... في الدولة المقاومة

حنا غريب
الحوار المتمدن - العدد: 5286 - 2016 / 9 / 16 - 11:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


نحتفل هذا العام بالذكرى الرابعة والثلاثين لانطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية التي أعطت اللبنانيين أملاً بفجر جديد في مواجهة الإحتلال الجاثم على أرضنا. وعشية هذه الذكرى لا بدّ لنا بداية من توجيه التحية إلى أرواح الرفاق الذين غادرونا منذ أيام قليلة، وكان لهم دور كبير في اطلاقها والمشاركة فيها كل من موقعه، القائد التاريخي للحزب الرفيق جورج بطل، ونائب الأمين العام القائد المقاوم الرفيق كمال البقاعي، وعضو اللجنة المركزية الفنان المثقف الرفيق رضوان حمزة معاهدينهم جميعاً على متابعة المسيرة والحفاظ على نهج المقاومة.

كما تدعونا المناسبة أيضاً للتوقف وتوجيه التحية لشهداء الجبهة وجرحاها وأسراها المحررين وجثامين شهدائها الذين ما زالوا لدى العدو الإسرائيلي، مقدرين عظيم تضحياتهم وانجازاتهم منذ بيان الاعلان في 16 أيلول 1982 مروراً بتحرير بيروت في 21 منه إلى تحرير الجبل وأجزاء واسعة من الجنوب والبقاع وصولاً إلى الشريط الحدودي المحتل، مقدرين أيضاً دور المقاومة الاسلامية وشهدائها في استكمال عملية التحرير.

لقد تأكدت صحة هذا الخيار التاريخي المقاوم بتبنيه من قوى سياسية واجتماعية متنوعة ومتعاقبة نجحت بالمحصلة العامة بطرد المحتل الإسرائيلي بقوة السلاح. وما يزيد من اعتزازنا أن الحزب والشيوعيين عموماً هم الذين التقطوا المبادرة التاريخية في تلك اللحظة الحرجة وأثبتوا أنهم "قادرون" على تحقيق الانتصارات.

ان الظرف الراهن الذي لا يقل حرجاَ وخطورة عن فترة الانطلاقة، حيث تحتشد الأساطيل الغربية ويتسارع تنفيذ الخطط الإمبريالية لإعادة رسم معالم المنطقة العربية ككل وداخل كل بلد عربي لتجديد آليات اخضاعه، يستوجب منا الاحتفاظ بهذه المبادرة ومقاومة هذا الاخضاع بكل أشكال النضال بما فيها المقاومة المسلحة.

ونحن اليوم إذ نشارك بالسلاح دفاعاً عن أهلنا من خطر الإرهاب الوافد إلينا من الخارج، محتفظين أيضاً بقدر من الجهوزية في المشاركة بمقاومة أي خطر إسرائيلي محدق في الجنوب، فإننا ندرك أن هذا الدور ــ على أهميته ودلالاته السياسية في تمسك الحزب بنهجه المقاوم ــ ليس كافياً، وأن الإكتفاء بذلك وبإنجازات "جمول" لا يعفي الشيوعيين والقوى اليسارية اليوم من واجباتهم بالقيام بدور فاعل ومتقدم على صعيد مقاومة الاحتلال الصهيوني ودعم الشعب الفلسطيني وحماية قضيته العادلة والمحقة من خطر التصفية، وفي دعم شعوبنا العربية وانتفاضاتها دفاعاً عن حقوقها الوطنية والاجتماعية فيحجزون بذلك لهم دوراً وموقعاً في المستقبل، كما حجزت لهم تجربتهم في اطلاق "جمول".

لقد حاولنا في المؤتمر الحادي عشر لحزبنا، أن نفتح أفقاً سياسياً جديداً للحزب ولليسار عموماً حول هذا الموضوع، تمثل في شعار الدولة الوطنية الديمقراطية المقاومة، بحيث تشكل هذه الدولة المثلثة الاضلاع في مواصفاتها المرتبطة بعضها ببعض، المشروع السياسي للمقاومة ليأتي كفاحها رافداً من روافد النضال الوطني العام الهادف لتحقيق هذا الشعار.

ويقضي هذا الشعار بتوسيع مفهوم المقاومة ليشمل ليس فقط الدفاع عن الأرض وتحريرها، بل كذلك تحرير القرار السياسي والاقتصادي من التبعية للخارج، ووضع حدّ للاستغلال والظلم الاجتماعيين، بحيث يصبح أداة لتوحيد الشعب والوطن. وضمن هذا السياق جاء تصعيد الشيوعيين واليسار عموماً للنضالات الجماهيرية، السياسية والنقابية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والبلدية، تعزيزاً لهذا المفهوم الواسع للمقاومة.

إن المقاومة في بلداننا هي، في معناها الشامل، ظاهرة أملاها علينا نسق التطور التبعي والسيطرة الاستعمارية، الذي فرض على بلداننا منذ عقود طويلة.. وقد لجأنا إلى المقاومة المسلحة الشعبية ضد الاعتداءات والغزوات الإسرائيلية في ظرف إستقالت فيه الدولة عن القيام بدورها الطبيعي كممثل وحاضن ومدافع عن سيادة الوطن وعن مصالح الشعب اللبناني. ولطالما تسلّحت أطراف لبنانية أساسية في الحكم بشعارات تبريرية من نوع "قوة لبنان في ضعفه"، وعملت بكل الطرق لضرب المقاومة والتآمر عليها منذ ولادتها وصولاً إلى حرب تموز الأخيرة.

وقد تجسّد الردّ الشعبي، تعويضاً عن تخلي الدولة عن دورها الطبيعي، في تأسيس الحزب للحرس الشعبي وقوات الأنصار ثم جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، وتبعه نشوء المقاومة الإسلامية. وإذا كان عدوان 1982 قد شكّل الأساس المادي لتبلور خيار المقاومة ككيان عضوي في حياة لبنان، خصوصاً بعد اتفاقات الصلح العربية المنفردة مع العدو الصهيوني وانخراط بقايا الدولة اللبنانية في عقد اتفاق 17أيار 1983 المذل مع العدو، فإن هذا الخيار المقاوم لم يبق مقتصراً على اليسار بل تعداه الى قوى قومية وإسلامية متعددة، لكن هذا الخيار المقاوم لم يتمكن حتى الآن من الوصول إلى القرار السياسي للدولة بحيث تصبح الدولة دولة مقاومة.

ان مقولة الجيش والشعب والمقاومة تنطوي في جانب منها على عملية إعفاء للدولة من دورها المقاوم المفترض أن تقوم به على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، في حين المطلوب العكس تماماً، المطلوب دفعها لتحمل مسؤولياتها والقيام بتسليح الجيش والقوى الأمنية وعدم التخلي عن مهامها الوطنية في تعبئة كل الطاقات السياسية والشعبية وتوحيدها باعتبارها المعنية المباشرة وبالدرجة الأولى في الدفاع عن السيادة الوطنية.

ان حماية وتحصين انتصارات المقاومة يستوجب الارتقاء بها من كونها واجب وطني يقع على عاتق هذا الحزب أو ذاك، إلى كونها مشروعاً سياسياً تجسده الدولة الوطنية الديمقراطية المقاومة الذي يشارك فيه اللبنانيون جميعاً، أنه المشروع الذي يدعو إلى ربط مهمة التحرير بالتغيير الديمقراطي في كافة مجالات وأشكال النضال بما يعطي المقاومة مفهومها الوطني الأشمل، من خلال الدولة المقاومة.

كما أن ما نواجهه اليوم من مخاطر لبنانياً وعربياً، يستوجب مثل هذا الارتقاء في مفهوم المقاومة، حيث تتجدّد الممارسات الاستعمارية الهادفة إلى مصادرة حاضرنا ومستقبلنا والسيطرة على ثرواتنا وإرادتنا. ويتجلى ذلك في الغزوات المتكررة للعديد من بلداننا العربية وفي محاولة تفكيكها بشكل منهجي، وفي إصطناع وتعميم ظاهرة الأرهاب، التي ليست سوى منتج جديد تستخدمه القوى الغربية والأنظمة الرجعية (ببيئتها الحاضنة) لإخضاع شعوب المنطقة وبناء دول على أساس ديني ومذهبي تبريراً ليهودية الدولة الصهيونية. من هنا نرى في الدولة الوطنية الديمقراطية المقاومة البديل السياسي الذي ندعو لقيامه. ولنا في التجربة الفيتنامية خير مثال، عندما تصدت هذه الدولة بكل مكوناتها وانتهجت نهج المقاومة المسلحة ضد الاستعمارين الفرنسي والأميركي، وقادت الشعب الفيتنامي وحققت الانتصار.

إن المقاومة بمعناها الأوسع هي فعل نضالي مشروع من أجل التحرر من كل انواع الاستغلال والاستبداد والاستلاب الداخلي والخارجي. وقد شاء التطور الموضوعي أن تسود في بلداننا انظمة رجعية وقوى طبقية مرتبطة تبعياً بالمصالح الأستعمارية، القديمة منها والجديدة، وقد عاثت هذه الأنظمة بتلك البلدان نهبا وفساداً وتحاصصاً. وهذا المعطى الموضوعي شكل العامل الداخلي في اندلاع الانتفاضات الشعبية العربية. ولذا باتت القوى الوطنية العربية ملزمة وهي تواجه الخطر الكبير المتمثل بمشروع الشرق الأوسط الجديد، أن تواجهه انطلاقاً من مشروعها السياسي وموقعها المستقل الهادف إلى افشاله واسقاطه وإلى انجاز مهمة التغيير الديمقراطي والتحرر من الأنظمة الرجعية والاستبداية، وبناء دول وطنية ديمقراطية مقاومة.

وانطلاقاً من ارتباط هاتين المهمتين، توصّل المؤتمر الحادي عشر للحزب إلى قناعة حاسمة بوجوب إسباغ الصفة المقاومة على شعار بناء الدولة الديمقراطية، بما يضمن الحفاظ على السيادة والأستقلال الوطنيين ويحرّر الدولة من صيغتها الطائفية التي ليست سوى ستاراَ لإخفاء المصالح الطبقية للقوى المسيطرة. وبهذا المعنى، تصبح الدولة الوطنية الديمقراطية المقاومة معبّرة عن مصالح كل الوطن وحاملة لشرعية تمثيلية حقيقية، ويصبح اللبنانيون مواطنين متساوين في بيئة متحرّرة من آليات الفساد والمحاصصة التي كرّسها النظام الطائفي، بدل أن يظلوا مجرد رعايا طوائف متساكنة ومتناحرة تمزّقهم الانقسامات المصطنعة.

ولا شك في إن المقاومة في مثل هذه الظروف - أيّ مقاومة - لا تجد نفسها تواجه العدو الخارجي فقط، بل هي تصطدم أيضا بالقوى السياسية والطائفية الداخلية المرتبطة بهذا النمط من الدولة والنظام والاقتصاد، المتعارض مع المصالح الحقيقية لغالبية اللبنانيين.



تعليقات الفيسبوك