النظرية الماركسية في الدولة - إرنست ماندل


بشير السباعي
الحوار المتمدن - العدد: 6214 - 2019 / 4 / 28 - 10:10
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

 إرنسـت ماندل
 
 
 
النظرية الماركسية فـي الدولة
 
(أكتوبر / تشرين الأول 1969)
 
ترجمة : بشير السباعي


المحتويات
 
                                               
الفصل الأول
أصل الدولة وتطورها فى تاريخ المجتمعات           
الفصل الثانى
الدولة البورجوازية: وجه الواقع اليومي           
الفصل الثالث
البروليتاريا في السلطة                     
إشارات                                      
 
                              
 
 


الفصل الأول
أصل الدولة وتطورها في تاريخ المجتمعات
 
أ‌-       المجتمع البدائي وأصول الدولة
لم تكن الدولة موجودة في جميع الأزمنة
يخطئ بعض علماء الاجتماع وممثلون آخرون للعلم السياسي الأكاديمي عندما يتحدثون عن الدولة فى المجتمعات البدائية. فما يفعلونه في الحقيقة هو المطابقة بين الدولة والجماعة. وهم إذ يفعلون ذلك إنما يجردون الدولة من خاصيتها المميزة لها، أي نقل ممارسة بعض الوظائف من الجماعة ككل بحيث تصبح حكرًا لفصيلٍ ضئيلٍ من أفراد هذه الجماعة.
وبعبارة أخرى، فإن ظهور الدولة هو نتاج التقسيم الاجتماعي للعمل. وكلما كان هذا التقسيم الاجتماعي للعمل مجرد تقسيم جنيني، فإن جميع أفراد المجتمع يمارسون، متناوبين، عمليًّا، جميع وظائفه ولا تكون ثمة دولة ولا تكون ثمة وظائف دولة خاصة.
 يقول الأب فيكتور إيلينبرجر، بخصوص قبيلة البوشمن، إن هذه القبيلة لم تعرف الملكية الخاصة ولا المحاكم ولا السلطة المركزية ولا الأجهزة الخاصة أيًّا كان نوعها. (La fin tragique des Bushmen, pp.70-73 [Paris: Amiot-Dumont, 1953]) ، ويقول كاتب آخر بخصوص القبيلة نفسها: "إن الجماعة، لا القبيلة، هي الجهاز السياسي الحقيقي عند البوشمن. وتتمتع كل جماعة بالاستقلال وتحيا حياتها بشكل مستقل عن الجماعات الأخرى. وعادة ما ينظم شئونها الصيادون المهرة والرجال الأكبر سنًّا، والأوفر تجربةً بوجه عام"  (I. Shapera, The Khoisan People of South Africa, p.76 [London: George Routledge and Ltd., 1930])  
 وينطبق الشيء نفسه على شعوب مصر وبلاد الرافدين في الأزمنة الغابرة: "لم يكن الوقت مناسبًا للعائلة البطريركية ذات السلطة الأبوية بأكثر من مناسبته لتجمع سياسي مركزي حقيقي... فالواجبات الإيجابية والسلبية جماعية في نظام العشيرة الطوطمية. إن السلطة والمسؤولية في هذا المجتمع لا تزال تتمتع بطابع لا يمكن تجزئته. ونحن بإزاء مجتمع مشتَرَكي ومساواتي، تساوي فيه المشاركةُ في الطوطم الواحد، الذي يعد جوهر كل فرد وأساس تضامن الجميع، بين جميع أفراد العشيرة" (A. Moret and G. Davy, Des Clans aux Empires, p.17 [Paris: La Renaissance du Livre, 1923])
إلا أنه كلما تطور التقسيم الاجتماعي للعمل وانقسم المجتمع إلى طبقات، فإن الدولة تظهر -  وتتحدد طبيعتها: حرمان أفراد الجماعة ككل من ممارسة عدد معين من الوظائف؛ تقلد أقلية ضئيلة وحدها ممارسة هذه الوظائف.
وسيوضح مثالان هذا التطور، الذى يتألف من تجريد أغلبية من أفراد المجتمع من بعض الوظائف التي كانوا يمارسونها في السابق (بشكل جماعي في البداية) من أجل تخصيص هذه الوظائف لفريق ضئيل من الأفراد.
المثال الأول: الأسلحة
هذه وظيفة مهمة. وقد قال إنجلز إن الدولة، في التحليل الأخير، ليست غير جهاز من الناس المسلحين.
في الجماعة البدائية، يحمل السلاح جميع أفراد الجماعة الذكور (بل وأحيانًا جميع البالغين، ذكورًا وإناثًا) .
وفي مجتمع كهذا، لا وجود لمفهوم قصر حمل السلاح على مؤسسة خاصة اسمها الجيش أو البوليس أو الكونستابولري. فلكل ذكر بالغ الحق في حمل السلاح. (في بعض المجتمعات البدائية نجد أن احتفال التأهيل بمناسبة البلوغ، يخلع على المؤهل حق حمل السلاح).
والشيء نفسه بالضبط يحدث في المجتمعات التي لا تزال بدائية وإن كانت قريبة بالفعل من مرحلة الانقسام إلى طبقات. وعلى سبيل المثال، فإن هذا ينطبق على الشعوب الجرمانية حوالي فترة هجومها على الإمبراطورية الرومانية: فقد كان جميع الرجال الأحرار يتمتعون بحق حمل السلاح وكان بوسعهم استخدامه للدفاع عن أنفسهم وحقوقهم. والواقع أن المساواة في الحقوق بين الرجال الأحرار، والتي نشهدها في المجتمعات الجرمانية البدائية، هي مساواة بين جنود- تجيد توضيحها قصة زهرية السواسون (1).
وغالبًا ما كانت الصراعات بين الأشراف والعامة في اليونان وروما القديمتين تدور حول هذه المسألة، مسألة الحق في حمل السلاح.
المثال الثاني: العدالة
تعد الكتابة، بوجه عام، غير معروفة بالنسبة للمجتمع البدائي. ولذا فلا توجد فيها مجموعة قوانين مكتوبة. ثم إن ممارسة العدالة ليست مقصورة على أفراد بعينهم، فهذا الحق يخص المجموع. وباستثناء النزاعات التي تحسمها العائلات أو الأفراد أنفسهم، فإن الاجتماعات الجماعية هي وحدها التي تتمتع بحق إصدار الأحكام. وفي المجتمع الجرماني البدائي، لم يكن رئيس المحكمة الشعبية يصدر حكمًا: إذ كانت وظيفته تتمثل في ضمان مراعاة بعض القواعد وبعض الأشكال.
إن فكرة إمكانية وجود بعض الأشخاص المنفصلين عن المجموع، والمحتكرين لحق تدبير شئون العدالة، من شأنها أن تظهر في نظر مواطني مجتمع يقوم على جماعية العشيرة أو القبيلة كفكرة حمقاء شأنها في ذلك شأن الفكرة المعاكسة في نظر أغلب معاصرينا.
والخلاصة: أنه في مرحلة معينة من تطور المجتمع، قبل انقسامه إلى طبقات اجتماعية، تُمارَس بعض الوظائف كحق حمل السلاح أو تدبير شئون العدالة ممارسة جماعية - من جانب كل أفراد الجماعة البالغين. فقط مع تطور هذا المجتمع أكثر، إلى درجة ظهور طبقات اجتماعية فيه، تُنتزع هذه الوظائف من الجماعة لتخصص لأقلية تمارس هذه الوظائف بطريقة خاصة.
فما هي خصائص هذه "الطريقة الخاصة"؟
لننظر في مجتمعنا الغربي في الفترة التى أخذ فيها النظام الإقطاعي في التحول إلى نظام سائد.
يمكن إظهار استقلال الضياع الإقطاعية الواسعة (لا الصوري ولا الحقوقي، وإنما الفعلي جدًّا والكامل تقريبًا) بالإشارة إلى كون السيد الإقطاعي، وهو وحده، هو الذي يمارس عبر أرجاء مقاطعته كل الوظائف التي عددناها سلفًا، وهي وظائف كانت من اختصاص مجموع البالغين في المجتمعات البدائية.
 فهذا السيد الإقطاعي هو الحاكم المطلق لمجال سيطرته. فهو الوحيد الذي يحق له حمل السلاح في جميع الأوقات، وهو الشرطي الوحيد، الكونستابل الوحيد؛ وهو القاضي الوحيد؛ وهو الوحيد الذي يحق له سك النقود؛ وهو الوزير الوحيد للمالية. فهو يمارس عبر أرجاء مقاطعته جميع الوظائف الكلاسيكية التي تمارسها الدولة على نحو ما نعرفها اليوم.
     وفيما بعد، سيحدث تطورٌ آخر. فطالما ظلت الضيعة صغيرة نسبيًّا وسكانها محدودين، وطالما ظلت وظائف "الدولة" التي يمارسها السيد ضئيلة وليست بالغة التعقيد، وطالما كانت ممارسة هذه الوظائف لا تحتاج إلاَّ إلى جانب قصير من وقت السيد، فإن بوسعه معالجة الموقف وممارسة كل هذه الوظائف شخصيًّا.
إلا أنه عندما تتسع المقاطعة ويتزايد السكان، فإن الوظائف التي يتحمل السيد الإقطاعي مسؤوليتها تتزايد تعقيدًا وتفصيلاً وإرهاقًا. ويصبح من المستحيل على رجل بمفرده ممارسة كل هذه الوظائف.
فما الذي يفعله السيد الإقطاعي عندئذٍ؟
إنه، جزئيًّا، يفوض سلطاته لآخرين - ولكن ليس لرجالٍ أحرار، لأن هؤلاء ينتمون إلى طبقة اجتماعية معارضة لطبقة السادة الإقطاعيين.
إن السيد الإقطاعي يفوض جانبًا من سلطته لأشخاص تحت سيطرته بالكامل: الأقنان الذين يشكلون جزءً من مساعديه المنزليين. ويظهر أصلُهم القنِّي في كثير من الألقاب الحالية: "الكونستابل" مشتقة من كلمة كوميس ستابولي، رئيس الأقنان العاملين في الاسطبلات و"المنستر" (الوزير – المعرب) هو السيرف منسترابل، أى القن المكلف من السيد بمعاونته على أداء احتياجاته – العمل كمرافق له أوخادم أو مساعد أو ساعٍ، إلخ؛ و"المارشال" هو القن الذى يهتم بحالة المركبات والجياد، إلخ، (من مارا سكالك، كلمة ألمانية قديمة جدًّا تشير إلى المسؤول عن العناية بالجياد).
وكلما كان هؤلاء الأشخاص، هؤلاء الرجال من غير الأحرار، هؤلاء الخدم، تحت السيطرة الكاملة للسيد الإقطاعي، فإنه يفوض سلطاته جزئيًّا لهم.
ويقودنا هذا المثال إلى الاستنتاج التالي – الذي هو عين أساس النظرية الماركسية في الدولة:
الدولة هي جهاز خاص يظهر في مرحلة معينة من تطور البشرية التاريخي وهو جهاز محكوم عليه بالتلاشي في مجرى هذا التطور عينه. إنها ناشئة عن انقسام المجتمع إلى طبقات وسوف تتلاشى مع تلاشي هذا الانقسام. إنها تنشأ كأداة في أيدي الطبقة المالكة لأجل صون سيطرة هذه الطبقة على المجتمع وسوف تتلاشى مع تلاشي هذه السيطرة الطبقية.
وإذا عدنا إلى الحديث عن المجتمع الإقطاعي، فلا بد من الإشارة إلى أن وظائف الدولة التي تمارسها الطبقة الحاكمة لا تخص فقط مجالات السلطة الأكثر مباشرة كالجيش والقضاء والمالية. فالإيديولوجية والقانون والفلسفة والعلم والفن تحت هيمنة السيد الإقطاعي أيضًا. والذين يمارسون هذه الوظائف أناس فقراء يتعين عليهم، كي يحيوا، بيع مواهبهم لسيد إقطاعي بوسعه الاهتمام بتلبية متطلباتهم. (يتعيين إدراج رؤساء الكنائس في طبقة السادة الإقطاعيين بمقدار ما أن الكنيسة كانت تملك ضياعًا عقارية واسعة). وفي ظل ظروف كهذه، ما دامت التبعية كاملة على الأقل، فإن تطور الإيديولوجية يكون تحت سيطرة الطبقة الحاكمة تمامًا. فهي وحدها التي تطلب "الإنتاج الإيديولوجي"؛ وهي وحدها القادرة على تقديم العون المالي إلى "الإيديولوجيين".
تلك هي العلاقات الأساسية التي يتعين علينا مراعاتها باستمرار ، إذا لم نكن نود الضياع في شبكة من التعقيدات والتمييزات الدقيقة . ولا حاجة إلى القول إن وظيفة الدولة، في سياق تطور المجتمع، تصبح أكثر تعقيدًا بكثير، وذات ظلال أكثر بكثير مما هي عليه في نظام إقطاعي كذلك الذي وصفناه لتونا بشكل بالغ العمومية .
ومع ذلك، فلا بد لنا في البدء من هذا الموقف الواضح والجلي بشكل ساطع من أجل فهم منطق تطور هذا التقسيم الاجتماعي للعمل الحادث وأصله، والعملية التي تصبح عن طريقها هذه الوظائف المختلفة متزايدة الاستقلال النسبي باطراد وتبدأ ظلالها في الظهور بمظهر الاستقلال المتزايد باطراد عن الطبقة الحاكمة.
ب- الدولة البورجوازية الحديثة
الأصل البورجوازي للدولة الحديثة
الموقف هنا، أيضًا، واضح تمامًا. فالبرلمانية الحديثة تجد أصلها في صيحة القتال التي أطلقتها البورجوازية الإنجليزية في وجه الملك "لا ضرائب دون تمثيل!" وهذا يعني بعبارة واضحة: "لن تحصل على سنت واحد مِنَّا ما دامت ليست لنا كلمة في كيفية إنفاقك له".
وبوسعنا أن نرى على الفور أن هذا ليس أكثر براعة من العلاقة الكائنة بين السيد الإقطاعي والقن المكلف برعاية الاسطبلات. وقد مات ملك من آل ستيوارت، هو شارل الأول، على المذبح لتجاهله لهذا المبدأ، الذى أصبح بمثابة القاعدة الذهبية التي كان يتعين التقيد بها من جانب جميع ممثلي جهاز الدولة، المباشرين أوغير المباشرين، منذ ظهور المجتمع البورجوازي الحديث.
الدولة البورجوازية، دولة طبقية:
هذا المجتمع الجديد لا يعود يسيطر عليه سادة إقطاعيون، وإنما تسيطر عليه الرأسمالية، يسيطر عليه الرأسماليون الجدد. وكما نعرف، فإن المتطلبات النقدية للدولة الحديثة – السلطة المركزية الجديدة، الملكية المطلقة إلى هذا الحد أو ذاك- تصبح أعظم فأعظم، من القرن الخامس عشر إلى القرن السادس عشر وما بعد ذلك. ونقود الرأسماليين، نقود التاجر والمصرفيين التجار، هي التى تلعب الدور الرئيسي في ملء صناديق الدولة. ومنذ ذلك الحين، كلما دفع الرأسماليون من أجل الصرف على الدولة، فإنهم سوف يطالبون بأن تخضع الأخيرة تمامًا لمتطلباتهم . وهم سوف يظهرون ذلك ويؤكدونه بوضوح تام بحكم طبيعة القوانين نفسها التي يسنونها والمؤسسات التي يخلقونها.
إن العديد من المؤسسات التي تبدو الآن ديموقراطية من حيث طبيعتها، مثال ذلك المؤسسة البرلمانية، تكشف بوضوح عن الطبيعة الطبقية للدولة البورجوازية. وهكذا، ففي أغلب البلدان التي تأسست فيها برلمانية لم يكن أحد يتمتع بحق التصويت سوى البورجوازية. وقد دام هذا الوضع في أغلب البلدان الغربية حتى أواخر القرن الماضي، بل وحتى أوائل القرن العشرين. فحق التصويت العام، كما يمكننا أن نرى، هو ابتكار حديث نسبيًّا في تاريخ الرأسمالية. فكيف نفسر ذلك؟
بسهولة كافية. في القرن السابع عشر، عندما أعلن الرأسماليون الإنجليز "لا ضرائب دون تمثيل". وكان ما يقصدونه هو مجرد تمثيل البورجوازية، لأن فكرة إمكانية منح التصويت للأشخاص الذين لا يملكون شيئًا ولا يدفعون أي ضرائب، كانت تبدو بمثابة فكرة حمقاء ومثار سخرية بالنسبة لهم. ألا يتشكل البرلمان لمجرد مراقبة النفقات التي تعتمد على نقود دافعي الضرائب؟
وهذه الحجة، المشروعة تمامًا من وجهة نظر البورجوازية، قد تلقفتها بورجوازيتنا المذهبية(2) وطورتها أثناء المطالبة بحق التصويت العام. فبالنسبة لهذه البورجوازية، كان دور البرلمان يتألف من مراقبة الميزانيات والنفقات. ومن يدفعون الضرائب هم وحدهم الذين يجوز لهم شرعًا ممارسة هذه الرقابة؛ لأن من لا يدفعون ضرائب سوف يميلون باستمرار إلى زيادة النفقات، ماداموا لا يدفعون فاتورتها.
فيما بعد، نظرت البورجوازية إلى هذه المشكلة نظرة مختلفة. فمع حق التصويت العام، ولدت الضرائب العامة التي تنيخ بكلكلها بشكل متزايد باطراد على كاهل العمال. وبهذا الشكل استردت البورجوازية "عدالة" النظام الأصيلة.
فالمؤسسة البرلمانية هي المثال النموذجي للرابطة المباشرة جدًّا والميكانيكية جدًّا القائمة – حتى في الدولة البورجوازية - بين سيطرة الطبقة الحاكمة وممارسة سلطة الدولة.
وهناك أمثلة أخرى. لننظر إلى هيئة المحلفين في النظام القضائي. إن هيئة المحلفين تبدو كما لو كانت مؤسسة ديموقراطية في طابعها، خاصة بالمقارنة مع إدارة القضاء عن طريق قضاة لا يمكن عزلهم، وكلهم من أعضاء الطبقة الحاكمة التي لا يتمتع الشعب بأي رقابة عليها.
ولكن من بين أي فئة اجتماعية – وإلى حد كبير جدًّا اليوم- يُختار أعضاء هيئة المحلفين؟ من بين صفوف البورجوازية. بل لقد كانت هناك شروط خاصة مماثلة لشروط التمتع بملكية بالنسبة لكسب حق التصويت، للتمكن من عضوية هيئة المحلفين - إذ كان لا بد للمحلف من أن يكون مالكًا وأن يدفع قدرًا معينًا من الضرائب، إلخ. ولتوضيح هذه الرابطة المباشرة جدًّا بين جهاز الدولة والطبقة الحاكمة في العصر البورجوازي، يمكننا أيضًا الإشارة إلى قانون لوشابيلييه الشهير، الذي سن خلال الثورة الفرنسية، والذى يحظر كلاًّ من منظمات أرباب العمل ومنظمات العمال، بحجة المساواة بين جميع المواطنين. وهكذا، فبحجة حظر طوائف أرباب العمل – عندما تجاوز المجتمع الصناعي مرحلة الطوائف - تُحظر النقابات. وبهذا الشكل يعجز العمال عن مواجهة أرباب العمل، ما دامت المنظمات العمالية هي وحدها التى يمكنها إلى حدٍّ ما (جدّ محدود جدًّا للغاية) تشكيل ثقل مضاد لثروة أرباب العمل.


الفصل الثانى
الدولة البورجوازية: وجه الواقع اليومي
 
عبر النضال الذي تخوضه الحركة العمالية، تصبح مؤسسات الدولة البورجوازية أكثر مراوغةً وأكثر تعقيدًا في آنٍ واحد. فقد حل التصويت العام محل التصويت للمالكين وحدهم؛ وأصبحت الخدمة العسكرية إجبارية؛ والجميع يدفعون ضرائب. عندئذٍ يصبح الطابع الطبقي للدولة أقل شفافية. إن طبيعة الدولة كأداة للسيطرة الطبقية تصبح أقل وضوحًا مما خلال عهد البورجوازية الكلاسيكية، عندما كانت العلاقات بين مختلف الجماعات الممارسة لوظائف الدولة واضحة كوضوحها في العهد الإقطاعي تمامًا. ولذا فلا بد لتحليل الدولة الحديثة أن يكون هو الآخر أكثر تعقيدًا بعض الشيء.
أولاً، لنحدد ترتيبًا هرميًّا بين الوظائف المختلفة للدولة.
في هذا العهد والعصر، لا يعتقد أحد باستثناء أكثر الناس سذاجة أن البرلمان هو الذي يحكم فعلاً، وأن البرلمان سيد الدولة القائمة على التصويت العام (غير أن هذا الوهم أكثر انتشارًا في البلدان التي يعد البرلمان فيها مؤسسة جديدة نسبيًّا).
إن سلطة الدولة سلطة دائمة. وهذه السلطة يمارسها عدد معين من المؤسسات المنفصلة المستقلة عن مؤثر، على هذه الدرجة من التغير وعدم الاستقرار، كالتصويت العام. وهذه المؤسسات هي المؤسسات التي يجب تحليلها إذا كنا نريد معرفة أين تكمن السلطة الفعلية: إن "الحكومات تأتي وتذهب، أما البوليس والمديرون فيبقون".
الدولة، قبل كل شيء، هي هذه المؤسسات الدائمة: الجيش (الجزء الدائم من الجيش - الأركان العامة، القوات الخاصة)، البوليس، البوليس الخاص، البوليس السري، كبار مديري الإدارات الحكومية (الموظفون المدنيون"الرئيسيون")، أجهزة الأمن القومي، القضاة إلخ - كل ما هو "حرٌّ" من تأثير التصويت العام.
ويجرى تعزيز السلطة التنفيذية باستمرار. وبمقدار ظهور التصويت العام ، وتطور دمقرطة معينة لبعض المؤسسات التمثيلية، وإن كانت دمقرطةً صوريةً تمامًا، فإنه يمكن إظهار أن السلطة الفعلية تنسل من تلك المؤسسات إلى المؤسسات الأكثر ابتعادًا بشكلٍ متزايدٍ باطراد عن تأثير البرلمان.
فإذا كان الملك وموظفوه يفقدون سلسلةً من الحقوق لحساب البرلمان خلال مرحلة صعود البرلمانية، فعلى العكس من ذلك، مع أفول البرلمانية (الذي يبدأ مع كسب حق التصويت العام)، يفقد البرلمان سلسلة متصلة من الحقوق وتعود هذه الحقوق إلى إدارات الدولة الدائمة والثابتة. وهذه الظاهرة ظاهرة عامة في جميع أرجاء أوروبا الغربية. والجمهورية الخامسة الحالية في فرنسا هي الآن أبرز وأتم مثال  لهذه الظاهرة.
فهل ينبغي النظر إلى هذا التحول، هذا الانقلاب، بوصفه مؤامرة شيطانية ضد حق التصويت العام من جانب الرأسماليين الأشرار؟ إن واقعًا موضوعيًّا أعمق بكثير يكمن في الأمر: فالسلطات الفعلية تنتقل من السلطة التشريعية إلى السلطة التنفيذية، وسلطة الجهاز التنفيذى تتعزز بشكل دائم ومتصل كنتيجة لتغيراتٍ تحدث أيضًا ضمن الطبقة الرأسمالية نفسها.
وقد بدأت هذه العملية خلال الحرب العالمية الأولى في أغلب البلدان المتحاربة ثم استمرت منذ ذلك الحين بلا توقف. بيد أن الظاهرة كانت موجودة في أغلب الأحيان قبل ذلك بكثير جدًّا. وهكذا، ففي الإمبراطورية الألمانية، ظهرت هذه الأولوية للجهاز التنفيذي على الجهاز التشريعي جنبًا إلى جنب ظهور التصويت العام. فقد سلم بسمارك واليونكر بحق التصويت العام من أجل استخدام الطبقة العاملة إلى حد معين كرافعة ضد البورجوازية الليبرالية، ضامنين بذلك (في ذلك المجتمع الرأسمالي من حيث الجوهر) الاستقلال النسبي للسلطة التنفيذية التي يمارسها النبلاء البروسيون.
وتبين هذه العملية بشكل تام جدًّا أن المساواة السياسية هي مساواة مظهرية أكثر من كونها مساواة واقعية، وأن حق المواطن - صاحب حق التصويت ليس أكثر من حق وضع قطعة صغيرة من الورق في صندوق اقتراع كل أربعة أعوام. والحق لا يتجاوز ذلك، كما أنه، قبل كل شيء، لا يصل إلى مراكز اتخاذ القرار والسلطة الفعلية.
 
الاحتكارات تخلف البرلمان:
كان عصر البرلمانية الكلاسيكية هو عصر المنافسة الحرة. وفي ذلك الوقت، كان البورجوازي الفرد، الصناعي، المصرفي، قويًّا جدًّا كفرد. كان مستقلاًّ جدًّا، حرًّا جدًّا ضمن حدود الحرية البورجوازية، وكان بوسعه المغامرة برأسماله في السوق بأي شكل يحلو له. وفي ذلك المجتمع البورجوازي المشرذم، لعب البرلمان دورًا موضوعيًّا مفيدًا جدًّا، بل ولا غنى عنه، في تصريف الشئون اليومية السهل.
والواقع أنه لم يكن بالإمكان تحديد القاسم المشترك لمصالح البورجوازية إلا في البرلمان. ويمكن تحديد عشرات الجماعات الرأسمالية المنفصلة، وهي جماعات تتعارض فيما بينها بسبب عدد من المصالح القطاعية والإقليمية والطوائفية. ولا يمكن لهذه الجماعات أن تلتقى بشكل منظم إلا في البرلمان (صحيح أنها كانت تلتقي في السوق أيضًا، بيد أنها كانت تلتقي هناك بالسكاكين لا بالكلمات!). ففي البرلمان وحده كان يمكن التوصل إلى خطّ وسط ، خطّ يمكنه التعبير عن مصالح الطبقة الرأسمالية ككل.
فتلك كانت وظيفة البرلمان آنذاك: أن يكون ملتقى مشتركًا يمكن فيه صوغ المصالح الجماعية للبورجوازية. ولنذكِّر بأنه، فى عصر البرلمانية البطولي، لم يكن التوصل إلى تحديد هذه المصلحة الجماعية يتم عن طريق الكلمات والأصوات فقط؛ فقد كانت قبضات الأيدي والمسدسات تستخدم أيضًا. ألم يكن المؤتمر، ذلك البرلمان البورجوازي الكلاسيكي خلال الثورة الفرنسية، يرسل الناس إلى المقصلة بقرار من أتفه أغلبية؟
بيد أن المجتمع الرأسمالي لم يكن ليظل مشرذمًا. فشيئًا فشيئًا، كان بالإمكان رؤيته وهو ينظم نفسه ويحدد هياكله بشكل يتزايد تركيزًا ويتزايد مركزية. فالمنافسة الحرة تضمحل وتخلفها الاحتكارات والتروستات والتجمعات الرأسمالية الأخرى.
 
السلطة الرأسمالية ممركَزة خارج البرلمان:
     الآن تحدث مركزة فعلية لرأس المال المالي والبنوك الكبيرة والجماعات المالية. فإذا كان أناليتيك(3) البرلمان قد عبر عن إرادة البورجوازية البلجيكية منذ قرن مضى، فإنه الآن، قبل كل شيء، تقرير سنوي للسوسيتيه جنرال(4) أو للبروفينا(5)، يُعَدُّ لاجتماعات المساهمين، تتوجب دراسته لمعرفة آراء الرأسماليين الحقيقية. إن هذه التقارير تتضمن آراء الرأسماليين الذين يحسب لهم حسابهم فعلاً، الجماعات المالية الكبيرة المهيمنة على حياة البلد.
وهكذا، فالسلطة الرأسمالية ممركَزة خارج البرلمان وخارج المؤسسات الناشئة عن التصويت العام. وفي مواجهة تركز شديد القوة كهذا (لا نحتاج إلا إلى تذكر أنه في بلجيكا تسيطر عشر جماعات مالية على الحياة الاقتصادية للأمة)، فإن العلاقات بين البرلمان ومسؤولي الحكومة ومفوضي البوليس وأولئك الذين يحوزون على ملايين متعددة، هي علاقة لا تثقلها النظرية إلا قليلاً جدًّا. إنها علاقة مباشرة وعملية جدًّا: إن صلة الوصل هي الدفع.
سلاسل البورجوازية الذهبية المرئية - الدين القومي
البرلمان، وبدرجة أكبر، حكومة دولة رأسمالية، مهما كان مظهرها الديموقراطي، مرتبطة بالبورجوازية بسلاسل ذهبية. وهذه السلاسل الذهبية لها اسم - الدين العام.
فأي حكومة لا يمكنها أن تدوم أكثر من شهر من غير الاضطرار إلى طرق أبواب المصارف من أجل تلبية نفقاتها الجارية. وإذا رفضت البنوك، فستفلس الحكومة. وأصول هذه الظاهرة مزدوجة. فالضرائب لا تَرِدُ إلى الصناديق كل يوم؛ والإيرادات تتركز في فترة واحدة من العام بينما النفقات متصلة. وهذا هو السبب في ظهور الدين العام قصير الأجل. وبالإمكان حل هذه المشكلة بحيلة تقانية أو أخرى. إلا أن هناك مشكلة أخرى - مشكلة أهم بكثير. فجميع الدول الرأسمالية الحديثة تنفق أكثر مما تحصل عليه من إيرادات. وذلك هو الدين العام طويل الأجل الذي يمكن للبنوك والمؤسسات المالية الأخرى بمنتهى اليسر تمويله بنسبة فائدة باهظة. وهنا تكمن رابطة مباشرة وفورية، رابطة يومية، بين الدولة ورأس المال الكبير.
 
الهرمية في جهاز الدولة..
أما السلاسل الذهبية الأخرى، السلاسل غير المرئية، فهي تجعل جهاز الدولة أداة بيد البورجوازية.
لو درسنا، مثلاً، طريقة اختيار الموظفين المدنيين، لرأينا أنه لابد للمرء من اجتياز امتحان لكي يصبح كاتبًا صغيرًا في وزارة. وهذه القاعدة تبدو ديموقراطية جدًّا بالفعل. ومن ناحية أخرى، فليس بوسع أي شخص أيًّا كان شأنه أن يدخل امتحانًا بالمرة لأي مستوى أيًّا كان. فالامتحان لمنصب سكرتير عام بوزارة أو لمنصب رئيس الأركان العامة للجيش ليس كالامتحان لمنصب كاتب صغير في مكتب حكومي صغير. وللوهلة الأولى يبدو ذلك طبيعيًّا هو أيضًا.
ولكن – لكن بالبنط الكبير- هناك تسلسلاً في هذه الامتحانات يضفي عليها طابعًا انتقائيًّا. فلا بد لك من الحصول على شهادات معينة، ولابد من تلقي دراسات معينة، حتى تتقدم لمناصب معينة، خاصة المناصب المهمة. ومثل هذا النظام يستبعد عددًا هائلاً من الناس، الذين لم يتمكنوا من الحصول على تعليم جامعي أو معادل له، لأن التكافؤ في الفرص التعليمية غير موجود فعلاً. وحتى لو كان نظام امتحانات المتقدمين للخدمة المدنية ديموقراطيًّا على السطح فإنه هو الآخر أداة انتقائية.
..مرآة الهرمية فى المجتمع الرأسمالي
هذه السلاسل الذهبية غير المرئية توجد أيضًا في المقابل الذي يحصل عليه أعضاء جهاز الدولة.
إن جميع الأجهزة الحكومية، بما فيها الجيش، تُطَوِّرُ هذا الجانب الهرمي، هذا الهيكل الهرمي الذي يميز المجتمع البورجوازي. ونحن على درجة عالية من التأثر والتشبع بإيديولوجية الطبقة الحاكمة إلى درجة أننا نميل إلى عدم الإحساس بوجود شيء غير طبيعي في حصول سكرتير عام في وزارة من الوزارات على راتب يزيد عشرة أضعاف عن راتب موظف صغير في الوزارة نفسها أو امرأة تنظف مكاتبها. من المؤكد أن الجهد الجسماني الذي تبذله هذه الخادمة النهارية عظيم. أما السكرتير العام للوزارة، فإنه يفكر! - وهو شيءٌ، كما يعرف الجميع، أكثر إرهاقًا بكثير. وبالطريقة نفسها، فإن راتب رئيس الأركان العامة (وهو الآخر شخص يفكر!) أعظم بكثير جدًّا من الراتب الذي يحصل عليه نفر من الدرجة الثانية.
هذا الهيكل الهرمي لجهاز الدولة يقودنا إلى التأكيد على ما يلى: في هذا الجهاز سكرتيرو عموم وجنرالات جيش وأساقفة، إلخ، يتمتعون بمستوى الدخل نفسه ومن ثم يتمتعون بالمستوى المعيشي نفسه الذي تتمتع به البورجوازية الكبيرة، بحيث إنهم يشكلون جزءً من المناخ الاجتماعي والإيديولوجي نفسه. ثم يأتي الموظفون المتوسطون، المسؤولون المتوسطون، الذين هم على الصعيد الاجتماعي نفسه ويتمتعون بالدخل نفسه الذي تتمتع به البورجوازية الصغيرة والمتوسطة. وأخيرًا يأتي جمهور الموظفين الذين لا ألقاب لهم، الخادمات النهاريات وعمال البلدية، الذين يحصلون في أغلب الأحيان على دخول أقل من دخول العمال الصناعيين. ومن الواضح أن مستوى معيشتهم ينسجم مع مستوى معيشة البروليتاريا.
إن جهاز الدولة ليس أداة متجانسة. إنه ينطوي على هيكل ينسجم كثيرًا جدًّا مع هيكل المجتمع البورجوازى، بهرمية طبقاته والفوارق المطابقة الكائنة بينها.
وهذا الهيكل الهرمي ينسجم مع حاجة فعلية لدى البورجوازية. إنها تود التمتع بأداة يمكنها استخدامها كما تريد. ومن الواضح تمامًا لماذا تحاول البورجوازية منذ زمن طويل، وتحاول بإصرار شديد جدًّا، حرمان عمال الخدمة العامة من حق الإضراب.
هل الدولة مجرد حَكَم؟
هذه النقطة مهمة. ففي مفهوم الدولة البورجوازية نفسه – بصرف النظر عما إذا كانت "ديموقراطية" إلى هذا الحد أو ذاك من حيث مظهرها - هناك مقدمة أساسية، مرتبطة، علاوة على ذلك، بأصل الدولة نفسه: إن الدولة بطبيعتها تظل متناحرة، أو بالأحرى غير متماشية، مع متطلبات المجتمع. فالدولة، بحكم تعريفها نفسه، عبارة عن جماعة من الأشخاص الذين يمارسون الوظائف التي كان يمارسها في البداية كل أعضاء المجتمع. وهؤلاء الأشخاص لا يقدمون عملاً منتجًا وإنما يعيشون على حساب أفراد المجتمع الآخرين.
في الأوقات الطبيعية، ليست هناك حاجة كبيرة إلى كلاب الحراسة. حتى في موسكو، على سبيل المثال، ليس ثمة من يتولى تحصيل أجرة ركوب الباصات: فالركاب يضعون كوبيكاتهم في صناديق داخل الباصات، سواء كان هناك أو لم يكن هناك من يراقبهم. وفي المجتمعات التي يكون مستوى نمو القوى المنتجة فيها منخفضًا، حيث كل إنسان يخوض صراعًا متصلاً مع إنسان آخر حتى يحصل لنفسه على ما يكفيه من الدخل القومي الصغير جدًّا على الجميع، يصبح وجود جهاز رقابي ضخم ضروريًّا.
وهكذا، ففي خلال الاحتلال الألماني [لبلجيكا]، تكاثر عدد من الأجهزة الرقابية المتخصصة (البوليس الخاص في محطات السكك الحديدية، مراقبة المطابع، مراقبة توزيع المواد التموينية، إلخ). ففي فترات كتلك، يكون مجال النزاع من الاتساع بحيث يظهر أنه يستحيل الاستغناء عن وجود جهاز رقابي رهيب.
   ولو فكرنا في المشكلة قليلاً، لتبين لنا أن كل الذين يمارسون وظائف الدولة، الذين يشكلون جزءً من جهاز الدولة، هم – بشكل أو بآخر- كلاب حراسة. والبوليس الخاص والعادي كلاب حراسة، ولكن ذلك هو أيضًا شأن جامعي الضرائب والقضاة وجامعي الوثائق في المكاتب الحكومية ومحصلي أجرة ركوب الباصات، إلخ. وباختصار، فإن جميع وظائف جهاز الدولة تنحصر في ما يلي: مراقبة حياة المجتمع والسيطرة عليها لمصلحة الطبقة الحاكمة.
كثيرًا ما يقال إن الدولة المعاصرة تلعب دور الحكَم. وهذا القول يقترب تمامًا مما قلناه لتونا: "رقابة" و"تحكيم". أليسا الشيء نفسه من حيث الأساس؟
المسألة تستحق تعليقين. أولاً، الحكَم ليس محايدًا. فكما ذكرنا سلفًا. يشكل الرؤساء في جهاز الدولة جزءً لا يتجزأ من البورجوازية الكبيرة. ولهذا فالتحكيم لا يتم في فراغ؛ إنه يتم في إطار صون المجتمع الطبقي القائم. وطبيعي أن بالإمكان تقديم تنازلات من جانب المُحَكِّمين؛ وهذا يعتمد أساسًا على علاقة القوى. لكن الهدف الرئيسي للتحكيم هو صون الاستغلال الرأسمالي بوصفه استغلالاً رأسماليًّا، حتى لو استدعى ذلك المساومة قليلاً حول المسائل الثانوية.
 الدولة – كلب الحراسة، شهادة على فقر المجتمع
ثانياً، الدولة كيان يخلقه المجتمع من أجل مراقبة المسار اليومي للحياة الاجتماعية؛ وهي تخدم الطبقة الحاكمة في صون هيمنة هذه الطبقة. وهناك ضرورة موضوعية لهذا التنظيم، كلب الحراسة، ضرورة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بدرجة الفقر، بمقدار النزاع الاجتماعي الموجود في المجتمع.
وبشكل تاريخي، أكثر عمومية، فإن ممارسة وظائف الدولة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بوجود النزاعات الاجتماعية. وهذه النزاعات الاجتماعية، بدروها، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بوجود ندرة معينة في الخيرات المادية والثروات والموارد والإمكانات الضرورية لتلبية المتطلبات الإنسانية. ويجب تأكيد الحقيقة التالية: مادامت الدولة قائمة، فستكون دليلاً على أن النزاعات الاجتماعية (ومن ثم الندرة النسبية للخيرات والخدمات أيضاً) تظل موجودة. ومع اختفاء النزاعات الاجتماعية، فإن كلاب الحراسة، بانعدام فائدتهم وبطفيليتهم، سوف يختفون - ولكن ليس قبل ذلك!. فالمجتمع، في الحقيقة، يدفع لهؤلاء الأشخاص كي يمارسوا وظائف الرقابة، مادام ذلك في مصلحة جزء من المجتمع. غير أنه من الواضح تمامًا أنه عندما لا تعود لأي جماعة في المجتمع مصلحة في ممارسة وظيفة كلب الحراسة، فإن الوظيفة سوف تختفي مع اختفاء فائدتها. وفي الوقت نفسه، ستتلاشى الدولة.
و حقيقة أن الدولة لا تزال موجودة إنما تثبت هي نفسها أن النزاعات الاجتماعية لا تزال موجودة، وأن حالة الندرة النسبية للخيرات تظل العلامة المميزة لتلك الفترة الواسعة في التاريخ الإنساني بين العوز المطلق (وهي الحالة التي كانت موجودة خلال فترة المشاعية البدائية) والوفرة (حالة المجتمع الاشتراكي المقبل). وما دمنا في هذه الفترة الانتقالية التي تغطي عشرة آلاف سنة من التاريخ الإنساني، وهي فترة تشمل أيضًا الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية، فإن الدولة سوف تستمر، وسوف تظل النزاعات الاجتماعية مستمرة، وسوف تكون هناك حاجة لأشخاص يفصلون في هذه النزاعات لمصلحة الطبقة الحاكمة.
إذا كانت الدولة البورجوازية تظل من حيث الأساس أداة في خدمة الطبقات الحاكمة، فهل يعني ذلك أن العمال ينبغي ألاَّ يبالوا بالشكل الخاص الذى تتخذه هذه الدولة، ديموقراطية برلمانية، ديكتاتورية عسكرية، ديكتاتورية فاشية؟ كلا على الإطلاق! فكلما تزايدت حرية العمال في تنظيم أنفسهم والدفاع عن أفكارهم، تَسَارع نمو بذور الديموقراطية الاشتراكية المقبلة داخل المجتمع الرأسمالي، وازدادت سهولة مجيء الاشتراكية من الناحية التاريخية. وهذا هو السبب في أن العمال يجب أن يدافعوا عن حقوقهم الديموقراطية ضد أي محاولة وضد كل المحاولات التي تستهدف تقليصها (قوانين حظر الإضرابات، تدشين "دولة قوية") أو القضاء عليها (الفاشية).


الفصل الثالث
البروليتاريا فى السلطة
 
يساعد ما سلف على الإجابة على بعض الأسئلة المتعلقة بالدولة وبالاشتراكية.
هل تحتاج الطبقة العاملة إلى دولة؟
عندما نقول إن الدولة تستمر حتى بداية وخلال المجتمع الانتقالي بين الرأسمالية والاشتراكية، تظهر مسألة ما إذا كانت الطبقة العاملة تظل بحاجة إلى دولة عندما تستولي على السلطة.
  ألا يمكن للطبقة العاملة، بمجرد استيلائها على السلطة، أن تلغي الدولة بين عشية وضحاها؟ لقد أجاب التاريخ بالفعل على هذا السؤال. من المؤكد أن الطبقة العاملة تستطيع، على الورق، التخلص من الدولة. غير أن هذا لن يكون غير إجراء صوري، حقوقي، بمقدار ما أن العمال لم يستولوا على السلطة في مجتمع يكون بالفعل على درجة من الثراء والتمتع بدرجة من الوفرة في الخيرات المادية والخدمات تتيح اختفاء النزاعات الاجتماعية، بوصفها نزاعات اجتماعية، أي بوصفها متمحورة على توزيع هذه المنتجات، وبمقدار اختفاء ضرورة وجود المُحَكِّمين وكلاب الحراسة والبوليس من أجل السيطرة على كل هذه الفوضى، جنبًا إلى جنب اختفاء الندرة النسبية للخيرات. وهذا الشيء لم يحدث قط في الماضي ومن الصعب رجحان حدوثه.
وبمقدار ما أن الطبقة العاملة تستولي على السلطة في بلد لا تزال فيه ندرة جزئية للخيرات أو يوجد فيه قدر معين من الفقر، فهى تستولي على السلطة في وقت لا يمكن للمجتمع فيه بعد أن يعمل دون دولة. وتظل ثمة كتلة من النزاعات الاجتماعية.
ويمكن للمرء دائمًا أن يلجأ إلى موقف منافق، مثلما يفعل بعض الفوضويين: فَلْنُلْغِ الدولة ونُسَمِّ الأشخاص الذين يمارسون وظائف الدولة باسمٍ آخر. ولكن هذه العملية عملية لفظية خالصة، فهي "إزالة" ورقية للدولة. ومادامت هناك نزاعات اجتماعية، فإن هناك حاجة فعلية لأشخاص ينظمون هذه النزاعات. والحال أن الأشخاص الذين ينظمون النزاعات هم الذين يقصد بهم الدولة. ومن المستحيل على البشرية ، جماعيًّا ، تنظيم النزاعات في ظرف يتميز بالتفاوت الفعلي وبالعجز الفعلي عن تلبية متطلبات الجميع.
 
المساواة في الفقر
 ثمة اعتراض يمكن طرحه ضد ما نقول، ولو أنه اعتراض فارغ إلى حدٍّ ما، ولم يعد يردده سوى القليل من الناس. يمكن تخيل مجتمع يرتبط فيه إلغاء الدولة بخفض المتطلبات الإنسانية؛ وفي مجتمع كهذا يمكن إقامة المساواة التامة، التي لا يمكن أن تكون، بداهة، غير مساواة في الفقر. وهكذا فإذا استولت الطبقة العاملة على السلطة غدًا في بلجيكا، فإن الجميع سيجدون خبزهم وزبدتهم، بل وما هو أكثر من ذلك بقليل.
غير أنه من المستحيل تجاهل المتطلبات الإنسانية التي خلَّفها تطور القوى المنتجة تجاهلاً مصطنعًا - فهي احتياجات ظهرت كنتيجة لبلوغ المجتمع درجة معينة من التطور. وعندما يكون إنتاج سلسلة بأكملها من الخيرات والخدمات غير كافٍ لتغطية متطلبات الجميع، فإن حظر هذه الخيرات والخدمات سوف يكون عقيمًا في جميع الأحوال. فمثل هذا الحظر لن يكون من شأنه غير خلق ظروف مؤاتية لسوقٍ سوداء وللإنتاج غير المشروع لهذه الخيرات.
وهكذا، فإن كل شِيَع الشيوعية التي حاولت، خلال العصور الوسطى والأزمنة الحديثة، تنظيم مجتمع شيوعي كامل فورًا، يرتكز على المساواة التامة بين أفراده، قد حظرت إنتاج السلع الكمالية، وأسباب الراحة العادية - بما في ذلك الطباعة! وقد فشلت كل هذه التجارب لأن الطبيعة الإنسانية لا تسمح بكبت بعض المتطلبات كبتًا مصطنعًا، عندما يحس بها إنسان. والحال أن سافونارولا(6)، وهو يدعو إلى التوبة والتقشف، كان يندد بالترف ويطالب بحرق كل اللوحات التصويرية؛ غير أنه لم يكن بوسعه أن يمنع هذا الفاسد أو ذاك من عشاق الجمال من مزاولة الرسم سرًّا.
 فمشكلة توزيع مثل هذه المنتجات "غير المشروعة"، التي ستصبح في ذلك الحين أندر بكثير من ذي قبل، سوف تظهر مع ذلك من جديد بصورة حتمية.
مراهنة البروليتاريا
ثمة اعتبار آخر، ولو أنه أقل أهمية، ينبغي إضافته إلى ما قلناه في بداية هذا الفصل.
عندما تصعد البروليتاريا إلى السلطة، فإنها تفعل ذلك في ظروف خاصة جدًّا، تختلف عن الاستيلاء على السلطة من جانب أي طبقة اجتماعية سابقة أخرى. ففي مجرى التاريخ، عندما كانت كل الطبقات الاجتماعية الأخرى تستولي على السلطة، كانت تتمتع قبل أن تفعل ذلك فعلاً بالسلطة الفعلية في المجتمع – الاقتصادية والثقافية والأدبية - وليس هناك مثال واحد، قبل مثال البروليتاريا، على صعود طبقة اجتماعية إلى السلطة في وقت لا تزال فيه مضطهدة من الناحية الاقتصادية والثقافية والأدبية. وبعبارة أخرى، فإن التسليم بأن بوسع البروليتاريا الاستيلاء على السلطة هو مراهنة تقريبًا، لأن هذه البروليتاريا، كطبقة اجتماعية في النظام الرأسمالي، هي، جماعيًّا، مسحوقة، ولا تجد سبيلاً إلى تطوير إمكانياتها الخلاقة تطويرًا كاملاً. فنحن لا يمكننا أن نطور كليًّا ملكاتنا الثقافية والأدبية ونحن نعمل ثماني أو تسع أو عشر ساعات يوميًّا في ورشة أو مصنع أو مكتب. وهذا هو ما لايزال عليه الوضع البروليتاري اليوم.
والنتيجة أن سلطة الطبقة العاملة، عندما تصعد إلى السلطة، هي سلطة معرضة للسقوط إلى حد بعيد. ففي مجالات عديدة، ينبغي الدفاع عن سلطة الطبقة العاملة ضد أقلية سوف تواصل، طوال فترة انتقالية بأكملها، التمتع بمزايا هائلة في المجال الثقافي وفي ممتلكاتها المادية – على الأقل في نصيبها من السلع الاستهلاكية - بالمقارنة مع الطبقة العاملة.
إن الثورة الاشتراكية العادية تصادر ممتلكات البورجوازيين الكبار كملاك لوسائل الإنتاج؛ غير أنها لا تجرد الملاك البورجوازيين من ثرواتهم المتراكمة أو شهاداتهم. وهي بالأحرى لا يمكنها مصادرة عقولهم ومعارفهم: فخلال كامل الفترة السابقة على استيلاء الطبقة العاملة على السلطة، كانت البورجوازية هي المتمتعة باحتكار حصريٍّ تقريبًا في مضمار التعليم.
وهكذا، في مجتمع تتمتع فيه البروليتاريا بالسلطة لتوها (السلطة السياسية، سلطة الناس المسلحين)، فإن روافع عديدة للسلطة الفعلية تكون وتظل في أيدي البورجوازية - وبتعبير أدق، في أيدى جزء من البورجوازية، يمكن تسميته بالإنتلجنتسيا أو البورجوازية المثقفة والتكنولوجية.
السلطة العمالية والتقانيون البورجوازيون
لقد واجه لينين بعض التجارب المرة في هذا الصدد. والواقع، أنه يمكن إثبات أنه أيًّا كانت كيفية النظرة التي ينظر بها المرء إلى المشكلة، وأيًّا كانت القوانين والمراسيم والمؤسسات المشتَرَعَة، فإنه إذا كانت هناك حاجة للأساتذة وكبار الموظفين والمهندسين والتقانيين المدربين تدريبًا راقيًا على كل مستويات الجهاز الاجتماعي، فإن من الصعب جدًّا وضع بروليتاريين في هذه المناصب فورًا - بل وحتى بعد خمس أو ست سنوات من الاستيلاء على السلطة.
وخلال السنوات الأولى للسلطة السوفييتية، قال لينين، المسلح بصيغة صحيحة نظريًّا، وإن كانت ناقصة بدرجة طفيفة: إن التقانيين يعملون الآن لحساب البورجوازية، وغدًا سيعملون لحساب البروليتاريا؛ ومقابل ذلك سيحصلون على رواتبهم، وإذا لزم الأمر، فسوف يُرغَمون على العمل. والشيء المهم هو إخضاعهم لرقابة العمال. إلا أنه بعد سنوات قليلة من ذلك، قبل وفاته بقليل، تساءل لينين، وهو يستخلص نتيجة هذه التجربة: من يراقب من؟ هل يراقب الشيوعيون الخبراء، أم أن العكس هو ما يحدث؟
وعندما نشتبك بهذه المسألة يومًا بعد يوم وبشكل ملموس في البلدان المتخلفة، عندما نعرف ما الذي تعنيه عمليًّا في بلد كالجزائر، يتضح لنا تمامًا أن هذه المشكلة مشكلة يسهل حلها تمامًا على الورق بقليل من الصيغ السحرية، غير أن الأمر يختلف تمامًا عندما يتعين حل المشكلة في بلد فعلي، في حياة فعلية. فهي في بلد كالجزائر، مثلاً، تعني الرقابة الكاملة؛ فامتياز التعليم الجامعي (وأي نوع من التعليم) لاتحوز عليه غير أقلية تافهة من المجتمع، في حين أن الجمهور الواسع من الشعب، الذي ناضل ببطولة من أجل الاستقلال، يجد نفسه، عندما يصل الأمر إلى ممارسة السلطة، مواجَهًا بافتقاره إلى المعارف، المعارف التي يتعين عليه الآن فقط الشروع في اكتسابها. وهو يجد نفسه، إلى أن يحقق ذلك، مضطرًّا إلى أن يسلم القلة المتعلمة كل السلطة التي ناضل من أجلها بهذه الدرجة من البطولة وفاز بها.
والتجربة الأكثر بطولية في هذا المجال، التجربة الأكثر جذرية والأكثر ثورية في كامل التاريخ الإنساني، هي التجربة التي بدأت بها الثورة الكوبية. فالثورة الكوبية التي استخلصت الدروس من كل تجارب الماضي المتنوعة، قد بدأت بحل هذه المشكلة على نطاق واسع وفي أقصر وقت بتنفيذ حملة تعليمية استثنائية من أجل تحويل عشرات الآلاف من العمال والفلاحين الأميين إلى عديد من المدرسين والأساتذة وطلاب الجامعات – وفي أقصر وقت. وفي نهاية خمس أو ست سنوات من العمل، تحققت نتائج باهرة.
ومع ذلك، فإن مهندسًا واحدًا أو مهندسًا زراعيًّا واحدًا في مقاطعة تضم عشرة آلاف من العمال، يمكنه في الممارسة العملية أن يصبح، على الرغم من الروح الثورية الرائعة التي يتحلى بها الشعب الكوبي، سيد المقاطعة، إذا كان يتمتع باحتكار للمعارف التقانية الحيوية بالنسبة للمقاطعة. وهنا، مرة أخرى، يتمثل الحل الزائف في الرجوع إلى مستوى من البساطة لا تعود فيه حاجة إلى التقانيين. وهذه يوتوبيا رجعية.
الدولة، حارسة السلطة العمالية
كل هذه المصاعب تشير إلى ضرورة ممارسة البروليتاريا، الطبقة الحاكمة الجديدة، لسلطة الدولة ضد كل الذين قد يسلبون السلطة منها، سواء شيئًا فشيئًا أم مرة واحدة. فالبروليتاريا لابد لها من ممارسة سلطة الدولة في هذا المجتمع الجديد والانتقالي الذي تملك فيه السلطة السياسية والروافع الأساسية للسلطة الاقتصادية، والذي تكبحها فيه مع ذلك مجموعة بأكملها من مظاهر الضعف والأعداء الجدد. هذا هو الواقع الذي يحتم على الطبقة العاملة الاحتفاظ بدولة بعد استيلائها على السلطة والذي يجعل من المستحيل  إزالة الدولة بين عشية وضحاها. غير أن هذه الدولة العمالية يجب أن تكون من نوع خاص جدًّا.
طبيعة الدولة البروليتارية وخصائصُها
الطبقة العاملة، بحكم وضعها الخاص في المجتمع (الذي وصفناه لتونا)، ملزمة بالاحتفاظ بدولة. غير أنه للاحتفاظ بسلطة هذه الدولة، لابد لهذه الدولة من أن تكون مختلفة جذريًّا عن الدولة التي حفظت في السابق سلطة البورجوازية أو سلطة الطبقة الإقطاعية أو سلطة مُلاَّك العبيد. فالدولة البروليتارية هي، في آن واحد وفي وقت واحد، دولة ولا دولة. إنها تصبح أقل فأقل من دولة. فهي دولة تبدأ في التلاشي بمجرد ميلادها، كما قال ماركس ولينين عن حق. فماركس، وهو يطور نظرية الدولة البروليتارية، نظرية ديكتاتورية البروليتاريا كما سماها، الدولة التي تتلاشى، قد أعطاها خصائص عديدة، وجدت أمثلة لها في كومونة باريس عام 1871. وهناك ثلاث خصائص جوهرية:
(1)                               غياب الفصل المميز بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. ثمة حاجة لأجهزة تسن القوانين وتنفذها في الوقت نفسه. باختصار، من الضروري العودة إلى الدولة التي وُلِدت من المشاعية البدائية للعشيرة والقبيلة، والتي يمكن أيضًا مقابلتها في الجمعية الشعبية الأثينية القديمة.
هذا له أهميته. إنه أفضل سبيل إلى الحد، بأكثر درجة ممكنة، من نطاق الهوة القائمة بين السلطة الفعلية، أي بين السلطة المتركزة تركزًا متزايدًا في أيدي الأجهزة الدائمة، والسلطة التي تتزايد صورية والتي تتمتع بها الجمعيات التداولية. وهذه الهوة خاصية من خصائص البرلمانية البورجوازية. ولا يكفي الاستعاضة عن جمعية تداولية بجمعية أخرى، إذا كان أي شيء لا يصيبه تغير جوهري من حيث وجود هذه الهوة. فالجمعيات التداولية يجب أن تتمتع بسلطة تنفيذية فعلية.
(2)                               شغل الوظائف العمومية عن طريق الانتخاب أساسًا. لا يجب للانتخاب أن يقتصر على انتخاب أعضاء الجمعيات التداولية. فالقضاة وكبار الموظفين وضباط المليشيا ومفتشو التعليم ومديرو الأشغال العامة يجب أن يكونوا منتخبين هم أيضًا، وقد يسبب ذلك نوعًا من الصدمة للبلدان ذات التقاليد النابوليونية مفرطة الرجعية. غير أن عددًا من البلدان الديموقراطية البورجوازية المميزة-، كالولايات المتحدة أوسويسرا أوكندا أو استراليا مثلاً، قد احتفظت بالطابع الانتخابي لعدد معين من الوظائف العامة. وهكذا، ففي الولايات المتحدة، يُنتخب الشريف من جانب مواطنيه.
وفي الدولة البروليتارية، ينبغي أن يصحب هذا الانتخاب للموظفين العموميين في جميع الحالات حق سحب الثقة، أي خلع الموظفين غير الأكفاء من مناصبهم في أي وقت.
وهكذا، فالرقابة الدائمة والشاملة من جانب الشعب على أولئك الذين يمارسون وظائف الدولة يجب أن تتوفر، ويجب التقليل قدر الإمكان من الانفصال بين أولئك الذين يمارسون سلطة الدولة وبين أولئك الذين تُمارس باسمهم. وهذا هو السبب في أنه من الضروري ضمان وجود تغيير مستمر بين صفوف الموظفين المنتخبين، لمنع الأشخاص من البقاء في الوظيفة بصورة دائمة. فوظائف الدولة يجب أن تُمارس على نطاق متزايد الاتساع من جانب الجماهير كلها بصورة تناوبية.
(3)                               غياب الرواتب المفرطة. إن أي موظف أو أي عضو في الأجهزة التمثيلية والتشريعية وأي فرد يمارس سلطة دولة، لا يجب أن يحصل على راتب أعلى من أجر عامل ماهر. فهذه هي الطريقة الصحيحة الوحيدة لمنع الناس من السعي إلى وظيفة عامة كسبيل للثراء والتطفل على المجتمع، وهي الطريقة الصحيحة الوحيدة للتخلص من الوصوليين والطفيليين الذين عرفتهم كل المجتمعات السابقة.
     وهذه القواعد الثلاث مجتمعةً تشرح تفكير ماركس ولينين عن الدولة البروليتارية شرحًا جيدًا. فهذه الدولة لا تشبه أيًّا من سابقاتها، لأنها الدولة الأولى التي تبدأ في التلاشي بمجرد ظهورها؛ لأنها دولة يتألف جهازها من أشخاص ليسوا مميزين بالنسبة إلى جمهور المجتمع؛ لأنها دولة يمارس وظائفها بشكل متزايدٍ باطراد أعضاء المجتمع ككل، الذين يواصلون تناوب وظائف أحدهم الآخر؛ لأنها دولة لا تعني مجموعة من الأشخاص المنفصلين عن الجماهير والذين يمارسون الوظائف بشكل منفصل ومنعزل عن الجماهير، وإنما هي، على العكس من ذلك، غير متمايزة عن الشعب، عن الجماهير العاملة؛ لأنها دولة تتلاشى مع الطبقات الاجتماعية والنزعات الاجتماعية والاقتصاد النقدى والإنتاج السلعي والسلع والنقود، إلخ. وهذا التلاشي للدولة ينبغي النظر إليه بوصفه تسييرًا ذاتيًّا وتدبيرًا ذاتيًّا من جانب المنتجين والمواطنين، يتزايد اتساعًا حتى يصبح المجتمع مبنيًّا من جماعات تتمتع بالتدبير الذاتي، من جماعات إنتاجية – استهلاكية تحكم نفسها بنفسها، في ظروف الوفرة المادية وفي ظروف مستوى ثقافي رفيع لكامل المجتمع.
ماذا عن الاتحاد السوفييتي؟
عندما ننظر إلى تاريخ الاتحاد السوفييتي في السنوات الثلاثين الماضية، نجد أن الاستنتاج الذي ينبغي استخلاصه بشأن الدولة بسيط: دولة ذات جيش دائم، دولة يمكن أن يوجد فيها ماريشالات ومديرو مشروعات، بل وكتاب مسرحيات وباليرينات يحصلون على خمسين ضعفًا لما يحصل عليه عامل يدوي أو شغيل خادم؛ حيث ترسخ مبدأ انتقائي هائل لبعض الوظائف العامة، يجعل تقلد هذه الوظائف مستحيلاً من الناحية العملية على الأغلبية الغالبة من السكان؛ وحيث تُمارَس السلطة الفعلية من جانب لجان صغيرة من الأشخاص الذين تتجدد فترات عملهم بأساليب غريبة والذين تظل سلطتهم ثابتة ودائمة لفترات تاريخية طويلة - من الواضح أن دولة كهذه، ليست في عملية تلاشٍ.
لماذا؟
تفسير ذلك بسيط. ففي الاتحاد السوفييتي، لم تتلاش الدولة لأن النزاعات الاجتماعية لم تتلاش والنزاعات الاجتماعية لم تتلاش لأن درجة تطور القوى المنتجة لم تسمح بهذا التلاشي - لأن ظرف شبه الندرة الذي يميز حتى أكثر البلدان الرأسمالية تقدمًا لا يزال يميز الوضع في الاتحاد السوفييتي. ومادامت ظروف شبه الندرة هذه موجودة، فلا مفر من وجود مراقبين وكلاب حراسة وبوليس خاص. وطبيعي أن هؤلاء الأشخاص، في دولة بروليتارية، من شأنهم أن يخدموا قضيةً أفضل، على الأقل بمقدار دفاعهم عن الاقتصاد الاشتراكي. غير أنه لابد أيضًا من الاعتراف بأنهم معزولون عن جسم المجتمع، بأنهم طفيليون إلى حد بعيد. ويرتبط اختفاؤهم ارتباطًا مباشرًا بمستوى تطور القوى المنتجة، القادر وحده على السماح بتلاشي النزاعات الاجتماعية وبإلغاء الوظائف المتصلة بهذه النزاعات.
 وبمقدار تزايد احتكار ممارسة السلطة السياسية من جانب كلاب الحراسة هؤلاء، هؤلاء المراقبين، فإنه من الواضح أنه بهذا المقدار يمكنهم ضمان امتيازات مادية متزايدة وحصص مصطفاة في الندرة النسبية التي تحكم التوزيع. وهم بهذا الشكل يشكلون بيروقراطية مميزة لا تطالها رقابة العمال وميالة إلى الدفاع عن امتيازاتها أولاً وقبل كل شيء.
حجة الـ "كوردون سانيتير"(7)
دائمًا ما يستشهد أولئك الذين يعترضون على الانتقادات السابقة بالمخاطر الناشئة عن الحصار الذي تضربه الرأسمالية. وتذهب هذه الحجة إلى ما يلي: مادام الخطر الخارجي موجودًا، فلا بد من وجود دولة، كما قال ستالين، ولو لمجرد الدفاع عن البلد ضد العداوة التي تحاصره.
هذه الحجة تستند إلى سوء فهم. فالشيء الوحيد الذي يمكن أن يثبته وجود حصار رأسمالي خطير هو ضرورة التسليح ووجود مؤسسة عسكرية، غير أن هذا لايبرر وجود مؤسسات عسكرية منفصلة ومعزولة عن جسم المجتمع. فوجود مؤسسات عسكرية كهذه، منفصلة عن المجتمع ككل، يشير إلى أنه لا يزال يوجد داخل هذا المجتمع قدر كبير من التوتر الاجتماعي يمنع الحكومات من السماح لنفسها بترف تسليح الشعب؛ ويجعل القادة خائفين من الثقة بالشعب في حل مشكلات الدفاع الذاتي العسكرية بطريقته. وبوسع الشعب أن يفعل ذلك إذا كان المجموع يملك فعلاً تلك الدرجة من التفوق غير العادي التى يملكها مجتمع اشتراكي حقًّا بالمقارنة مع المجتمع الرأسمالي.
والواقع أن مشكلة البيئة الخارجية هي مجرد وجه ثانوي لظاهرة أكثر عمومية بكثير: إن مستوى تطور القوى المنتجة، مستوى الازدهار الاقتصادي للبلاد هو أدنى من المستوى الذي لابد من توفره حتى يتحول المجتمع إلى مجتمع اشتراكي. وقد ظل الاتحاد السوفييتي مجتمعًا انتقاليًّا يماثل مستوى تطور قواه الإنتاجية مستوى تطور القوى الإنتاجية لمجتمع رأسمالي متقدم. ولذا فعليه القتال بأسلحة مماثلة. ولأن الاتحاد السوفييتي لم يلغ  النزاعات الاجتماعية، فلابد له من الاحتفاظ بجميع أجهزة مراقبة السكان ومتابعتهم، ولابد له، نتيجة لذلك، من أن يحتفظ بالدولة، بل أن يعززها، بدلاً من السماح لها بالتلاشي. ولأسباب خاصة عديدة، فقد أدى ذلك إلى توليد تشوهات وانحطاطات بيروقراطية في هذا المجتمع الانتقالي، ألحقت بقضية الاشتراكية أضرارًا جسيمة، خاصة بمقدار ربط صفة "الاشتراكية" بالمجتمع السوفييتي خوفًا من قول الحقيقة: نحن لازلنا فقراء جدًّا ومتخلفين جدًّا بحيث لا يمكننا خلق مجتمع اشتراكي حقيقي. وبمقدار رغبتهم في استخدام صفة "الاشتراكية" مهما كان الثمن، من أجل اعتبارات دعائية، فإن عليهم الآن أن يفسروا وجود أشياء مثل التصفيات "الاشتراكية" ومعسكرات الاعتقال "الاشتراكية" والبطالة "الاشتراكية" والانتهاكات "الاشتراكية" لحقوق الأقليات القومية، إلخ. ، إلخ.
ضمانات ضد البيروقراطية
ما الضمانات التي يمكن إدخالها في المستقبل لتجنب النمو غير الطبيعي للبيروقراطية الذي ظهر في الاتحاد السوفييتي؟
1.                                        المراعاة الصارمة للقواعد الثلاث المذكورة أعلاه والخاصة ببدء تلاشي الدولة العمالية (خاصة القاعدة التي تحد من رواتب جميع المديرين - الاقتصاديين والسياسيين).
2.                                        المراعاة الصارمة للطابع الديموقراطي لإدارة الاقتصاد: انتخاب لجان عمالية للتسيير الذاتي في المشروعات؛ انتخاب مؤتمر للمنتجين ("مجلس اقتصادي أعلى") من جانب هذه اللجان، إلخ. وفي التحليل الأخير، فإن من يسيطرون على الناتج الاجتماعي الفائض يسيطرون على المجتمع كله.
3.                                        المراعاة الصارمة للمبدأ القائل بأنه إذا كان على الدولة العمالية بالضرورة تقييد الحريات الأساسية لكل الأعداء الطبقيين المعارضين لمجيء الاشتراكية (وهو تقييد يجب أن يتناسب مع عنف مقاومتهم)، فإنها في الوقت نفسه يجب أن توسع هذه الحريات نفسها بالنسبة لجميع العمال: حرية كل الأحزاب التي تحترم الشرعية الاشتراكية؛ حرية الصحافة لجميع الصحف التي تفعل الشيء نفسه؛ حرية الاجتماع؛ وتشكيل المنظمات؛ والتظاهر بالنسبة للعمال – دون أى قيود؛ الاستقلال الفعلي للنقابات عن الدولة، مع الاعتراف بحق الإضراب.
4.                                        احترام الطابع الديموقراطي والعام لكل الجمعيات التداولية وحريتها الكاملة في النقاش.
5.                                        احترام مبدأ التقيد بقانون مكتوب.
النظرية والممارسة العملية
لأكثر من نصف قرن والنظرية الماركسية المتعلقة بتلاشي الدولة أتم ما تكون من حيث تطورها. وليس غائبًا في بلجيكا غير تفصيل صغير واحد، وهو تفصيل لابد لنا من أن نتمه – وضع هذه النظرية موضع التطبيق.


إشارات
 
(1) حكاية زهرية السواسون
رواية أسطورية عن حادث حدث خلال عهد الملك كلوفيس، عاهل الفرانك، في القرن الخامس الميلادي. (كان كلوفيس أول ملك فرانكي يعتنق المسيحية وخلال عهده جرى توحيد الجزء الأكبر من بلجيكا وفرنسا الحاليتين في مملكة واحدة). فبعد معركة مظفرة في السواسون (سنة 486 ميلادية)، عندما حان وقت توزيع الأسلاب بالتساوي بين جميع المقاتلين، أراد كلوفيس الاحتفاظ لنفسه بزهرية معينة. عندئذٍ خرج جندي بسرعة من بين صفوف الجنود وهشم الزهرية بسيفه، إشارة إلى أنه لا حقَّ لمقاتل فى أي امتياز خاص عند توزيع الأسلاب.
(2) مذهبي
كان أعضاء الجناح المحافظ في الحزب الليبرالي في بلجيكا في القرن التاسع عشر يسمون بالمذهبيين. فقد كانوا يعارضون حق التصويت العام بشدة، بينما كان من يسمون بالتقدميين في الحزب الليبرالي على استعداد للموافقة عليه.
(3) أناليتيك
هو النشرة البلجيكية المناظرة لنشرة سجل الكونجرس الأمريكية.
(4) السوسيتيه جنرال
أهم تجمع رأسمالي بلجيكي منذ استقلال بلجيكا سنة 1830. والسوسيتيه جنرال، التي نُظمت في الأصل على شكل بنك تجاري، هي طليعة "رأس المال المالي"؛ الذى لم يصبح عامًا في البلدان الرأسمالية الأخرى إلا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وقد نشأ ذلك عن امتلاك السوسيتيه المبكر لمصالح مسيطرة في كثير من الشركات المساهمة، خاصةً في مجال الفحم والصلب. وفيما بعد، سيطرت على الاتحاد المنجمي لكاتانجا العليا الشهير، كما سيطرت على عديد من الشركات الأخرى في الكونغو.
وقد أعيد تنظيمها حاليًّا على هيئة شركة قابضة مركزية تسيطر على الأسهم في عديد من الشركات المستقلة ظاهريًّا، من بينها بنك المدخرات الرئيس في بلجيكا.
(5) البروفينا
البروفينا، ثاني أكبر تجمع رأسمالي في بلجيكا، نشأت عن بنك دي بروكسل، ثاني أكبر بنك بلجيكي.
(6) سافونارولا (1452-1498)
مصلح ديني وزعيم جماهيري إيطالي، هاجم الفساد والرذيلة في خطب نارية. وقد تعرض لعداء البابا أليكسندر السادس بسبب الفضائح التي كشفها وروج الحديث عنها في بلاط البابا. وبعد اتهامه بالهرطقة، أُحرق حتى الموت على الوتد في فلورنسا.
(7) الكوردون سانيتير
حرفيًّا، "الكوردون الصحي" أو الحصار الذي ضربته حول الجمهورية السوفييتية الفتية الولاياتُ المتحدةُ وحلفاؤُها في الحرب العالمية الأولى. فقد عُزل الاتحاد السوفييتي أو مُنع من الاتصال الديبلوماسي والتجاري والإيديولوجي مع بقية العالم عن طريق حزام من البلدان المحاصرة له وقوات الحلفاء البحرية التي كانت تقوم بدرويات في الطرق البحرية. وهذه السياسة، التي تسببت في مصاعب هائلة في الاتحاد السوفييتي والتي فشلت في نهاية الأمر مع ذلك، هي طبعة قديمة من محاولة واشنطون الحالية لتدمير الثورة الكوبية عن طريق الحصار الاقتصادي ولمحاصرة "العدوى" الثورية بمنع السفر إلى كوبا.