أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حيدر العيلة - غزة تفضح أسطورة الجيش الأكثر أخلاقية في العالم!















المزيد.....

غزة تفضح أسطورة الجيش الأكثر أخلاقية في العالم!


حيدر العيلة

الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 11:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يعد وصف الجيش الإسرائيلي بأنه "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم" سوى ادعاء تكذّبه الوقائع والجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني. فأي أخلاق يمكن أن يدّعيها جيش يقتل المدنيين، ويدمّر البيوت على رؤوس ساكنيها، وينهب الممتلكات، وينتهك حرمة الموتى، بينما يواصل قادته وبكل عنجهية تسويق صورة التفوق الأخلاقي أمام العالم؟

إن الأخلاق لا تُقاس بالشعارات أو بالتكنولوجيا العسكرية، بل بكيفية استخدام القوة ومدى احترام حياة الإنسان وكرامته. ومن هذه الزاوية، تكشف حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة عن ممارسات إجرامية لا يمكن تبريرها بذريعة الأمن أو الدفاع عن النفس.

القتل حين يصبح استعراضاً للقوة

من أبشع صور هذه الحرب القصف الذي يحوّل المنازل المأهولة إلى مقابر جماعية، من دون اكتراث بمصير النساء والأطفال والشيوخ. ففي قطاع غزة، حيث الكثافة السكانية المرتفعة، أدت الهجمات الواسعة إلى تدمير أحياء كاملة ودفن آلاف العائلات تحت الأنقاض.

والأكثر فظاعة ما أُثير بشأن المقابر الجماعية التي اكتُشفت في محيط مستشفى الشفاء بمدينة غزة ومستشفى ناصر بخانيونس، حيث أفادت تقارير بوجود جثامين لنساء ومسنين، وأشارت إلى العثور على جثامين عليها آثار تقييد وتعري. وقد أفاد شهود عيان بوجود مقبرة جماعية بجانب مستشفى الإندونيسي بشمالي غزة. وقد طالبت الأمم المتحدة بتحقيقات مستقلة وشاملة لكشف ملابسات هذه الوقائع وتحديد المسؤوليات.

إن حرمة الموتى معيار إنساني لا يجوز تجاوزه. وأي انتهاك لهذه الحرمة يستوجب تحقيقاً جاداً ومحاسبة المسؤولين عنه، بعيداً عن محاولات التبرير أو طمس الحقيقة.

حين يصبح المطلوب ذريعة لتدمير مبنى بأكمله

لست أتحدث هنا استناداً إلى تقارير قرأتها فحسب، بل بصفتي شاهداً حياً عايش هذه الوقائع في غزة. لقد رأيت كيف تُنسف مربعات سكنية كاملة، بما تضمّه من بيوت تؤوي نساءً وأطفالاً وشيوخاً، بحجة وجود أحد المطلوبين. ورأيت كيف يراقب الجيش الإسرائيلي شخصاً عبر طائرات الاستطلاع ويتابع تحركاته، ثم ينتظر حتى يدخل مبنى سكنياً، قبل أن يدمّر المبنى بأكمله على من فيه، بمن فيهم نساء وأطفال وشيوخ، من دون اكتراث بمصير العائلات الكثيرة التي لا علاقة لها بملاحقة ذلك الشخص.

إن ما شهدته يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: إذا كان الجيش قادراً على مراقبة الشخص المطلوب وتحديد مكانه، فلماذا يُدمّر المبنى بمن فيه من المدنيين؟ وأي ذنب ارتكبته عائلات بأكملها حتى تدفع حياتها ثمناً لملاحقة شخص واحد مطلوب كما يدعي؟ إن تعريض المدنيين عمداً لخطر القتل الجماعي، من دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحمايتهم، لا يمكن تبريره بمجرد وجود "شخص مطلوب" في المكان، بل يثير أسئلة خطيرة بشأن احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، ويشكّل عقاباً جماعياً محظوراً بحسب ظروف الواقعة.

هذه ليست بالنسبة إليّ أرقاماً في تقرير أو صوراً عابرة على شاشة؛ إنها مشاهد من واقع عشته وشهدت فيه كيف يمكن أن يتحول مبنى سكني إلى مقبرة لعائلات بأكملها. ومن هنا، فإن الحديث عن الأخلاق العسكرية لا ينبغي أن ينفصل عن سؤال بسيط: ما قيمة التكنولوجيا التي تراقب الهدف وتحدد موقعه، إذا كانت النتيجة تدمير المبنى على رؤوس سكانه؟ وقتل عشرات الأبرياء دون ذنب ارتكبوه سوى وجودهم في المكان.

النهب تحت تهديد السلاح

لم تتوقف مظاهر الانحطاط عند القتل والتدمير؛ فقد وثّقت تقارير حقوقية حالات استيلاء جنود إسرائيليين على أموال ومجوهرات وهواتف وأجهزة إلكترونية من ممتلكات الفلسطينيين.

وفي تقرير صدر عام 2024، أوردت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة تقارير عن سرقة جنود مقتنيات شخصية وأموالاً ومجوهرات وأجهزة إلكترونية، كما أشارت إلى صور ومقاطع مصورة تُظهر جنود يوثقون تدمير ممتلكات مدنية أو يتباهون بالاستيلاء عليها.

إن نهب ممتلكات المدنيين الذين هُجّروا من بيوتهم أو فقدوا عائلاتهم ليس بطولة عسكرية، بل اعتداء على حقوقهم وكرامتهم، ويشكّل جريمة.

العنصرية التي تسبق الرصاصة

لا يمكن فهم هذه الممارسات بمعزل عن خطاب عنصري ينزع عن الفلسطيني إنسانيته، ويصوّره بوصفه أقل قيمة من غيره، أو إنساناً لا يستحق الحياة والكرامة.

وحين يُروَّج لفكرة التفوق القومي، وتُعامل حياة الفلسطيني باعتبارها أقل قيمة، يصبح خطر تحويل العنصرية إلى سلوك ميداني أمراً بالغ الخطورة. فالإنسان الذي يُجرَّد من إنسانيته في الخطاب يصبح، في نظر مرتكب الجريمة، هدفاً يسهل قتله أو تعذيبه أو إهانته.

وليس المقصود اتهام اليهود جميعاً، فهم ليسوا كتلة واحدة، بل إدانة الأيديولوجيا الصهيونية العنصرية وسياسات الاحتلال، وكل من يبرر الجرائم أو يشارك فيها.

حين يتحول القتل إلى لعبة صيد

من أكثر المشاهد قسوة ما تتحدث عنه شهادات ومشاهد مصورة بشأن تعامل جنود إسرائيليين مع قنص الشباب الفلسطينيين وكأنهم يمارسون هواية صيد البط؛ يترصدون ضحاياهم من مواقعهم، ثم يهللون ويظهرون ابتهاجهم حين تصيب الرصاصة هدفها.

هنا لا يبدو القتل مجرد فعل عسكري، بل مشهداً يكشف كيف تُختزل حياة الإنسان في عين القاتل إلى هدف للصيد، ويتحول سقوط شاب فلسطيني إلى مناسبة للتباهي والاحتفال.

وأي انحطاط أخلاقي أشد من أن يصبح موت الإنسان مصدر متعة، وأن يُستقبل نزف الدم بالتهليل بدلاً من أن توقظ مشاهد الموت شيئاً من الرحمة أو الضمير؟ وكأن الضحية ليست إنساناً له أحلام وعائلة تنتظره، بل فريسة في رحلة صيد.

حين لا تحمي التكنولوجيا الإنسان

يمتلك الجيش الإسرائيلي منظومات متطورة للمراقبة والاستطلاع والأسلحة الدقيقة، لكن التفوق التكنولوجي لا يعني التفوق الأخلاقي، ولا يمنح صاحبه حق استخدام القوة بلا قيود. فاحترام حياة المدنيين واجب تفرضه قواعد القانون الدولي الإنساني، بما تتضمنه من التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحمايتهم. فالتكنولوجيا تقيس القدرة على الإصابة والتدمير، لكنها لا تمنح القتل مشروعية، ولا تعفي مرتكبيه من المساءلة.

شهادة من داخل الجيش الإسرائيلي: "لم أعد أطيق الصمت"

ومن الشهادات اللافتة نص متداول منسوب إلى الرائد الاحتياط الإسرائيلي عافدار شائيلوفسكي، بعنوان "لم أعد أطيق الصمت"، نشرته وكالة القدس للأنباء. ويروي هذا الضابط أنه لم يعد يحتمل الصمت إزاء ما قال إنه شاهده خلال سنوات خدمته العسكرية، ولا سيما في قطاع غزة.

ويتضمن النص اتهاماً للقيادة الإسرائيلية بأنها كانت تعلم مسبقاً بأحداث السابع من أكتوبر 2023 وانتظرت وقوعها لتبرير تدمير غزة ومحاولة تهجير سكانها، كما يروي مشاهد قال إنه شهدها لاستهداف تجمعات الفلسطينيين وطوابير المساعدات، وقنص النساء والأطفال والمدنيين، وتدمير المنازل على ساكنيها. ويتحدث أيضاً عن سخرية جنود من معاناة الضحايا، وعن تنشئة عنصرية تصوّر الفلسطينيين باعتبارهم أقل قيمة من غيرهم، وتبرر الاعتداء عليهم.

ويعبّر الضابط عن شعوره بالندم على ما شاهده وشارك فيه، وفق روايته، داعياً إلى التحرر من الأفكار التي تجرّد الفلسطيني من إنسانيته. وهذه الشهادة تطرح أسئلة خطيرة بشأن أثر التحريض العنصري في سلوك الجنود، وتؤكد أن أصواتاً معترضة على الانتهاكات يمكن أن تصدر من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، لكنها تبقى محدودة قياساً إلى اتساع نزعة التطرف اليميني والعنصري في المجتمع الإسرائيلي، حيث باتت قطاعات واسعة منه أكثر تقبلاً لسياسات الاحتلال والعدوان، وأقل اكتراثاً بمعاناة الفلسطينيين وحقوقهم الإنسانية.

إن هذه الرواية، إلى جانب شهادات الفلسطينيين والوقائع الموثقة حقوقياً، تعيدنا إلى السؤال الجوهري: أي أخلاق يمكن الحديث عنها حين يصبح المدنيون أهدافاً للقتل، وتتحول معاناتهم إلى مشهد للسخرية والتباهي؟

أي أخلاق تبقى بعد كل هذا؟

لا يمكن فصل الجرائم والانتهاكات المنسوبة إلى الجيش الإسرائيلي عن خطورة الخطاب الذي ينزع الإنسانية عن الفلسطينيين. ولا يغيب عن الذاكرة تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، يوآف غالانت، في بداية الحرب، حين وصف الفلسطينيين بأنهم "حيوانات بشرية"، وهو تصريح جسّد خطورة تجريد شعب بأكمله من إنسانيته، وأثار أسئلة خطيرة عن أثر هذا الخطاب في تبرير الانتهاكات.

لن تغيّر الدعاية حقيقة ما جرى في غزة، ولن تمحو القوة العسكرية أو الحماية السياسية آثار الدمار ومآسي الضحايا. فالجيوش لا تُقاس أخلاقياً بما تملكه من أسلحة متطورة، بل بكيفية استخدامها، ومدى احترامها لحياة المدنيين وكرامتهم، وخضوعها للمساءلة عن الجرائم والانتهاكات.

لقد رأيت في غزة كيف تتحول العمارات متعددة الطوابق إلى مقابر جماعية، وكيف يدفع الأبرياء حياتهم ثمناً لملاحقة شخص واحد، وكيف يصبح الإنسان هدفاً في منظومة لا ترى في حياته ما يستحق الحماية.

فأي تفوق أخلاقي يمكن الحديث عنه، حين تُترك جثامين الشهداء تحت الأنقاض، وتُعرقل إزالة الركام وانتشال الضحايا، بينما تستمر الدعاية في تسويق صورة أخلاقية لا تصمد أمام مشاهد الدمار والدم؟
غزة لا تفضح فقط زيف أسطورة "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم"، بل تضع العالم أمام اختبار أخلاقي.



#حيدر_العيلة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التطرف الديني عدو الإنسانية… من يزرع التكفير يحصد الدماء
- مصادرة العقول باسم الدين
- المذهبية من جديد لمساندة الاستبداد
- الحوار الوطني الفلسطيني اتفاق بلا تنفيذ وازمة تتجدد
- الجماعات الدينية المتشددة قنبلة موقوتة


المزيد.....




- الجيش الأمريكي يرد على مزاعم الحرس الثوري بمغادرة القوات الأ ...
- الانتخابات الإسرائيلية.. فرز أكثر من 50% من الأصوات.. ماذا ت ...
- أول تعليق من ترامب على -تقدم- نتنياهو في الانتخابات الإسرائي ...
- إسرائيل.. فرز 50% من الأصوات يظهر تقدم تحالف نتنياهو على الم ...
- الأمن الروسي: ضبط 363 قطعة سلاح وإغلاق 48 وكرا لتحويل بنادق ...
- محمد القسوس، ضحية هجوم على كنيسة في الكرك في الأردن يحمل اسم ...
- الناشط الفلسطيني محمود خليل يعود لجامعة كولومبيا للمرة الأول ...
- غارات نيالا.. عشرات القتلى والجرحى وسط تصاعد حرب المسيّرات
- الدبلوماسية السعودية واختبار التسوية بين واشنطن وطهران
- فيديو.. فلسطينيون يبتكرون أفرانا بديلة لمواجهة أزمة الغاز في ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حيدر العيلة - غزة تفضح أسطورة الجيش الأكثر أخلاقية في العالم!