قانون العقوبات الأميركي وتداعياته

حنا غريب
الحوار المتمدن - العدد: 5204 - 2016 / 6 / 25 - 09:29
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     


إن العقوبات المقرّرة من جانب الكونغرس الأميركي مؤخراً- في حق عدد من المؤسسات والأفراد في لبنان -قد ألقت بظلالها على المشهد السياسي والاقتصادي اللبناني، لاسيما أنها صدرت من دون أي نقاش أو اعتراض رسمي، وطرحت تساؤلات كبرى حول ما انتهى إليه مفهوم السيادة الوطنية للدول في زمن العولمة الراهن، وما ينطوي عليه هذا الزمن من تدخل سياسي لا حدود له. وفي قراءة متأنية لدلالات هذه العقوبات وأبعادها، يهمّنا أن نسجّل الخلاصات التالية:

أولاً- إن قانون العقوبات الأميركي الذي لم يأخذ في الاعتبار القوانين اللبنانية، يعتبر من الناحية المبدئية قانوناً أميركياً مفروضاً على لبنان بقوة الهيمنة والاستتباع، وهو أيضاً لا يكتسب حتى صفة القانون الدولي الذي يجري فرضه عادة على عموم الدول تحت غطاء "محاربة الإرهاب" من قبل ما يسمى "المجتمع الدولي". هذا مع العلم أن مفهوم الإرهاب لم يخضع لتاريخه الى تعريف واضح متفق عليه على المستوى الدولي، مما جعل استخدامه عرضة للتسييس وسياسة الكيل بمكيالين، وعندما تدعو الحاجة، على غرار ما نشهده راهناً.

ولا بدّ من لفت النظر في هذا الإطار إلى أن العديد من القوانين والتشريعات الأميركية التي صدرت في زمن العولمة المتسارع، وهيمنة حكم القطب الواحد، كانت قوانين وتشريعات إستثنائية وعابرة للدول، وهي بالتالي تتناقض مع مبدأ إقليمية ووطنية القوانين وخصوصيتها، وقد فرضتها الولايات المتحدة وشركاؤها بهدف التحكم بمجمل مفاصل الاقتصاد المالي العالمي، وتطويع التدويل المتعاظم لحركة رؤوس الأموال والتحويلات والاستثمارات.

وقد سيق الكثير من "حجج الحقّ التي يراد بها باطلاً" في معرض الدفاع عن هذا النمط من التشريعات، وفي طليعتها مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والتهرب الضريبي، هذا مع العلم أن هذه الظاهرات شكلت سمة شبه ثابتة في مختلف مراحل تطور الرأسمالية العالمية، وقد تعاظمت بصورة خاصة مع إنبعاث الأشكال الفجّة للنيوليبرالية المعولمة حديثاً.

ثانياً- إن هذا القانون – بصرف النظر عن غاياته الآنية والمباشرة في "تخويف" عموم اللبنانيين وتعريض قيمة مدخراتهم وعملتهم الوطنية وسلامة مؤسساتهم النقدية والمالية لمفاعيل العقوبات – يمثّل التجسيد الحي لموقف سياسي استراتيجي أميركي ثابت، يرمي الى تحقيق جملة أهداف مترابطة، تضمن تعزيز وتجديد آليات الهيمنة على هذا الجزء من العالم. ومن بين أهم هذه الأهداف، التضييق على جمهور المقاومة وقطع مصادر تمويل مؤسساتها الاقتصادية والمدنية وإزكاء نار الإنقسام الأهلي بين اللبنانيين عبر التمييز الخبيث بينهم، وذلك استكمالاً للمقاصد المبيّتة للعديد من القرارات السابقة التي لعبت الإدارة الأميركية دوراً حاسماً في إقرارها، وفي طليعتها القرار 1559.

ولا مفرّ من التفتيش أيضاً عن أهداف سياسية أخرى للعقوبات، ومن ضمنها تعويض النظام السياسي العربي الرسمي الانهزامي والمتهالك عما حصدته أنظمته الموغلة في رجعيتها من فشل وتعثر في مشاريعها العدوانية المتنقلة في أرجاء المنطقة، وكذلك إرسال تطمينات إلى إسرائيل تخفّف من وقع الإرتدادات الأمنية والسياسية الناجمة عن توقيع الإدارة الأميركية للاتفاق النووي مع إيران. وقد يكون من ضمن تلك الأهداف أيضاً، التلويح لدول وشعوب المنطقة بتصعيد هجومها لإخضاعها، عبر استخدامها "للسلاح الناعم" المتمثل بالتشريعات والقوانين المالية والنقدية الدولية الى جانب جيوشها وأدواتها الأمنية في المنطقة.

ثالثاً- إن الطابع العدواني للقانون الأميركي لا يعفي الدولة اللبنانية من المسؤولية، إذ هي خضعت تاريخياً ومن دون شروط مسبقة لوصفات الدول المهيمنة والمنظمات الدولية الدائرة في فلكها، خصوصاً في ما يتعلق منها بالتمسّك الأعمى بسياسة الدولرة شبه الكاملة للاقتصاد اللبناني، وإلغاء معظم وظائف العملة الوطنية، وتقييد السياسات المالية والنقدية للبلد بما تقرّره السلطات النقدية الأميركية. وقد أصبح اقتصادنا بفعل تلك السياسات المتّبعة منذ عام 1992 مكشوفاً بشكل كامل أمام مثل هذه الاجراءات التي تضمنها قانون العقوبات، بسبب تحوّل الاقتصاد اللبناني الى اقتصاد ريعي يعتمد على تدفقات رؤوس الأموال والتحويلات الخارجية من أجل ضمان استمرار نمو القطاع المصرفي وتمويل عجز الخزينة اللبنانية، فضلاً عن تغطية عجز الميزان الجاري الذي تفاقم تحت وطأة الاعتماد المتعاظم على استهلاك السلع المستوردة والتراجع الملحوظ في قطاعي الصناعة والزراعة.

وتتحمل الطغمة المالية المهيمنة المسؤولية أيضاً عن هشاشة القدرات التفاوضية للبلد، إذ هي إنصاعت تاريخياً – بل ربما شجّعت - السياسات النقدية والمالية الملتبسة للدولة، مراهنة في المقام الأول على تحقيق الأرباح والريوع على حساب الطبقة العاملة والفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة. وقد شارك بعض ممثلي هذه الطغمة في دفع المفاوض الأميركي على التشدّد أكثر في تطبيق العقوبات، لجهة وجوب شمول التعاملات بالليرة اللبنانية ضمن مفاعيل القانون. وهذا ما برز أيضاً في مواقف العديد من القوى السياسية اللبنانية في ( 14 آذار) التي لطالما تغنّت خلال السنوات العشر الماضية برفع شعار الحرية والسيادة والاستقلال، وعمدت في الظرف الراهن إما الى التأييد الوقح لهذا الخرق الكبير للسيادة الوطنية، الذي يدوس على الحقوق الاقتصادية الأساسية للمواطنين اللبنانيين، أو الى التستير المشبوه عليه.

رابعاً- إن مسؤولية الوهن المريع في الموقف اللبناني، يقع كذلك على شركائهم في (8 آذار) من خلال مشاركة هذه القوى في آليات عمل النظام السياسي الطائفي القائم، وفي الموافقة على كل السياسات المالية والنقدية لشركائهم في السلطة والتي أفلست البلاد والعباد، وفي مشاركتهم المحاصصة والتغطية على مزاريب الهدر والفساد، على حساب الأكثرية الساحقة من اللبنانيين. فالمفهوم الناقص للمقاومة، لجهة اعتبارها تنحصر في المقاومة العسكرية فقط في مقابل تغطية هذه الموبقات، أتاح للإدارة الأميركية استغلال نقطة الضعف الاقتصادية والنقدية اللبنانية، للتهديد بالانهيار المالي والنقدي الذي لا يطال المقاومة وحدها بل يطال لبنان كله. أي بكلام أوضح، ان التغطية على الأوضاع البنيوية الداخلية المأزومة، وعدم الربط العضوي بين مهمات المقاومة والتحرير ومهمات التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي، قد سهّلا عملياً خضوع البلد لشروط الإذعان التي تضمنها قانون العقوبات الأميركي. وينطبق هذا أيضاً على ممارسة أسلوب التجييش الطائفي في مواجهة الإجراءات الأميركية، لأن المطلوب للنجاح في هذه المواجهة هو العمل على تشكيل جبهة وطنية عريضة لمحاربة تلك الاجراءات على الصعد كافة، بدل حصر ساحة الصراع في المؤسسات المستهدفة فقط. ونحن نعتبر أنه لا يجوز التمييز بين مواطن وآخر في علاقته مع الأداء الطبيعي للأسواق النقدية والمالية والمصرفية.

نحن ندين فرض عقوبات لا مبرراً قانونياً لها على أفراد ومؤسسات تابعة لحزب لبناني، خصوصاً إذا كانت هذه العقوبات تستهدف إخضاع الشعب اللبناني وتقويض كل أشكال المقاومة لديه. كما ندعو الى عدم انتهاك الحقوق الأساسية للمودعين اللبنانيين في مصارفهم الوطنية. ونؤكد كذلك على عدم وجوب تحويل هذه العقوبات وآليات تطبيقها إلى موضوع خلافي سياسي وطائفي، على غرار ما حصل في التفجير الأخير أمام بنك لبنان والمهجر،الذي يستنكره الحزب أشد استنكار. كما نعود ونؤكد على جذرية المشروع الأميركي وعلى وجوب مواجهته بمشروع نقيض يقوم على مفهوم المقاومة الوطنية الشاملة مع ما يتضمن ذلك اعتماد سياسات نقدية ومالية بديلة عن تلك السياسات المتّبعة منذ عام 1992 والتي أدت إلى تعطيل الاقتصاد الوطني المنتج، والى زيادة تبعيته للخارج، والى تردي الأوضاع النقدية والمالية وزيادة الخلل في توزيع الدخل والثروة.



تعليقات الفيسبوك