اسيل عبدالامير خضير
الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 12:59
المحور:
حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
... معركة النهوض في مواجهة سلطة المجتمع
ليست معركة المرأة العراقية معركةً جديدة، وليست وليدة لحظة عابرة في تاريخ المجتمع، لكنها في السنوات الأخيرة اتخذت أشكالاً أكثر وضوحاً، واتسعت جبهاتها لتتجاوز القيود الاجتماعية التقليدية، وصولاً إلى التشريعات القانونية والخطابات الدينية والفكرية التي يُستند إليها أحياناً لتبرير الوصاية على المرأة وتحديد موقعها في المجتمع.
ما نشهده اليوم في الشارع العراقي يكشف عن مسارين يسيران بمحاذاة بعضهما: مسار تتصاعد فيه محاولات التضييق على المرأة، وكبح حريتها، وإعادة حصر وجودها في الأدوار التي رسمها لها المجتمع الذكوري، ومسار آخر تتنامى فيه محاولات المرأة لكسر تلك القيود، وانتزاع حقها في الاختيار والعمل والاستقلال، ورفع صوتها في مواجهة ما يُفرض عليها.
وبين المسارين تقف المرأة العراقية أمام معركة لا تتعلق بحقوقها فحسب، بل بحقها في أن تكون إنساناً مستقلاً، لا تابعاً لسلطة الأسرة أو العشيرة أو المجتمع، ولا كائناً تُحدَّد قيمته وفق مقدار امتثاله للتوقعات المفروضة عليه.
لقد أسهمت التحولات التشريعية الأخيرة، ولا سيما تعديل قانون الأحوال الشخصية وإقرار مدونة الأحكام الشرعية وفق المذهب الجعفري، في إعادة فتح النقاش حول موقع المرأة في المنظومة القانونية، وحدود المساواة بين المواطنين، ومدى قدرة التشريعات على حماية حقوق النساء والفتيات. ولم تكن الاعتراضات التي أطلقتها منظمات نسوية وحقوقية مجرد اعتراضات على نصوص قانونية، بل كانت تعبيراً عن مخاوف من أن تتحول الاختلافات الفقهية والاجتماعية إلى تفاوت في الحقوق والحماية القانونية.
فالقانون، في جوهر وجوده، يفترض أن يكون مظلة تحمي الإنسان، لا وسيلة لإعادة إنتاج التفاوت بين الرجل والمرأة. وحين يصبح الحق القانوني موضع جدل مرتبطاً بالمذهب أو التفسير الاجتماعي، تبرز أسئلة جوهرية حول معنى المواطنة والمساواة والعدالة.
لكن التضييق لا يأتي من التشريع وحده؛ فالمجتمع الذكوري، بما يحمله من أعراف عشائرية وتقاليد متوارثة، لا يزال يمارس سلطته على تفاصيل حياة المرأة، من اختيار الدراسة والعمل إلى الزواج والانفصال، وحتى أبسط مظاهر حضورها في الفضاء العام.
والأكثر إثارة للتأمل أن هذه السلطة لا تكتفي أحياناً بفرض القيود، بل تسعى إلى تحويلها إلى قناعات داخل المرأة نفسها، حتى تصبح مراقبة ذاتها امتداداً لرقابة المجتمع عليها. وهنا لا يعود القيد مجرد باب مغلق أمامها، بل يتحول إلى فكرة تسكن وعيها وتدفعها إلى الشك في حقها الطبيعي في الاختيار.
ولعل أكثر ما يكشف خطورة هذه المنظومة هو ما تعرضت له نساء عراقيات اخترن أن يرفعن أصواتهن في المجال العام، وأن يتجاوزن حدود الصمت المفروض عليهن. فقد دفعت ناشطات وحقوقيات ثمناً باهظاً لمواقفهن، ووصلت بعض الاعتداءات إلى الاغتيال، في مشهد لا يمكن فصله عن المناخ الذي يجعل التعبير عن الرأي والمطالبة بالحقوق محفوفين بالمخاطر.
ولا يمكن استحضار هذه الذاكرة من دون التوقف عند
اغتيال ينار محمد، الناشطة البارزة في مجال حقوق المرأة، في بغداد عام 2026، أعاد طرح السؤال المؤلم عن مصير النساء اللواتي يكرسن حياتهن للدفاع عن حرية غيرهن.
لكن المفارقة التي تستحق التأمل هي أن إسكات الأصوات لا يعني بالضرورة إسكات الأفكار. فقد تترك النساء اللواتي رحلن أثراً يتجاوز أعمارهن، وتتحول تضحياتهن إلى جزء من ذاكرة نسائية تتناقلها الأجيال. وربما لا نرى نتائج هذا الأثر بصورة فورية، لكننا نلمس ملامح وعي جديد يتشكل، ونساء أكثر استعداداً للتضامن مع بعضهن، والدفاع عن حقوقهن، ورفض الصمت.
إن الدماء التي سالت لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد أرقام في سجل الأحداث، بل إلى مسؤولية أخلاقية وقانونية تفرض على المجتمع والدولة مساءلة النفس، ومحاسبة الجناة، وحماية النساء من تكرار هذه الجرائم.
وعلى الرغم من هذا المناخ، فإن صورة المرأة العراقية لم تعد محصورة في موقع الضحية التي تنتظر الإنصاف. فقد فرضت الأزمات الاقتصادية والمعيشية واقعاً جديداً، وجعلت المرأة أكثر حضوراً في سوق العمل، سواء لتأمين معيشتها الخاصة، أو لمساندة أسرتها، أو للمشاركة في إعالة زوجها وأطفالها.
ومع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وتذبذب قيمة العملة، أصبحت مشاركة المرأة الاقتصادية ضرورة معيشية لكثير من العائلات، لكنها في الوقت نفسه تحولت إلى مساحة لإثبات الذات والاستقلال.
فالمرأة التي تخرج صباحاً إلى عملها، وتعود محملة بمسؤولياتها، لا تمارس مجرد نشاط اقتصادي؛ إنها تعيد تعريف موقعها داخل الأسرة والمجتمع. إنها تقول، من خلال حضورها اليومي، إن قدرتها على العمل والإنتاج ليست امتيازاً يمنحه لها أحد، بل حق لا يحتاج إلى وصاية.
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات المجتمع العراقي وضوحاً: قد يحتاج الرجل إلى دخل المرأة لمواجهة أعباء الحياة، لكنه قد يرفض في الوقت نفسه استقلالها المهني أو حضورها خارج المنزل. وقد يتقبل عملها حين يكون ضرورة للأسرة، ثم يعترض على ما يمنحها إياه ذلك العمل من استقلال وحرية في اتخاذ القرار.
فهل المشكلة في عمل المرأة حقاً، أم في النتائج التي قد تترتب على استقلالها؟
إن الاستقلال الاقتصادي لا يمنح المرأة دخلاً فحسب، بل يوسع قدرتها على اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتها، ويمنحها مساحة من الحماية أمام أشكال متعددة من التبعية. ولهذا فإن مقاومة عمل المرأة لا يمكن فصلها أحياناً عن مقاومة استقلالها.
وفي موازاة ذلك، برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة تستحق التوقف عندها في منصات التواصل الاجتماعي، تتمثل في الترويج لخطابات وكتب تُستحضر بعض نصوصها لتكريس تصورات دونية عن المرأة، وتقديمها بوصفها كائناً أدنى من الرجل، أو وجوداً لا تُفهم قيمته إلا من خلال علاقته به.
ومن الأمثلة المتداولة في هذا السياق عبارة تُنسب إلى الفيلسوف ملا صدرا، تتضمن تشبيهاً مهيناً للمرأة بالحيوان، والحديث عن إلباسها صورة الإنسان كي يتقبلها الرجل. وقد جرى تداول هذه العبارة في نقاشات إلكترونية بوصفها حجة ضد المرأة، بصرف النظر عن ضرورة التحقق من سياق النص الأصلي ودقة نسبته.
والمشكلة هنا لا تتعلق بقراءة التراث الفلسفي أو الديني، ولا بحق الإنسان في دراسة النصوص القديمة ومناقشتها، بل بالطريقة التي تتحول بها بعض العبارات إلى أدوات لتغذية الاحتقار والتمييز، وكأن مكانة المرأة الإنسانية قضية قابلة للتفاوض أو تحتاج إلى إثبات أمام الرجل.
فليس من المعقول أن تُختزل المرأة في جسدها، أو أن يُختصر وجودها في وظيفة الزواج والإنجاب، أو أن تصبح قدرتها العقلية والإنسانية موضع تشكيك لمجرد اختلافها البيولوجي عن الرجل.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض هذه الخطابات لا تكتفي بتقديم رأي فكري، بل تسعى إلى تحويله إلى تصور اجتماعي يحدد ما ينبغي للمرأة أن تفعله وما ينبغي أن تمتنع عنه: لا تعمل، لا تخرج، لا تختار، ولا تمارس حياتها الطبيعية إلا ضمن الحدود التي يرسمها الآخرون.
وهنا نكون أمام محاولة لإعادة المرأة إلى المربع الأول، لكن بأدوات مختلفة؛ فبعد أن كانت القيود تُفرض بالعادات والأعراف، أصبح بعضها يُسوَّق بلغة دينية أو فلسفية، ويُعاد نشره عبر منصات التواصل حتى يبدو وكأنه حقيقة لا تقبل النقاش.
إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس ما إذا كان المجتمع يسمح للمرأة بالعمل أو الخروج أو اختيار شريك حياتها، بل لماذا يحتاج حقها في هذه الأمور إلى موافقة المجتمع أصلاً؟
لماذا يُنظر إلى استقلال المرأة بوصفه تمرداً، بينما يُنظر إلى استقلال الرجل باعتباره نضجاً وشخصية؟
ولماذا يتحول خروجها عن المألوف إلى قضية عامة تستدعي المحاكمة الاجتماعية، في حين لا يخضع الرجل للمعايير نفسها بالدرجة ذاتها؟
إن المشكلة الأعمق تكمن في ازدواجية المعايير؛ فالمرأة مطالبة بأن تثبت أخلاقها في كل خطوة، وأن تبرر خياراتها باستمرار، وأن تحمل مسؤولية صورتها أمام المجتمع، بينما لا يُطلب من الرجل دائماً أن يخضع للمساءلة نفسها.
ولا يعني الدفاع عن حقوق المرأة إلغاء خصوصية المجتمع أو مصادرة حق الأفراد في الاحتفاظ بمعتقداتهم وقيمهم، لكنه يعني أن تتحول هذه القيم إلى اختيارات شخصية لا إلى أدوات لإجبار الآخرين على العيش وفقها.
فالإيمان لا يكتسب قيمته بالإكراه، والأخلاق لا تُقاس بمقدار السيطرة على الآخرين، والفضيلة لا تتحقق حين يُسلب الإنسان حقه في الاختيار.
قد ينجح المجتمع في تأخير خطوات المرأة، وقد تنجح بعض التشريعات في تضييق مساحات من حقوقها، وقد تنجح التهديدات في إسكات أصوات لفترة، لكن ذلك لا يعني أن الوعي الذي بدأ يتشكل يمكن محوه بسهولة.
فالمرأة العراقية التي تعمل وتتعلم وتكتب وتناقش وتحتج وتطالب بحقوقها ليست ظاهرة طارئة في المجتمع، بل هي جزء أصيل منه، أسهمت في بنائه وتحملت أزماته، ودفعت أثمان الحروب والفقر والاضطرابات مثلما دفعها الرجل، وربما أكثر في بعض الظروف.
إنها لا تطالب بامتيازات إضافية، ولا تسعى إلى انتزاع مكانة الرجل أو الانتقاص منه، بل تطالب بألا تكون إنسانيتها وحقوقها رهينة لتصوراته أو مخاوفه أو سلطته الاجتماعية.
وإذا كان المجتمع يمر اليوم بصراع بين محاولات إعادة إنتاج الوصاية ومحاولات التحرر منها، فإن السؤال الحقيقي يتعلق بمستقبل هذا المجتمع نفسه: هل يستطيع أن يتقدم وهو يضع نصف أفراده تحت سلطة القيود؟
#اسيل_عبدالامير_خضير (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟