اللغة التي أضحى عليها الكتاب المقدس والإيمان، وبها تم التصريح بنشاط التعليم والتعلم، مما جعل التعليم عالمياً في كل وطن له في أوربا ذاك الزمان، كما إن التعليم نفسه لم يك متصلاً بشان الدولة، حين لم يكن شانها سوى دفع بعض الضرائب إلى الكنيسة وتحقيق السعادة للملك أو الملكةكما لم يكن التعليم متصلاً بشركات ونقابات العمل القديمة وطوائفه، بل كان شأو نفسه إلا من تدقيقات الكنيسة وسلطة الدين التي كان بعد التعلم وإستقلاله عنها من مستدعيات الشك فيه وتكثيف الرقابة عليه بدعوى إن كل شيء كان واضحاً ومبيناً في الكتاب المقدس من أصل العالم وأطوار وفصائل خلقه إلى كثير من تفاصيل يوم القيامة حيث الظلال الوارفة بلا شمس والأشجار المثمرة بلا أكسجين والأنهر الجارية بلا قوانين للجاذبية ولا جغرافيا للعلو والإنخفاض والجريان، كما كانت الممالك والحروب والمجاعات والمظالم الإجتماعية أقدار مقدرة لا مجال فيها لتحرر وطني أو حروب أو مباحثات سلام، أو تنمية متوازنة، فالدين موضح شامل كامل.


التحول من البسيط إلى المعقد:
مع تقدم نشاطات ومعارف الإنسان ذبلت مهمة الدين في التعريف بحقائق الكون والأرض والمجتمع وزادت مهمة تنقية النفوس ودفعها إلى فعل مزيد من الخيرات بالمساندة والتصبير تارة وبالوعظ والإرشاد تارة أو بالعنف اللفظي والبدني تارات أخر مما كان بسيطاً في تناوله لعدد من الأفراد من جملة عدد السكان، إلا وقائع كبرى. وقد كان رجال الدين ونساءه ينقون أنفسهم من دنس الدنيا ويحافظون على طهارتهم من رجس مالها بالإنغمار في الخلوات والفلوات والنسك في الصوامع بعيداً عن أرجاس ومشكلات القرية والمدينة.ومع عزلة النساك والرهبان فإن خطوط التنظيم الإجتماعي والسياسي كانت واضحة آنذاك: فهناك التناظيم الإقطاعية الكبرى حيث لكل سيد مساحة معروفة من الأرض يتصرف فيها وفي البشر العالمين عليها إلى مقتضى دفعه المبلغ الذي لأجله منحت الأرض للسيد، كما كانت هناك التنظيمات الحرفية والمهنية وما يتصل بها من أمور وراثة المهنة أو التدرب عليها، ولم تلك لهذه الأمور مشكلات وحاجات معقدة بل كانت هناك المشكلات المألوفة المختلطة بشكل هذه التنظيمات مثل مشكلات الرئاسة والزعامة، وتواقيت ومقادير الضرائب، وتجدد التمويل، ونوعية الطمأنينة أو الأمن المطلوب للدولة ككل أو للحرفة أو لمجموع الحرف التي كانت روابطها الصناعية والإجتماعية والتجارية والأمنية والتعليمية تشكل عصب الحياة في المدن وأشباهها. وقد كانت الحياة الأوربية في جملتها حياة بسيطة، قليلة السكان والحاجات، تضربها مع البؤس ويلات المجاعات والأوبئة مثل كل المجتمعات المتخلفة، ولكن أوربا على صغرها وضعفها كانت بلاداً كثيرة الحروب من كثرة الأمراء والملوك الذين كانت ممالكهم مزجوة لهم بمقتضى (الحق الإلهي) الذي حكم به شارلمان أوربا ببركة البابا خاصة بعد تحالف شارلمان والخليفة هارون الرشيد، وكذلك تحالف شارلمان والبابا ضد أعدائهم المشتركين الأمويين في أسبانيا والجرمان في قلب أوربا حيث أضحت أوربا بشعوبها حقاً لورثة شارلمان ولمن نازعهم فيه من الملوك والأمراء المحليين وأولادهم ولم يزلوا يتنازعون فيها.

وفي واحدة من تلك النزاعات بين فروع الشجرة المالكة حدثت بين الملوك الإنجليز والفرنسيين، طرد الطلاب الإنجليز من جامعة السوربون (باريس) التي كانت تضم خمسون كلية شر طردة فقدموا خاسئين إلى منطقة العبادة والتعلم القديمة في أوكسفورد وهي درة ومحفل طبيعة على ملتقى طرق وتلال الجنوب والغرب حيث (أعلن) تأسيس كليات باليول Balliolوميرتون Merton حوالى سنة 1263 وبعد قليل من الزمن إندفع بعضهم ساخطاً إلي منطقة كيمبردج الأقدم وهي أيضاً درة وكلمة سواء بين طرق الشمال والشرق حيث أسسوا فيها كلية بيترهاوسPeterhouse و لم يعلنوها إلا سنة 1284 وكانت كل منهما تبعد عن لندن حوالى خمسين ميلاً، وأضحت كل واحدة من المنطقتين الواسطتين قبلة لبعض أهل جهاتها المهتمين بالتعليـم فمن جنوب إنجلترا في كنت ومناطق ويلز في الغرب إتجه بعض الطلاب إلى أوكسفورد، بينما إتجه من الأنحاء الشمالية في نوريش ومن جميع شرق إنجيليا بعض الطلاب إلى كيمبردج، وكانوا أجمعين قلة قليلة، حيث لم تكن ماهية أو قيمة التعلم الجامعي آنذاك معروفة لأكثر الناس، بل وفي داخل كل منهما لم يك الفرق واضحاً بين الجامعة والمدرسة.


الـفـقـر أساس التعلم:
في تلك الأمكنة المقدسة في الإعتقادات (البريطانية) القديمة جداً كان الفقر بمعناه الروحي الكريم، كتواضع إنساني وغنى بالمعرفة وحب المعرفة والحكمة عن طلب الملذات والشهوات بل وإستغناء عن كثير من أمور الحياة وإفتقار إلى عِزة الله بالسمو عن الذات والإستغراق فيها، كان الأساس الايديولوجي للتعلم، ولم يك للطلاب أو لأساتذتهم بشكل عام سوى رغبة التعلم والتعليم هذه ولم يكونوا يملكون أي شيء مادي يذكر، فالطلاب وأساتذتهم لم كانوا غالباً من النجباء من أبناء العمال والحرفيين والسوقة Citizens الذين إنتقلوا من تشاركيات وشركات الحديد والفحم والنجارة والنحاس والغزل والنسيج والخياطة والجلود...إلخ إلى شراكة أو شركة "الكلمة" على حد تعبير جورج ماكلوي ترفيليان.

وفي محاضر الحياة لم تكن دعوة الفقر هذه آيديولوجيا التعليم بل كانت فقط إديولوجية له: فالدافع إلى التعليم كان تياراً جامعاً لعدد من مجريات الحياة في نفوس الطلاب فمنهم من دفعه تقود الروح إلى الخروج من أسر ورتابة الحياة المهنية، مستجيراً من الرمضاء بالنار، ومنهم دفعه الطموح إلى شغل مهنة بعينها لأمر يعتقده فيها وكثير ما يخيب هذا الإعتقاد، ومنهم من دفعه الطمع لمكاسب الدنيا وجاهها وأموالها لم يدر إن أكثر الناس فيها خاسرون، ومنهم من دفعه الفضول الدني أو الفضول السامي إلى الدخول إلى هذي الحالة أي بقصد الإلمام والكسب المعرفي بتحصيل مواد معينة و(ملء) الذهن بها أو بقصد الإرتقاء الذهني من تراجيديات الإبهام والإيمان إلى سماوات (التأمل) و(البحث عن الحقيقة) وتطلبهما عمليات الملاحظة والتعيين والفرز والتنقيح والتمحيص لركام المقولات والأشياء وتسطير أسس ونتائج النظر ونقاش فروضه وخطواته ونتائجه بقواعد الطرح والإضافة والقسمة والمضاعفة مما لم تلك أساليبه قد وضحت وتمتنت حتى منتصف القرن التاسع عشر!! ولعل خبرة الحياة جعلت كثير من الفرسان والنبلاء في ذاك الزمان الإقطاعي يظنون أنفسهم فوق التعلم الجامعي والجمعي مكتفين عنه بما عندهم من معارف ومهارات تلقوها في شكل خاص بواسطة أساتذة مخصوصين لهم، مضافاً إليها مهارات الصيد والمبارزة والتنشين، واللباقة مع النساء، ولعل أكثرهم في ذلك المناخ الريعي كان مستغنياً بثروته أو بسلاحه عن تلمذية وطفولية الإنصياع في سن الفتوة والشباب لأوامر ونظم تجمعهم مع بعض بؤساء صغار لأجل تعلم (أمور بسيطة واضحة)! ولكن بتآكل مقومات وفوائد النظام الإقطاعي وتفتته بالوراثة والحروب والمصادرات والضرائب، والهجرة من أريافه إلى المدن، وإنفتاح التزواج بين بنات وأبناء النبلاء وكبار الحرفيين والتجار، وإزدهار المهن العملية والعلمية تآكلت أسس هذه المقاطعة وأضحى الجميع في حاجة إلى قسط من التعليم المنظوم.


الحياة العلمية:
كان التعليم العالي في بدايته تلك بأئساً فقيراً في طلابه القليلي العدد يرسلون إليه من سن الرابعة عشر إلى الواحد والعشرين، بلا مال كاف، وقت كان المال بحد ذاته عملة صعبةً جدا، فكانوا يعتمدون لجمعه الكريم والقبيح من الوسائل، وكان التعليم فقيراً في مساكنه وداخلياته ففي كل غرفة مما تركه النساك أو الفرسان لسكن الطلاب كان هناك ستة طلاب أو أكثر، وكان الحساء هو الأدام، بينما كان الدفء في هذه البلاد الباردة إمتيازاً، وكانت قاعات الدرس خاوية بلا مقاعد أو مناضد للكتابة، وكان التعليم نفسه فقير المحتوى يتم بأسلوب التلقين والضرب، يقرأ الأستاذ ويصيح التلاميذ مع قرآءته رضىً أو هرجاً، وكانت المناقشة جريمة، أما السؤال عن كيفية تحقق أصل الشيئ فقلة أدب، إضافة إلى أشكال وألون من العقوبات المؤذية لجسد الطالب وإعتداده بنفسه.

إضافة إلى اللاتينية لغة الدوائر السياسية والدينية كان تدريس المنطق الأرسطي أي ترتيب الأشياء وفقاً لوضعها في الطبيعة ثم في الذهن :الأساسي من الأشياء فالثانوي، والضروري ثم الكمالي، والسبب قبل النتيجة، والجدل بين المتناقضات وحركية الأشياء وإنتقالها من البسيط إلى المعقد والكثيف وتحول التغير في الكم إلى تغير في الكيف والصلة بين التسمية وأصولها في الشيء... إلخ مما يقل أو يزيد. ولم يكن بالإمكان تدريس المنطق و(فلسفته) إلا بفضل فاتحة أعمال القديس توماس الأقويني الذي جعله باباً إلى الله وملكوت رحمته، وأما الشعر أوالأدب اللاتيني الإلياذة منه أو الأوديسا أو غيره من تاريخ أو حتى الطب فلم يتح درسه وتعلمه بصورة منظومة إلا في القرن السادس عشر، وكان هذف هذه العلوم هي شحذ ثلاث ملكات في الذهن والسلوك وهي:
1 - الحرية في تقدير الأمور وعواقبها وفقاً لحساب مرشد،
2- النبل في تقدير الخيرات وعملها وأدائها،
3 - الحكمة في قسط هذا الحساب أو ذلك بمعرفة أولات الأمور ونهاياتها (المنطقية).

ولكن هذه الألمعية لم تكن سهلة ميسورة بقدر كتابتها في هذا الكلمات، فحينذاك الزمان حوالى سنة 1300 كان علم العلوم في بريطانيا حينذاك روجر بيكون نفسه ورفاقه في جماعة سليلة جماعات إخوان الصفا مجرد شهاب في ليلة ظلماء دامت قروناً وكانت الفلسفة الجامعة لهذه الكليات الثلاث هي الحرفية والحرفنة في النظر إلى الأمور والتعامل معها بمنطق عقلاني يدرك أبعادها وخواصها وينفذ إلى أسباب الأشياء لأجل تغييرها.


الحياة الدينية:
تشكلت جماعتي إخوة القديس فرانسيس وإخوة القديس دومينكان من لدن جماعة فرسان القدس، وبرزت منهما في إنجلترا جماعة أخوة القديس فرانسيس، وكانوا بعكس الرهبان المنعزلين الذين يعيشون على مؤنة الكنيسة التي تكسبها من الضرائب الكنيسية، فقد كان "الفرانشسكيانز" يضطرون لكسب قوتهم بالإنتقال من باب إلى باب يخاطبون أهله ويعينونهم على أمر من الأمور بصدقة، كما كانوا يركزون عنايتهم على أكثر الناس بؤساً، ويخاطبون الناس على قدر عقولهم، في عبارات أقرب إلى الشعارات التي تختزل كثيراً من المعاني والخبرات، وكان ذلك الإنتشار البدني والمعنوي يتيح لهم صدقات وزكوات أكثر إضافة إلى دخل ممارساتهم الإسهام في الحرف التجارية، على خلاف ظاهر مذهبهم الصوفي الزهدي حيث كان جل نشاطهم يجمع لهم قدراً كثيراً من الأموال ينفقون بعضها في بناء الكنائس والملاجي والكليات مما وسع من القاعدة المادية للتعليم. وقد أثروا بنظام مجالسهم الديمقراطية في تشكيل الأفكار العامة في الجامعتين اليتميتين وشكلوا دعماً فعلياً لأفكار الإستقلال الذهني عن سلطة البابا وهيمنة التشريعات الدينية المعلومة والمجهولة على أمور الكشف والبحث العلمي بل عضدوا (القديس) مونت فرونت في ثورته الأكسفوردية المنظومة على طغيان المؤسسات الدينية والسياسية على حياة الناس وعيشهم وعلى حرية التعليم وعلى حقوق الطلاب في الحياة والتعلـم مشكلين عصبة ثورية قوية بقيادة كل من روجر بيكونRoger Bacon ، وآدم دي مارش Adam de March، ووليام أوكهام William of Ockham ومعهم القس كروستيت Bishop Crossetete وإلى هذه الثورة يرجع جانب أساسي من حال تقدم دراسة العلوم الطبيعية والطب في بريطانيا. ولكن في معمعة الخلاف بين الملك هنري الثالث وكنيسة روما الجامعة تم حل تنظيمات الفرانشيسكانز وإضطهادهم وتحريقهم بإعتبارهم من إرسالية البابا وجنوده المخلصين، ومادرى هنري الفرق بين القمر وضيائه.


الحياة السياسية:
ضد الشعوب الأصيلة وبواقي الروم كانت سلالة فايكنغ الدنمارك المعروفة بتسمية النورمانز (=الشماليين) تحكم شمال ألمانيا وشمال هولاند وفرنسا وإنجلترا وشيء من إيرلاند وبعض الجزر الإسكوتلاندية، ومن ذلك الحكم وفرعه الفرنسي كانت إنجلترا (فرنسية) بثلاث أمور هي الحكم، والتعليم، والتدين، ولما جاء عهد الملك إدوارد الأول Edward 1st إمتشق سيف الدولة والقانون في ظل الحروب الصليبية والإقليمية مأنجلزاً قسماً كبيراً منها ومفرقاً أراضي الإقطاع والفيئ والخراج التي تركزت في الأيدي الفرنسية على الزعامات الإقليمية والمحلية (النوردية) التي كانت قد توطنت تلك البلاد وإنهجنت فيها، كما واسى إدوارد بعض الضرائب والشكاو الزائدة، ولكنه طرد اليهود من إنجلترا 1290 خرب بيوتهم ودمر مشاغلهم وكسر أشجارهم وحرق زراعتهم وأولادهم (لتعاون بعض اليهود مع المسلمين في الأندلس وفي حروب الصليب، ولإرضاء منافسيهم المرابين الطليان في إنجلترا...إلخ) وقد نكل باليهود إلا من نجى منه بشكل أو بآخر ، مما أحدث أزمة إقتصادية كبرى في البلاد التي شيد وليام الأول الفاتح إقتصادها على الديون ياخذها من كبار التجار اليهود بفوائد عددا مقابل إستخلاصهم من أصحاب الحرف والصناعات ديون الدولة وضرائبها المحولة إليهم، مما ضيق أحوال العيش والحياة حتى ظهرت وأنتشرت قصص روبين هودRobin Hood وهو إسم يهودي يأخذ المال من غنيه إلى فقيره، وبعدما كان هارون لينكولن وزيراً لمالية هنري الثاني كل منهما حاكم وضابط للآخر والناس في ظلهم رتع الطليان بوردي Bordi وبيروزيPeruzzi في إقتصاد البلاد التي ضنكت بالفقر والجوع والحروب.

ولكن بعد إنجلزة الدولة والقانون جاء عهد إدوارد الثالث3 Edward بإنفراجة يسيرة إذ سمح للناس لأول مرة بالتعامل مع موظفي الدولة باللغة الإنجليزية التي كانت حينذاك في ذلك الهجين مضغة ذات قوام شكلي و لفظي غض لين عجوم. بيد إن السماح بإستعمالها وفي تلك الظروف الإقتصادية المشحونة بالنزاعات قوى عود اللغة وشكيمتها وشد مراسها. وفي ذلك العهد كانت الملكية بالمعنى السياسي والإقتصادي واضحة القسمات، وكانت الكنيسة -رغم ماجرى لها- واضحة المعالم، وكانت السوق (= City) بما فيها من حروف وطوائف عمل وشراكات وشركات أو تشاركيات أكثر وضوحاً، إلا أمر القانون وتعاملات الناس وفقاً له التي تتداخل فيها دوائر اللغة والشريعة والقانون والحكومة والدولة والمصالح الإجتماعية والمصالح الشخصية وتفاسيرهم فمن النشاط إليه زاد وضوحه وطلع بدره في المقرات القديمة للمحاكم في منطقة المعبد Templeبين مقرات السوق ومقرات الدولة ومقرات الكنيسة، حيث وجد أهل الأعمال المكتبية والمحامة رواجاً لخدماتهم وأعمالهم في قضايا الديون، والوصايا والمواريث، وتسويات تبادلات الأراضي والمنافع الأخرى، وتسويات مدفوعات ومستحقات الضرائب، والتعويضات، والضمانات، والمقاصات، إضافة إلى تبيين الظروف المخففة للأحكام في ما يعلق الجرائم الجنائية، ومن هذه الدورة التجارية-السياسية-اللغوية-الإجتماعية الناشئة زاد الهم بموضوعات العدل والحقوق وموضوعات القانون وأصوله الدستورية والقانونية والقضائية والعرفية والإعتقادية ومرافعاته ولوائحه المختلفة والتنفيذية وظروف تشكلها وتطبيقها ودخل بقوة إلى دائرة التعليم الجامعي فاتحاً فيها بدايات العلوم السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية.


الإنتفاضات والإصلاحات:
مثلما ولدت أحوال تنظيم ملكية الأرض وتبادل الناس للمنافع بواسطة الدولة وترسبت وترسخت في تشكل قوانينها، فقد تشكل القانون والتعليم معه بتأثير بعض الإنتفاضات والإجراءات الإصلاحية. فمع تبلور نقمات وهيجانات وإنتفاضات الحرفيين والعمال في لندن وشرق إنجلترا منذ سنة 1385 وإستمرارها بتقطع حتى حوالى سنة 1400 وما بعدها زاد الميل إلى إصلاح الوضع الديني الذي كان يهمين على جانب من تقادير السياسة المحلية، وقد ذاد هذا الميل مع تغير الرأي الملكي بتأثير هجرة اليهود البلجيك والهولانديين والألمان إلى إنجلترا وشرقهم القديم فيها بكل حرفهم وإمكاناتهم التقنية مع زيادة بطش المؤسسات السياسية والقانونية المتسربلة بالكاثوليكية ضدهم في تلك البلاد، ومن هذه الوضاع نشأت حركة السيادة المنخفضة Lollordry أو "السلطة الشعبية" وهي حركة متصلة بشكل معقد بالتنظيم (الديمقراطي) لهيئات السوق وشركاته الإحتكارية للأعمال حيث لكل مهنة ممثليها في هيئة الإدارة العامة التي يقل حجم التمثيل فيها تصاعدياً حتى تصل إلى تمثيل النوع التجاري الحرفي المال التجارة الصناعة الخدمات مثلما هو الحال الحاضر حتى الآن والساعة في إدارة شركة سوق لندن Corporation of the City of London لتي تحولت من مجرد شراكة حرفيين إلى أكبر مركز لرأس المال العالمي.

وقد ظهر لهذا الإصلاح وجوه عددا منذ سنة 1490 في أوكسفورد إذ ظهر نشاط إصلاح الوضع الديني وتحريره من الهم بتقييد أفكار الإنسان وإطلاق سراح هذه الأفكار، وكان ذلك النشاط بقيادة لايلي Lily وكروسين Crocyn متزامناً -ولعله بتأثيره- مع التوسع بتدريس الأدب الإغريقي "الإلياذة" وإتصاف الألهة فيها بصفات البشر وملحمة الأوديسا ومسرحيات يوربيدسEuripides المتسآئلة بإلحاد عن عدالة تسيير أمور الحياة وكوارثها ثم عقاب الإنسان على ماسير فيه منها؟ -كما المعتزلة من بعد- وكذا جانب من أدب اليونان بمادياته الإبيقورية والدمقرطوسية وبحساباته وصوفياته الفيثاغورثية وهندسته الإقليدية وتوازناته البطلمية وكتله الأرخميدية وقوانينه الصولونية ومافيه من ترجيح وسفسطة وفلسفة وفلسفة-علمية وتاريخ وسياسة بيلوقراطية وتكنوقراطية وتيوقراطية وثيوقراطية وديمقراطية ونزاعات المراكز التعاقدية المتروبوليس والمركز الناظمة المنوبوليس ..إلخ،

ومع الأدب والتصاوير اليونانية وتوافرها منقحة مفصلة في المراجع العربية زاد الهم بتدريس الطب والصيدلة وكذلك بالعلوم المتعلقة بالألات، وقد إرتفع شأن هذه الهموم العلمية وإتسعت إمكانات تدريسها وتعلمها والإرتقاء فيه بإهداء دوق جولشستر "همفري" مكتبته ذات المراجع والتراجم والقواميس والخرط والأجهزة إلى جامعة أوكسفورد مما عرف بهدية الدوق همفري Duke Humphrey ، وفي سنة 1497 زادت وتيرة حركة الإصلاح بقدوم الطالب النابغة كوليت Colet من إيطاليا معبأً بأفكار الفرانشسكيانز والدومنيكانز النظامية والتبسيطية والتحررية وتقديمه (بواسطة مكانة والده التجارية) محاضرات قيمة في قاعة كنيسة القديس بولس St. Paul’s وهي الكنيسة الثانية في لندن بعد ويستمنستر، كذلك زاد الإصلاح تقدماً بجهد الهولاندي إيرازموزDuch Erasmus وبجهد صاحب كتاب الـ "يوتوبيا" ووزير الملك فيما بعد توماس مورThomas More وكانت لجل إصلاحات هولاء الأربعة أثر عجيب: فبينما كانت دراسات النهضة Renaissance Studies في بلادها الإيطالية والفرنسية ذات منحى فني موصول بالمتعة واللذة الحسية لكسر الرهبة الروحية، فقد أخذت تلك الدراسات في شمال أوربا منحى أخلاقي موصول بالدين والتزمت في الطهرانية به!؟ منادية من أوكسفورد إلى لندن وإلى كيمبردج بإصلاح نظم هيئاته الإعتقادية والتعليمية بنبذ الرهبنة بل ومحاربتها بزيادات شتى في إمكانات التعليم المادية والنوعية. وقد ذهبت حركة الإصلاح بقوة في هذا المذهب الديني مُركزة عليه فكان من أكبر آثارها إثارة للأذهان عقولاً وعواطف لا رسماً ليوم القيامة، أو لوحة من وحي آيات الإنجيل، أو مباني إغريقية-- رومانية البناء، أو قصيدة من وحي قصة سارق النار برومثيوس Prometheus بل كانت أكبر آثار هذه الإصلاحات هي الأنجيل نفسه، مطبوعاً باللغة الإنجليزية، التي وَسَعت معانيه بسهولة وفق أدب مترجميه وثقافتهم. وأضحت كنيسة القديس بولس نفسها بقيادة أسقفها كوليت تدرس اللغات والفلسفات الإغريقية واللاتينية متبعة شيشرون في همه بـ"مدرسة الأساس".


المواجهة الأولى :
مع مرور الزمن والهجرة وتوالى الإصلاحات تقدمت البروتستانتية في بريطانيا وتمددت في داخل الكنائس بل وفي داخل حركة " اللولاندري" تاركة منها بعض المظاهر حتى صعب التفريق بينهما لو لا بعض هجمات إعلامية بينهما، وبقدوم الملك هنري السابع تغير الحال إذ إنسحبت الدولة من تقديرها لهذه الإصلاحات التي قادت لردود فعل كاثوليكية متطرفة، تناولت المذابح التي أقامها البروتستانت ضد الكاثوليك في نواحي ألمانيا وهولاند وحيثما ظفروا بهم، وكان الملك يرى في مركز البابا محوراً للديبلوماسية والعلاقات الدولية، و يرى في خدمة رجال الكنيسة لدولته في كل مدينة وقرية وحي بالسجلات والمراجع وقضاء المهام وحفظهم المعنوي للأمن والسلام العام أمراً لا يمكنه كملك الإستغناء عنه مقابل أمنيات طيبة، فكان إتجاهه، بعد تذبذب، إلى القضاء على البروتستانت وعلى المتزمتين الكاثوليك، حين كانت جيوش شارلز الخامس ت في شمال أوربا حصد البروتستانت وفي نفس الآن تحاصر البابا وكرادلة الكنيسة في قلعة القديس أنجلو بعد إخراجهم من مقرهم في روما، وقد طغت رغية الحكم وتأمينه على الملكين غير آبهين بالجمهور العام الذي كان من المؤمنين بالحق الإلهي للملوك والقادة إلى أن شهد مصارع القداسة على اعتاب السياسة.

وإضافة إلى (شهداء) هذا الصراع الطويل الذين يبلغ عددهم ملايين فقد قتل في هذا المعمان الوزير الصدوق توماس مور، وكانت نتيجة تلك المواجهة المتصلة تراجع الدور العلمي والديني لأوكسفورد في حركة الإصلاح وتقدم الدور الإصلاحي لكيمبردج بداية من سنة1521 حيث كانت المناقشات والمثاقفات اللوثرية مأصلة في القواعد الطلابية بل ومتأججة في مطعم وحانة الحصان الأبيضWhite Horse الذي سمي سخرية "ألمانيـا" بينما سمي المتثاقفين "الألمان" في سخرية قصيرة النظر تشير إلى إبتعاد النقاش وأصحابه عن الهموم الوطنية ومادروا....


وقد تولى هوخ لاتيمر Hugh Latimer أمر الحركة الللوثرية من داخل كنيسة القديس بولس وهي كنيسة رجال السوق والأعمال (= بالمعنى الحِرفي-العمالي للتعبير)، وقام تندالTyndal وكوفردال Coverdal الذين توليا جانباً من فكرة وعمل ترجمة الإنجيل إلىاللغة الإنجليزية بتولي تنظيم أمور الحركة بالتعاون مع الأسقف جرينمير Bishop Granmerمنقح "كتاب الصلوات" وواضعه بصورته الجديدة ذات الطبيعة البسيطة والمتحررة، وما إن جاءت السنوات 1536-1539 من عهد هنري الثامن حتى كانت قرارات حل إرساليات البابا ومصادرة النذور والنفائس المكنوزة فيها يجري إنفاذها قدماً وساق، و ذهبت بعض هذه الخيرات إلى الجامعتين.


المواجهة الثانية:
من الصراع بين الكاثوليكية (= الطريق القويمة) والبروتستانتية (= الإحتجاجية) برزت حركة جمعيات أخوة الصفاQuakers في شكل تعاضديات رفاقية تميل إلى التعليم الحديث والتعاون الإقتصادي والتصوف بمعانيه، وقد وجدت بأصولها الحرفية في السوق تعضدياً من الجمهور البروتستانتي والكاثوليكي كآلة -إجتماعية-روحية للسلام بين المذهبين بل وبين كافة أتباع الديانات والمذاهب، وزادت بنشاطها التبرعات إلى التعليم والهم ببناء المدارس والمرافق الجامعية. وبإجمالها علاقات الدين والتعليم والسياسية أثرت في نوعية التعليم بتوجيه نشاطاته إلى نقاط التفاهم والسلام بين المذاهب وإستمرت إلى نهاية عهد الجمهورية في بريطانيا سنة 1659 م.
في ذلك العهد الجمهوري الذي بدأت نذره منذ أول القرن السابع عشر بتصاعد القلاقل والإنتفاضات ثم تطورت إلى عصيان البرلمان أوامر الملك شارلز الأول بل وتحدي البرلمان سلطات الملك بل ومطالبته إياه بقصرها على أمور شكلية، وإصرار الملك في وجه البرلمان على حقوقه (الشرعية) الدينية والدستورية والقانونية المقرة بعدد من قوانين السيادة العليا للملك في أمور الدنيا والدين، حاكما وإماماً، بل وتهديده المباشر للبرلمان بالسيف والجنود وقتكان البرلمان مجرد ممثل شكلي لقوى السوق في نواحي إنجلترا وويلز، لا يملك من أمره شيئاً فعليا، فحينذاك بدأت بقوة مسألة حسم التعارض الظاهر بين المصالح البشرية والمصالح الإلهية ( التي لها رب يحميها) أو بالأصح حسم التعارض بين المصالح الطبقية الحرفية والتجارية والمصالح الطبقية للإقطاعيين والملك ، وبالأدق حسم التعارض بين النظام البشري للإنتاج وتبادل المنافع بمعايير وسيطة (نقود) والنظام البشري الآخر للريع القائم في أسسه على مقايضة العمل بغذاء او بمنفعة مادية مجسدة.

وقد نجحت الثورة العمالية-السوقية في تكوين جيش حديث منظوم بدقة الحرفييين في الصناعة ونجح قواتهم بقيادة كرومويل في قطع رأس الملك بعد محاكمة صورية نجح الملك خلالها في تثبيت شرعيته وضحد السوقة وأربابهم في هولاند. وقد وسعت تلك الثورة حال التعليم وطورته نوعياً - مما سيذكر لاحقاً- ولكن في الثورة التي لم تكن تتمتع بتنظيم إقتصادي وإداري وسياسي كاف فشلت، وعاد الوريث الملك شارلز الثاني الذي رغم لينه جهة بعض خصوم والده أطاح به في نوفمبر سنة 1688 إنقلاب وغزو هولاندي مدبر بواسطة دهاقنة البرلمان مكن ملك أمستردام وهولاند من حكم بريطانيا، حيث أعمل السيف في المقاومات والإحتجاجات الكثوليكية والأسكوتلاندية والإيرلاندية، وقام بمنع الكاثوليك من التعليم وتولي الوظائف العامة وفصل من كان منهم فيها من الخدمة،ولكن أميز ما قام به تأسيس بنك إنجلترا (بقرض "هولاندي" ) في يوليو سنة 1694، فبتأسيس ذلك البنك إنتظمت أمور المالية العامة وإنتعشت أعمال الحرفيين والسوق والناس وتمكنت الجامعات من الحصول على مزيد المنح والموارد التي تطور بها أعمالها مثلما كان الحال في عهد الثورة التي ماتت وهي طفلة، وقد وجهت موارد البنك إلى بناء السفن والأسطول الحربي ممامكن من تدعيم النشاط التجاري-الإستعماري لشركة شرق الهند التي كانت قد أسست حوالى سنة 1601 شراكة بين الحرفيين-التجار والملك، وإن ظلت مذاك تشكو من ضعف الهم بها، ومع تحديد أمور التدين والكنيسة وزيادة الإنتعاش التجاري المرتبط بذهب غرب وجنوب أفريقيا والهند ونشاط الإستعباد في غرب أفريقيا والزراعة الإستعبادية في جزر الهند الغربية كان اليسر في أحوال الناس في بريطانيا والتقدم في أحوال التعليم واالمدارس والجامعات.

ومع إرتفاع أصوات الموسيقى ونشاط المسرح وإتساع الطباعة كان التمتع المعتدل بلذات الحياة من سمات الطبقة العليا إلتي أضحت هجيناً من الإقطاع وكبار ملاك الأراضي وكبار رجال الأعمال والسوق ترشف أنخاب النجاح بين أحاديثها عن الفضيلة والجد في العمل وأهمية الإلتزام والتوفيق الإلهي قبل ان تنصرف لمشروعاتها الإستعمارية، بينما غرق الناس في الشراب بإفراط ، وقت كانت أراضي الإقطاع قد مجت منهم، وكانت المدن وطوائف العمل العائلية السمة، مزدحمة بالأعمال وخالية من فرص العمل، بينما كانت الهجرة من دنيا "العالم القديم" إلى "العالم الجديد" مكلفة جداً.

في ذلك الزمن المشحون بالعقليات والمصالح أصدر كتاب بريكلي Berkeleyوبتلر Butler حاويا شروحاً معللة للإنجيل قائمة على المنطق العقلاني، فيما يعد صدمة عقيدية وفكرية لكل الأفكار التي كانت ترفض ربط الكتاب المقدس بالعقل البشري (الناقص) فإذا بالإنجيل المفسر يقدم رؤية مقنعة بالخير في مختلف صورالتعامل بالحسنى والسلام بين الإنسان ونفسه وبينه وبين الناس.
وقد وافق ذلك الأمر الجليل أمر خطر حصل سنة 1750: إذ مع تدفق الثروات إنخفض هم الناس وأبناء السوق بالتعليم الجامعي كما قلت إمكانات التدريس في الجامعتين بإنصراف المعلمين، وبؤس الوظائف المتاحة للخريجين حيث قبلت أوكسفورد بكل عراقتها 190 مآئة وتسعون طالباً بينما إكتفت كيمبردج من المتقدمين لها بـ127 مآئة وسبعة وعشرون طالباً! ومع إزدياد وتيرة الأعمال الحرفية والتجارية نشأت "مدارس الأحد" سنة 1780 تلقن الناس مبادئي القرآءة والكتابة والحساب ومبادئي الجمع في إيمانهم بين كتاب "العهد الجديد" (الأنجيل) بكل ما أدخل عليه من تحسينات وكتاب "العهد القديم" بما فيه من توراة ومزامير وقصص شم فيها الله سبحانه وتعالى رائحة شواء القرابين! فأقبلت عليه الحركات الإصلاحية والتجديدية اليهودية تصلح ترميز هذه القصص.

كانت حركات اللامركزية والتخصص أو رفضه جهة السيطرة العقائدية على البحوث والنقاشات والأسئلة والتفاسير أو في جهة السيطرة الإدارية على أمور االجامعة أو أمور الكليات وتفرد أو تكرر أعمالها، هي مركز التحول في الهيكلة الفكرية أو الإدارية الإجتماعية للجامعة وإتجاه بحوثها بين أن تصير جهة ضرورات الحياة الإجتماعية الحاضرة أو جهة المستقبليات المتكونة في الحاضر القادمة أو جهة التاريخ الذي تكمن فيه أسباب الأوضاع المعاشة والقادمة وبفضل صراع هذه الإتجاهات إتجه العلم الحديث للأخذ بها جمعاً مما كون الشكل التاريخي العام لكثير من الفلسفات والعلوم المعاصرة وجريانها على مذهب أرسطو بما فيها من نظر للأشياء والوجود ككيانات متحركة من البسيط إلى الكثيف عبر زمان وفي مجال وبتفاعلات يمكن تمييزها والتحكم فيها للإفادة منها وهو مما ذهب إليه إنجلز وماركس في مذهبهم العلمي لصياغة الفكرة والوقائع الإشتراكية ونضالاتها لأجل حرية الإنسان.


التحول:
بتقدم الإمكانات المادية والنظرية وتطور الذهنيات وتفتح العقليات أضحى بالإمكان في سنة 1870 ولأول مرة في تاريخ التعليم في بريطانيا قبول الأساتذة و قبول الطلاب في مؤسسات التعليم دون ميز بين آحادهم وفقاً لدين أو مذهب، وبل ونشأت جامعة في لندن وأخرى في دورهام على تخوم إسكوتلاند التي كانت بكل كاثوليكيتها حافلة بالجامعات والمذاهب الناقدة الحرة! ثم تفتحت الجامعات في القرن العشرين في بريطانيا وكل العالم، ولكن أشد ما تكون سخرية التاريخ ماثلة جهة هذا التفتح ففي الظن السائد بأن حرية التعليم وتقدمه كانت نتيجة لإيمان عام بنظريات تحتم التعليم أو نتيجة مناخ سياسي مواتي، بإهمال الظن لكون التعليم نضال.

كان الناتج العام لحركة الإصلاح سالباً في بعض النواحي مثل الربط العاسف بين الحرية الأكاديمية وسيادة مذهب ديني، أو بين السلامة االإجتماعية للمنطق وسيادة مذهب إجتماعي-سياسي معين في حيثيات البحث يأخذ مثلاً بفكرة(حرية) العوامل الإقتصادية والإجتماعية أو حتى بفكرة ضبطها بيد إن أكثر نتاج حركة التعليم كان - مع ظروف أخرى مواتية- مفيداً في تغيير الذهن البشري في المجتمع الإقطاعي والعقلية القدرية والريعية والعنفية التي كان الناس فيها يتعاملون مع أمور الحياة ومصائبها ومكاسبها. وقد أدى هذا التغيير مع موآتاة العوامل الأخرى إلى تغيير عميق في البنية الفكرية والإجتماعية للمجتمع الإنجليزي والبريطاني بل والأوربي.

ولكن حركة التعليم لم تتقدم كما جرت الإشارة من تلقاء ذاتها أو بفعل بعض العوامل الموضوعية الإجتماعية المتصلة بها كأمور الإقتصاد والسياسة وحاجتهما إلى التفكير العملي وإلى طرد التفكير الديني القعودي والإتكالي والتسلطي والعنفي من وجه المصالح العامة التي تمثلها الإرادات الفاعلة فيها، بل كان تقدم التعليم متصلاً في إستقراره قيمته وقيمه في أذهان الناس متصلاً بقيمة التضحية والإستشهاد في سبيله وهي العلامة التاريخية الفارقة التي توضح مصداقية كثير من الناس في أمر ما حيث كان لصمود كثير من دعاته من روجر بيكون إلى في وجه الإحن ولإستشهاد كثير من رواد التعليم في سبيل التثبيت المعنوي لقيمه أو للقيم المتعلقة به، قيمة سناء وسامية كان أبرز حافريها في مجرى التاريخ بالإستشهاد مونت فرونت، وتوماس مور، وكوليت، ولاتيمر، وجون فوكس صاحب كتاب "كتاب الشهداء" وجورج فوكس الرفيق الأعظم حينذاك في جماعة إخوان الصفا .


المقال االثاني

"الجـمعـيـة الملكيــة لتـقـدم العـلم" Royal Society for Advance of Science


بعض نقاط البداية:
في القرن السادس عشر كتب فرانسيس بيكون عن فوائد التعليم وسلامة تقدم حياة الناس به، مركزاً على تنمية الفكرة الفرنسية الشرقية القديمة الخاصة ببناء موسوعات نظرية للعلوم والأعمال والحرف الإبتكارية، وبأثر ما لتلك الكتابات تبلورت فكرة تكوين الجمعية الملكية لتقدم العلم في بريطانيا في وقت كانت فيه الأزمة الإقتصادية السياسية للنظام الإقطاعي في حالته السلعية النقدية المتقدمة التجارية وشبه الرأسمالية تحتدم في داخل بريطانيا حيث الحجات زائدة والموارد قليلة والإضطرابات متفاقمة والحاجة للجنود كثيرة مما يزيد الضرائب ويفاقم بالتالي الإضطرابات والجنود والعسف والضرائب وهكذا في دائرة صراع متفاقمة طرفها العمال الحرفيين التجاريين في جهة والملك والذين معه في جهة ضد.

وإضافة إلى أزمة المناخ الإقتصادي السياسي كان المناخ العلمي فقيراً في أعداده وفي طبيعته، مثلما سبق شرح ذلك وكانت الجمعيات العلمية السرية من شاكلة "إخوان الصفا" المكرسة بجهد روجر بيكون وبعض النوابغ أسكوتلاند أدق وأخفى في عصر تبلور صناعة الآلات عن القيام بعمل كبير محكم في قهر السرية والفقر، وفي هذه الظلمات كانت للعلماء جمعيات أخرى شبه علنية، وكان الأصل القديم لتلك الجمعيات يسمى "الجمعية القمرية" Lunar Society لأنها بنسق جماعات إخوان الصفا كانت مثل كل مجموعات ذاك الزمان الخالي من الكهرباء والتقاويم المطبوعة، والجرائد اليومية، تجتمع وتنعقد مع إكتمال القمر بدراً لمناقشة بحوث وأعمال روادها إضافةً إلى إن البدر كان رمزاً للعلم والمعرفة في العقائد الهرمزية السودانية القديمة التي أسهمت عبر تطوراتها المصرية والبابلية والإغريقية في تشكيل ثقافة أوربا قبل المسيحية. ومن ذلك كان للجمعية القمرية وجه مشرق منير في "جمعية الفلاسفة" Philosophical Collage

وقد ضمت تلك الجمعية آنذيك الظروف الإنتقالية في العلوم والفلسفة والإقتصاد والسياسة بعض التخصصات المختلفة، وكان من سدنتها بعض رواد وطلائع النظرات والتنظيرات الحديثة في: الفلسفة في موضوع مركزية الإنسان في الحياة وكذلك في الفيزياء في موضوع مركزية الحركة وإمكان تأسيس الإنسان لحركة ميكانيكية من خلال تخديم الطاقة ودفع الأجسام بها وحساب ورسم حركة الألآت، وكذلك ضمت رائد نحرير في تكون علم الإقتصاد كحساب للجهود والمنافع العامة، وكان معهم عدد من الأطباء حين كان الإشتغال بالطب متصلاً جداً بالحكمة والفلسفة وتقديم المشورة للحكام وبذل النصيحة للناس عامة.


الدولة والسياسة:
وقد بدأت "الجمعية الملكية لتقدم العلم" أعمالها بشكلها الجديد (الملوكي) سنة 1662 مع إسباغ هذه الرعاية الملكية أو فرض هذه الصفة والإجراءات الملكية على أعمال الجمعية في ذلك العصر الذي كانت تزيد فيه حاجات الناس وقدراتهم وتضمحل فيه النظم والمبادئي القديمة. ومن سمات الإقطاع وزمانه أخذ الحكم والإضطهاد الطبقي والفصل من العمل شكلاً دينياً، وكذلك كانت المقاومة ضده تتكلم بإصطلاحات وتراكيب جمله وفقهه، فكان تكوين الجمعية في تلك الظروف مصبوغاً بصبغة زمانها السياسي:


التركيبة الإجتماعية الإقتصادية السياسية للجمعية:
فبعد سنة من بداية الصيغة الجديدة للجمعية أي في سنة 1663 كانت الجمعية حسب سجلها تضم 86 ثمان وستون عالماً فقط ، وكان أكثرهم ذوو إتجاهات ثورية في المجتمع وسياسة تنظيم جهوده ومنافعه مثلما كانوا ثوريين في العلم أو العكس: ثوريين في المجتمع ومن ثم في العلوم: ستة وأربعون من أعضاء الجمعية كانوا ضد النظام الملكي الإقطاعي وضد البنية الهرمية الدينية المواشجة لهذا النظام الإستغلالي مناصرين فعليين لمصالح العمال أصحاب الحرف ولممثليهم في البرلمان الذي كان كياناً شكلياً ملكياً حتى ذلك الحين. وعكس هذه الثورية أو ضدها كان ستة وعشرون من أعضاء جمعية تقدم العلم (الملكية) من أهل النظر إلى إلى النقاط المفيدة والموجبة في الأشياء المحافظين جهة التغييرات السياسية في الحياة الإجتماعية، بل كان بعضهم من أنصار الملكية والهيمنة الدينية المواشجة لها، رجعيين ذوي نظرة مستغربة إلى تقدم الأحوال والنشاطات الإجتماعية بل رامين إلى إعادة حياة الناس إلى الأحوال القديمة الماضية التي ولدت منها!! بينما كان الباقي من العلماء خارج هذا التقسيم بشكل أو بآخر.


جدلية الإقصاء والتقريب وسياساتهما:
ومثلما كان التطهير والفصل من العمل يلاحق العلماء التقدميين وطبيعة تدينهم البروتستانتية والبيورتانية والكالفنية أو الإلحادية إبان سطوة الملوك الإقطاعية المتسربلة بالكاثوليكية فقد إنقلبت الأية إبان تأجج الثورة البروتستانتية (البيروتانية) العمالية-الرأسمالية في إنجلترا ضد الملك وبداية عهد (الجمهورية) بقيادة أوليفر كرمويل وبعض لجان البرلمان المحلول المنعقدة بقوة جيش الثوار الحديث حيث تم إقصاء العلماء (الرجعيين) من مناصبهم العلمية في مؤسسات المجتمع التعليمية وغيرها

ويوضح تاريخ الجمعية الملكية لتقدم العلوم والأسلوب السياسي لتعيين رئاسة الإدارة العلمية لأعمالها من هذا الجانب أو ذاك وطبيعة ممارسة السيادة (العلمية) ضد أقرانهم أو بالأصح أعدائهم الآيديولوجيين زيف كثير من الدعاوى الميثولوجية المعاصرة عن حيادية العلم وبعده أو البعد به عن التأثيرات السياسية والإقتصادية المختلفة في خضم الصراعات الإجتماعية المتنوعة و(سلامته) أي العلم من الإرتباط بهذه المصالح الطبقية أو تلك وإلى غير ذلك من ضلالات بعضها يسند إلى تاريخ مزعوم لتقدم العلوم في أوربا وبريطانيا بتقديمه كتاريخ خال من الأمور الطبقية والدينية والسياسية مما يتجه هذا المقال إلى تناوله:


الوضع الإجتماعي السياسي العام لعمل الجمعية:
كانت ولادة الإهتمامات العلمية في ممالك أوربا عامة ً وفي بريطانيا خاصة ولادة عسيرة بين شقي رحى تطحن قوالبها الأولى: فمن ذلك كان تكون (الجمعية العلمية) في بريطانيا متصلاً في بدايته بتطورات إجتماعية وفلسفية وعلمية منها زيادة التباعد بين متواليتين إجتماعيتين هما:
1- متوالية النظم الحرفية وإنتاجها وتسويقها بالإعتماد على القروض والديون ذات الفائدة .
2- متوالية الضرائب الإقطاعية التي تزيد الفائدة والأسعار وتقلل تصريف الإنتاج بوقت لاتتاح فيه للمستهلكين زيادة في الأجور العائلة لهم بنفس النسبة العددية أو الزمانية لزيادة الأسعار الأخرى والضرائب.

وقد تحولت حالة المتواليتين إلى صدامات سياسية وفلسفية ودينية وعلمية كان من أوضح علاماتها أفول النظرية البطلمية لثبات موضع الأرض والأجرام السماوية من بعضها ومن الكون، وبداية سيادة النظرية الكوبرنيكية لحركة كل الأجرام وبمواشجة لهذا الإنتقال العلمي والفلسفي من الثبات إلى الحركة ومن النظرة (الموجبة) الإقرارية والإطمئنانية إلى النظرة (السلبية) الناقدة والمقلقلة.


التحول العلمي كتحول فلسفي وديني وإجتماعي سياسي:
التحول ضد النظرية البطليموسية كانت له دالاته وأثاره المضعفة للقول بإحتواء كتب الدين على حقائق مطلقة لا تاريخية، بل ونهاية لقدسيتها أو لقدسية تفاسيرها الجانحة نحو إطلاق أسس ومعاني كل ماورد فيها، مما إتصل أيضاً بفناء مقولة الحق الإلهي المطلق للملوك في حكم الناس وكذلك فناء مقولة ثبات وضع الناس وبؤسهم في الحياة بإرادة إلهية، لا بما كسبت أيديهم، ومن ذلك كرامة الإنسان (وقت كانت كلمة أو مفردة "الإنسان" دالة يشير معناها إلى صاحب الحرف المقموع بالضرائب) وتحقق تلك الكرامة بفضل جهده وعمله، وحق الإنسان في الحياة والكرامة وحريته في تقدير أمورها وإعمارها بالشكل الذي يريده، دون وصاية عليه من مالك أرض أو كاهن.


التحول العلمي كتحول فلسفي وديني وإجتماعي سياسي وكثورة:
كانت الأراء المتعلقة بمسؤلية الإنسان وإرتباطها بحريته قد لقيت قبولاً واسعاً في أوربا وبريطانيا من أصحاب الحرف وعمالها لموضوعيتها جهتهم وجهة كرامتهم وحرياتهم ولتشكيها قاعدة نظرية ضد (قدسية) الضرائب المتوالية عليهم، بل وصار لها كينونة سياسية معتبرة في الدنمارك وفي إمارات شمال ألمانيا وفي هولاند وأكثر أقاليم النزرلاند وقد عمت هذه الإراء إلى أن بلغت درجة من التداغم بينها وبين المذهب البروتستانتي في شكله الكالفيني أو في شكله البيورتاني في بريطانيا. ومع تلك التطورات في المعرفة والفلسفة والإقتصاد والسياسة كان سخط أهل السوق (City)في لندن وبعض المدن البريطانية الأخرى على حكم الملك شارلز الأول وضرائبه بل وثورتهم عليه بقيادة بعض البرلمانيين الذي لم تك لأرائهم أية قيمة فعلية أمام القدسية التي كان الملك يباشر بها أعماله.

وقد تفاوتت أحوال ولادة ونمو هذه الثورة التي كانت نتيجة مخاط 400 سنة سابقة عليها من القلاقل والإنتفاضات، ولكنها أسست بين حوالي سنة 1644 1658 جمهورية إتحادية في بريطانيا بقيادة أوليفر كرومويل حفيد الثوري القديم توماس كرومويل، وقد تمتعت هذه الجمهورية بدعم السيتي (السوق) في لندن ودعم هولاند التي كانت كلها محكومية لسيتي أمستردام، فكانت بحق جمهورية سوقية-عمالية وقد لعب رفض الإضطهاد الديني والعرقي دوره في تشكيل تلك الأحوال حيث كان العصب الدقيق لتلك الثورة مجسداً في المصالح اليهودية في البلدين

حيث كانت مصلحة "السيتي" في هولاند تدعيم "السيتي" في بريطانيا للوقوف بقوة ضد التوسع والإضطهاد الإقطاعي (الكاثوليكي) الذي كانت تمثله فرنسا وإسبانيا ضد هولاند بينما كانت مصلحة اليهود في بريطانيا ماثلة أولاً في الإقرار لهم بالحقوق المعتادة للإنسان في ذلك الزمان حيث كان وجودهم نفسه جريمة تحايل بعضهم عليها بعد طردهم من بريطانيا 1290 لسبب متصل إبان الحروب الصليبية تعاون يهود فلسطين والمشرق مع المسلمين ضد الجيوش الكاثوليكية السمة، ولأسباب سياسية وإجتماعية أخرى، فلصيانة وجودهم وتقنينه في بريطانيا كان من مصلحتهم تأجيج الثورة ضد الحكم الإقطاعي الملكي ومذهبه الكاثوليكي المتغطرس.


الرواد بين الرفاقية والقرابة والمصالح:
في خضم تلك الظروف الثورية وتقلباتها كان هناك عدد من العلماء العاملين للثورة أو المناصرين لها ومنهم الأستاذ الفيزيائي جون ويلكنزJohn Wilkins (1614-1672) الذي ظهر بكتابيه الهامين الأساسين الكتاب الأول كان بموضوع وعنوان "مناقشة لموضوع وجود كوكب جديد"Discourse Concerning a New Planet الذي أصدره سنة 1640 وإهتم فيه بتقريب الأراء الفلكية الحديثة والأساليب العلمية إلى الذهنية الدينية عبر جسر من المقولات المتشابهة بين العلم والتفاسير البروتستانتية، وكتاب "سحر الحساب" Mathematical Magic المصدر سنة 1648 الذي إهتم فيه بمبادئي الميكانيكا وبناء وفهم الألات وحركتها لإتاحة مجال لتطور الحرف والمهن التي كانت متخلفة في تكوينها وإنتاجها مقارنة بنظائرها في الشرق.

وقد إهتم ويلكنز بجمع العلماء والفلاسفة في كل علم في شكل جمعية أو كلية فلسفية كونها كوجه من وجوه "الجمعية القمرية" حفيدة أعمال جماعات "إخوان الصفا" وتناظيرهم في الكون والفلك والطبيعة والأعمال الإنتاجية في الزراعة والصناعة: وكان برفقة ويلكنز في تكوين الجمعية الفلسفية في نهاية سنة 1644 إضافة إلى "الأطباء الأربعة" كل من جون واليز John Wallis وجوناثان جودارد Goddard Jonathan وصموئيل فوستر Samuel Foster ومنذ سنة 1646 روبرت بويلي Robert Boyleوكذلك النحرير رائد الإقتصاد السياسي الحديث في إنجلترا - بعد أساتذته في هولاند- وليم بتي Petty وكان إجتماعهم في مطعم راس الثورBull’s Head Tavern في شيبسايد Cheapside ثم في كلية جيرشام Gresham Collage في منطقة بيشوب جيت ومن هولاء العشرة لم يكن سوى واحد فقط مناصر للملكية والملك والنظام الإقتصادي والديني الذي ولدهم، بينما كان التسعة الباقين ضداً لهم. فإضافة إلى ان ويلكنز كان نسيباً لكرومويل وكان جوناثان جودارد طبيباً ومستشاراً لكرومويل، كان واليز أيضاً نسيباَ لكرومويل ومستشاراً له لشؤون الإتصالات في تلك الثورة الرأسمالية الدامية على مزج الإقطاع بين مصالح وعلاقات القرابة ومصالح وعلاقات الحكم!! وقد فك واليز من موقعه العلمي شفرة إتصال وتراسل القوات الملكية لصالح قوات السوق التي سميت تحسينا"قوات البرلمان"، و كان صموئيل قد نحي من منصبه كأستاذ جامعي في كلية جريشام سنة 1636 لرفضه الركوع الديني في مناسبة إحتفال علمي في الكلية وكذلك إتسم بهذه الثورية خلفه هنري جيلبراند Henry Gellibrand.


سياسة التغيير وأيديولوجيا التغيير:
في سنة 1642 إتخذ الملك شارلز الأول أوكسفورد حاضرة له، وفي جامعتها أطاح شيعته بزملائهم من الأساتذة الجامعيين المخالفين لهم في العقيدة السياسية (العلمية) حيث فصل العالم ناتثنيال برنت Nathaniel Brent من عمادة كلية ميرتونMerton Collage وأحل محله وليام هارفي William Harvey طبيب الملك ومستشاره، وكذلك عندما سقطت أوكسفورد في يد قوات السوق سنة 1646 كونت لجنة سوقية (= برلمانية) لإنجاز ما سمي "إصلاح أمور الجامعة" عينت جون ويلكنزJohn Wilkins عميداً لكلية ودهام Wadham Collage كما عينت تلك اللجنة جون واليز John Wallis أستاذاً للهندسة وعينت بتي Pettyفي إختصاصه الأصيل أستاذاً للتشريح، ونُصب جوناثان جودرارGoddard Jonathanعميدا لكلية ميرتون الآنف ذكرها، وإن كان ذلك سنة 1651 حين إستقال منها برينت. وفي هذه التغييرات سمة تغيير كان لأسباب أيديولوجية فلسفية علمية أوضح وهو تغيير الأستاذ الكاثوليكي جون جريفث John Greaves حيث بدل هذا الكاثوليكي الأوكسفوردي الصميم بكاثوليكي ملكي آخر هو سيث وارد Seth Ward وهو نفسه طريد سياسات السوق من جامعة كيمبردج الشقيقة اللدود لأوكسفورد، وكانت وضوح الآيديولوجية في ذلك التبديل في كون الأول كان من العمد الراسخين للقول بثبات موضع الأرض والأجرام السماوية من بعضها ومن الكون بينما كان الثاني من العمد الراسخين للقول بحركية الأرض والأجرام السماوية ومن أوائل أنصار نظرية كوبرنيكز في ذلك.


التجديد بتخريج تلامذة أساتذة :
في أكسفورد أحيا والكينزJohn Wilkins "الجمعية الفلسفية" أو صورتها على الأقل بطلاب جدد إستمروا بها حتى تم إحتلال هولاند لإنجلترا سنة 1689. ومن تلك الجمعية لمع في مجال الفلسفة والشكل الجديد للعلوم المعروفة الآن بإسم العلوم التطبيقية، صيت الماسوني (=المعماري) بروفسور العمارة والتشريح والفلك كريستوفر وارنر Christopher Wrenباني لندن الحديثة بعد حريقها الكبير في سبتمبر 1666 (الحريق الذي دمر لندن القديمة وإتهم به العامة الماسونيين (المعماريين) لمصلحتهم المالية في إعادة البناء مثلما إتهموا به عموم طوائف السوق لمصلحتهم به في الهرب من دفع الضرائب التي تكثفت عليهم، بينما إتهم السوقة عناصر الملك بإشعال الحريق هدماً لمحلاتهم وتكسيراً لثوراتهم القادمة، ولكن ذكر الحريق في الروايات الرسمية قر على كونه حريقاً إنطلق من مخبز). كذلك برز إسم إبوقراط الطب في إنجلترا الحديثة سيدنيهام Thomas Sydenham ، وكذا إسم تلميذ بويل Robert Boyle ومساعده الكيمائي جون مايوو John Mayow ولورين روكي Laurence Rooke الذي أوتي به كيمبردج ليضحى أستاذ الفلك في أكسفورد ثم أستاذاً للهندسة في كلية جريشام، وغيرهم كثير.

وفي خضم الثورة السوقية التي إستمرت من أول الأربعينيات إلى أواخر الخمسينيات من القرن السابع عشر تمت (محاكمة) وإعدام الملك شارلز الأول وأحضر لـ(محاكمته) أعضاء البرلمان المعادين له بينما منع جيش السوق أنصاره أعضاء البرلمان من دخول قاعة (البرلمان| المحاكمة) وبإعدامه إستتبت الأمور لأهل السوق وقائدهم كرومويل حتى وفاته وإستدعاء إبن الملك المعدوم (الوريث الشرعي) شارلز الثاني للحكم وبذلك الموت والتوريث عاد حكم الأمور العلمية إلى أرستقراطي لندن.


الظروف الجديدة والتكوين الجديد:
وفي نوفمبر 1660 على إثر محاضرة لكريستوفر وارن في كلية جريشام رؤي تكوين كيان وجمعية للتعلم والتحقيق والخبرة الفيزيورياضية وإنتخب لرئاستها ويلكنز ومعه واحد وأربعون عضواً ، زادوا إلى مآئة وكان منهم روبرت مورايRobert Moray الذي عاد لهم أو عليهم بالرعاية الملكية . وبعد سنتين من ذلك الحدث وثبوت أعمال الجمعية قام الملك شارلز الثاني بإعتمادها بإسم "الجمعية الملكية لتقدم معرفة الطبيعة"Royal Society for the Improvement of Natural Knowledge وقت كان الفروق الفلسفية بين المعرفة والعلم -كما هي حتى الآن- مشوشة ومختلطة وكان ذلك الإعتماد تأسيس جديد بهيكلة جديدة للجمعية وضعت رئاستها إلى اللورد برونخرLord Brouncher بينما منحت السكرتارية لويلكنز ومعه رجل السوق والأعمال صاحب الإتصالات الواسعة في أوربا هنري أولدنبيرج Henry Oldenburg وبعد عشر سنوات حوالى سنة 1670 إرتفع عدد أعضاء الجمعية إلى مآئتين ثم إنحدرت إلى مائة وخمس وعشرون عضواً سنة 1700 ثم إرتفعت سنة 1800 إلى خمسمآئة عضو، بيد إن نصفهم كانوا أعضاء فخريين لا نشاطات علمية حقيقية لهم، ولم يكن بين العلميين من أضاف نظرية جديدة لما أحدث من قبلهم فويلكنز وتلميذه سبرات Sprat كانا مهموين بأمور تنظيم الجمعية العلمية أكثر من همهم بالعلوم.


جدل العمومية والتخصص ونتائجه الخاصة والعامة:
كان الميسم العام لتطور أعمال لجمعية منذ بداية تكوينها إلتزامها بسياسات فرانسيس بيكون في الهم بالتعليم النظامي والتطبيق المفيد للرؤى العلمية في الحياة الإنتاجية وتشجيع الإتجاهات التخصصية الموسوعية، مما تمثل في تقدم بيتي في تأريخ الحياة الإقتصادية زراعتها وصناعتها وشحنها، بينما إتجه بويل إلى تفصيل كل ماله علاقة بالكيمياء في الحياة الإقتصادية البريطانية، أما نيوتن الذي أضحى عضواً فيها سنة 1671 فقد كان تقل أعمال جاليليو طاغ على حركة أعماله المفصلة لها.

وكان أسلوب روجر بيكون وحفيده فرانسيس ماثلاً في طبيعة تكوين وحركة الجمعية لتحقيق أهدافها فيما ذكره روبرت هووكي Robert Hooke سنة 1663 حين قال: ان تصميم وعمل الجمعية الملكية هو تطوير معرفة الأشياء الطبيعية وكل الفنون العملية والصناعات والتطبيقات الميكانيكية والمُهندسات، والمخترعات، وبلا تعارض مع القداسة والغيبيات والأخلاق والسياسة والقواعد والمنطق تعمل الجمعية لحفظ ما لم يضع منها حتى الآن، ولإختبار جميع النظم والنظريات والمبادئي والرؤى والعناصر والتواريخ والخبرة بالأشياء الطبيعية والحساب والميكانيك الموصوفة والمسجلة أو المطبقة بواسطة أي سلطة متصورة، قديمة كانت أو حديثة، وذلك لأجل نظمها في فلسفة متينة كاملة لشرح كل الظواهر المهيئة بالطبيعة أو بالعمل وتسجيل حساب عقلي لأسباب الأشياء.

كذلك كان وضوح أسلوب فرانسيس وجده روجر بيكون في تفضيل التخصص في فرز الجمعية جهود أعضائها إلى ثمانية من اللجان المتخصصة في سنة 1664 حيث توزع الأعضاء في لجنة الميكانيكا 96 عضواً ولجنة التاريخ الإقتصادي 35 عضواً وفي الزراعة 32 عضواً والفلك 15 عضواً..إلخ، ولكن من جملة أعمال الجمعية الملكية لتقدم العلوم كانت البحوث الفلسفية تشكل فقط 10.3 % خلال السنوات من 1665 إلى 1678 وأضحت 6.6 % في السنوات من 1681 إلى 1699 ثم إنحدر الحالة عن ذلك حيث شُغل العلماء البريطانيين بشؤون التطبيقات وتحسينها عن التأمل والبحث والتمحيص في الأصول النظرية لتلك التطبيقات ومفاتيح تقدمها.

وهي حالة رغم رزئها بالتقدم العلمي كانت ذات جانب مفيد في الأمور العملية لذلك الزمان: حيث إنتقل العلم أو نقل من سماوات الفلك وعباب البحرية إلى شؤون الري والزراعة والحرف والصناعة، ولعل ذلك الهم بالأمور العملية كان لطبيعة تمويل الجمعية التي ذكرها روبرت هوكي في مجلة الموسوعة الصغيرةMicrographia سنة 1664 حين ذكر دور أصحاب الحرف في تأسيس ودعم هذه الجمعية مقدماً ذلك الدور بكلمات ضافية منها هذه المعاني التالية: ((هناك تقدم وإمتياز حققته الجمعية بهم فلإن كثير من رجالها كانوا رجال حركة وإنتقال فإن جودة ذلك تمثلت في نقلهم الفلسفة من عالم الكلمة إلى عالم الفعل والحركة ومن هنا فضل رجال الحرف والأعمال في المشاركة في تأسيس هذه الجمعية)) كذلك في العرفان بهذا الفضل والجميل كتب توماس سبرات في تاريخه للجمعية الملكية سنة(1667) History of Royal Society : ((إن النبلاء والخاصة من عباقرة التجار فعلوا الكثير لتقدم العلوم وتأسيس الجمعية الملكية)) مما فسره بـ((أنه طموح للتوسع التجاري يحققونه إما بالزواج من عائلات السيتي (= السوق) أو بالإثراء الذي يتوخنوه بهذا الإسهام في دفع تقدم فلسفة الطبيعة))


التمحيص والإنتقاد:
في ذلك الزمان عانت جمعية تقدم العلوم (الملكية) من ويلات الإختلاف والإضطراب الديني والسياسي، وكان أكثر من كشف هذه الويلات الطبيب هنري ستوببيHenry Stubbe (1632-1676) الذي رفع مقامه في عهد الثورة والجمهورية إلى درجة أستاذ في جامعة أكسفورد ثم طرحته الملكية العائدة، دون ان يعضده أحد من رفاقه، فتحول ناقداً فكرة وأشخاص الجمعية الملكية لتقدم العلوم كاشفاً خضل النزعة الجزئية والنظر إلى الأمور بشكل مجزوء ينفصل قديمه عن جديده وإقتصاده عن سياسته عن مجتمعه وفلسفته عن دينه، مفضلاً عليه الأسلوب الأرسطي الجامع، وواصماً رفاقه بأنهم أبواق لكرومويل أهملوا الجامعات [كقاعدة أساسية للمعرفة] وإنشغلوا بتهديم المؤسسة الدينية، وإنه لإعادة السلام إلى الدين لابد من إعادة السلام إلى التعليم أو ماهو قريب لهذا المعنى فوفق عبارته ((إنه لصون الدين لابد من العودة إلى التعلم بالصورة القديمة)) أي الصورة التي لا تتناول قدسية الدين أو نصوصه بالتمحيص أو تعرضه لها!؟ وقد ذهب جانب من نقده وتوسله بحماية العقيدة هباء منثوراً لأن أحوال الدين والكنيسة في بريطانيا كانت قد فارقت الكاثوليكية القديمة منذ عهد هنري الثامن ثم عهد إبنته الملكة ماري الأولى في إتجاه زاد قوة بعد وريثيها جيمس وشارلز الأولين بل وإنمحقت سطوة التحالف الملكي الكنيسي الإقطاعي في عهد دولة الكمونولث وحكم السوق (الجمهورية) بقيادة كرومويل مما قاد إلى تأطر و(إستقلال) الشكل الإنجيلكاني للكنيسة في بريطانيا في عهد الملك شارلز الثاني1659-1689.

ولكن بأشكال مختلفة بقيت مفيدة في تاريخ التطور العلمي كثير من الجوانب العملية الفلسفية للنقد الذي وجهه هنري ستوببي وكثيرين مثله وبالذات في التناول الفلسفي والعلمي لموضوعات الحقوق الإنسانية والتشكيلات الإجتماعية مما ظهر في كثير من روابط وتداغمات العلوم الإقتصادية السياسية الإجتماعية والثقافية والحقوقية والتاريخية وأبعادها الفلسفية والسلوكية التي وجدت جميعها تبلورها الشمولي بمقدمة "العلم النظري لتحرير البروليتاريا" في تكوين ذهني جديد للتفكير البشري إمتاز بالشمولية والتفرد والإنطلاق بالسبر والكشف لا من سطوة التدين أو رأس المال فحسب بل وككيان لتحرير العقل البشري من سطوة النظرة الإنغلاقية العازلة بين العلوم والفلسفة والممارسة الإجتماعية ، جامعة لهم بشكل فوق أرسطي أو بشكل أرسطي جداً في مقدمات وتناظير "العلم الجديد" بأبعاده التاريخية والحركية الإجتماعية و"الفلسفة- العلمية" للثورة الإجتماعية مما تجلى في بقوة في تنظيرات "الإشتراكية العلمية".


تحرير العقل وتحرير الإيمان وتوثينهما:
وبعيداً عن تهافت النقد الديني الذي كنف بعض أعمال هنري ستوببي، إنتهى جون ويلكنز وهو العجلة المحركة لجمعية تقدم العلوم ونظمها وتلاميذها قساً في شستر يعظ الناس بفوائد اليسر في الإيمان، وكذلك إنتهى تلميذه سبرات قساً في روشستر، بينما ضرب كل من جون لوك John Locke(فيلسوف الحريات) والكيمبردجي إسحاق نيوتن Isaac Newton(فيلسوف حركة الأشياء) الذي صار عميداً على مواقفهم الإعتقادية ستاراً من الصمت والتضليل في أعمالهم وتصريحاتهم، بيد أن من بقي من أعضاء الجمعية على حال الصابئة والصوفية وأخوة الصفا فقد تم عزله وطرده وإضطهاده وأهرقت جهودهم العلمية والفلسفية وما إليها، وإستمر إزدرائهم وإزراءهم حتى سنة 1689 حيث تقدم حكم السوق في بريطانيا من جديد بفضل الإنقلاب والإحتلال الهولاندي الذي نصب الأندلسي وليم (البرتقـال) سيد سوق أمستردام وجميع هولاند ملكاً لبريطانيا بإسم وليم الثالث، إلذي بدوره زاد هذه الأمور (العلمية) نكالاً حيث رحم هولاء وطرد أولئك.


الأوضاع الأخرى في العالم:
وعدا مإستقر من أمور في شمال أوربا فبمثل هذا الشجن الجامع والمفرق بين أصناف العلوم والعلماء بمعايير السياسة والتحزب كذلك كان حال الفلسفة والعلوم والتقدم العلمي في البحوث والتجارب سياسةً في إقتصاد في مجتمع، في جملة العالم وفي بقية أوربا وخاصة في فرنسا حيث كانت سيطرة الملك على الاكاديمية لدرجة يمكن وصفها بأنها كانت معملاً خاصاً به، رغم نجاحه في تقسيمها لإدارات جغرافية سياسية تصاعدية من الريف والوحدات الإدارية الصغرى فيه إلى باريس العاصمة. وكذلك في ألمانيا، إنعقد الحال العلمي في إماراتها الثلاثمائة بحال الصراعات والإتحادات التي كانت تكونها وبمصالح قوى الإنتاج الكبرى في هامبورج وبرلين، وكذلك أيضا كان الحال السياسي للعلوم ماثلاُ بقوة في إيطاليا رائدة النهضة الأوربية الحديثة: فإذا تركنا تاريخ جمعيات عصرالنهضة والسرية الشديدة التي كنفتها نجد إن (أول) جمعية علمية فيها تأسست في نابولي حوالى سنة 1560 قد إرتبطت بمصالح السوق هناك وكذلك كان تأسيس أكاديمية روما (1601-1630) ثم أكاديمية فلورنسا Academia del Cimento التي عاشت عشر سنوات فقط (1657-1667) فكل هذه الأكاديميات إرتبطت بمصالح السوق وإن واشجت في هذا الإرتباط إتجاهات عددا للتعامل أو لرفض التعامل مع إطلاقات تفاسير الدين المصونة بمحاكم التفتيش وإتهامات الزندقة والتكفير وفي تلك الزحمة الفلسفية والدينية والعملية برع الطليان وإشتهروا بـعلوم وأعمال قياس الحرارة وضغوط السوائل والغازات ومعدلات الحركة. ولعل هم الطليان بالقياس صلة بتاريخ الروم وقيامهم تحت ضغط الشماليين والجنوبيين بتحويل العلوم والفلسفة اليونانية من حالة التمزق المديني وصراعات المركز والمتروبول إلى دولة واحدة كبيرة ذات ألات وأدوات وإقتصادات وجيوش وقوانين وإدارات منظومة بقياسات صمدية، لم تستطع بدورها رغم علمية خططها أو لسبب من قصورها العلمي- الإجتماعي مغالبة ضغوط الفايكنغ والبلغار والجرمان والغال والصلت والفاندال والقراضجة والعرب والعثمانيين الذين رغم جهلهم العام حطموا أطراف الإمبراطورية التي كانت تلقب بـلقب دولة "العلم والإيمان" بل وأحاطوا بمركزها، مما إستمر بقدر أو بآخر حتى قام جيش نابليون المنظوم على نسق الفلسفات والأفكار الحديثة والمسلح بكيمياء البارود والحديد وفيزياء إطلاق المدافع بإلقاء القبض على البابا وحبسه محدداً إقامته وسلطته في نهاية القرن الثامن عشر قبل أن تدور دوائر الدول الكاثولكية والإنجلكانية والأرثوذدكسية برعاية "قوى السوق" ومجتمعاته السياسية على نابليون وتنفيه مشكلة مفهومها الإستعماري الأكبر لشعارات الحرية والإخاء والمساواة وحقوق الإنسان والمواطن!؟




النتائج العامة:
كنتاج عام من هذه الوقائع والأحوال الخاصة السابق ذكرها يمكن التأكيد على ملاحظتين:
1- إرتباط التقدم العلمي في مؤسساته ومحركاته الفلسفية والعملية بالتقدم الإقتصادي وأحواله الإجتماعية وظروفه السياسية.
2- تأثير الصراعات الطبقية وثقافاتها في تحديد جانب من نوعية التقدم العلمي وفي المستوى الإجتماعي لتطبيقاته.

-----------------------------------------------------------------------------------------------

مراجع المقالة:
 S. F. Mason, A History of the Sciences, Routledge & Kegan Paul. London,1953,Ch22pp204-212
 Maurice Ashley, The Golden Century Europe 1598-1715, Phoenix, London 1969. pp 132-133,
 George Macaulay Trevelyan, History Of England, Longmans Green and Co,London, NY, Toronto, 1926-1947 pp 178-186, 289, 290, 291, 299, 300, 322, 366-372, 431, 489, 517-8 522, 523, 525,681





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,218,799,132
- دراسة لأحد ملخصات المناقشة العامة
- الأزمة العالمية و الأزمة السودانية في دارفور
- أهمية العملية الثورية في تكريب القيادة وأهمية القيادة في تكر ...
- مشارق الأنوار... نقاط عن الحركة الإسماعيلية وجماعات إخوان ال ...
- ثلاثة أسئلة
- الماركسية الجديدة وصناعة تجميد الإشتراكية في القالب الفطير ل ...
- مشروع دراسة: -نقاط في تاريخ أمريكا الجنوبية وبعض المعالم الس ...
- بعد إعدام صدام، أهناك سبيل لقيام جبهة وطنية بين أحزاب الكورد ...
- الحزب الشيوعي العراقي والنضال المسلح ضد الإحتلال الأمريكي ال ...
- الحوار المسلح
- في رحاب الأنفال الصليبية .....له الجلال ... قائدنا القتيل مي ...
- نقد عقلية -جرِب حظك- في تقويم وجود الحزب وافكاره
- نقاط في التاريخ الثوري للسوفيتات والعوامل الإصلاحية والرأسما ...
- مقدمات تلخيص ستالين للفلسفة المادية التاريخية ونتائج الهجوم ...
- العولمة والخصخصة في تأثيل الفكر التنموي
- ما بعد الإيمان
- نقاط في علاقة المعرفة والمنطق والفلسفة والعلم والسياسة
- المنصور جعفر
- عزل الوضع السياسي عن المصالح الإجتماعية قاد إلى النفوذ الأجن ...
- محجوب شريف


المزيد.....




- تعرّفوا إلى سباق السيارات -المجنون- والجميل الذي هز العالم
- فرنسا: أكثر من 41 ألف شخص شاركوا في احتجاجات -السترات الصفرا ...
- مؤتمر ميونيخ للأمن: مواقف متباينة بين واشنطن ودول أوروبية بش ...
- أدرعي يرد على نصرالله ويتساءل: لماذا يغيب عن هذه الذكرى رئيس ...
- ترامب: "الخلافة" على وشك السقوط وعلى أوروبا استعاد ...
- ترامب: "الخلافة" على وشك السقوط وعلى أوروبا استعاد ...
- المغرب يكشف تفاصيل جديدة بشأن استدعاء سفيريه من السعودية وال ...
- أول تعليق على ما فعله محمد بن سلمان وآثار الجدل (فيديو)
- إصابة رجل بجروح خطيرة إثر تعرضه للطعن في القدس والشرطة تلاحق ...
- “الثلاسيميا ” خطر يهدد أطفال العراق..


المزيد.....

- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته
- اللسانيات التوليدية من النموذج ما قبل المعيار إلى البرنامج ا ... / مصطفى غلفان
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- كلمات في الدين والدولة / بير رستم
- خطاب السيرة الشعبية: صراع الأجناس والمناهج / محمد حسن عبد الحافظ
- النحو الحق - النحو على قواعد جديدة / محمد علي رستناوي
- القرامطة والعدالة الاجتماعية / ياسر جاسم قاسم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - المنصور جعفر - نقاط من تاريخ الثقافة الرأسمالية في بريطانيا، بعض تفاعلات الدين والعلم والسياسة