المصالح الطبقية الكامنة خلف جدار ترامب


طلال الربيعي
الحوار المتمدن - العدد: 6152 - 2019 / 2 / 21 - 01:19
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

كتب أنطونيو بالمر مقالة بعنوان "المصالح الطبقية الكامنة خلف جدار ترامب" نشرت في صحيفة "الثورة الاشتراكية" Socialist revolution في February 19 2019. ادناه نض ترجمتي للمقالة بتصرف ضئيل.
-----
إن "المواجهة" المثيرة بين ترامب والديمقراطيين حول سياسة الحدود هي تمثيلية ساخرة بين طرفين يمثلان نفس الطبقة.

بعد فترة وجيزة من استعادة الديمقراطيين مجلس النواب في الانتخابات النصفية, أصدرت رئيسة المجلس نانسي بيلوسي تعهدًا متحديًا، وتعهدت بعدم منح ترامب "دولارًا واحدًا" لجداره, قائلة:
"نحن لا نقوم بعمل جدار. هل لدى أحد أي شك حول ذلك؟ نحن لا نبني جدارا. هذا ليس له علاقة بالسياسة. الجدار هو فجوة بين الدول. إنها طريقة تفكير قديمة وليست فعالة من حيث التكلفة."

وبعد شهر من ذلك, وفي أعقاب إغلاق الحكومة لمدة 35 يومًا, أعاد الديمقراطيون النظر في عرض بقيمة 1.375 مليار دولار لـ "سياج" طوله 55 ميلاً, بالإضافة إلى اعتماد موسع لميزانية وزارة الأمن الداخلي, بما في ذلك 1.7 مليار دولار, و زيادة 1،200 ضابط حدود وتكنولوجيات إضافية في موانئ الدخول, وهذا يرفع ميزانية الجمارك وحماية الحدود إلى مستوى قياسي قيمته 14.9 مليار دولار، بالإضافة إلى 7.6 مليار دولار لوزارة الامن الداخلي.

وعلى الرغم من أن 1.4 مليار دولار تقريبًا كانت أقل من مبلغ 5.7 مليار دولار الذي كان ترامب يطالب بها للجدار, إلا أن الرئيس وقع على الصفقة 48 ساعة قبل بدء إغلاق الحكومة الثاني. أعربت صحيفة "نيويورك تايمز" على الفور عن ارتياح الليبراليين لإجباره على التوصل إلى حل وسط, معتبرين أن "وعد الرئيس" الذي أعلن عنه في حملته الانتخابية " قد دخل في طريق مسدود".

ومع ذلك, أدخل ترامب على الفور تطورًا آخر من خلال إعلانه "حالة الطوارئ الوطنية" لبناء الجدار. وهذا من شأنه أن يسمح بتحويل 3.6 مليار دولار من مشاريع البناء العسكرية, و 2.5 مليار دولار من "برامج مكافحة المخدرات"، و 600 مليون دولار من وزارة الخزانة، ليبلغ مجموعها نحو 8 مليارات دولار عندما تقترن بالأموال التي يصرح بها الكونغرس.

أزمة دستورية؟
وقد أدى قرار اتخاذ إجراءات تنفيذية إلى تقسيم الجمهوريين وإرسال الديمقراطيين في سعار من الاستعدادات للمناورات القانونية والتشريعية. في غضون أيام من إعلان ترامب, قدم تحالف من 16 ولاية بقيادة النائب العام في كاليفورنيا شكوى, وبدأت موجة من الدعاوى القضائية الأخرى. على الرغم من أن قانون الطوارئ الوطني لعام 1976 يترك الأمر للرئيس ليحدد ما يشكل "حالة طوارئ وطنية", فإن الكثير من المقاضاة ضد خطوة ترامب يركز على حقيقة أنه استخدم هذا الإعلان لتجاوز الكونغرس, بعد رفض طلبه التمويلي الأولي, التي لم يفعلها أي رئيس من قبل.

في الواقع, إلى حد كبير, ليست (عدم) "دستورية" إعلان الطوارئ هي التي تقلق بقية المؤسسة السياسية, بل هي حقيقة أنها تهدد بسحب الستار الذي يغطي ما يسمى "فصل السلطات" و تقديس "الضوابط والتوازنات" التي تستخدم لإعطاء الدولة قشرة من الحياد والديمقراطية. إذا كان الإجراء التنفيذي كافياً لتمرير إجراءات الطوارئ دون المرور عبر حواجز تأمين موافقة الكونغرس, فإن هذا يقوض العذر التقليدي الذي يبرر عدم اتخاذ إجراء بشأن إصلاحات أخرى مثل الرعاية الصحية الشاملة — والتي ، على أي حال, هي "حالة طوارئ وطنية" أكثر معقولية.

كتب ديفيد والر, المستشار القانوني للجمهوريين بخصوص قواعد القانون, قبل إعلان ترامب ما يلي:
"لا توجد حالة طوارئ, وينبغي أن يؤدي التهديد المتجدد من جانب الرئيس لحمل كل الناس على الفكير مليا - بغض النظر عن قناعاتهم السياسية- حول سابقة يمكن أن يخلقها مثل هذا الإعلان اذا نجى بطريقة ما من تحد قانوني معين. هل يمكن توجيه الجيش لبناء مساكن لمنخفضي الدخل لأن الرئيس المستقبلي يعلن أن عدم المساواة الاقتصادية هي "حالة طوارئ"؟ هل يمكن توجيه فيلق مهندسي الجيش لبناء مزارع الطاقة الشمسية لأن تغير المناخ هو "حالة طوارئ"؟ لو ولو ifs ”لا تعد ولا تحصى ومثيرة للقلق."

وقد رددت كاثي ماكموريس رودجرز, وهي عضوة جمهورية في واشنطن, اصداء هذا القلق "إذا انتخب رئيسا-رئيسة, فكيف ستستخدم إليزابيث وارن أو بيرني ساندرز هذه السابقة لإعلان حالة طوارئ لإجبار الصفقة الخضراء الجديدة على الشعب الأمريكي؟"

كما عارض عضو الكونغرس من ولاية يوتا كريس ستيوارت, الذي شكل مؤخرًا "التجمع المناهض للاشتراكية" في الكونغرس من أجل تحذير "المشرعين والجمهور حول مخاطر الاشتراكية", إعلان حالة الطوارئ: "سواء كان للرئيس السلطة أم لا, فإنه يصنع سابقة خطيرة ويضع أمريكا على طريق سنندم عليه".

الولايات المتحدة الآن أكثر استقطابا من أي وقت آخر في الذاكرة الحية- ربما أكثر من أي وقت مضى منذ الحرب الأهلية. إن جذور هذا الاستقطاب هي أزمة النظام الرأسمالي والطريق المسدود الذي يمثله الملايين الذين رأوا مستويات معيشتهم تنخفض وتتبدد آفاقهم المستقبلية. الشعور العام بأن المجتمع في حالة تدهور واسع الانتشار. وينعكس ذلك في طرق متناقضة ومشوهة, في جزء كبير منها نتيجة لنظام حزبيين رأسماليين يحرم الطبقة العاملة من منفذ سياسي.

بسبب هذا الفراغ, هناك منطق واضح لأفعال ترامب. من خلال تأجيج المشاعر الرجعية المعادية للمهاجرين بين قاعدته, إلى جانب تصعيد دعواته للحملة الصليبية ضد النفوذ المتنامي للاشتراكية, يسعى جناح ترامب من الطبقة الحاكمة إلى ترسيخ نظرة عولمة متخلفة على أمل منع ملايين العمال والفقراء من العمل سويةً ضد الرأسمالية.
بدلا من معارضة وجهات النظر هذه, فإن الديمقراطيين يعززونها بكل ارتياح من خلال طرح بديل "أكثر إنسانية" من نفس الرسالة: يجب فرض ضوابط الهجرة, ولكن يجب أن تتم حراسة الحدود بوحشية أقل. حتى عدد قليل من الاشتراكيين كما يصفون أنفسهم والذين تم انتخابهم بأنهم ديمقراطيون يشاركون في هذا الرأي من خلال مبادلة وكالة حكومية بأخرى, مع الإصرار على أن "أمن الحدود" مسألة لا تقبل النقاش.


خفايا الدراما المستمرة تكشف عن نفسها
من الإغلاق الفدرالي للميزانية إلى اعلان حالة الطوارئ الوطنية من قبل ترامب وموجة التحديات القانونية الجارية لوقف "احتكار الرئيس السلطة" يتم تغطية كل فصل من فصول هذه الدراما من قبل وسائل الإعلام الرئيسية كتفصيل جديد مستمر في الصراع على السلطة بين ترامب و" المقاومة . ماذا سيفعل ترامب بعد ذلك؟ كيف سيستجيب الديمقراطيون والكونغرس؟"

من وجهة نظر الطبقة العاملة, هذه الدراما هي عبارة عن تمثيلية جوفاء وساخرة. يؤيد الطرفان في "المواجهة" نفس سياسة عسكرة الحدود وترويع العمال غير المسجلين (قانونيا). سواء كان جدارًا أو "سياجًا", أو مجرد جيش موسع من وكلاء الحدود, فإن سياسة الحدود هي عبارة عن جهد كلا الحزبين, حيث يتم تنقيح هذه السياسة وتحصينها في خلافة متعاقبة من قبل الجمهوريين، ولا سيما الديموقراطيين.

بعيدا عن تقديم أي مظهر من مظاهر "المقاومة" لبرنامج ترامب, كان الديمقراطيون هم الذين سجلوا الرقم القياسي لتوسيع " حالة الترحيل" إلى ما هو عليه الحال اليوم. في عام 2018, قام ترامب بترحيل 256 ألف مهاجر غير شرعي - بزيادة 13٪--- عن عام 2017 , و هم بالكاد أكثر من نصف الـ 409.849 الذين تم ترحيلهم في عهد أوباما في عام 2012.

خلال السنوات الثمان من إدارة أوباما, تم إلقاء القبض على 5.4 مليون مهاجر غير شرعي, وتم ترحيل 5.3 مليون شخص, بما في ذلك 3.1 مليون عملية إبعاد بالقوة و 2.2 مليون عملية ترحيل عن طريق "سحب طلب القبول أو أمر المغادرة الطوعية". بمعدل 1،815 عملية ترحيل لكل يوم من أيام تلك الإدارة. متوسط ترامب اليومي هو 660 حتى الآن. على الرغم من أن وحشية الترحيل التي انتهجها أوباما لم تجذب ابدا الانظار دراماتيكيا كما في حالة ترامب, إلا أن ملايين العمال الذين يتم ترحيلهم أنفسهم يعلمون أن الديمقراطيين لا يمثلون تهديدًا أقل قسوة من الجمهوريين.

منذ نشأة الحركة, كان الكفاح من أجل الاشتراكية أمميًا. كما يقول ماركس وإنجلز في "البيان الشيوعي":
"ان الشيوعيين لا يتميزون عن بقية الاحزاب البروليتارية الا في نقطتين هما:
1. في النضالات التي يقوم بها البروليتاريون من مختلف الامم, يضع الشيوعيون في المقدمة ويبرزون المصالح المستقلة عن الجنسية والعامة الشاملة لمجموع البروليتاريا.
2. في مختلف مراحل التطور التي يمر بها النضال بين البروايتاريين والبرجوازيين يمثل الشيوعيون دائما, المصالح العامة للحركة بكاملها."
http://ciml.250x.com/archive/marx_engels/arabic/me_communist_manifesto.pdf

بينما تبدأ الحركة الاشتراكية الناشئة في التبلور في الولايات المتحدة, فإن عدداً قليلاً جداً من الأصوات يطرح منظوراً طبقيًا فيما يتعلق بمسألة الهجرة, مفضلاً معاملته كمسألة أخلاقية مجردة لتقييد القمع الوحشي على الحدود, دون تقديم أي شيء يمكن استبداله "بمراقبة الحدود" للدولة الرأسمالية. لكي تتمكن الاشتراكية الأمريكية من اتخاذ خطواتها الأولى, سيتعين على الحركة التخلي عن الأحكام المسبقة الليبرالية التي أبقتها في حالة طفولة حتى الآن.

في هذه المعركة, تتمثل المهمة الأولى للاشتراكيين في مفهوم أن الطبقة العاملة طبقة عالمية تشارك في صراع عالمي من أجل مصالحها ضد المصالح الضيقة وغير المنطقية للنظام الرأسمالي. العائقان الرئيسيان أمام التقدم البشري اليوم هما الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والدولة القومية. لقد أدت احتياجات السوق إلى خفض مستويات معيشة الناس في جميع أنحاء العالم بينما قيدتهم داخل الحدود الاصطناعية التي أقامتها الرأسمالية في عهدها التاريخي, ولكنها لم تعد تخدم أي هدف تقدمي.

اليوم, الدولة القومية هي أداة لحماية أرباح القلة وخلق طبقة مستغَلة من الطبقة العاملة, مما يسمح للرؤساء بتخفيض الأجور وتهديد العمال باستبدالهم. وبينما يستخدم الرأسماليون الجدران والشرطة لتطويق الحدود, فإن الرأسماليين أنفسهم لا يحترمونها. ومدير الثروة الذي قضى سنوات في العمل مع المليارديرية قال لـ NPR (الراديو الوطني العام) : "الحدود الوطنية ليست مهمة بالنسبة لهم-للرأسماليين ولربما ينبغي التخلي عنها".

لا يوجد سبب لوجود مثل هذه الحدود لأي شخص. ولكن من أجل التوصل إلى حل حقيقي ودائم, يجب أن نتجاوز ما هو "ممكن" داخل الرأسمالية. الطريق الوحيد للخروج من الطريق المسدود هو أن تتحرك الحركة العمالية وتنظم كل الطبقة العاملة -سواء كانت مسجلة قانونيا أم لا. من خلال النضال من أجل منح الشرعية غير المشروط لجميع العمال والحقوق النقابية والأجور المرتفعة-, يمكن للعمال تحويل مسألة الهجرة من سلاح الرأسماليين إلى تقسيمنا إلى سلاح الطبقة العاملة ضدهم.








تعليقات الفيسبوك