سورياليون أم تروتسكيون؟


بشير السباعي
الحوار المتمدن - العدد: 4831 - 2015 / 6 / 8 - 12:02
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

يتناول كتاب "السيريالية في مصر" للصحافي الشاب سمير غريب جانبًا مهمًّا من جوانب تاريخنا الفكري والأدبي والفني المعاصر، ذلك الجانب الخاص بالمساهمة التي قدمتها الحركة السوريالية المصرية إلى حياتنا الثقافية في ثلاثينيات وأربعينيات هذا القرن، فترة نشاط هذه الحركة.

ويتتبع الكاتب المسيرة الإبداعية للرموز البارزة للحركة السوريالية المصرية، مع تركيز خاص على دور الشاعر والناقد السوريالي الكبير جورج حنين (1914-1973) – قائد هذه الحركة وأحد الممثلين البارزين للحركة السوريالية العالمية – ودور الرسام والناقد المصري المعروف رمسيس يونان (1913-1966).

وخلال هذا التتبع، تتكشف ملامح رئيسية تميزت بها السوريالية منذ البداية. فالسوريالية – حسب تعبير أندريه بريتون (1896-1966) – هي "حركة آلية نفسية خالصة، يمكن عن طريقها التعبير مشافهة أو كتابة، أو بأي شكل آخر، عن الحركة الفعلية للتفكير. فهي حركة يمليها التفكير، في غياب أي سيطرة يمارسها العقل، بعيدًا عن أي شاغل جمالي أو أخلاقي". (أندريه بريتون، "بيان السوريالية الأول"، 1924).

ويتألف جانب كبير من كتاب "السيريالية في مصر" من نماذج من أعمال السورياليين المصريين – خاصة في مجالات النقد التشكيلي والرسم والشعر. كما يتضمن الكتاب عددًا من الرسائل المتبادلة بين السورياليين تساعد على إلقاء الضوء على نوع الشواغل التي استأثرت باهتمامهم.

وطبيعي أن كتابًا كهذا كان لابد وأن يثير الاهتمام الذي أثاره بين صفوف المثقفين المصريين المهتمين بتاريخ الحركات الفكرية والأدبية والفنية المعاصرة في مصر. فهذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها كتاب مكرس لتاريخ الحركة السوريالية المصرية – وإن كان قد صدر قبل ذلك كتابان على الأقل عن جورج حنين. وهي المرة الأولى التي يجتمع فيها بين دفتي كتاب واحد كل هذا العدد من الوثائق والنصوص السوريالية المصرية التي لم يسبق نشر جانب منها والتي لم يعد الجانب الآخر الذي سبق نشره منها متاحًا لجمهور القراء منذ وقت بعيد. وهي المرة الأولى التي يجري فيها تقديم تاريخ الحركة السوريالية المصرية ووثائقها في مصر الثمانينيات بهدف أن يكون – حسب تعبير مؤلف الكتاب – "طعنًا في الحاضر وشقًّا للمستقبل".

على أن محاولة المؤلف – من حيث أحد افتراضاتها الرئيسية على الأقل – ليست محاولة جديدة تمامًا، فقد عاد الكاتب – مثل آخرين كثيرين سبقوه (د. رؤوف عباس، د. رفعت السعيد، عبد القادر ياسين، إلخ) – إلى الحديث عن "تروتسكية" السورياليين المصريين المزعومة.

مبررات غير ذكية

والحال أن الذين يحاولون إسناد السوريالية إلى التروتسكية يحرثون في البحر.

إنهم يتذكرون عددًا من الأمور التي ليس من شأنها – بحال من الأحوال – أن تقود إلى تأييد مثل هذا الإسناد الذي دأب عليه الكورييليون.

يتذكرون – مثلاً – أن السورياليين والتروتسكيين قد اتخذوا موقف الاستنكار تجاه محاكمات موسكو الشهيرة في أعوام 36 – 37 – 38، تلك المحاكمات التي قادت إلى التخلص من معظم قادة الثورة البُلشفية الرئيسيين: غير أن هذا الموقف لم يكن قاصرًا على السورياليين والتروتسكيين، فقد اتخذه - ساعتها – آخرون كثيرون، خاصة بين صفوف اليسار الثوري، مثل أوتو رول، قائد انتفاضة ساكسونيا في نوفمبر 1918، وفيندلين توماس، قائد تمرد فيلهيلمشافن في نوفمبر 1918، وكارلو تريسكا، الزعيم السينديكالي الثوري الذي سبق له التنديد بمحاكمة ساكو و فانزيتي في الولايات المتحدة الأمريكية، إلخ. كما أن موقف الاستنكار هذا يكاد يكون الآن موقفًا جماعيًّا حيث لا يدافع عن هذه المحاكمات غير أتباع الدكتاتور الألباني الراحل أنور خوجه ومن لف لفهم من مخلفات زمن ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ويتذكرون كذلك أن أندريه بريتون، مؤسس الحركة السوريالية، وليون تروتسكي (1879-1940)، قائد المعارضة اليسارية ضد الستالينية (1923-1933)، ومؤسس الحركة من أجل الأممية الرابعة (1933-1938) ومؤسس الأممية الرابعة (1938) قد كتبا سويًّا في عام 1938 بيان "نحو فن ثوري حر" والذي صدر موقعًا من جانب كل من أندريه بريتون والرسام المكسيكي المعروف دييجو ريبيرا، لكنهم ينسون أن هذا البيان لم يأتِ على ذكر السوريالية، بل اقتصر على الدعوة التي يشير إليها عنوانه وعلى الدعوة إلى إنشاء اتحاد أممي للفن الثوري الحر، علاوة على أن امتناع تروتسكي عن التوقيع على البيان يدل على أنه كان يريد تجنب سوء الفهم ذاته الذي وقع فيه كُتَّاب مثل كُتَّابنا. (بهذه المناسبة، ربما جاز لنا أن نتكهن بأن "جماعة الفن والحرية" التي تكونت في مصر في يناير 1939، بعد أشهر قليلة من صدور البيان المذكور، ربما كانت محاولة مصرية للإسهام في إنشاء ذلك الاتحاد الأممي المقترح، والذي لم ير النور عمليًّا – وإن كان أندريه بريتون قد أنشأ شعبة فرنسية لذلك الاتحاد أصدرت نشرة شهرية، وأصدرت عدداً من البيانات ضد النازية ودفاعًا عن الحريات – أو، على الأقل، ربما كان اختيارها للاسم الذي حملته صدى للدعوة التي أطلقها البيان والتي تضمنها عنوانه).

ويتذكرون كذلك أن أندريه بريتون وجورج حنين وآخرين من السورياليين كانوا يكنون احترامًا عميقًا لشخصية تروتسكي، وأنهم قد أفرطوا في التعبير عن إعجابهم بهذه الشخصية إلى حد أن أندريه بريتون، مثلاً، قد كتب إلى تروتسكي في 9 أغسطس 1938 يقول: "إنني بحاجة إلى عملية طويلة للتكيف حتى أقنع نفسي بأنك لست بعيداً عن منالي" وقد قال له في رسالته هذه أنه يشعر بعقدة كورديليانية (نسبة إلى كورديليا، إبنة الملك لير، في مسرحية شكسبير الشهيرة) تسيطر عليه كلما لقيه وجهًا لوجه.

والحال أن كثيرين قد وقعوا في مثل هذا الإطراء المسرف، والمسرف بالدرجة الأولى في نظر تروتسكي. وقد كتب الأخير إلى بريتون في 31 أغسطس 1938 ليقول له أن مدائحه قد بلغت من الإفراط حدا أصبح يشعر معه بعدم الارتياح! وعلى أية حال، لم يكن المعجبون بشخصية تروتسكي بين الأدباء والفنانين يأتون من بين السوريالين دون غيرهم، فقد كان أندريه مالرو، الروائي الفرنسي الشهير، مثلاً، رغم خلافاته مع تروتسكي، يكن له احترامًا عميقًا. وقد زاره في أغسطس 1933 خلال إقامته في فرنسا. ورغم كل شيء، فقد زعم بريتون – شريك تروتسكي في كتابة بيان 1938 – زعم في عام 1952، بعد تراجع مشاعر الإعجاب والانبهار، أن فهم تروتسكي لمشكلة الفن كان فهمًا متوسط المستوى إلى حد بعيد، وهو رأي لا يتفق معه فيه نقاد جادون كثيرون من طراز بول سايجل وكليف سلوغتر.


السورياليون والتروتسكيون في فرنسا

إن الذين يحاولون – مثل سمير غريب – إسناد السوريالية إلى التروتسكية ينسون تاريخ النزاع المرير بين السورياليين والتروتسكيين في فرنسا، هذا النزاع الذي وصفه إسحق دويتشر بأنه قد وصل إلى حد إمساك كل فريق بخناق الآخر. وهذا النسيان غريب فعلاً، بالنظر إلى أن تاريخ هذا النزاع معروف منذ أواخر العشرينيات، وبالنظر إلى أن أندريه بريتون قد روى جانباً منه منذ 34 سنة في كتابه التأريخي الرئيسي "أحاديث".

والحال أن بيير نافيل، أحد وجوه الحركة السوريالية الفرنسية، قد خرج عليها في عام 1926، ناشرًا كراسه "الثورة والمثقفون" الذي دعا فيه السورياليين إلى الاختيار بين الميتافيزيقا والدياليكتيك، إذ أن هناك تناحرًا بين اتجاهي كل منهما. وقد رد بريتون على كراس نافيل في سبتمبر 1926، مؤكدًا على رفضه التخلي عن الشواغل المحددة للحركة السوريالية وواضعًا إصبعه على الاتهام الرئيسي الذي وجهه نافيل إليها: التذبذب بين الفوضى والماركسية. وقد أنهى نافيل تذبذبه الخاص وانتقل بشكل حاسم إلى مواقع التروتسكية.

وقد ذكر بريتون في "الأحاديث" التي سبقت الإشارة إليها أن بيير نافيل قد بذل كل ما في وسعه، عندما كان واحدًا من قادة الشعبة الفرنسية لحركة الأممية الرابعة بين عامي 1930 و1939، للحيلولة دون حدوث تقارب مع السورياليين (لنتذكر أن أندريه بريتون كان بين عامي 1927 و1933 عضوًا في الحزب الشيوعي الفرنسي، ولنتذكر كذلك أن مشروع بريتون الرامي إلى التوفيق بين السوريالية والماركسية – وهو المشروع الذي كان وراء هذا الانتماء إلى الحزب الشيوعي الفرنسي – كان نتيجة لسوء فهم كما قال الكاتب الوجودي ألبير كامي في كتابه "الإنسان المتمرد"، وقد انتهى إلى الفشل كما قال الفيلسوف الوجودي الشهير جان بول سارتر في "ما الأدب؟"، وكما أدرك ذلك قبلهما بيير نافيل!).

كما أشار بريتون إلى أن نافيل حاول منعه من المشاركة في الاجتماع الذي انعقد في سبتمبر 1936، الذي نظمه التروتسكيون الفرنسيون، تحت عنوان "الحقيقة حول محاكمات موسكو" وأن نافيل لم يتراجع عن هذا الموقف إلاَّ مراعاة لتوسط فيكتور سيرج، الروائي والثوري المعروف، الذي كان قد أفلت لتوه من السجن في روسيا ورحل إلى بلجيكا.

مفهومان للحرية

بينما كان ليون تروتسكي، باعتباره ماركسيًا منسجمًا، يفهم الحرية على أنها "وعي الضرورة"، كانت السوريالية تتبنى مفهومًا فوضويًّا عن الحرية. والواقع أن تصريح إقبال العلايلي (بولا حنين، أرملة جورج حنين) والذي قالت فيه – في معرض نفيها للقصة الغريبة التي أطلقها عبد القادر ياسين وسارع رفعت السعيد إلى تبنيها والتي زعمت أن جورج حنين كان عضوًا فيما سمته القصة بـ "سكرتارية باريس – إحدى انشقاقات الأممية الرابعة" – أن جورج حنين كان أكثر ميلاً للفوضوية، لا يمكن أخذه على أنه صحيح بالنسبة للفترة الأخيرة من حياة جورج حنين فقط. فالواقع أن فكرة "التمرد المطلق" الفوضوية فكرة جوهرية بالنسبة إلى الموقف السوريالي، وقد قال أندريه بريتون في "بيان السوريالية الثاني" (1930) أن "من المعروف أن السوريالية لم تخش من أن تجعل من التمرد التام المطلق، ومن عدم الخضوع التام، ومن التخريب المنهجي عقيدة لها، وأنها لا تنتظر شيئًا إلا من العنف. فالفعل السوريالي الأبسط يتألف من النزول إلى الشارع، بالمسدسات في الأيدي، وإطلاق الرصاص دون تمييز، قدر الإمكان، على الناس"! وواضح أننا هنا أمام عدمية فوضوية، تصل إلى حد تبرير القتل على حد تعبير هنري بيهار وميشيل كاراسو. وقد فسر سارتر التمرد السوريالي بأنه "تمرد ضد الأب"، أما كامي فقد اعتبر العدمية السوريالية "عدمية صالونات أدبية". وقد برر السورياليون عدميتهم ودعوتهم إلى التمرد المطلق بحرصهم على الأخلاق، فالتمرد ليس هدفًا في حد ذاته وقد سبق لبريتون أن قال في عام 1924 أن "الأخلاق هي العزاء الأكبر".

والواقع أن فلسفة بريتون الأخلاقية هي التي جرته إلى نبذ المفهوم الماركسي للحرية. وقد انتقد كراس تروتسكي "أخلاقهم وأخلاقنا" الذي قال أن تروتسكي قد دافع فيه عن مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، وهو المبدأ الذي اعتبره امتدادًا طبيعيًّا لمفهوم إنجلز عن الحرية. وترتيبًا على ذلك، دعا بريتون من وصفهم بالمثقفين الأحرار إلى مواجهة ذلك المبدأ مواجهة تتميز بالرفض الأكثر حسمًا والأكثر فعالية، وقال أن التأكيد الفعال الحقيقي للحرية يكمن في هذا الرفض (لو ليتيرير، 5 أكتوبر 1946).

ومن ناحية أخرى، فإن تروتسكي، في مقال "الفن والثورة" الذي كتبه في عام 1938، قد اعتبر السوريالية شكلاً من أشكال البوهيمية، المفتقرة إلى أساس اجتماعي والمتبنية لمفهوم فوضوي عن الحرية.

موقفان متعارضان خلال الحرب الأهلية الأسبانية

بينما انحاز السورياليون – دون قيد أو شرط – إلى صف الحزب العمالي للتوحيد الماركسي والاتحاد الفوضوي الإيبيري خلال الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) وكانوا – كما قال بريتون نفسه في "الأحاديث" التي سبقت الإشارة إليها – "يترقبون كل يوم فرصتهما في إنجاز ثورة تكون ثالثة الثورات الكبرى في الأزمنة الحديثة وتكون الأولى – من يدري – التي لا تعرف ردة"، نجد أن تروتسكي لم يكف عن انتقاد هذين التنظيمين ولم يترقب أن ينجزا – بسبب نهجهما الذي اعتبره انتهازيًّا – ثورة كهذه.

وفيما يتعلق بالحزب العمالي للتوحيد الماركسي، فقد قال تروتسكي في 24 أغسطس 1937 أن هذا الحزب "لايستطيع أن يقود بروليتاريا كاتالونيا إلى الهجوم الثوري لأن – وفقط لأن – كل سياسته السابقة قد جعلته عاجزًا عن اتخاذ مبادرة كهذه"، كما قال في 22 أكتوبر 1937 أن سياسة هذا الحزب كانت سياسة منشفية لا بُلشفية.

أما فيما يتعلق بالاتحاد الفوضوي الإيبيري، فقد كتب تروتسكي في 4 مارس 1939 يقول أن قادته قد تصرفوا خلال الحرب الأهلية بوصفهم "خدمًا للبورجوازية". وقد تهكم على الفوضوية التي وصفها بأنها معطف واق من المطر لكنه مليء بالثقوب. فهو لا يصلح خاصة عند سقوط المطر!

فما أوسع الهوة بين توقعات بريتون ورفاقه السورياليين، من ناحية، وتوقعات وتشخيصات تروتسكي، من ناحية أخرى!

مصيران

رغم حديث سمير غريب المنبهر عن "نشاط الجماعات السوريالية الجديدة"، فإن من المعروف للجميع – جميع المهتمين بأمر السوريالية – أن السوريالية التاريخية قد اختفت في عام 1969. ومن الأمور التي لها دلالتها أن الجماعة قد حلت نفسها (في أكتوبر 1969) – كما يقول هنري بيهار وميشيل كاراسو – "رغم تجدد ملحوظ للفكر وللفعل الثوريين بعد أحداث مايو 1968" في فرنسا، بعبارة أخرى، لم يكن من شأن المد الثوري في فرنسا – وطن السوريالية الأم – أن يساعد السوريالية على تذليل العثرات التي كانت تواجهها. ويذكر جان شوستر أن حل الجماعة لنفسها قد "قررته ظروف ذاتية غير ملائمة (آثار اختفاء بريتون)".

ومن ناحية أخرى، نجد أن الأممية الرابعة لم تختف من الوجود بسبب اختفاء مؤسسها، بل نجد أنها في العام ذاته الذي حل السورياليون فيه جماعتهم، قد عقدت مؤتمرها العالمي التاسع، وهو أهم مؤتمر لها في مجمل تاريخها حتى الآن، حيث جاء مستفيدًا من التجدد الملحوظ الذي حدث للفكر وللفعل الثوريين بعد أحداث مايو 1968 في فرنسا بالذات. وقد شهدت في عام 1969 اتساعًا ملحوظًا لفعالياتها.

غرائب من كل لون

طبيعي أن الأمثلة التي قدمتها على النزاع بين السورياليين والتروتسكيين ليست بديلاً عن استعراض شامل – ليس هذا المقال مقامه – لتاريخ هذا النزاع. فأنا لم أقصد بما ذكرته فيما سلف غير لفت انتباه مؤرخينا وصحافيينا الذين يكتبون حول هذه الأمور إلى وجوب احترام الحقيقة التاريخية وإلى ضرورة التعامل الجاد مع الموضوع بدلاً من تزوير التاريخ لاعتبارات عملية قصيرة النظر مثلما يفعل تلاميذ المرحوم هنري كورييل ومن يمشون في ركابهم عن علم أو عن جهل، وبدلاً من الركون إلى ذكريات مشوشة تفتقر إلى التحري الصارم للحقيقة التاريخية مثلما فعل الدكتور لويس عوض في الندوة التي نظمها أتلييه القاهرة في 15 نوفمبر 1986 لمناقشة كتاب سمير غريب، فقد زعم الدكتور – مثلاً – أن تروتسكي، قائد سوفييت سان بطرسبرج في ثورة 1905، وقائد سوفييت بتروجراد عشية ثورة أكتوبر، وأحد أبرز قادة الثورة البُلشفية، وباني الجيش الأحمر وقائده إلى الانتصارفي الحرب الأهلية على جيوش الثورة المضادة الداخلية وجيوش 14 دولة، والذي تحدى ستالين أن يطلب تسليمه للاتحاد السوفييتي للمثول أمام القضاء، زعم أن تروتسكي هذا قد "هرب" من الاتحاد السوفييتي. والصحيح أن تروتسكي قد نُفيَ مجبرًا. وقد أُبلغ رسميًّا بقرار النفي الإجباري في 20 يناير 1929، وكتب على إقرار تسلم القرار بخط يده أنه قرار "إجرامي في جوهره وغير شرعي من حيث الشكل".

كما زعم الدكتور أن تروتسكي، الماركسي والقائد الجماهيري، كان مع الفرد، وليس مع المجموع، فما أوسع علم الأستاذ!!

أما سمير غريب نفسه، فهو يتسرع في كتابه إلى حد كسر الركبة والرقبة معًا. فقد زعم أن تروتسكي قد نُفي إلى أستراليا بعد سحق الثورة الروسية الأولى، والحال أن تروتسكي لم يذهب إلى أستراليا قط (كم هي بعيدة عن روسيا!) بل ذهب إلى النمسا حيث أصدر صحيفة "برافدا". ويبدو أن صاحبنا قد قرأ في نص إنجليزي ما أن تروتسكي قد نُفي إلى أوستريا (النمسا) فترجمها (أستراليا)، لتصبح المصيبة مصيبتين!

ومن غرائب سمير غريب أنه قد تعامل مع اسم مارسيل بياجيني على أنه اسم رجل، بينما الحقيقة أن مارسيل بياجيني كانت فتاة (يقال أنها لم تكن جميلة، نعم، غير أننا لم نسمع قط أنها قد أجرت عملية جراحية لكي تتحول إلى رجل!).

وعندما يأتي سمير غريب على ذكر كتاب "أفيون الشعب" يقول أن أنور كامل قد كتبه "عندما كان تروتسكيًّا"! والحال أن أنور كامل يستند في هذا الكتاب إلى كراس ج. مونيس: "الثوريون تجاه روسيا والستالينية العالمية" والذي عبر فيه عن آراء تتعارض على طول الخط مع آراء تروتسكي حول البيروقراطية السوفييتية. فبينما اعتبر تروتسكي هذه البيروقراطية ورمًا خبيثًا على جسم ديكتاتورية البروليتاريا، رأى ج. مونيس – مواصلاً في ذلك خط المثقف اليساري برونو ريزي – أن هذه البيروقراطية تمثل "طبقة حاكمة جديدة"، وهو الرأي نفسه الذي تبناه أنور كامل في كتاب "أفيون الشعب". والحال أن بيير فرانك، أحد قادة الأممية الرابعة، قد فند كراس ج. مونيس غداة صدوره مدافعًا عن تشخيص تروتسكي الأصلي للبيروقراطية السوفييتية الذي كان قد عرضه في كتاب "الثورة المغدورة".

ومن غرائب سمير غريب كذلك (حقًّا ما أكثر غرائبه؟!) أنه يقول أن "ع. سعيد" اسم رمزي في حين أن "ع. سعيد" هذا هو عبد المغني سعيد، أحد الذين كتبوا في الأعداد الأولى لمجلة "التطور"، ولو كان سمير غريب قد قرأ مذكرات عبد المغني سعيد السياسية، التي صدرت قبل كتابه بنحو سنة، لأدرك ذلك، ولكن ماذا نفعل مع التسرع والكسل؟! ولم يكن عبد المغني سعيد سورياليًّا ولا تروتسكيًّا، بل كان واحدًا من الملتفين حول محمود حسني العرابي بعد عودة الأخير من ألمانيا، وكانت مجموعة العرابي وسعيد هي المجموعة التي عقدت صلات مع عبد اللطيف البغدادي وغيره من الضباط الشبان.

ولا يلاحظ سمير غريب وهو يذكر أن جورج حنين قد فوجئ بنشوب الحرب العالمية الثانية أن هذا يعد دليلاً على أن الكاتب والناقد السوريالي الكبير لم يكن متابعًا جيدًا لكتابات تروتسكي في الثلاثينيات حول المضاعفات المحتملة لوصول هتلر إلى الحكم في ألمانيا في عام 1933. والواقع أن تروتسكي قد ذكر في نوفمبر 1931، قبل نحو سنتين من وصول هتلر إلى الحكم وقبل عشر سنوات من معركة موسكو، أن "انتصار الفاشية في ألمانيا سوف يعني حتمية الحرب ضد الاتحاد السوفييتي". ولم تفاجئ الحرب العالمية الثانية تروتسكي ولا أنصاره بل إنهم قد حددوا مهماتهم نحو هذه الحرب عشية نشوبها في الوثيقة التأسيسية للأممية الرابعة والتي وافقوا عليها في مؤتمرهم المنعقد في سبتمبر 1938، فهل هناك دليل أبلغ من هذا على أن جورج حنين، الذي فوجئ بنشوب الحرب العالمية الثانية، لم يكن تروتسكيًّا؟!

وبهذه المناسبة، يجب الإشارة إلى أنه بينما اختار بريتون ترك فرنسا – بعد أن سقطت في أيدي الهتلريين – ليرحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فإن التروتسكيين الفرنسيين لم يرحلوا، وقد مات زعيمهم مارسيل هيك في معتقل دورا، بعد أن وقع في أيدي الجستابو في عام 1943.

لقد بات من حقنا أن نتساءل: متى سيكف مؤرخونا وصحفيونا عن خزعبلاتهم؟ متى سيحترمون عقولهم وعقولنا؟ أم أنهم عازمون على موصلة تخبطهم الذي ليس من شأنه إلا أن يجعل أي محاولة جادة لفهم تاريخ الحركات الفكرية والأدبية والفنية في مصر المعاصرة من قبيل المستحيلات؟

مجلة "القاهرة" ، القاهرة، يونيو 1987.