الكومونة تحيا! - إرنست ماندل


بشير السباعي
الحوار المتمدن - العدد: 3631 - 2012 / 2 / 7 - 14:44
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

إرنست ماندل

الكومونة تحيا!

[كلمة أمام حشد من 30000 مناضل من شتى أرجاء أوروبا اجتمعوا في باريس، في مايو/ أيار 1971، لإحياء الذكرى المئوية لكومونة باريس]

ترجمة: بشير السباعي

لقد افتتحت كومونة باريس العهد التاريخي للثورات البروليتارية والاشتراكية. إنها تقدم لنا مثل التاريخ الأول لديكتاتورية واقعية للبروليتاريا. وقد مكنت ماركس ولينين من بلورة النظرية الماركسية عن الدولة. إن أولئك الذين أجهضوا ثورتين اشتراكيتين في فرنسا: في يونيو/ حزيران 1936 ومايو/ أيار 1968، لا يمكنهم رفع رؤوسهم أمام المور دي فيديريه(1). إن الثوريين الذين يعملون بلا كلل من أجل انتصار ثورات اشتراكية جديدة في فرنسا وفي العالم كله، هم وحدهم الذين يمكنهم الاحتفال بالذكري المئوية للكومونة بمواصلة عملها.

لقد قدمت كومونة باريس دليلاً رائعًا على إمكانية الجمع بين الديكتاتورية البروليتارية وأوسع ديموقراطية عمالية متضمنة لحرية النشاط لكل التيارات في الحركة العمالية. إن أولئك الذين سحقوا لتوهم كل آثار الديموقراطية العمالية في الجمهورية التشيكوسلوفاكية الاشتراكية؛ أولئك الذين ينكرون على الجماهير الأوروبية الشرقية العاملة أي حرية للنشاط في المجالات النقابية أو السياسية. أولئك الذين يواصلون حبس رفيقينا كورون ومودزيليفسكي في السجن، رغم واقع أن الانتفاضة الجماهيرية الرائعة لعمال موانئ البلطيق قد أكدت تشخيص هذين الرفيقين للمجتمع البولوني وتبنت بدرجة كبيرة برنامجهما الكفاحي؛ أولئك الذين يبررون احتكار بيروقراطية مميزة للسلطة ـ هؤلاء الناس لا يمكنهم رفع رؤوسهم أمام المور دي فيديريه.

إن الثوريين الذين يناضلون من أجل دولة تديرها المجالس العمالية المنتخبة انتخابًا ديموقراطيًّا، كالكومونة، الذين يناضلون من أجل إدارة دولة منخفضة التكاليف لا يحصل فيها أي موظف على راتب أعلى من أجر عامل ماهر، هم وحدهم الذين يمكنهم الاحتفال بالذكرى المئوية للكومونة بمواصلة عملها.

وعلى الرغم من الوقت القصير الذي أتيح لكومونة باريس ومن تخاذل قادتها البرودونيين الذي تجلى في الموقف من بنك فرنسا، فقد افتتحت عهد مصادرة مغتصبي الملكية باشتراعها تشريك المصانع التي هجرها أصحابها وبإقامتها لنظام تسييرعمالي ذاتي فيها. وبإلاضافة إلى ذلك، فإن هذا النظام كان متوقعا في مقال نبوئي ليوجين فارلان، قائد الأممية الأولى في فرنسا. فقد كتب في سنة 1870 عن الثورة التي تنبأ بنشوبها قائلاً: "إن الثورة القادمة،لكي تكون حاسمة، لا ينبغي لها التوقف عند مجرد تغيير لافتة الحكومة واشتراع قليل من الإصلاحات الطفيفة... إن المجتمع لم يعد بوسعه ترك التحكم في الثروة العامة، نتاج العمل الجماعي، لمشيئة صدفة الميلاد أو النجاح. فهذه الثروة لا يمكن إلا أن تستخدم من أجل خير المجموع". ("الجمعيات العمالية"، لا مارسييز(2) ، 11 مارس/ آذار 1870).

وعلى الرغم من طابع كومونة باريس اليعقوبي ـ القومي، فقد افتتحت فصلاً جديدًا في تقاليد النزعة الأممية البروليتارية. وهكذا قدمت مثلاً أوليًّا لسيرورة الثورة الدائمة. ومن المعروف جيدًا أنها قد اختارت رايةً لها العلمَ الأحمر لجمهورية العمل العالمية. كما أن من المعروف جيدًا أي دور مجيد لعبه فيها ثوريون أجانب كفرانكيل ودومبروفسكي. والأقل ذيوعًا هو واقع أن الكومونة، قبل ثورة 1936 الإسبانية بخمس وستين سنة، قد دشنت تقاليد الكتائب العمالية، خالقةً كتيبة بلجيكية وكتيبة فرنسية ـ أمريكية. وقد حارب عدة آلاف من الثوريين والعمال الأجانب في صفوف قوات الكومونة؛ وأسر الفرساويون أكثر من 1700 ممن يسمون بالأجانب في سياق المعارك.

إن الشيء الذي يشهد على جسارة عمال باريس شهادة رائعة هو أنَّ المشكلات الأساسية التي تناولوها في مارس/ آذار 1871 لم تحل بعد إلى اليوم. ونحن نعرف السبب الرئيسي في ذلك. إنه لا يكمن في عدم نضج الشروط الموضوعية ولا في أي نقص في قوة النضالات الجماهيرية، إنه يكمن في غياب تنظيم ثوري مناسب.

ومثل هذا التنظيم لا غنى عنه من أجل تركيز الطاقات العفوية الضخمة للجماهير العاملة، بكل تنوعها الحتمي والصحي، علي هدف مركزي واحد ـ الإطاحة بالدولة البورجوازية، إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، خلق حكومة ديموقراطية للعمال الذين يديرون اقتصادهم ودولتهم.

وفي أثر الكومونيين، حاولت ثورة اكتوبر 1917 الاشتراكية العظمي في روسيا، والأممية الشيوعية في زمن لينين وتروتسكي، إنجاز هذه المهمات. وقد تولت الأممية الرابعة المهمة نفسها، وهي تجسد التقاليد نفسها وتواصلها. طبيعي أنها لا تزال ضعيفة وأنها لا تزال مجرد نواة أولية لأممية المستقبل الثورية الجماهيرية، لهيئة الأركان القادمة للثورة العالمية. لكنها موجودة، وحية، وتناضل في خمس قارات وفي أكثر من أربعين بلدًا.

وبعد تظاهرة اليوم، لن يكون بعد بوسع إنسان الشك في أن للأممية الرابعة آلافًا وآلافًا من الكوادر المنظمين جيدًا والمختبرين في معمعان الكفاح. ومن المهم بالدرجة الأولى معرفة أن الأممية الرابعة قد اجتازت خلال السنوات العديدة الأخيرة تحولاً واقعيًّا. فهي من نواة صغيرة قصرها ضعفها العددي على نشاطٍ دعائيٍّ أساسًا ـ على نقل البرنامج إلى أجيال جديدة ـ قد تحولت إلى طليعة ثورية قادرة بالفعل على اتخاذ المبادرة، واجتذاب جماهير من الناس خلفها، والتأثير على مجرى الأحداث.

وفي الموجة الإضرابية التي اجتاحت أوروبا منذ مايو/ أيار 1968 ، توخت فروع الأممية الرابعة ونشطاؤها هدفًا ثلاثي الأركان من حيث الأساس:

1 ـ تعميم خبرات النضالات العمالية الأكثر تقدمًا ـ في كل من أنواع المطالب التي طُرحت، وأشكال التنظيم والنضال التي اتبعت ـ ونشر هذه الخبرات إقليميًّا وقوميًّا وعالميًّا.

2 ـ الدعوة لفكرة تحدي سلطة رجال الأعمال، النضال من أجل الرقابة العمالية، وتأصيلها في الجماهير العاملة، فعن طريق تحديات كهذه سوف يكتسب العمال الوعي والممارسة اللازمين لهما لتولي الرقابة على المصانع وتشريك الإنتاج عندما تتطور إضرابات عامة وتفجرات ثورية قادمة.

3 ـ تشجيع إقامة أجهزة لقيادة الإضرابات تحت رقابة جمهور العمال، أي لجان إضراب منتخبة انتخابًا ديموقراطيًّا تقدم تقارير منتظمة عن عملها إلى الاجتماعات العامة للمضربين. إن العمال إذا تعلموا كيف يديرون إضراباتهم، فسوف يتعلمون غدًا بسرعةٍ إدارة دولتِهم واقتصادهم.

وكل هذا النشاط للأممية الرابعة قد كفَّ عن أن يكون مقصورًا على نشر الدوريات والمنشورات. إنني أرى هنا في الحشد رفاقنا الذين حفزوا انتخاب لجان إضرابية في بيَّار في سويسرا الناطقة بالفرنسية، في أول إضراب رئيسي في ذلك البلد منذ ثلاثين سنة. إنني أري الرفاق البلجيكيين الذين حفزوا انتخاب اللجنة الإضرابية في مصنع فييل ـ مونتانيه في بالين فيزيل في الانتورب كامبين. إنني أري الرفاق الفرنسيين الذين حفزوا تجارب مماثلة في النضالات العمالية. إنني أرى الرفاق الذين كانوا بين أولئك الذين بادروا بانتخاب مندوبي الورش في مصنع فيات في تورينو، نقطة بدء الحركة من أجل المجالس العمالية، شديدة الأهمية في الصناعة الإيطالية الكبيرة.

إنني أرى في التجمع الرفاق الألمان الذين كانوا القوة المحركة في تنظيم حركة واسعة لمتدربين مكنت الشبيبة العاملة في بلدهم من تحديد مطالبهم ومن أن يكونوا قوة أصيلة في النقابات. إنني أرى الرفاق اللوكسمبورجيين الذين كانوا قوة محركة في التعبئة الأخيرة لطلاب المدارس العليا في بلدهم ضد القمع. إنني أري الرفاق البريطانيين الذين يلعبون دورًا نموذجيًّا في تنظيم التضامن مع ضحايا بورجوازيتهم الإمبريالية ـ الإيرلنديين والسيلانيين والباكستانيين والعرب. إنني أرى الرفاق الفرنسيين الذين، جنبًا إلى جنب نشاطاتهم الأخرى، أحيوا التقاليد الشيوعية الحقيقية، بحملتهم ضد القمع في القوات المسلحة وأعمالهم الشجاعة ضد الاتجاهات التي تستهدف إعادة تكوين حركة فاشية.

وأخيرًا، فهناك كل أولئك الذين، بسبب المصاعب المادية أو القمع، لا يمكنهم أن يكونوا بيننا اليوم والذين يشهدون مع ذلك لدرجة لا تقل قوة على الصعود العالمي للحركة التروتسكية. هناك رفاقنا في الولايات المتحدة الذين حفزوا تعبئة 24 أبريل/ نيسان الرائعة المناوئة للحرب والتي حشدت 800000 متظاهر في الشوارع وراء شعار : "الانسحاب الفوري وغير المشروط للقوات الأمريكية من الهند الصينية!".

هناك رفاقنا السيلانيون الذين يحاولون صهر القوى الثورية المبعثرة في أرجاء الجزيرة ـ الشبيبة الريفية المتمردة وبروليتاريا المدن وعمال المزارع ـ في كتلة واحدة. هنالك رفاقنا الهنود الذين بدأوا في تعبئة القطاعات الأشد عرضة للاستغلال في الريف من أجل كسب حريتها ـ المنبوذين الفلاحين الفقراء في البنغال الذين يشرعون الآن في احتلال أراضي الأغنياء وتنظيم أنفسهم.


وهناك رفاقنا البوليفيون، المؤثرون بالفعل في النقابات، والذين يشرعون في كسب نفوذ واسع داخل الحركة الفلاحية الجديدة والحركة الطلابية، بهدف إعداد جماهير بلدهم للنضال من أجل الاستيلاء على السلطة. وهناك رفاقنا الأرجنتينيون الذين كتبوا صفحة رائعة للجسارة الثورية بدورهم بين جماهير كوردوبا العاملة المتمردة. وهناك رفاقنا اليونانيون،"النواة الصلبة" في السجون ومعسكرات الاعتقال. إن الديكتاتورية العسكرية لن تفرج عنهم وعليهم في الوقت نفسه الدفاع عن أنفسهم ضد الإرهاب الإضافي الذي يمارسه الزعران الستالينيون. وهناك رفاقنا الإسبان، أعضاء العصبة الشيوعية الثورية، الذين يحفزون العمال من أجل مقاطعة الانتخابات النقابية الفاشية في جبهة متحدة، على ما أعتقد، مع جماعات أقصى اليسار الأخرى.

تلك هي الصورة الحقيقية للأممية الرابعة اليوم. إنها لا تزال منظمة متواضعة بالمقارنة مع الهدف الجسور الذي حددته لنفسها : إنجاز انتصار الثورة الاشتراكية العالمية. لكنها بالفعل منظمة قادرة على أعمال ماضية منسقة قوميًّا وعالميًّا.

أيها الرفاق، إن الأزمة العامة للرأسمالية مستمرة وآخذة في التعمق. إن هذا النظام الذي يرفض الموت عاجز عن حل أي من تناقضاته الأساسية. والتدهور الحرج للدولار هو آخر برهان ساطع على التناقضات الاقتصادية التي تنخر النظام الرأسمالي. إن الجماهير الفيتنامية البطلة، التي، بمساعدة الحركة المناوئة للحرب في الولايات المتحدة، تدفع الإمبريالية الأمريكية بشكل عنيد إلى الهزيمة في الهند الصينية، قد قدمت دليلاً رائعًا على الأزمة الاجتماعية والعسكرية للرأسمالية. إن هذه الهزيمة هي بشير عواصف ثورية جديدة في سائر أرجاء جنوب شرقي آسيا.

اسمعوا، اسمعوا الجرس الذي يدق في الهند الصينية، أيها الفرساويون في جاكارتا، إن أيديكم ملطخة بدماء500000 شيوعي وثوري! إنه يدق إيذانا بموت ديكتاتوريتكم الدنيئة، إنه يبشر بكومونات جديدة وظافرة في إندونيسيا!

اسمعوا الجرس الذي يدق في الهند الصينية، أيها الجزارون في كراتشي الذين ذبحتم عمال الميناء في تشيتاجونج، والذين قتلتم عمال دكا ونساءها وأطفالها. إن الكومونة البنغالية سوف تسوي حساب كل جرائمكم بلا رحمة!

لقد سمعت الطليعة الثورية الفتية في أوروبا أيضا رسالة الثورة الفيتنامية.وقد صَلَّبَت نفسها من أجل الكفاح. إنها تصوغ أداة الانتصار ـ الحزب الثوري والأممية الثورية. إنها تعد للانتقام لضحايا المور دي فيديريه ولو شاتليه، ومعهم كارل ليبكنخت وروزا وكل ضحايا الثورة المضادة، أولئك الذين قتلهم هتلر وفرانكو، والبلاشفة الذين اغتالهم ستالين. وبمساعدة صديقنا الخلد العجوز، سوف تحفر هذه الطليعة الأخدود غدًا في تربة كوكبنا، الأخدود الذي سيقود من كومونة باريس، منتصرة في النهاية ،إلى الجمهورية الاشتراكية الفرنسية، إلى الولايات المتحدة الاشتراكية الأوروبية، إلى الجمهورية العالمية لمجالس العمال.




______________

(1) المور دي فيديريه أو حائط الكومونيين – إلى هناك اقتيد 147 كومونيًّا نجوا من معركة جبانة بير لاشيز في 28 مايو/ أيار 1871 وقُتِلوا رميًا بالرصاص ثم دُفِنوا في مقبرةٍ جماعية أسفل الحائط.

(2) لا مارسييز - صحيفة فرنسية يومية ، لسان حال الجمهوريين اليساريين، صدرت في باريس من ديسمبر/ كانون الأول 1869 إلى سبتمبر/ أيلول 1870. نشرت تقارير عن نشاط الأممية الأولى والحركة العمالية.