مأزق الرئاسة مرآة لأزمة النظام

حنا غريب
الحوار المتمدن - العدد: 5315 - 2016 / 10 / 15 - 11:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


1) هناك من يقول أن انتخاب رئيس للجمهورية، وما ينطوي عليه من إمكانية للحدّ من الفوضى العارمة المسيطرة على السلطات والمؤسسات العامة، يبقى في المدى القصير أفضل من استمرار التجاذبات الفوقية بين أطراف التحالف الطبقي والطائفي المسيطر، لأن من يدفع ثمن هذه الفوضى في الأساس هو الشعب اللبناني. ولكن خطوة كهذه لا تشكّل حلّاً فعلياً لأزمة النظام اللبناني، باعتراف أطرافه الأساسية، التي لم تجد بديلاً عن تكرار المساعي لإنتاج تسوية محلية عبر "لبننة" الحلول، أي جعل الرئيس "يصنع في لبنان"، طالما أن الخارج "مشغول ومنصرف عن همومنا" حالياً، وطالما قوة الأمر الواقع أصبحت ضاغطة على الجميع مع اقتراب استحقاق الانتخابات النيابية.
هذا الخارج الذي سبق له الاضطلاع على الدوام بدور الضامن الأساسي لانتخاب الرؤساء في لبنان. وبهذا المعنى فإن تلك المساعي تعبّر عن المأزق الذي تعيشه أطراف الحكم، أكثر من تعبيرها عن خيار واعٍ وحرٍّ فرضته المصلحة الوطنية. فضلاً عن ذلك، فأن "يُصنع الرئيس في لبنان" لا يعني بالضرورة أنه من صنع اللبنانيين، حتى لو صرفنا النظر عن كون الهيئة الناخبة اليوم مشكّلة من نواب انتهت مدّة صلاحيتهم منذ ثلاث سنوات. والهدف من تلك العبارة هو تضليل الشعب اللبناني عبر الإيحاء له بإمكان إنتخاب رئيس دون الرجوع للخارج، في الوقت الذي يغرق فيه لبنان في التبعية المطلقة لهذا الخارج في المجالات كافة، مما يعني أن تمرير أيّ حلٍّ لن يكون ممكناً ما لم يكن منسجماً مع مصالح الأطراف الخارجية. فالخارج هو الذي أنتج كل القرارات والتسويات الكبرى المتعلقة بتأسيس الدولة اللبنانية وإيقاف النزاعات المتعاقبة منذ حكم الرئيس كميل شمعون، بما في ذلك قرار وقف الحرب الأهلية، حيث غالباً ما حملت تلك القرارات أسماء المدن التي أقرت فيها من القاهرة إلى لوزان وصولاً إلى الطائف والدوحة وغيرها.
2) نحن إذن ــ في ضوء ما سبق ــ أمام محاولات ملتبسة للوصول إلى تسوية داخلية يسميها البعض اتفاق الأقوياء، عبر معالجة موضوع الرئاسات الثلاثة دفعة واحدة في إطار صيغة صريحة لمحاصصة ثلاثية تعوّم صيغة الترويكا، أي تكرار المجرّب. وبالشكل، وإذا ما نجحت هذه التجربة في انتخاب رئيس للجمهورية، تبقى الأزمة الرئيسة، أزمة النظام السياسي المولّد لكل الأزمات بدون حل، إذ تبقى الأسئلة قائمة: ماذا بعد انتخاب الرئيس، في مواجهته للأولويات المتناقضة والمشكلات المتفاقمة؟ وما هي الضمانة لعدم تعرّض هذا المسار للتعطيل، من داخل منطق النظام نفسه أو بتأثير من الخارج، إذا ما شعر طرف داخلي بالغبن، أو أعاد الطرف الخارجي النظر في حساباته ربطا بأيّ مستجدات؟
3) غير أن أسباباً كثيرة تجعلنا نستبعد نجاح هذه المساعي التسووية، وأهمها الآتي:
أ‌- إن تبعية التشكيلات السياسية الطائفية للقوى الخارجية ليست من النوع الذي يتيح لهذه التشكيلات التصرف بدون إذن صريح من تلك القوى، وأيّ تسوية "داخلية" ينبغي بالتالي أن تضمن مطالب الأطراف الخارجية. غير أن تلك المطالب هي متضاربة بامتياز، بحسب ما تشهد عليه النتائج الهزيلة للزيارات المكوكية التي يقوم بها المعنيون بالموضوع عبر عواصم بلدان المنطقة والخارج. وإذا كانت هذه العواصم قد حيّدت لبنان – حتى إشعار آخر - عن التفجير، فليست هناك ضمانات آجلة لاستمرار إبعاد لبنان عن الصراعات الإقليمية، وبخاصة النزاع العربي ــ الصهيوني والحرب الدائرة في سوريا وعليها.
ب- إن الأزمة ليست في إنتخاب رئيس، بل هي أزمة نظام سياسي طائفي لا ينفك ينتج الانقسامات بين اللبنانيين على إيقاع انقسامات الخارج. وتحول آليات عمل النظام دون تمكّن أي رئيس أو حكومة أو برلمان من ممارسة الصلاحيات بشكل مستقرّ وطبيعي، ويستميت أهل النظام بالرغم من ذلك في الدفاع عن هذا النظام، ويصبح السائد في منطقهم هو معالجة الطائفية بمزيد من الطائفية (على قاعدة شد العصب: إن عدتم عُدنا). والمشكلة أن أطراف الحكم كافة تتفق فقط على ما يؤمن إحتفاظها، بالسلطة، وهي تتخاطب بمنطق "التفاهمات والسلال" كتعبير عن الاشتراطات التي تضعها على بعضها البعض في معرض عملها على تقاسم السلطة، ليس إلا. ولذلك يصرّ كل طرف على معرفة حصته مسبقاً، في المواقع النيابية والوزارية ورئاسة المجلس ورئاسة الحكومة والوظائف الأساسية، بعيداً كل البعد عن الهموم الوطنية وهموم الفئات الفقيرة والشباب، وأهمها: سبل إخراج البلد من وضعه الاقتصادي المأزوم ومواجهة مشاكل الدين العام وتباطؤ النمو وإنعدام فرص العمل وتفاقم البطالة والهجرة وتراجع المداخيل وتجميد الأجور وسلسلة الرتب والرواتب، واستفحال معضلة النفايات والخدمات العامة من مياه شرب وكهرباء، إلى أزمة المستأجرين وصغار المالكين، إلى أزمة النقل والسائقين، إلى أزمة حماية وتصريف الانتاج لمزارعي التفاح والاشجار المثمرة والقمح ومربي الدواجن وعدم التعويض على الأهالي لاسيما في بلدة عرسال المحاصرة وغيرها بينما تتوسع الأطراف الحاكمة من سيطرتها على الأملاك البحرية كما يحصل اليوم على شاطىء كفرعبيدا وعدلون ولا يحاكم المسؤولون عن نهب الأموال العامة في الإنترنت غير الشرعي وفي شتى مزاريب الهدر والفساد وآخرها فضيحة صفقة المعاينة الميكانكية. ويضاف إلى ذلك كله اختلاف هذه الأطراف حول تمييز العدو من الصديق، وتجاهلها للمخاطر المصيرية المحدقة بلبنان.
ج- إن مجرّد التجميع المؤقت للقوى لا يجترح معجزة وطنية، بل تنحصر وظيفته في خلق أوهام حول مقولات من النوع: "الرئيس القوي"، "صُنع في لبنان"، "الميثاقية واستعادة حقوق الطائفة"،... وهذه كلها مقولات أملاها التغيّر الحاصل في علاقة كل من الطوائف بالدولة خلال العقود الأخيرة، ولا علاقة لها بأيّ تباين بين الأطراف حول نهج التعاطي المطلوب مع واقع المشكلات والتحديات الوجودية الني يواجهها البلد راهناً، بل أن هدفها يقتصر على السعي إلى زيادة حصة طرف على حساب طرفٍ أو أطرافٍ أخرى، على غرار ما كان يؤمّل حصوله عبر طاولة الحوار، ولكنه لم يحصل فعلاً بسبب استفحال الخلافات الفوقية على تقاسم المصالح وتبادل الضمانات. ولعلّ أشدّ ما يلفت النظر هو كثرة التحالفات والتفاهمات الثنائية بين أطراف السلطة (نحو نصف دزينة من التحالفات)، من دون أن تتمكن هذه التفاهمات من انتاج جامع مشترك بين الأطراف المعنية يتجاوز حدود الاعتبارات الظرفية والمصلحية الضيقة، ليلج إلى الخيارات الوطنية والمجتمعية الكبرى. وهذا ما يدعو إلى التساؤل مرّة أخرى: كيف لهكذا تركيبات أن تتوصل إلى تسوية من دون رعاية أجنبية؟
4- كيف نعطَل المسرحية؟ إن تعطيل المسرحية يكون بإحتلال المسرح. إن الحزب الشيوعي يؤكد أن إنتخاب الرئيس، سواء تحقق بدعم خارجي أو بدونه، لن يقدّم حلولاً ناجعة للأزمة اللبنانية، التي أدّت إلى تمزيق النسيج الاجتماعي للبلد وتسهيل الاستثمار السياسي المطلق للظاهرة الطائفية، ومكّنت التحالف الحاكم من تفكيك الحركة النقابية ووضع اليد على الاتحاد العمالي العام وإفراغ النقابات من محتواها الاجتماعي والطبقي، بما في ذلك نقابات المهن الحرة والروابط في المؤسسات الرسمية. والأخطر من ذلك، أن تلك الأزمة فد ساهمت في إنهيار المؤسسات الحكومية التشريعية والتنفيذية، حتى الشكلية منها، وفي تفريغ الإدارة العامة من عوامل قوتها، وأدّت إلى تعطيل العمل السياسي عموماً في البلد، وإلى إخضاع الإعلام وتسليع الثقافة الوطنية. وفي مواجهة هذه الأخطار الكبيرة، يرى الحزب الشيوعي أن المهمة الأساسية تتمثّل في إنتاج آليات تسهم في تحرير الفئات الشعبية من تبعيتها لأطراف السلطة وتعطيل آليات استتباع وإخضاع هذه الفئات من قبل القوى الطائفية المسيطرة. وهذا ما يدعونا للعمل من أجل الدولة العلمانية الديمقراطية، عبر:
- إطلاق حراك شعبي ونقابي وسياسي قادر على إحداث خروقات سياسية وانتخابية على صعيد اصلاح قانون الانتخابات، على قاعدة النسبية وخارج القيد الطائفي ولبنان دائرة واحدة، استناداً وتثميراً إلى ما سجلته الحراكات الشعبية والنقابية السابقة من نجاحات، وآخرها الانتخابات البلدية التي تمكنت فيها القوى الديمقراطية واليسارية والشعبية من تحقيق نتائج متقدمة وملحوظة في العديد من البلديات ومن إحداث خروقات في عشرات المجالس البلدية يمكن البناء عليها.
- فتح ملفات الفساد السياسي لأطراف السلطة كافة، والتحرك لمحاكمة الفاسدين، وللكبار قبل الصغار.
- تجميع القوى عن طريق التحرك على الأرض من أجل المطالب الاجتماعية والمعيشية والتنموية لكل المتضررين من سياسات الإفقار والتهميش، عبر التواصل مع قواعد القطاعات كافة وتشكيل لجان العمل النقابي المستقلة في مراكز العمل وتشجيع الانتساب للنقابات المستقلة وتشكيل أطر نقابية جديدة ومستقلة في المهن المستحدثة التي لا يوجد فيها نقابات، والعمل الجاد من أجل تشجيع قيام حركة ثقافية وطنية تتصدى لابتذال الثقافة وتسليعها وتطييفها، وإطلاق حركة شبابية وطلابية تستعيد إمتلاك وتجسيد حقها في تعليم رسمي نوعي ومتطور ومنفتح على تحديات العصر وفي اكتساب مهارات مهنية مستدامة خلال مرحلتي التعليم والعمل.
بمقدار ما ننجح في تحقيق هذه الأهداف بمقدار ما يتمكن الشعب اللبناني من تعطيل المسرحية السياسية الهزلية الراهنة، ويصبح قادراً على إنتاج تاريخه وتقرير مصيره ومصير الوطن. وهذه القفزة تتطلب أن يعيد اليسار اللبناني بناء نفسه، وحزبنا منه على وجه الخصوص، بالتفاعل مع أوسع القوى الديمقراطية والمدنية التي أقصاها النظام فعلياً عن الحياة السياسية، وفرض على أقسام منها الالتحاق الذيلي بركب الطوائف وفتات السياسات التوزيعية والزبائنية



تعليقات الفيسبوك