أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حيدر العيلة - مصادرة العقول باسم الدين















المزيد.....

مصادرة العقول باسم الدين


حيدر العيلة

الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 12:51
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حيدر العيلة – غزة، فلسطين
21 أكتوبر 2026

المجتمع الذي يخشى السؤال، ويُجرّم النقد، ويمنح رجال الدين حصانة من المساءلة لمجرد أنهم يتحدثون باسم المقدّس، هو مجتمع يسلّم عقله للوصاية، ويفتح أبوابه للخرافة والتعصّب والتخلّف.

فالمجتمع لا يتخلّف لأنه يؤمن، بل حين يجعل الإيمان نقيضاً للتفكير، والطاعة بديلاً عن الوعي، وحين تُستخدم الفتوى لإجهاض الحوار بدلاً من فتح المجال للاجتهاد ومراجعة الأفكار. فالتقدّم لا يُقاس بمظاهر التديّن، بل بقدرة الإنسان على التفكير الحر، واحترام العلم، وإخضاع الأفكار والادعاءات للنقاش والمساءلة.

المشكلة ليست في إيمان الإنسان، بل في اتخاذ الإيمان ذريعة لفرض الوصاية على عقول الآخرين ومصادرة حقهم في السؤال والنقد والاختلاف. فمن حق كل إنسان أن يعتنق معتقده ويمارس إيمانه بحرية، لكن ليس من حق أحد أن يحوّل تفسيره الشخصي للدين إلى حقيقة فوق النقاش، أو أن يفرضه على الآخرين بالتخويف أو التكفير أو استغلال المكانة الدينية والاجتماعية.

فالإيمان بالغيب جزء من المعتقد الديني، لكن ذلك لا يبرر تقديم تفسيرات غيبية لأسباب الأمراض أو الكوارث باعتبارها حقائق مؤكدة، من دون دليل، أو استخدامها بديلاً عن البحث العلمي وفهم الأسباب الواقعية للظواهر. كما لا يجوز تقديم الاجتهادات البشرية في فهم الدين وتفسيره باعتبارها حقائق مطلقة لا تقبل النقاش أو المراجعة؛ فالإيمان بالغيب شيء، وادعاء معرفة الغيب أو الجزم بأسبابه وتفاصيله شيء آخر، والاجتهاد البشري، مهما بلغت مكانة صاحبه، يظل قابلاً للصواب والخطأ.

وتبدأ جذور هذه المشكلة أحياناً منذ الطفولة، حين يُربّى الأطفال على أن كثرة السؤال قلة أدب، وأن الاعتراض على الكبار عقوق، وأن الاختلاف مع أصحاب المكانة خروج عن الاحترام. ثم نكبر ونتساءل: لماذا يخشى أبناؤنا إبداء آرائهم؟ ولماذا يترددون في الاعتراف بأخطائهم؟ ولماذا يفضّلون تكرار ما يسمعونه على التفكير المستقل؟ إن احترام الآخرين لا يعني تعطيل العقل، والتواضع لا يعني التنازل عن حق السؤال، والأدب لا يقتضي الصمت أمام الخطأ.

وتتكرس هذه الثقافة في التعليم حين نطلب من الطالب حفظ الإجابات دون فهمها، ونكافئه على التكرار أكثر مما نكافئه على التحليل، ثم نشعره بأنه تجاوز حدوده لأنه طرح سؤالاً غير مألوف. بهذه الطريقة لا نبني عقلاً ناقداً، بل نُخرّج أجيالاً تخشى الخطأ أكثر مما تحب المعرفة، وتبحث عن الإجابة التي ترضي صاحب السلطة بدلاً من أن تحتكم إلى الفهم والحجة والدليل.

وبلغت مصادرة العقول ذروتها حين تحولت الفتاوى إلى أدوات لتبرير حروب الحكام وصراعاتهم، وتسخير الدين لخدمة السلطة الرجعية ومصالحها، مقابل الامتيازات والمكاسب. ومن الأمثلة على ذلك فتوى الشيخ ياسر برهامي بشأن القتال ضد الحوثيين في اليمن، في سياق صراع اتخذ أبعاداً سياسية ومذهبية، حتى بدا وكأن الخلاف المذهبي مبرر كافي للحرب. وفي المقابل، لم نسمع له صوتاً مماثلاً يحضّ الجيوش العربية والإسلامية على التحرك لحماية أهل غزة، وهم يُذبحون تحت القصف، وتُدمَّر بيوتهم فوق رؤوس الأبرياء.
كما أفتى مشايخ المؤسسة الدينية السعودية بجواز الاستعانة بالقوات الأجنبية إبان أزمة الخليج عام 1990.
وهنا لا نتحدث عن حق الاختلاف في الاجتهاد، بل عن حق الناس في مساءلة الفتاوى التي تشرعن الحروب والتدخلات العسكرية، وتترتب عليها دماء الأبرياء ودمار الأوطان. وحين يُواجَه النقد بعبارة "لحوم العلماء مسمومة"، يصبح المطلوب من الناس أن يصمتوا أمام النتائج الكارثية، وكأن مكانة العالم تمنحه حصانة من المساءلة عن مشاركته بالجريمة، فليس كل من ارتدى عباءة الدين معصوماً من الخطأ، وليس كل من رفع شعار المذهب على حق، ولا يجوز أن تتحول العقيدة إلى غطاء لتبرير الحروب أو تبييض سياسات الأنظمة المستبدة، أو إعفاء أصحاب السلطة من المساءلة. إن احترام العلماء لا يعني تقديس اجتهاداتهم، والدين ليس صكّ براءة للحكام المستبدين، ودماء الأبرياء ليست ثمناً يُدفع لإرضائهم. ومن حق الناس أن يسألوا: هل تُوزن الفتاوى بميزان الحق والعدل، أم بميزان المصالح والامتيازات الخاصة؟

وهنا تتجاوز المسألة حدود الخطاب الديني لتصبح مشكلة ثقافية واجتماعية عامة؛ فكل سلطة ترفض المساءلة، داخل الأسرة أو المؤسسة أو المجتمع، تساهم في ترسيخ ثقافة الخضوع وإضعاف قدرة الإنسان على التمييز بين الصواب والخطأ. ويبلغ الاستبداد أخطر صوره حين يتسلّل إلى العقول باسم السماء، فيُعاد تشكيل الوعي حتى تصبح الطاعة فضيلة مطلقة، والاختلاف تهديداً، ومراجعة الأفكار خروجاً عن المألوف. عندها يتحول الخوف إلى ثقافة، والخضوع إلى سلوك اجتماعي يُورَّث من جيل إلى آخر.

وليس المطلوب أن يتحول المجتمع إلى ساحة للتجريح أو السخرية من المعتقدات، بل أن يتعلم التفريق بين احترام الإنسان واحترام أفكاره، وبين حقه في الاعتقاد وحق الآخرين في مناقشة ما يطرحه. فاحترام الإنسان لا يمنح أفكاره حصانة من النقد، كما أن نقد الأفكار لا يبرر الإساءة إلى أصحابها.

لسنا ضد الدين، بل ضد استغلاله؛ ولسنا ضد رجال الدين، بل ضد تحويل أي سلطة دينية إلى سلطة فوق النقد والمساءلة. فهناك فرق بين رجل دين يفتح أبواب الحوار، ويقرّ بأن الاجتهاد البشري قابل للصواب والخطأ، وبين من يتعامل مع رأيه باعتباره الحقيقة الوحيدة، ويصوّر مخالفيه وكأنهم أعداء للدين. الأول يساهم في بناء الوعي، أما الثاني فيغلق أبواب المعرفة ويحوّل الاختلاف إلى خصومة.

والمجتمعات التي تتقدم هي التي تسمح لأبنائها بمناقشة الأفكار، وتراجع مناهجها، وتحمي حرية البحث والاستقصاء، ولا تخشى أن يكتشف الجيل الجديد خطأ فكرة ورثها عن الجيل السابق. فقيمة الفكرة لا تأتي من قِدمها أو شيوعها، بل من قدرتها على الصمود أمام النقد والحجة والدليل.

إن أخطر ما تفعله الوصاية الدينية أنها تجعل الإنسان يشعر بالذنب حين يسأل، وبالخطيئة حين يعترض، وكأنه يعادي دينه لمجرد أنه يرفض التسليم بما يُقال له دون دليل. عندها لا تعود القيود مفروضة من الخارج وحده، بل تستقر في الوعي، فيصبح الإنسان أسيرها، وقد يتحول من ضحية لها إلى مدافع عنها، بل إلى مشارك في فرضها على الآخرين.

إن الأمة التي تخشى الأسئلة لا تحمي إيمانها، بل تحمي أخطاءها من الانكشاف، والمجتمع الذي يجرّم النقد لا يصون مقدساته، بل يمنح المستغلين فرصة الاحتماء بها. فالدين لا يحتاج إلى عقل معطّل كي يبقى، والحقيقة لا تحتاج إلى التكفير كي تنتصر، والفكرة التي لا تصمد أمام السؤال لا يجوز أن تتحول إلى قيد على عقول الناس.

إن تحرير العقل من الوصاية ليس دعوة إلى التخلي عن الإيمان، بل دفاع عن حق الإنسان في التفكير والسؤال والاختلاف والمراجعة. فحين يُمنع الإنسان من التفكير باسم الدين، لا تُصادَر حريته وحدها، بل يُصادَر حق المجتمع في النهوض، ويُترك المستقبل رهينةً لمن يخشون عقلاً حراً لا يخضع إلا للحجة والدليل.



#حيدر_العيلة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المذهبية من جديد لمساندة الاستبداد
- الحوار الوطني الفلسطيني اتفاق بلا تنفيذ وازمة تتجدد
- الجماعات الدينية المتشددة قنبلة موقوتة


المزيد.....




- متحدث جماعة الحوثي يخاطب شيخ الأزهر بعد مبادرة للمصالحة وحقن ...
- مفتي عُمان يعلق على مبادرة شيخ الأزهر عن المصالحة وحقن الدما ...
- اتحاد علماء المسلمين يعقّب بـ6 نقاط على مبادرة شيخ الأزهر لل ...
- أول رئيسة وزراء في المغرب: بين الملك ورجال الدين والحركة الن ...
- للفقراء والعاملين.. ماذا تعرف عن زيتون المسجد الأقصى ومن يقط ...
- -غسل الركبتين- في الوضوء.. خطأ صغير يكشف أزمة كبرى في فتوى ا ...
- -منتدى مصر-: ظهور مفاجئ لباسم يوسف وسط حديث عن عودة قريبة
- إسرائيل تستغل احتجاجات فرنسا.. إجراءات هجرة أسرع لليهود
- إسرائيل تمدد منع خطيب الأقصى من دخول المسجد لمدة 6 أشهر
- مرجع ديني عراقي يُعلن تأييده ودعمه للنداء العالمي لشيخ الأزه ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حيدر العيلة - مصادرة العقول باسم الدين