|
|
العنصرية الصهيونية وحدود الديمقراطية
حيدر العيلة
الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 11:36
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كشفت نتائج الانتخابات الأخيرة في الكيان الصهيوني عن تناقض عميق بين الصورة التي يسوّقها الغرب لإسرائيل باعتبارها نموذجاً للديمقراطية في المنطقة، وبين واقع سياسي عنصري يستبعد العرب من الشراكة الحقيقية، رغم أنهم أصحاب الأرض الأصليون وجزء أصيل من الشعب الفلسطيني. فقد أظهرت مواقف القوى السياسية الصهيونية أن قبول العرب مواطنين لهم حق الترشح والانتخاب لا يعني الاعتراف بحقهم في التأثير في القرار السياسي، وأن المساواة التي يُروَّج لها تتراجع أمام الحسابات القومية والعنصرية. وهذا يكشف أن الديمقراطية الإسرائيلية ليست منظومة متساوية الحقوق، بل ديمقراطية انتقائية تتسع للمشاركة الانتخابية، لكنها تضيق أمام المساواة الحقيقية.
لقد أثبتت هذه الانتخابات أن العنصرية ليست مجرد خطاب انتخابي أو مواقف تصدر عن بعض السياسيين، بل هي نهج سياسي وممارسة مؤسسية تتجلى في التعامل مع المواطنين العرب، وفي حدود مشاركتهم السياسية، وفي طبيعة القوانين التي تنظم العلاقة بين السلطة ومواطنيها. وهذا ما تجلّى في موقف زعيم حزب يشار المعارض غادي إيزنكوت، الذي اشترط على القوائم العربية الاعتراف بيهودية الدولة، والقبول بالتجنيد في الجيش الصهيوني، وتوصيف المقاومة الفلسطينية بالإرهاب، في شروط تكشف أن قبول العرب شركاء في الحكم يظل مرهوناً بالتنازل عن ثوابتهم الوطنية، والخضوع لمعايير سياسية وأيديولوجية عنصرية تفرضها المؤسسة الصهيونية.
ولعل أبرز ما كشفته الانتخابات الأخيرة هو المفارقة بين ارتفاع المشاركة العربية وحجم التمثيل الذي حققته الأحزاب العربية، وبين استمرار التردد لدى قوى المعارضة الصهيونية في قبولها شريكاً في الحكم.
فقد تجاوزت المشاركة العربية 77%، وحصلت الأحزاب العربية على 19 مقعداً في الكنيست، في نتيجة تعكس ارتفاعاً لافتاً في الحضور الانتخابي العربي، وتمنح هذه الأحزاب وزناً مؤثراً في الحسابات السياسية لتشكيل الحكومة. ومع ذلك، لم تترجم هذه النتيجة إلى اعتراف سياسي بالعرب شركاء متساوين في الحكم، بقدر ما تحولت إلى معادلة انتخابية تفرض حسابات وتحالفات لا ترغب بعض القوى الصهيونية في تحمل تبعاتها السياسية.
وهنا تتجلى المفارقة: تحتاج القوى الصهيونية إلى أصوات العرب لتشكيل الحكومات وإسقاط خصومها، لكنها تتردد في الاعتراف بهم شركاء سياسيين متساوين. فبينما تسعى المعارضة إلى الاستفادة من دعم الأحزاب العربية، تضع قياداتها شروطاً قومية وسياسية، ليبقى الصوت العربي مؤثراً في حساب المقاعد، ومقيّداً في صناعة القرار.
وهذا ليس موقفاً عابراً فرضته نتائج الانتخابات، بل امتداد لنهج سياسي طويل. فقد سبق أن شاركت القائمة العربية الموحدة، بقيادة منصور عباس، في حكومة نفتالي بينيت عام 2021، في تجربة اعتُبرت تحولاً في طبيعة المشاركة العربية داخل الكنيست. وقد أتاحت تلك المشاركة انتزاع بعض المخصصات والمطالب المتعلقة بالمجتمع العربي، لكنها لم تُحدث تحولاً جوهرياً في طبيعة النظام السياسي، ولم تُنهِ سياسات التمييز القومي أو تغيّر الأسس التي يقوم عليها الكيان الصهيوني.
وتؤكد هذه التجربة أن دخول الحكومة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تغيير بنيتها أو سياساتها الأساسية. فالمشاركة قد تتيح تحقيق مكاسب خدمية واقتصادية جزئية، لكنها تظل محدودة عندما تصطدم بالقضايا التي تمس طبيعة الكيان وهويته القومية، أو حقوق الشعب الفلسطيني، أو سياسات الاحتلال والاستيطان. وهنا ينبغي التمييز بين تحسين شروط الحياة اليومية للمواطنين وتحقيق مكاسب وطنية تمس واقعهم السياسي والتاريخي.
ولا يمكن فصل هذا التناقض عن واقع المواطنين العرب داخل الأراضي المحتلة عام 1948، الذين يواجهون مشكلات متراكمة تتعلق بالتمييز في تخصيص الموارد، وأزمة الجريمة والعنف، وهدم المنازل، وضيق فرص التنمية، والتمييز في التخطيط والبناء. وقد كانت هذه القضايا من أبرز دوافع ارتفاع المشاركة العربية في الانتخابات الأخيرة، إذ عبّر الناخبون عن غضبهم من استمرار التهميش، وعن رغبتهم في انتزاع حقوقهم وتحسين ظروف حياتهم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تستطيع هذه المشاركة أن تتحول إلى قوة سياسية قادرة على تغيير الواقع، أم أنها ستظل محكومة بسقف نظام يرفض الاعتراف بالمواطنين العرب شركاء متساوين، ويضع حدوداً قومية وسياسية صارمة لتأثيرهم في القرار؟
المشاركة السياسية وحدود المشروع الوطني
إن جوهر الإشكالية لا يكمن في حق الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948 في التصويت أو الترشح، فهذا حق أصيل لا يحتاج إلى إذن من أحد، بل في طبيعة المؤسسة السياسية التي تجري المشاركة من خلالها، وفي الدلالة السياسية المترتبة على التعامل معها باعتبارها إطاراً طبيعياً للممارسة الديمقراطية. فالكنيست ليس برلماناً محايداً يمكن فصله عن طبيعة الكيان الذي يمثله، بل هو إحدى مؤسساته التشريعية التي تسهم في تكريس منظومة الاحتلال والاستيطان والتمييز القومي، وإنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية.
إن جوهر المشكلة لا يتعلق فقط بمحدودية نصيب العرب من السلطة، أو برفض بعض الأحزاب الصهيونية قبولهم شركاء في تشكيل الحكومات، بل بطبيعة المشروع السياسي الذي تمثله هذه المؤسسة. وحتى لو فُتحت أبواب الحكومة أمام الأحزاب العربية، فإن ذلك لا يغيّر من حقيقة أن الكنيست جزء من منظومة سياسية تقوم على إنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية، ولا يجعل المشاركة فيها طريقاً للتحرر من المشروع الذي تمثله. ومن هنا، لا تُقاس الديمقراطية بمجرد وجود انتخابات دورية أو تعدد الأحزاب أو حرية تشكيل الحكومات، بل بمدى احترام حقوق الإنسان والمساواة، وإنهاء التمييز العنصري والاضطهاد. أما حين تتعايش الانتخابات مع الاحتلال، ويُمنح المواطن حق التصويت بينما يُحرم المجتمع العربي من المساواة الفعلية، وتُنتقص الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، فإننا أمام تناقض جوهري لا يمكن تجاوزه بمجرد الحديث عن ديمقراطية المؤسسات.
إن الموقف الوطني الذي ندافع عنه ينطلق من رفض المشاركة في انتخابات الكنيست، ليس إنكاراً للحقوق المدنية للفلسطينيين أو تراجعاً عن حقهم في الدفاع عن مصالحهم اليومية، بل رفضاً لتطبيع العلاقة السياسية مع مؤسسة تمثل المشروع الصهيوني وتكرّس وجوده. فالدفاع عن حقوق الناس في السكن والتعليم والعمل والأمن، ومواجهة الجريمة والتمييز وهدم المنازل ومصادرة الأراضي، لا يتطلب بالضرورة الاندماج في منظومة سياسية معادية لحقوقهم الوطنية.
وهذا الموقف لا ينتقص من حق المواطنين العرب في تقدير وسائل نضالهم وممارسة حقوقهم المدنية، وإنما يعبّر عن الرؤية السياسية لطبيعة العلاقة مع مؤسسات المشروع الصهيوني، وعن ضرورة عدم تحويل المشاركة فيها إلى بديل عن المشروع الوطني الفلسطيني.
ويمكن خوض هذا النضال من خلال العمل الشعبي والجماهيري، والتنظيم المجتمعي، وبناء المؤسسات الوطنية المستقلة، وتعزيز وحدة الفلسطينيين وهويتهم الوطنية. فالمطلوب ليس تحسين شروط الحياة داخل المنظومة الصهيونية فحسب، بل النضال من أجل إنهاء أسباب هذا الواقع الاستعماري، واستعادة الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني.
المقاطعة وبناء البديل الوطني
إن ما تكشفه الانتخابات الأخيرة ليس انتصاراً للديمقراطية الإسرائيلية، ولا تحولاً في موقف المؤسسة الصهيونية من الفلسطينيين، بل يكشف مرة أخرى حدود هذه الديمقراطية وتناقضاتها. فارتفاع نسبة المشاركة العربية والحصول على 19 مقعداً لا يعني أن العرب أصبحوا شركاء في تقرير طبيعة الكيان أو سياساته، ولا أن أصواتهم باتت قادرة على تغيير الأسس القومية والاستعمارية التي يقوم عليها.
والأخطر أن تتحول المشاركة الانتخابية، مع مرور الوقت، إلى بديل عن المشروع الوطني، وأن ينحصر طموح الفلسطينيين في تحسين شروط حياتهم داخل منظومة لا تعترف بحقوق شعبهم التاريخية، وأن يصبح التنافس على التأثير في تشكيل الحكومات الصهيونية بديلاً عن النضال من أجل الحرية وتقرير المصير.
إننا لا ندعو إلى ترك المواطنين الفلسطينيين لمصيرهم، ولا إلى التقليل من أهمية معركتهم اليومية ضد التمييز والعنصرية والجريمة ومصادرة الأراضي وهدم المنازل، بل نرى أن هذه المعركة يجب أن تستند إلى مشروع وطني مستقل، يحمي هويتهم وحقوقهم الجماعية، ويربط نضالهم المدني بحقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والعودة والاستقلال.
ومن هذا المنطلق، فإن رفض المشاركة في انتخابات الكنيست ليس موقفاً سلبياً أو دعوة إلى الانكفاء، بل يجب أن يكون جزءاً من رؤية سياسية ونضالية أوسع، تقوم على مقاطعة مؤسسات المشروع الصهيوني، وتعزيز العمل الوطني والشعبي المستقل، وبناء أدوات تمثيل حقيقية تعبّر عن إرادة الفلسطينيين ومصالحهم، بعيداً عن الارتهان لمعادلات الحكم الصهيوني.
لكن المقاطعة، في حد ذاتها، لا تكفي. فإذا لم تقترن ببدائل تنظيمية وسياسية وجماهيرية فاعلة، فقد تتحول إلى موقف احتجاجي محدود الأثر. ولذلك فإن المطلوب ليس إعلان الرفض وحده، بل بناء قوة وطنية قادرة على تحويل هذا الرفض إلى فعل سياسي ونضالي مؤثر، يوفر للمواطنين أدوات حقيقية للدفاع عن حقوقهم، ويحافظ على ارتباط نضالهم اليومي بالمشروع الوطني الفلسطيني.
فالمسألة ليست كم مقعداً يحصل عليه العرب في الكنيست، ولا أي حكومة صهيونية تستطيع الاستفادة من أصواتهم، بل كيف يحافظ الفلسطيني على هويته الوطنية وحقوقه التاريخية، ولا يتحول من صاحب حق إلى مجرد ناخب يبحث عن مكان في مؤسسة تشرّع اغتصاب حقوقه ووطنه.
نحن لا نرفض المشاركة في انتخابات الكنيست لمجرد أن القوى الصهيونية لا تقبلنا شركاء في الحكم، بل لأننا نرفض أن تكون شرعية المشروع الصهيوني إطاراً لنضالنا السياسي، أو أن تتحول حقوقنا المدنية إلى مدخل للتنازل عن حقوقنا الوطنية والتاريخية.
فلا ديمقراطية حقيقية في ظل الاحتلال، ولا مساواة في ظل نظام يقوم على التمييز القومي، ولا يمكن أن تتحول المشاركة في مؤسسات المشروع الصهيوني إلى طريق للتحرر منه.
إن الديمقراطية التي تقبل أصوات العرب، لكنها ترفض الاعتراف بهم شركاء متساوين، وتعترف بحقهم في الانتخاب، بينما تنكر حقوق شعبهم في الحرية وتقرير المصير، ليست ديمقراطية مكتملة، بل ديمقراطية انتقائية تكشف حدودها عند أول اختبار حقيقي.
إن معركتنا ليست من أجل مقعد في مؤسسة تنكر حقوقنا الوطنية، بل من أجل وطن حر، وحقوق لا تنتقص، وشعب يمتلك إرادته السياسية وحقه في تقرير مصيره.
#حيدر_العيلة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حرب الإبادة على غزة وإعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني
-
هل لإسرائيل الحق في الوجود على ارض فلسطين🇵🇸؟
-
غزة تفضح أسطورة الجيش الأكثر أخلاقية في العالم!
-
التطرف الديني عدو الإنسانية… من يزرع التكفير يحصد الدماء
-
مصادرة العقول باسم الدين
-
المذهبية من جديد لمساندة الاستبداد
-
الحوار الوطني الفلسطيني اتفاق بلا تنفيذ وازمة تتجدد
-
الجماعات الدينية المتشددة قنبلة موقوتة
المزيد.....
-
من 62 ألفًا إلى 80 مليون دولار.. رحلة لوحة لكاندينسكي في سوق
...
-
أهازيج عربية تشعل الأجواء خلال كلمة عبدالرحمن السيد.. شاهد ر
...
-
زيلينسكي يحذّر من خطورة أي هيكل أمني أوروبي روسي مشترك
-
غزة.. غرق 70 ألف خيمة للنازحين بمياه الأمطار
-
الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيّرة في غرب كردفان
-
فوز عبد الرحمن السيد يُظهر أن الديمقراطيين يكررون خطأ الجمهو
...
-
وسط تلويح بمراجعة العقيدة النووية.. إيران تُطوّر مدى ترسانته
...
-
-شخصية سامة-… سفير أميركي سابق يحذّر من تعثّر إصلاح علاقات ت
...
-
جدل في الولايات المتحدة بعد منع ولاية واشنطن المتحولين جنسيا
...
-
محافظ القليوبية يتفقد أعمال رصف بلاط الإنترلوك بمتفرعات شارع
...
المزيد.....
-
حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة
/ حسين محمود صالح
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
المزيد.....
|