الماركسية والعلم والصراع الطبقي 4


طلال الربيعي
الحوار المتمدن - العدد: 7897 - 2024 / 2 / 24 - 07:21
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     

ان الرفض المطلق لمنظري التطبيق العملي لطبيعية الأممية الثانية و"عودتهم إلى هيجل" كان في الواقع عودة إلى مفهوم الديالكتيك الذي كان جوهره "ذات عالمية universal subject"
(على عكس كاتب المقالة, إني اعتقد ان لينين نفسه, رغم انه النقيض الكامل لمنظري الأممية الثانية, كان هيغليا اكثر منه ماركسيا (ماركس في رأس المال) لأنه لم يتبع حرفيا-دوغماتيا او يقدس التسلسل الماركسي النمطي للتحولات التاريخية بالانتقال الى الاشتراكية واقتصارها كبداية على البلدان الرأسمالية المتقدمة, باعتبار إن روسيا لم تكن دولة راسمالية متقدمة على عكس دول مثل بريطانيا او ألمانيا آنذاك, اولا.
كما إن لينين اعلى كثيرا من أهمية الوعي البشري -البروليتاري في احداث التغيير, متمثلا بالحزب الطليعي, حيث يكون الحزب هو الذات العارفة لموضوعها او البروليتاريا-انظر ادناه أيضا, ثانيًا. وهذا قد يمكن تفسيره فيما يقوله لينين إن فهم رأس المال لماركس غير ممكن بدون فهم كتاب "علم المنطق" لهيغل. وقد قام لينين نفسه بتلخيص وشرح هذا الكتاب بسبب أهميته الفائقة للماركسية والماركسيين.
Vladimir Ilyich Lenin
Conspectus of Hegel’s book
The Science of Logic
https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1914/cons-logic/index.htm
ولذا ليس من الغرابة بمكان ان غرامشي نفسه يقول إن
"البلاشفة يرفضون كارل ماركس
تتكوّن الثورة البلشفيّة من أيديولوجيّات أكثر منها أحداثاً، (وبالتالي، ففي نهاية المطاف، لسنا نحتاج حقّاً إلى أن نعرف أكثر ممّا نعرف أصلاً). إنّها الثورة ضدّ كتاب «رأس المال» لكارل ماركس. في روسيا، كان «رأس مال» هو كتاب البرجوازيّة أكثر منه كتاب البروليتاريا. إنّه يمثّل البيان النقديّ عن الكيفيّة التي بها يتعيّن أن تتبع الأحداث مساراً محدّداً سلفاً: أي كيف يتعيّن على البرجوازيّة أن تتطوّر في روسيا، وكيف يجب أن تُفتتح حقبةٌ رأسماليّة تترافق مع تأسيس نمطٍ غربيّ من الحضارة، قبل أن يساور البروليتاريا حتى التفكيرُ في شروط انتفاضتها الخاصّة، وفي مطالبها الذاتيّة، وثورتها المميّزة. لقد فجّرت الأحداث الترسيميّة النقديّة التي تحدّد مسار تاريخ روسيا وفق قواعد المادّيّة التاريخيّة. يرفض البلاشفةُ كارل ماركس، وتشهد ممارساتهم ومنجزاتهم السافرة على أنّ قواعد المادّيّة التاريخيّة ليست بذات القدْر من الجمود كما التصوّر السابق والحالي عنها."
"الثورة ضد كتاب «رأس المال»"
"انطونيو غرامشي
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=609012
ولذا اعتقد إن الأحزاب الشيوعية في بلدان التبعية الرأسمالية ينبغي أن تكون لينينية اكثر منها ماركسية, لان اعتناقها للثانية على حساب الأولى سيكفل بسد افقها بسبب استحالة هذه البلدان تحقيق أي تطور رأسمالي-انتاجي ذا مغزى نظرا لظروف العولمة وبسبب تفاوتات تاريخية هائلة في مستويات تطور الإنتاج, مقارنة مع البلدان الرأسمالية المتقدمة, وخصوصا بعد غياب "القدوة " بانهيار الاتحاد السوفيتي او حتى لسنوات عديدة من قبل, مما يجعله من (شبه!؟) المستحيل سد فجوتها حتى بالمقدار الأدنى. لذا يمكن القول إن اللينينية تسلك هنا كحافز فكري للتفاؤل واستعادة الثقة بالنفس, في حين إن الماركسية (بمفردها بدون اللينينية) قد تكون وصفة للتشاؤم والعدمية في هذه البلدان التابعة. وذلك لأن الجماهير، كما يؤكد العديد من المنظرين السياسيين، لا تشرع بالعمل من أجل قضية بسبب عقلانيتها أو مشروعيتها، بل فقط عندما تشعر هي بالأمل بانتصار القضية. أي إن العالم يجب حقنه بالأمل من أجل تغييره كما يذكر بلوخ Bloch
THE PRINCIPLE
OF HOPE
Volume One
Ernst Bloch
https://edisciplinas.usp.br/pluginfile.php/4179818/mod_resource/content/1/THE%20PRINCIPLE%20OF%20HOPE%20VOLUME%20I.pdf
و
مولتمان
Theology of Hope by Jurgen Moltmann
https://ia804503.us.archive.org/3/items/jurgenmoltmannth00mcka/jurgenmoltmannth00mcka.pdf
النظر الى الأمور بهذه الشاكلة يحملنا على الاعتقاد, على نقيض المنظور اللينيني, يبدو الأمل خافتا او باهتا بإحداث التغيير التاريخي نحو الاشتراكية في بلدان التبعية من خلال المنظور الماركسي البحت. ولذا, في البلدان التابعة على الأخص, تصبح اللينينية مبعثًا للأمل واستعادة الأفق التاريخي ومنطلقا لجعل الشيوعية راهنة برفضها للحالة الراهنة, على عكس "ميتافيزيقية" الماركسية لوحدها التي تحيل الشيوعية الى مشروع مؤجل الى ابد الآبدين!
ط.ا.)

الماركسية مقابل التاريخانية
Marxism vs. historicism
على أيدي الماركسيين الهيجليين، ما بدأ كرفض لديالكتيك الطبيعة لإنجلز ونظرية الانعكاس للمعرفة، أدى إلى انقلاب كامل للمادية الديالكتيكية لماركس وإنجلز والعودة الكاملة إلى ديالكتيك هيجل الذاتي. إن تحديد التاريخيين لإشكالية العلاقة بين العلم وموضوعه من جهة، والعلاقة بين النظرية والممارسة التي تتمحور حول مقولة "الذات الكلية" من جهة أخرى، لم يكن ممكنا إلا من خلال العودة الكاملة إلى الديالكتيك الهيغلي، لأن الواقع، بالنسبة لهيجل، كان يعتمد فقط على هوية مباشرة (على عكس الوحدة الوسيطة) للذات والموضوع. بكلمات أخرى، لا يمكن اختزال مسألة الأساس المعرفي للعلم إلى مستوى الممارسة الذاتية إلا عندما تؤخذ الذات بالمعنى الهيغلي: كذات تمتلك الموضوع كجزء من كينونتها، كذات مطلقة. ونتيجة لهذه التفسيرات الهيغلية، اتسع مجال الصراع الطبقي -أي مستوى الوساطة الاجتماعية- ليشمل أيضًا عملية الوساطة التاريخية بين البشر والطبيعة. بكلمات أخرى، لقد انهارت عملية التطور التاريخي للقوى المنتجة برمتها في مجال التناقضات الطبقية. لقد تحولت البروليتاريا، باعتبارها أداة للصراع الطبقي في المجتمع الرأسمالي، إلى "الذات" العظمى للتاريخ (او بعبارة اخرى تصبح البروليتاريا حاملة شعلة روح هيغل المطلقة. ط.ا).

وبنفس الطريقة، تحول العلم، الذي اعتبره ماركس نتاج التفاعل المتبادل بين الإنسان والطبيعة من خلال العمل الإنتاجي، إلى إيديولوجية مختلف الطبقات المتصارعة. مثل هذه الخطوة، بالطبع، لم تكن مجرد رفض لتفسيرات إنجلز ولينين لماركس، بل لمفاهيم ماركس الديالكتيكية أيضًا؛ رفض لا يخلو من تناقضات خاصة به. أولا، من الحقائق الثابتة أن البروليتاريا بالنسبة لماركس ليست خالقة للرأسمالية، بل هي بالأحرى خلق، نتيجة لعملية الوساطة التاريخية التي بلغت ذروتها في علاقات الإنتاج الرأسمالية. بالنسبة له، فإن علاقات الإنتاج الرأسمالية، ككل، تتجاوز الوجود المباشر للبروليتاريا، وبالتالي فهي خارجة عنها.

وبالتالي، فإن وعي البروليتاريا بالعلاقات الرأسمالية لا يمكن أن يكون الوعي المباشر الذي تتطلبه الذات الهيغلية، بل وعيًا مكتسبًا. علاوة على ذلك، حتى لو قبلنا حجة لوكاش بأن البروليتاريا هي الذات والموضوع في الرأسمالية، لا يوجد حتى الآن تفسير لكيفية يمكنها أن تتجاوز كيانها وتطور شيئًا آخر غير الوعي الرأسمالي. حتى بالنسبة لهيغل، تصبح الذات من خلال اغترابها واعية لما هي عليه، وليس ما تفضل أن تكون عليه. ومن أجل تحديد مكانتها في علاقات الإنتاج الرأسمالية ضمن منظور تاريخي، يجب على البروليتاريا أن تكون قادرة ليس فقط على تجاوز كيانها المباشر، بل أيضًا على تجاوز العلاقات الاجتماعية الرأسمالية، ورؤيتها كنتيجة لعملية الوساطة التاريخية بين الإنسان والطبيعة. وهذا بالطبع غير ممكن بالنسبة للبروليتاريا حتى في إطار المخطط الهيغلي، لأن الذات الهيغلية محدودة أيضًا بكيانها. وهكذا، حتى في إطار هذا المخطط، فإن مفهوم البروليتاريا باعتبارها ذاتًا وموضوعًا للتاريخ هو أمر متناقض. إن محاولة لوكاش لحل تناقضات الفلسفة البرجوازية “من داخل إشكالية المجتمع البرجوازي نفسه” هي بالتالي متناقضة وغير مقبولة (Callinicos 1976, 26).

ومع ذلك، تجنب غرامشي هذا التناقض من خلال القول بأن وعي البروليتاريا ليس نتيجة لاغترابها، بل نتيجة لنفي اغترابها - أي نتيجة لما يسميه "توحيدها". ومع ذلك، فإن هذا يقوده إلى خطوة واحدة فقط وراء لوكاش. ومن خلال ربط "الموضوعية" بـ"الإجماع"، فإن غرامشي يقول في الواقع إن العلم ممكن فقط في ظل الشيوعية. لكنه غير قادر على إظهار كيف أن البروليتاريا، أو على الأقل حزبها الطليعي، قادر على تطوير أي وعي اشتراكي – وحتى النضال من أجل الاشتراكية – في ظل علاقات الإنتاج الرأسمالية المتناقضة. وبعبارة أخرى، فهو غير قادر على تفسير الماركسية نفسها. وأفضل ما يمكن أن يفعله هو أن يعزو الوعي الشيوعي للطليعة إلى كونها "سابقة لعصرها". وهكذا فإن البروليتاريا، وفقا لغرامشي، محاصرة في حلقة مفرغة ولا يمكنها أن تحقق الموضوعية إلا إذا توحدت من خلال تأسيس الشيوعية، ولا يمكنها أن تقيم الشيوعية إلا إذا ناضلت من أجلها موضوعيا من خلال صراعها الطبقي السياسي.

​ إن مثل هذا المفهوم الثنائي للموضوعية، الذي يقسم التاريخ إلى مراحل موضوعية (شيوعية) وغير موضوعية (ما قبل الشيوعية)، هو نتيجة رفض غرامشي لوجود أي واقع موضوعي خارج وحدة الذات نفسها. وهذا، بالطبع، يتناقض مع مفهوم ماركس للعلم. بالنسبة لماركس، فإن موضوعية العلم تقوم على الفصل والوحدة الجدلية بين الذات والموضوع. في الواقع، فإن إمكانية العلم ذاتها مبنية على هذا الفصل. ووفقا له "كل العلوم ستكون زائدة عن الحاجة إذا كان المظهر الخارجي وجوهر الأشياء يتطابقان بشكل مباشر" (1998، 804)
(نقرأ المزيد عن هذا في شرح لينين لكتاب علم المنطق لهيغل الوارد ذكره اعلاه.
كما ان كلام غرامشي عن استحالة وجود علم ما قبل شيوعي خاطئ لأسباب عديدة منها:
1- الماركسية نفسها هي أيضا مستمدة من علوم "برجوازية!" رغم نقدها إياها.
2. العلم في المجتمع الشيوعي لا يمكن فصله ميكانيكيًا عن العلم البرجوازي الذي يصبح بعرف غرامشي غير موضوعي وبالتالي ليس علما. فهل سيصبح علم نيوتن او انشتاين او نظرية الكم او هندسة ارخميدس, على سبيل المثال بالطبع لا الحصر , بجرة قلم, ليست علوما بدخولنا عصر الشيوعية؟ الجواب طبعا هو كلا قاطعة!
3- غرامشي هنا ينفي صفة العلمية حتى عن نفسه لان إيطاليا وقتها لم تكن (وما زالت غير) شيوعية!
4. المجتمع الشيوعي المنشود ليس مجتمعا واحدا (كما ذكر من قبل, ليس C وانما c) وبالتالي تكون ال C مجرد مفهوم تجريدي سوف يعيق انبثاق الشيوعية c ويؤدها وهي في المهد ط.ا).
يتبع