جويس منصور - كواسر


بشير السباعي
الحوار المتمدن - العدد: 3680 - 2012 / 3 / 27 - 10:34
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

جويس منصور - كواسر
(1960)
ترجمة : بشير السباعي

الدرع

حين تنهمرُ الحربُ انهمار المطر على الموج الصاخب وعلى الشطآن
سأخرجُ لملاقاتها مسلحةً بوجهي
مُعْتمِرَةً بشهقةٍ مخنوقة
سأتمددُ منبطحةً
على جناح قاذفة قنابل
وسأتمهل
عندما يحترق الأسمنت على الأرصفة
سأقتفي مسار القنابل وسط تقطيبات الجموع
سألتصقُ بالأنقاض
التصاقَ خصلةٍ من الشعر على أجرد
ستحرسُ باصرتي أطرافَ الخرابِ الممددة
موتى يتلألئون بالشمس وبالدم
سيخرسون بجانبي
ممرضات يرتدين جوانتيات من الجلد
سيخضن في سائل الحياة البشرية الحلو
وسيشتعلُ الذين في النَزعِ الأخير
كأنهم صروحٌ من القش
ستسوخ الأعمدة
ستتأوه النجوم
بل وستتلاشى السراويلُ الناعمةُ
في فضاءِ الفَزَعِ المترامي
وسأهزأُ مكشوفة الأسنان
بنفسجيةً من النشوةِ المفرطةِ
الهستيريةِ الفياضةِ
حين تنهمرُ الحربُ انهمار المطرِ على الموجِ الصاخبِ وعلى الشطآن
سأخرجُ لملاقاتها مسلحةً بوجهي
مُعْتَمِرَةً بشهقةٍ مخنوقةٍ.

تنجيم

زوجُكِ يُهمِلُكِ؟
حَرِّضي أُمه على قضاء الليلِ في غُرفتكِ
ثم وأنت مسترخية في الدولاب قرب السرير
اعرضي منتهاكِ بالإضافة إلى حفنةٍ من السحالي
في المرآة التي يتمايل فيها الظل
زوجُكِ يتهرَّب منكِ؟
المدير السماوي بحاجة إلى ريجيم
تبوَّلي في حسائه عندما يتمددُ سعيداً إلى جواركِ
كُوني عذبةً ولكن حاذقةً في حشو الأوزة السمينة بأخطبوطاتٍ من الرسائل
وبزغب نبتةٍ باذنجانية
عاكسي أهواءه بفرشةِ حلاقةٍ من الحرير
رُشي فراشته بالدم وبالسخام
واحرصي على الابتسام حين يموتُ بين ذراعيكِ
وسوف يُفكرُ فيكِ مُرْغَماً.
*
لا أعرفُ الجحيم
لكن جسدي يتقد منذ مولدي
ما من شيطان يؤجج أحقادي
ما من كائن خرافي يلاحقني
لكن الكلمة تتحوَّل إلى حشرةٍ مؤذية بين شفتي
وعظمُ عانتي جد الحساس للمطر
المشلول كحيوانٍ منتفخٍ بالموسيقى
يتشبثُ بالتليفون
ويبكي
بالرغم مني تحتدم جثتي مع عضوك الشائخ المخلوع
الذي ينام.

أغنيةٌ عربيةٌ

العينُ تتأرجحُ في الليلِ لحظةَ الموت
أوه أيتها الحماقةُ البريئة اللامعة للأجنة التي لا نعرفها
مبطنةً بالصمتِ تحكُّ الذراع على الوسادة
وتفتحُ العين المستديرةَ على ليلِ ما لا يُدْرَكُ باللمسِ
وحائكُ النرجسيات البارد يخبطُ برجليه على عيني
أرى انزلاقَ البساطِ المتحرك للأفقِ الذي يتوهج ويحترق
يا له من إهابٍ مرتجفٍ على جسدٍ يتوارى
صخبُ أحشائي الملبَّدُ يتجمدُ من الرعب المجنون
أعطسُ لكنني لا أرتج
والعينُ التي تحبسُ أحلامي، التي تسبح والتي ترمش
العين تغزو لياليَّ
الليل الليل الإعصار
العين البراقة ذات الإزهارات الغريبة
العين المريضة بالأخيلة.

PERICOLOSO SPORGERSI

عاريةً
أطفو بين حطام بشرٍ لهم شوارب من الفولاذ
صدئةٌ بأحلامٍ يقطعها
نعيبُ البحر الرخيم
عاريةً
ألاحقُ أمواج الضوء
الراكضة فوق الرمل الموشَّى بجماجم بيضاء
صامتةً أرفُّ على الهاوية
الصقيعُ الكثيفُ الذي هو البحر
ينيخُ على جسدي
وحوشٌ أسطوريةٌ لها أفواه بيانوات
تسترخي في المهاوي في الظل
عاريةً أنام
*
انظر، لقد عافت نَفْسي الرجال
توسلاتِهم جزات زغبهم
إيمانهم أهواءهم
سئمتُ فضائلهم الزائدة عن الحدّ
ذات الثياب القصيرة
سئمتُ هياكل أجسامهم
باركني أيها الضوء المجنون الذي يضيء الجبال السماوية
أطمحُ أن أرجع فارغةً كعين الرقاد
المطمئنة
أطمحُ إلى أن أرجع نجمة
*
أحلمُ بيديك الصامتتين
المندفعتين على الأمواجِ
الصعبةِ المتقلبةِ
واللتين تهيمان على جسدي بلا عَدْلٍ
أرتعدُ أذبلُ
إذ أفكر في سرطانات البحر
الزبانيات المتجولة الشرهة إلى الفوز
التي تكشطُ مَنيَّ السفن النائمة لتنشره بعد ذلك على ذرى الأمواج في الأفق
الذرى الكسولة المُعفَّرة بالسمك
حيث أسترخي كل ليلة
مُترعةَ الفم دفآنةَ اليدين
بحارةً مُسَرنَمةً مُمَلّحَةً بالقمر.
*
سأسبحُ في اتجاهك
عبر الفضاء الشاسع
الذي بلا حدود
الحامض كبرعم وردة
سأجدكَ أيها الرجل الجامح
النحيل الغارق في الدنس
قديس الساعة الأخيرة
وستجعلُ مني فراشك وخبزك
وأورشليمك.
*
سأكتب بكلتا يديَّ
يوم أصمتُ
سأتقدمُ صلبةَ المفاصلِ
وصدريَ الناهد
المريض بالصمت المكبوت
سأصرخُ بملء أحشائي
يوم أموت
حتى لا أقع حين تسبرني يداك
عاريةً في الأرض اللهوب
سأخنقُ نَفْسي بكلتا يديَّ
حين يلامسني ظلك
ممزقةً في قبري حيث تلمع فُطْرات
سألملمُ نَفْسي بكلتا يديَّ
حتى لا أذوب في صحن الكهف
حتى لا أكون سبيةَ حبي الزائدِ عن الحد
وستهدأُ روحي
عاريةً في جسدي المُبهِج.
*
غارقةً في أعماق حلمٍ مُمل
أُعري الرجُلَ
الرجل، هذا الخرشوف المكسو بالزيت الأسود
الذي ألعقه وأطعنه بلساني المصقول جيداً
الرجل الذي أقتله، الرجل الذي أجحده
ذلك المجهول الذي هو أخي
والذي يدير لي خده الآخر
حين أفقأ عينه، عين الحَمَلِ الباكي
ذلك الرجل الذي في سبيل الجماعة مات مقتولاً
أمس وأول أمس وقبل ذلك وبعدُ
في سراويله المتهدلة البائسة، سراويل الإنسان الأسمى.
*
يداك تعبثان في صدري قليل العري
مطوِّقتين خصلاتٍ شقراء
قارصتين حلمتين
جاعلتين أحشائي تصر
مُخثرتين دمي
كان لسانك هائجَ الحنق في فمي
يدك وسمتْ خدي بالبهجة
أسنانك خربشتْ تجديفاتٍ على ظهري
نخاعُ عظامي ذاب بين فخذيَّ
والسيارةُ تركض على الدربِ المتعجرف
ساحقةً عائلتي على الممر.
*
تتقدم على جوادك الخشبي
ورمحك الرهيف الذي من الشهوة
المفعمُ بشذا الطفولة البرئ
مشدودٌ أمامك
عازماً على اختراق اللامبالاة الجسيمة
للفُطْرات المكتسية بالساتان الوردي
الراقدةِ في طريقك
طريق الفارس الذي بلا لحيةٍ
ولا نقيصةٍ ولا فتحةَ سروالٍ.
*
سأغمسُ نَفْسي في فُرشاتي ذات المخالب
معجبةً ببطني المُرَبَّعَةِ
بأسناني الصهباء
بعينيَّ الغائرتين
منتظرةً وصول غير المؤكد
مكتسيةً في زهوِ رغوةِ الصابون والبراز
ببغاء صغيرة في قفصٍ جد مُذهَّب
ضجرةً من العجز عن عملِ شيء بملء إرادتي.
*
أنتم لا تعرفون وجهي الليلي
عينيَّ الشبيهتين بأحصنة الفضاء المجنونة
فمي الملطخ بدمٍ مجهول
جلدي
أصابعي أعمدة الإشارة المرصعة بالبهجة
سوف توجه أهدابكم نحو أذنيَّ، لوحَي كتفيَّ
نحو حقل لحمي المفتوح
مدارجُ ضلوعي قد تنقبض إذ يخطر لي
أن أصواتكم قد تملأ حلقي
أن عيونكم قد تبتسم
أنتم لا تعرفون شحوب كتفيَّ
في الليل
عندما تتطلبُ شُعلُ الكوابيس المُهَلِّسَةُ الصمتَ
وأن حوائط الواقعِ الرخوةِ تتعانقُ
أنتم لا تعرفون أن عطور أيامي تموت على لساني
عندما يجيء الأشرارُ ذوو السكاكين المسترسلة
أن قلبي الأَنوف وحده هو الذي يبقى
عندما أغوصُ في حمأةِ الليل.
*
تعرفُ مازلتَ رائحةَ الأعشابِ الجميلةَ
كم يمكن للأشياء المألوفةِ أن تكون غريبةً بعد رحيل
كم هو كئيبٌ الغذاء
كم هو فاترٌ الفراش
والقططُ
تَذْكُرُ القططَ ذات المخالب الثاقبة
التي كانت تموء على السطح عندما كان لسانك يحفرني
والتي كانت تتنمر عندما كانت أصابعك تسلخني
كانت تهتزُ عندما كنتُ أستسلمُ
لم أعُد قادرةً على الحبّ
فُقَّاعَاتُ الهذيان الموجعةُ تسقط من شفتي
لقد هجرتُ قناعي، قناعَ ورقةِ الشجرة
شجرةُ وردٍ تحتضرُ تحت الفراش
لم أَعُد أَتَوارَكُ بين الحصى
القططُ هجرت السطح.

قِصَرُ نَظَرِ الذين بلا موعد

لم يكن لها غير عين
عين من الصفيح
كانت امرأةً صالحةً
لم يكن لها غير قميصٍ على ظهرها ذي العظام المستوية
ولفتين من الشحم بين القميص والقلب
وبرةٍ على الشفتين
لفاعٍ زغبي دون رونق
تذكرةِ مترو بين القميص والشفتين
كانت أنيقةَ الملبس
بلا مقابل.
*
البومةُ البلهاءُ للغاباتِ المعتمةِ
تُعَلِّمُني
أن الحقيقةَ ليست بعدُ الحقيقة
دون أقنعتها
أنه لا يجب الإصغاء للحنِ الحياةِ الخرساء
دون القدرة على فهمه
أن الوحدة تبدل كلَّ الأصوات
حتى صوت الكراهية
أن الألم البطئ
للفلاحين الذين بلا كدٍّ
يُباعُ ويُؤكلُ كالخبز
أن الضحية تعاني
من الرعونةِ الضاريةِ للجهاز المعوي
وخصوصاً كيف تحملُ الإباء على ظهرها
دون أن تبدو
حدباء.
*
هناك
صخرةٌ فريدةٌ لا تتجزأ تحت مشدي الذي من الدانتيلاَّ
فرخٌ صغيرٌ ذو عينين مائلتين
يوخزُ تربةَ جفني الملتهب
كلبٌ ودودٌ بين أصابعي عندما أوقِّع
رائحةُ لبنٍ جميلةٍ عندما أقتُلُ.
*
النحلةُ التي تضيع وقتها متململةً على زهرة
الرجلُ الأسودُ ذو الإبطين الطريين
الذي يخفي رأسه بين يدي
والذي يمشي في ظل الظل
الظل.
يدكَ التي تنسحبُ على الثوب كبقعةٍ من الشحم
يدكَ التي لن تستيقظَ بعدُ
كل هذه الأشياء الضائعة المبددة المحزنة
كرقاد الرَجُلِ الذي سيموتُ عند الفجر
والذي يعرفُ ذلك
محراثُ روحي يشق مساره غير المرئي في المستنقع
الليل يرتجُ على عقبيه
يا إلهي، كم أنا خائفة.

طريدة الدرب المرصوف بالحصباء

هناك يداك في المُحَرِّكِ
فخذاي على صندوق السيارة
الفرملةُ بين ركبتيَّ
لحمكَ في مقابل جلدي
هناك عصفورٌ على المروحة
رجلٌ تحت العجلات
يداك في المُحَرِّكِ
تلعبان بمسمار
هناك صرخةٌ في المُحَرِّكِ
شرطيٌ ودفتر في جيبهِ
طريقٌ في المرآة العاكسة
ريحٌ بين ركبتيَّ
عملاقٌ بلا رأسٍ يقودُ المَرْكبة
وهاتان هما يداي على المقود
وعضوي البريء الذي يتوسل
*
تُكَشِّرُ ويَتَنَسَّلُ قلبي
أتكلمُ من أنفي
شَعري يسقط
تضحكُ
تفتحُ فمك
رشيقةً ومحفورةً كنَفْسَاءٍ
أقفزُ بين ذراعيك
موكبٌ من المداعباتِ يدخل دخولاً مُرْتَجَلاً
فراشي ينغمرُ في الليل
ثيابي تسقط
وأنت تضحك
*
شخللةُ النقودِ
في جيوبنا وفي قلوبنا
الحبُ اللاسلكي للجمهور الليلي
المُهَدْهَدُ بالمال المخبولُ بالمال
المحميُ بالمال
المُعَفَّنُ بتعاسة المال الوبَرِة
اليأسُ الذي يزقزقُ
الغباوةُ الباردةُ للقهقهات المهبلية
التي تتخذ لنفسها مكاناً في الحريق القارس لألعاب الضوء
الكهربائي الكهربائي الكهربائي
التفوقُ الساحقُ للمال على أجسادنا
التي ترتعدُ في اللزوجة
بالرغم من عنكبوت الشيخوخة الذي يعلو
بالرغم من مراجل العار
حيثُ تُشْوَى بلهاءاتٌ لهن شعرٌ من الصوف
بالرغم من الموت ذي الوجنات السلافية
والذي يأكل نفسه ويتخضب أمام مرآته
عارياً تحت ستر من الليل.
* * *
ليس ذنبي
إن كان فخذاي مصبوبين
في جلدي
لم أكن أُريدُ إطلاقَ تكشيرةِ رغبتك
عندما خلعتُ جبيني
رهينَ الحظِ تشبثت بشق مؤخرةِ سترتي
ليس ذنبي
إن كان إنذار الخطر قد رَنَّ
وأن يدك التي وقعت في الفخ
قد نُزعت وحُوكمت ووُبختْ
وشُنقت من الرقبةِ كدميةٍ من القشدة
ليس ذنبي
فقد كنتُ أريدُ أن أغفر لك.
*
يجبُ للعصفورِ أن يحشو منقاره بالتراب
قبل أن يشرعَ بطيرانهِ
يجبُ على الوَسَخِ الذي يلتصقُ بأقدام الخنازير
أن يكون قادراً على اقتفاءِ النساءِ في ظلِ أسرَّتهن
حتى يتخلى اللحمُ عن حاسة اللمس
يجبُ عليَّ أن أضمَ رُكبتيك
بالرغم من الدم الذي يسيل من أحشائك
الشبيهةِ بصرخة
بالرغم من العفاريت الشريرة وقرونِها وذيولِها
يجبُ أن أبوس قدميك قبل أن أجوبَ العالم
يجبُ أن يذنبَ المذنبُ إلى حد الوحشية
حتى ينسى تماماً ويبدأ من جديد تماماً
حتى يُحسِنَ الانتظار.
*
الدربُ يتسكع في عَفَرِ المنعطفاتِ الرمادي
الحبةُ تموتُ في الحقول
الصاعقةُ تُقَشِّرُ الأعمدة
هنديٌ أكثر شيخوخة من ريحِ العاصفة الساخنة
أكثر تأججاً
يرزحُ على السواء تحت وطأة أبيه وماضيه
مشدودأً إلى عبئه بإزار من اللحم
يترنح وحيد الظلِ مسافراً بين أخاديدِ الأرض والفكُ طويل
فأْلٌ سيء
القمرُ يرحل
الهنديُ يدعُ أباه ينزلق على كثيبٍ، كالماء
عربةُ اللذة تجلدُ الدرب بذيلها
وتمرُّ كئيبةً حلزونيةً وعُرفُها قرمزي
على أجسادٍ واقفةٍ راقدةٍ متعبةٍ من كونها هندية
ملفوفة في الوحدة كبيض في عش
جسدانِ على دربٍ مهجور.
*
منذُ أن عرفتُك
يا روحَ روحي
كل أفعى خرافية أبْلَعُها تتحول إلى روح
التلهفاتُ المحزنةُ للنساءِ المحبوساتِ أمام الحبّ
تُنيخُ على فخذيَّ كأوكار ضفادع
ونبتةُ المستنقع تتفتحُ أمامك
كفمٍ وسخٍ ساطعٍ بالاستهزاء
أنتَ تُجَمِّلُ طريقي
يا روح حبي الذي بلا حدود
كمثل ورقةِ زهرةٍ على قبر
كمثل دمعةٍ في الحساء
أكمنُ لك في الليل متوترةً إلى حد المجازفةِ بالانكسار
مُتمنيةً مجيئكَ دون أن أعرف نَفْسي بعدُ
هاكَ كرةً من الزفراتِ على وشك الانفجار
تنكمش بين فكيَّ منزوعيَّ المفاصل.

لأنك بلا فخذين

لأنك عجوزٌ وبلا أوراق رابحة
لأنك تلهثُ وتتصببُ عرقاً في الظُلمة
لأن يديك تبحثان عن ركنٍ رطبٍ للموت
سأوخزُ جذعك المأساوي بإبرٍ رهيفةٍ
منقوعةٍ في العسل
وستبتسمُ يا ساكن جزيرة الليل
بملء شدقيك الشائكين
بكل ذعرِكَ
لأنك أخرسٌ وأيامك معدودة
لأنك بلا فخذين


إلى أندريه بير دو مانديارج
الموتى الذين لهم رؤوس كلاب


أعرف أن من يموتون أثناء الجماع يتبدلون ويتعلمون المكابدة
من جديد
حين يَسْتَلُّ القمر شفرته ذات العينين الطريتين
يضجون من جراحهم ويتقلبون ويبدون خائري القوى
ممسوسينَ بالفراغ
ضائعين مُمَزَّقين
يملأون الهواء بأعضائهم، يفتحون أفواههم يصرخون
تتبرعمُ لآلئٌ على جدعاتهم الجميلة
يسيلُ اللبنُ
لكن الرذاذ ينفخُ السماواتِ حيث تسبحُ العفونةُ
مُغرقاً حتى الأموات ذوي العيونِ المُهَنْدَمة
مُغرقاً الطغاة الذين يتنازعون على الخلود
مُعَوِّمَاً البشرَ والخيراتِ
النساءَ الأطفالَ الرجالَ الكلابَ
الكلابَ التي لها رؤوس بشر
جميع كلابِ البشرِ هذه
في حساءِ العدم
المتداخل

سُنَّةُ الحياة

أن يأكل المرء عيناً من بيضة
جواداً أو أيلاً
دماغِ عافية طريةٍ
كلبَ صيدٍ، كمنجةً
أن يأكل من أجل الأكل
أن يختنق باللحم
أن يُهَيِّجَ شرجه على مِشْعَلٍ من فِراءِ السنجاب
أن يأكل لكي يموتَ في زفرة دم
أن تتغذى لكي تمنعَ الآخرين
من أن يأكلوك

المَرْكَع

حمامةٌ راقدةٌ على حجرٍ أسمرٍ مُحْمَرٍّ
تتأملُ
تتأملُ
ومنقارها تمحوه ريحٌ شريرة
وجناحاها يتدليان حول عنقها
استيقظَ الحِجرُ وأكلَ الطائرَ المتأملَ
بالرغم من قوةِ بصرِ الحمامةِ
بالرغم من أن الحِجر لم يكن شديدَ الجوع
بالرغم من تأملِ
الحمامةِ
*
هناك امرأةٌ عجوزٌ على الطريق
متعبةٌ مُعَفَّرةٌ
مترنحةٌ بين الحمار وفتور
الظل
هناك الأمواج التي تندفعُ في الزرقة
والبحر
هناك مشنوقون في حقول الكروم
جَداجِدٌ تتأبدُ على الأرض المحدودبة بشكل لطيف
أطفالٌ في أشجار الزيتون القزمة
هناك فلاحون لهم عيون رَميصة
طحالب وامتصاص الوحل حين تنزوي الشمس
الليلُ يمتدُ فوق البحر والشواطئ الصخريةِ والأدغال
والعجوزُ المبتئسةُ في السواد دون كلمات بلا طائل
تنامُ على حمارها والعينُ مطفأةٌ والذراعان مكتوفتان
صورة للسكينة وللشكوى
*
رائحةُ القضاء
رائحةُ الصبر فوق الإنساني
البهائمُ المسلسلة وراء قضبان
الصدفة
رائحةُ الخوف
رائحةُ البراز الذي ننشره على قبورِ
الناسِ الفقراء
وحوشُ الشرطةِ
قسوةُ الأطفال
وتلك الرائحةُ المُرَكَّبَةُ التي هي الحرية
خليطٌ من محلول االنشادر
والمولاس
والرشح

أغنيةٌ لأجلِ الأقدام

اثني عشر إصبعاً صغيراً
مصلوبةٌ على مسامير
اثني عشر إصبعاً مصلوباً
مُرَمَّلةٌ في الوحل
وأنا الوحيدة
ألوي ساقيَّ اللتين بلا ركبتين
أرمي قدميَّ للبحر
وأنام على الرمل الطري
لأن الأصابع الإثنى عشر الصغيرة
هي لك

أوقات فراغ القانون

كوابيسُ القضاة
منفتحةٌ على العصافير
منغلقةٌ على الأطفال
والنباتاتُ المتفتحةُ للأمعاء الشائخة
تجيءُ لتموت ميتةً فادحةً على بياضِ المُرَبَّعاتِ
حيث أجسادُ سيئي الحظ
المتعبين من كدرهم وحجزهم واستجوابهم
تنحبس في زوايا جنونٍ غير مشكوكٍ فيها
في حين أن النساء الصباحيات بأصابعهن المجدولة المجروحة
يجئن لحصد حظهن ومكنساتهن مُمتَشَقَةٌ
بين دكة المتهمين
وسترات الجندرمة
شديدي الانتباه إلى إشارات وكلاء النيابة الحذرين
وينتشر الرعبُ في الهواء وفي الماء
ملوثاً وعودَ الطبيعة في خضوع
ملصقاً الأحجار نفسها بالقذارة


LITTLE ROCK

حيثما تذهبُ
أذهبُ
ورأسي مدثرةٌ بالدموع
حيثما تصلي أصلي
أوه من يأس هذه الحوائط النائمة
شعبكَ سيكون شعبي
فراشك رجائي الوحيد
إلهك سيكون إلهي
وسُرَّتُكَ
المكان الذي أحط عليه
فجلدك وحده أسود
*
كذبتُ يا حماري العزيز حين أسدلتُ جفنيك
كان الليلُ بعيداً وكان قلبكَ لا يزال يخفقُ
أذنبتُ يا حماري العزيز حين أبلغتُ الموت
بموضع رأسكَ الصوفية والجريحة
على الشاطئ حيث كان الرعب يتسكع
أسأتُ التصرف يا حماري العزيز حين أسرعتُ بدفنك
كان الأولى بي أن أرقدَ لكي أموتَ بدلاً منك
أنا صديقتك التي دقَّتْ قَرْعَةَ الحُزن
كان يجب عليَّ في تلك الليلة أن أحيّي الأرضَ
وأن أدع الديدان تتغذى على لحمي
لكنك أنت يا حمار أيامي القديمة الذي جُرح لكي يرضيني
تنامُ في رخاوةٍ قتيلاً في وحدتك الرائعة
والموتُ المستمتعُ بهذه التضحية ببرئ
قد وبخني هازئاً
غير غافرٍ وإن كان منتعشاً


المبضع

مثقلتين بالخجل
مرتجتَين على سيقانهما الخشبية
امرأتان لهما عيون مجانين
رفعتا تنورتيهما، ملابسهما الداخلية، زبانياتهما
وتداعبتا بالفخذ
وربلةِ الساقِ والركبة
كانت لحظةُ العذريةِ قد مرَّت
وخلف الستار
كانت الممرضةُ تمطُّ شفتيها

تَأَمَّل

تَأَمَّل قلبكَ الجليل بالوَرَع
الذي يزفرُ وحيداً مخنوقاً من الرقاد
النقطة الوحيدة الحساسة في جسدك الباهت، جسد البدين
تَأَمَّل قلبكَ حتى تُحْسِنَ الإنصات إليه
تَأَمَّل أفكاركَ المرفرفة في عينيك المحنطتين
الحزينتين من كآبة الأزمنة الطويلة
تَأَمَّل أفكارك حتى تُحْسِنَ عَلْكَها
تَأَمَّل اختلاجات ضميركَ المُقَنَّعِ بالغذاء
تَأَمَّل دماغكَ حتى تُحسِنَ فهمه
تَأَمَّل ولكن لا تنتظر أبداً
*
ما العمل عندما يتخلف المالُ
بأي إلهٍ ألوذُ حين يتلوثُ الماءُ
حين ينتحبُ الخبزُ المتعفنُ تحت الفراش
حين يغطي الطاعونُ جسدكِ بجراحه الكئيبة
ما العمل حين يتأوه الفجرُ
أيجبُ أن أُغني يا محبوبتي
أغنياتِ العطور
وقاحة صرخاتِكِ
أيجبُ أن أتنزه في ظل الجبَّانات
معتمراً بالقانون مفتون العضو
محظوظاً
ما العمل حين تنشب الحرب في يدكِ
ما العمل حين يشحبُ الفجرُ
*
سوف نُفَرِّقُ الجثثَ
يوم رحيلِكَ
سوف نشنقُ ديوكاً
في جوفِ أقواس قوطية
سوف نشربُ نسغ أعوامِ العذاب
سوف أتبنى بنتاً
طفلةً
بيضةَ عيد فصح
حياةً
وهي سوف تتذكرُ
يومَ رحيلِكَ
فاسمك سيكون منقوشاً على رقعةِ روحها
بأحرفٍ كبيرةٍ من الدم

سيرة

السحبُ الخبيرةُ بأوراق الخريف
الليلكُ، النزواتُ، شايُ الممرضات الإنجليزيات
الصحراءُ التي تتململُ خلف الستار
الأخُ الذي نقترن به
الجدُ الذي ندفنه
الطفلُ الذي يفقدُ أسنانه
الكوبرا التي نداعبها
والتي تبتسم
اغتيالاتُ المخمل والقشدة
الهمساتُ الموسيقية للسود الراكعين
الأقاربُ الذين ينامون في جيب الليل الواسع
تنهداتُ اللبن، الصفعاتُ ذات الأجنحة الحديدية، الأفواه المتشككةُ، المآزقُ
موتُ الزوج الذي لا ينقضي بعدُ
الجبالُ التي لها نتوءاتٌ من الثلج والتي تقتربُ وتبتعدُ
مع كل حرفٍ منطوقٍ بشكلٍ رديء من الطفل الذي يتوسل
والذي يتأرجحُ بين الأوراق المرتعدة لعامه الثالث عشر
واثقاً من قُوَّتِهِ ومن شروقِ الحبِّ
واثقاً من قُوَّتِهِ
ومن الموتِ الذي لا يَفْنَى

وحشٌ جميلٌ

الداءُ ذو الشواربِ المتموجة
يترصدني
في كل مرَّةٍ تلتقي فيها عيناي تحت المائدة
يده الموسيقية الطويلة
تندسُّ بين نهديَّ
وتخنقُ خُرَّاجي
في البيضة
ينضحُ أنفي كمزراب
يسقطُ شعري حزيناً
وعَفَنُ المهاناتِ الطوعيةِ
يعذبني
ساقاي تحلقان أعلى فأعلى
صَدَفاتٍ مفتوحةٍ فرواتٍ ملساء
داعيةً الأفواه الرقيقة
الأزاميلَ، خيولَ البحر ذات المخالب الشرهة
إلى تقاسم لَذَّاتها
ابتساماتها، مباهجها
وحبِّ شبابها، الذي يتقيحُ
*
الثلجُ يسقطُ أيها القناعُ الجميلُ
والصمتُ الهازئُ، صمتُ المفارشِ المُبْهَمَةِ
يقفلُ عينيك الحجريتين
فأبكي ولكن ما جدوى ذلك
وأنا امرأةٌ عجوز في الثلاثين من العمر
يُثَبِّتُ دُوار النعاس شعري على رقبتي
يسقطُ الثلجُ المريضُ والعطشُ يدع أصابعه المزينةَ بالريش
تنسابُ على جسدي
أشدّ على نواجذي منزعجةً من كوني مفهومة
ولا يبقى بعدُ غير حائطٍ بيني وبين الألم
غير حجرٍ مغطىً بأوراقٍ أخيرة

عيون الأصدقاء

أبحثُ عن قلبك تحت ركامٍ من الأنقاض
عِطرٌ غريبٌ أشعثٌ ومحترسٌ
يفتشُ في جنباتي دون أن يُطفئ سيجاره المكفهر
أطباقٌ بائتةٌ تمرُّ تحت أنفي
لُسَينَاتٌ، لاماتٌ، ريشٌ من الليلك
مجساتٌ تمسكُ مسكاً أوثق إحكاماً من مَسْكِ مَرَضٍ
ذكريات لا تؤكل، نقوش عرايا لهم أوراكٌ رَبِلَة
طبقاتُ ماضٍ مقضومةٌ بالجنون
وأخرى أكثر امتثالاً مزخرفة بمسحوق الأرز
تحاصر أثاثها بالأبهة وبدنتيلات الاحتفال
أبحثُ عن قلبك تحت ركام أوراق كثيف
لكن عطر حبك أطفأ سيجاره على البساط
فأبقى وحدي مع رمادِ مسَرَّةٍ أريبة.

هلالُ الضباب

مريضة، مريضة
على فراش موتي المتجدد أبداً
كذبابة على قطعة جبن بيضاء
أعلّل نفسي بفكرة أن عينيك سوف تبقيان بعدي
وأنهما سوف تعيدان مداعبة حيواناتنا المتضورة من الجوع
وأنهما سوف تعيدان رؤية شواطئنا
وأن شعور الصبايا في عمق الماء الأشهب
والتي تتمايل وتتبختر عند مرور الأسماك
سوف تبهر كالعادة حدقتيك المنتجتين للخمر
أفكر مبتسمةً في عينيك، في نظراتهما التي بلا وجهة
ولا فائض من الدموع
عينيك اللتين تهجعان هناك تحت غطائي كمدفأةٍ قديمة
كمشدٍّ
النهار يموت معلَّقاً بدبوس على الجدار
وأنا في فراشي
(لا تهتز على كرسيك)
قدماي مكعبان من الثلج لن يفلح أيُّ صوتٍ في كسرهما
ساقاي نسيتا قفزاتهما في المروج
وحده فمي يكابد لا يزال ويرتعد
ولكن من الذي يسمعُ صرخات لسانٍ عاجزٍ بشكلٍ فاتر
إلى الخارج تثيرُ الشمسُ شفقةَ غدير الماء الأخير
هناك في الحديقة حيث كنتُ أتمددُ طفلةً
جافلةً كحيوان رخوي ولكن محدودبة بالخديعة
وسعيدة أحياناً
عيناك تجتسان الأخبار
تتأبدان على أنفي راقصتين الفالس منزعجتين
عاجزتين عن الفهم
خطواتك المنسحبة بالفعل تبتعد على الحصباء
وهذا حسن
سأسقط كورقة
وحيدةً وقورةً ودون ماكياج
فمن المزعج أن يحتضر المرء بينما يريد الأقارب الكلام
والحشرجةُ العميقةُ ذاتها وقحةٌ غالباً.